الاثنين، 25 أبريل، 2011

العقوبات البدنيّة

العقوبات البدنيّة
بقلم : المحامية /Najlaa El Khalifa (Lawyer)
 

ديسمبر 31, 2010,

العقوبات البدنيّة

شريط الفيديو الذي يظهر الجلد العلني لامرأة على أيدي اثنين من الشرطة في أم درمان يمثل عنصر تنبيه حي لممارسة العقوبات البدنية في السودان. ومع كل ما تحدثه مشاهدة الفيديو من ألم فإن ظهوره يمثل تطوّراً هاماً يسلط الضوء الشديد على وضع تملك فيه الشرطة في ما يبدو سلطات واسعة وتعسفيّة لإنزال العقاب والإهانة على المئات إن لم يكن الآلاف من النساء والرجال كل عام (لا توجد بيانات دقيقة حول حجم الجلد لكن الأدلة التي تروى توحي بأنها ممارسة معتادة). إن التشريعات التي تجاز وفرضها بشكل روتيني في عدد واسع من الجرائم ذات الصلة بـ (النظام العام) وتنفيذها التعسفي ظلت تثير المخاوف منذ فترة طويلة. ويقدم الفيديو كل هذه المخاوف في كبسولة مركزة؛ وقد حرّك احتجاجات في شوارع الخرطوم وغيرها. وانضمت المنظمات الشريكة في مشروع إصلاح القانون الجنائي في السودان إلى الدعوات الهادفة لإنهاء العقوبات البدنية ، والتي حددها المشروع كواحدة من الجوانب التي تحتاج للإصلاح. والعقوبات البدنية تتعارض مع المادة 27(3) من وثيقة الحقوق السودانيّة كما تتعرض مع المعايير الدولية الملزمة للسودان. وبالطبع هناك اتجاه متنامي لإلغاء هذا النوع من العقوبة في أفريقيا وغيرها. ومن الأمور الهامة أن السودان نفسه قد حرّم العقوبات البدنية على الأطفال في المدارس كعقوبة لجرائم في قانونه الخاص بالطفل الذي صدر مؤخراً.، لكنه لم يتخذ بعد الخطوة التالية بتوسيع هذا الحظر ليشمل العقوبات القضائية بالنسبة للبالغين.

بعد الاحتجاجات العامة والإدانة للجلد ذٌكر أن الرئيس البشير دافع عن الجلد وأدلى بملاحظات بأن السودان سيحكم بشكل كامل بقوانين الشريعة الإسلامية إذا صار الجنوب مستقلاً. إن هذا التصريح يثير المخاوف لأنّه إشارات من هذا النوع ظلّت تستخدم في أوقات عديدة في تاريخ السودان لتبرير فرض عقوبات بدنية متشددة كوسيلة للقمع. وهي مضرة بشكل خاص بأولئك الذين يصطدمون بتصورات الآداب العامة وبالتالي فإنهم يكونون الأكثر عرضة للجلد. وهذه التطورات تعكس مخاوف أوسع حول ما إذا كان سيتم الالتزام بحماية حقوق الإنسان التي توفرها وثيقة الحقوق في الترتيبات الدستورية المستقبلية وفي الممارسة، وهي الوثيقة التي تتضمن احترام السودان لالتزاماته الدوليّة.

ظلّت هيئات اتفاقيات حقوق الإنسان تسلط الضوء بشكل متكرّر على عدم مواءمة العقوبات البدنية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وتدعو السودان لإلغائها. وقد أصدرت مفوضية الاتحاد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب سلفاً حكماً في قضية تتعلق بجلد طلاب في الخرطوم بموجب المادة 152 من القانون الجنائي لعام 1991. ففي قضية كورتيس ضد السودان (360/00) قضت المفوضية عام 2003 بأنه" ليس هناك حق للأفراد وبشكل خاص لحكومة بلد أن تطبق عنفاً جسديّاً على فرد في جرائم. وقد يرقى مثل هذا الحق لمستوى معاقبة الدولة التي تمول التعذيب بموجب الميثاق(الإفريقي)، ويتعارض مع طبيعة هذه الاتفاقية الخاصة بحقوق الإنسان نفسها." وبعد أن وجدت المفوضية أن هناك انتهاكاً للمادة 5 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (حظر التعذيب) طلبت من" حكومة السودان أن : تعدل فوراً القانون الجنائي لعام 1991 ليتسق مع التزاماتها بموجب الميثاق الإفريقي وغيره من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة، وإلغاء عقوبة الجلد، واتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان تقديم تعويضات للضحايا."

عبرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في ملاحظاتها الختامية حول تقرير دولة السودان الطرف بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، عن قلقها عام 2007 تجاه" سلم القيم المطبق في ما يتعلق بالعقوبات في تشريعات الدولة الطرف. وتعتبر أن العقوبات البدنية، بما في ذلك الجلد وقطع الأطراف ممارسة غير إنسانية ومهينة." وبالتالي فإن اللجنة أوصت بأنه" يجب على الدولة الطرف أن تلغي كل أشكال العقاب التي تخالف المادة 7 والمادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية." وقد رفض السودان هذه التوصية في رده على لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2009 بـ " أنه (السودان) يرى أن عقوبة الجلد، والتي تنفذ بشرط ألا تتسبب في الم فظيع أو تترك أي علامة ، وألا تتم إلا بعد استشارة طبيب، تعتبر خياراً أفضل من العقوبة البديلة، عقوبة السجن تحديداً، والتي لها تبعات اجتماعية وتهدر فرص التوظيف. وفوق ذلك فإن عقوبة الجلد لا تنفّذ علناً."

يظهر شريط الفيديو التحديات المستقبلية التي ستعقب الاستفتاء ونهاية المرحلة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل في منتصف 2011. إن اتفاقية السلام الشامل، وبكل أشكال القصور الواضحة فيها، قدمت إطاراً هاماً يكمن فيه التعبير عن المخاوف الخاصة بحقوق الإنسان . وسيحتاج المجتمع المدني في الشمال والمجتمعات المحلية التي تطالب بحقوق متساوية والقوى السياسية المنفتحة نحو الإصلاح أن تبني على التقدم الذي تحقق في ظل ظروف سياسية صعبة. والتحدي المباشر الذي يطرحه الاستفتاء من منظور حقوق الإنسان هو منع العنف وحماية حقوق المواطنة بالنسبة للجنوبيين الذين يعيشون في الشمال. وفي حالة النتيجة المتوقعة بالتصويت لصالح الاستقلال فإن الجنوب سيواجه بمهمة في غاية الصعوبة ببناء أمة ودولة قادرة على أداء مهامها تكون حقوق الإنسان مصانة فيها. وسيكون الإصلاح القانوني والدستوري ، بما في ذلك المراجعة الدستورية المتوقعة، هاماً في هذا المضمار بشكل خاص.

أيّاً كانت المحصلة النهائية، فإن الاستفتاء يمثل حدثاً ذا أهمية كبيرة للسودان وللمنطقة. كما أنه يعتبر، في حد ذاته ، تمريناً هاماً في مجال حقوق الإنسان: الحق الجماعي في تقرير المصير. وهذا التمرين والتحديات العديدة التي ستليه تحتاج لمساندة قوية وحاسمة من الكيانات الوطنية والاقليمية والدولية تستند إلى معايير واضحة لحقوق الإنسان وتأخذ في الاعتبار تنوع الأصوات السودانية. ويلعب الاتحاد الإفريقي على وجه الخصوص دوراً حاسماً عند الانخراط في هذه العملية. وهذا يشمل الحاجة إلى العمل نحو تنفيذ توصيات لجنة الاتحاد الإفريقي العليا حول دارفور ولكفالة احترام الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وغيره من الصكوك ذات الصلة في كل أجزاء سودان (سودانات) المستقبل.

برنامج إصلاح التشريعات الجنائية-السودان ريدرس

حتى لا تصبح الثقافة الجماهيرية مرتعا للمد السلفى

حتى لا تصبح الثقافة الجماهيرية مرتعا للمد السلفى

بقلم : محمد رفاعى

24 أبريل 2011

تنشط الجماعات الإسلامية بجميع فصائلها وأطيافها للسيطرة على الشارع المصرى ، مستغلة الدين وبساطة المصريين المدينين بالفطرة . عبر منابر عديدة مسيطرين عليها مثل المساجد والجمعيات الأهلية ، التى تنشط فيها هذه الجماعات نشاطاً غير عادى ، علنياً وسرياً فى الندوات والدروس الدينية وتحفيظ القرآن لجميع الأعمار ، رجالا ونساء ، إلى جانب تقديم خدمات نجحوا فى ترويجها والدعاية لها . وفى ظل مناخ الحرية الذى تعيشه مصر ، من الطبيعى أن يكون للجميع نشاط وفاعلية دون أن يحتكر أحد أو يُستغل الأغلبية الصامتة والاستحواذ عليهم ، ولكن هؤلاء البسطاء يتحدثون أحيانا كما يتحدث المتشددون ، ليس فقط تحريم التماثيل بل يسفهون مجمل الفنون ومبدعوها .. وكأننا نؤذن فى مالطة ، حين نقول : إن الحضارة الإسلامية قامت من أجل إرساء روح العمل والحرية وإشاعة كل أشكال الجمال ، لم يعد الخوف من عودة عبادة الأصنام قائماً ، وأن هناك فتاوى من الأئمة أجازت إبداع التماثيل .

لكن عمليات غسيل المخ والغزو الثقافى السلفى تمت فى مصر على نطاق واسع بين البسطاء ، وضد كل القيم وأسس دعائم الحضارة والإنسانية ، ومؤسف حقا أن عمليات الفرز تمت كما تمت فى عهد الرئيس المخلوع بشكل معلن وصريح ، بمعنى من ليس معى فهو ضدى يجب إقصاؤه وإهالة التراب عليه ، وإزاحته من المشهد حلبة الصراع .

رحل الحزب الوطنى وطائفة المنتفعين الذين لا يعرفون ولاء لعقيدة وطنية إلا منافعهم الشخصية ، وحل فريق مشابه لهم بجميع أشكاله وأطيافه . هذا الزحف المنظم الجارف لا يوقفه إلا أصحاب الضمائر اليقظة ، والأقلام الشريفة ، والعقول المنفتحة يجب عليهم حمل مشعل التنوير المبنى على أسس وطنية ، إن منابر هؤلاء الرسمية على ما أعتقد هى جمعيات المجتمع المدنى ، وتلعب الثقافة الجماهيرية دورا أساسيا ومحوريا فى هذه اللحظة . وهى المخولة بنشر الفنون الرفيعة وتقديمها إلى القاعدة العريضة فى الأقاليم ، هى التى تكتشف وترعى وتدعم الطاقات الإبداعية ، ولكن هل تستطيع قصور الثقافة صد هذا الطوفان الكاسح المنظم ؟ . الإجابة بصدق وبساطة (لا) . والسبب أن الثقافة الجماهيرية كانت طوال سنوات بمثابة حديقة خلفية للحزب الوطنى ، وإحدى وسائله لبخ سمومه وأفكاره الزائفة عن الوطنية والإصلاح السياسى والاقتصادى ، فى الوقت نفسه الذى نعانى فيه الكثير من قصور الثقافة من الإهمال ، أقول بكل أسف ، من خلال تعرفى على عشرات المواقع فى الأقاليم ، لم ألمس فى القائمين على المواقع الثقافية أنهم يعرفون طبيعة عملهم ومهمتهم الأساسية . وهو أمر يدعو للخوف والخجل ، أن يطلق عليهم (مثقفين) وهم لا يملكون الرؤية ولا الأفكار والمواقف والمشاريع والروح التى تمكنهم من صد هذه الهجمة من جماعات تؤمن إيمانا راسخا ولا تقبل الشك فيما يؤمنون به ، ويسعون جاهدين لنشر أفكارهم بكافة السبل .

العديد ممن قابلتهم فى الأقاليم وممن يطلقون عليهم ( كوادر ) ، يحرمون جميع الفنون ، بدلا من رعايتها يقومون بإتلاف اللوحات أو تخزينها بطريقة تتلفها ، ويعادون المسرح ، بل لا يدخلونه أثناء العروض والبروفات ، ويبذلون ما وسعهم من جهد لوقف أى محاولات للعمل على (تطفيش) الرواد ممن يترددون على المسرح أو الفنون الشعبية . وهذا الوضع خلفه النظام السابق ورعاه وتركه ينتشر فى كيان هذا الوطن . المطلوب الآن من الثقافة الجماهيرية تنقية مواقعها الثقافية من مثل هذه الكوادر الكارهة للفن والثقافة حتى لا تتحول مواقعنا الثقافية من تفريخ للمبدعين إلى تفريخ للمتطرفين وتصبح مرتعا للمد السلفى . 

السبت، 23 أبريل، 2011

قصة قاعدة التمثال فى ميدان التحرير

أزمنة وأمكنة

ميدان التحرير، أكبر ميادين مدينة القاهرة في مصر، سمي في بداية إنشائه باسم ميدان الإسماعيلية، نسبة للخديوي إسماعيل، ثم تغير الاسم إلى "ميدان التحرير"؛ نسبة إلى التحرر من الاستعمار في ثورة 1919 ثم ترسخ الاسم رسميا في ثورة 23 يوليو عام 1952. يحاكي الميدان في تصميمه ميدان شارل ديجول الذي يحوي قوس النصر في العاصمة الفرنسية باريس.شارل ديجول الذي يحوي قوس النصر في العاصمة الفرنسية باريس.

رمز ميدان التحرير إلى حرية الشعوب وصمودها حين شهد عدة مواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية منها أحداث ثورة الخبز في 18 و 19 من يناير عام 1977، ومنها المظاهرات المناهضة للاحتلال الأمريكى للعراق مارس 2003 ، وأيضا ثورة 25 يناير عام 2011، وانتهت تلك الثورة إلى إسقاط النظام الحاكم للرئيس محمد حسنى مبارك، والذي أصبح رمزا للمتظاهرين وصمودهم وحريتهم.

فى هذه الصورة أحد ملامح ميدان التحرير التى لم يشاهدها أحد من مئات الآلاف من المصريين الذين احتشدوا فيه ، واعتصموا به منذ 25 يناير 2011 ، وأمضى بعضهم ثمانى عشرة ليلة فى أنحائه ، بل لعل معظمهم قد ولد بعد أن اختفى ، فى بداية الثمانينات ، ضمن ملامح أخرى من الميدان العتيد !

والصورة لقاعدة أقيمت فى بداية خمسينات القرن الماضى ، ليعتليها تمثال للخديو إسماعيل ، ضمن مشروع تحمس له الملك فاروق آنذاك للربط بين ميدان التحرير - الذى كان يعرف آنذاك بميدان الإسماعيلية - وميدان عابدين - حيث يوجد قصر عابدين المقر الرسمى للملك - من خلال توسيع الشارع الذى يربط بينها ، وإقامة تمثال لوالده الملك فؤاد فى ميدان عابدين ، وتمثال لجده الخديو إسماعيل ، فى ميدان الإسماعيلية ، وبذلك يتم الربط بين الماضى والحاضر ، والخديو إسماعيل هو الذى أنشأ ميدان الإسماعيلية ، وبنى قصر عابدين وابنه الملك فؤاد هو الذى أعاد تجديد كوبرى قصر النيل ، وتم فى عهده تسوير قصر عابدين وهو ما يتيح للملك فاروق أن يطل على والده وجده .. وأن يذكر المصريين بما أدياه للوطن .

ومع أن تمثال فؤاد كان قد أقيم بالفعل ، ونصب فى ميدان عابدين ، وأحيط بسواتر من الخيش ، انتظاراً للانتهاء من نصب تمثال الخديو إسماعيل على القاعدة المخصصة له فى ميدان الإسماعيلية ، إلا أن الأوضاع السياسية ما لبثت أن تغيرت فقامت ثورة 23 يوليو 1952 ، ليتوقف المشروعان ، وبعد شهور من قيامها ، أزيل تمثال الملك فؤاد من ميدان عابدين ، الذى اتخذ منه قادة الثورة مساحة لإلقاء خطبهم ، بينما ظلت قاعدة تمثال الخديو إسماعيل مكانها ورؤى الاحتفاظ بها ، واتخذت لسنوات طويلة مكاناً لإضاءة شعلة التحرير التى كانت تصل من أسوان إلى القاهرة ، فى أعياد الثورة من كل عام .. وقيل أن الرئيس عبد الناصر يحتفظ بها لإقامة تمثال له وهو الاقتراح الذى تبناه الكاتب الكبير الراحل توفيق الحكيم بعد رحيله ، ولكن خلفه أنور السادات ، لم يأخذ به وأصم أذنيه عن إقامة تمثال عبد الناصر ، وقيل أنه احتفظ بالقاعدة لكى تكون قاعدة تمثال له ، وهو ما طالب به بالفعل المتحمسون له من أركان دولته بعد رحيله ، لكن محافظة القاهرة اكتفت بإطلاق اسمه على الميدان ، الذى لا يزال اسمه هو ميدان أنور السادات - التحرير سابقا .. اللافت في هذا السياق أن المصريين لا يعترفون بالاسم المباركي لهذا الميدان وهو "ميدان أنور السادات" وهي التسمية التي اعتمدت لمحطة قطارات مترو الأنفاق بالمنطقة , حيث ظل الناس يطلقون عليه اسم ميدان التحرير وظل محتفظاً باسمه وسيبقى. وما كاد مشروع مترو الأنفاق يبدأ ، حتى تطلب الأمر هدم القاعدة ، ليختفى الجدل حول إعادة إقامتها والبحث عن صاحب التمثال الذى يعتليها .

إنه الإنسان الذى لم يسمى كذلك إلا لنسيه !   






الرجعية العربية وشغل الثلاث ورقات

الرجعية العربية وشغل الثلاث ورقات

بقلم : إبراهيم الدسوقى

معظم الأنظمة العربية فى حقيقة أمرها أنظمة ديكتاتورية ، ونتحدى أن يقول نظام منها عن نفسه أنه جاء بناء على رغبة شعبه . خصوصا الممالك الخليجية ومحور الاعتلال العربى ( مصر ، السعودية ، الأردن ، السلطة الفلسطينية ، المغرب ، اليمن ) .

المهم أن هذه الأنظمة الديكتاتورية تعمل لخدمة أهداف العدو الأول للشعب العربى وهو إسرائيل وأمريكا وكل المجتمع الغربى أو المجتمع الأول الذى يريد أن يبنى نفسه على ثروات وقدرات الشعوب العربية الكبيرة التى حباها الله بها من المحيط للخليج وبالتالى فلابد لها من وجود أنظمة عميلة تعمل على تنفيذ أجندتها فى تفرقة الشعب العربى من المحيط للخليج وإعاشته على قلاقل ومؤامرات . والأغرب أن وسيلة أمريكا وإسرائيل فى هذا العمل هى وجود أذرع لها فى المنطقة العربية وهنا تبرز فى الخط عدة دول عربية نشأتها أصلا نشأة مريبة .

هناك نقطة مهمة مارسها اليهود علينا منذ أكثر من مائة عام وبداية من مؤتمر هرتزل حيث اجتمع زعماء اليهود وقرروا إنشاء دولة إسرائيل ، وتحركت عجلة الدهاء اليهودى لكى تعد لإقامة الدولة ، وشمل الإعداد عدة مستويات : تجهيز بشر لإقامة الدولة ، تجهيز أرض لإقامة الدولة ، تجهيز مال لإقامة الدولة ، تجهيز قوى مساندة لإقامة الدولة ، تجهيز عناصر دعم لإقامة الدولة ، وبعد ذلك تقام الدولة وبالفعل بدأ الصهاينة يقومون بتجهيز البشر من خلال اللعب على وتيرة أرض الميعاد والمال لا ينقصهم والأرض سهلة فهناك منطقة يسكنها بعض العرب الرعاة وهناك سند دينى صحيح أنه مكذوب ولكن يمكن اللعب على أوتاره وتزوير التاريخ لعبة اليهود ثم يأتى دور الدول المساندة وهنا كان هناك ملعبان للدول المساندة الملعب الأول رجل نفسه يكون دولة له ولديه بعض الميليشيات اسمه حسين وكان يقول عن نفسه الشريف حسين (الجد الأعلى لملوك الأردن .. وكان له وولده فيصل وأحفاده دور خطير فى سلخ الجزيرة العربية والشام من الدولة العثمانية وتسليمها للفرنسيين والإنجليز فى الحرب العالمية الأولى .. وقد أساءوا للقومية العربية التى رفعوا علمها) .

ثم يأتى القطاع الجنوبى من إسرائيل حيث تحكم أسرة آل سعود (ورثة الشريف حسين بعد هزيمته على أيديهم وتخلى بريطانيا عنه وتسليمها الجزيرة العربية لآل سعود ليكونوا فيها دولتهم الثالثة بعد قضاء محمد على وولده إبراهيم باشا على دولتهم الأولى وآل الرشيد على دولتهم الثانية وكل دولهم الثلاث كانت بتحالف بينهم وبين الوهابيين الظلاميين ) ، الدور السعودى امتد على مدار سنوات وسنوات فى تركيع الدول العربية المناضلة والعمل على تدميرها وتدمير أى اتجاه عروبى فى المنطقة بدءا من محاربة جمال عبد الناصر وفصم الوحدة المصرية السورية وكذلك محاربة ثورة اليمن وإضافة لذلك التدخل فى الشئون الداخلية للعديد من الدول العربية والعمل على تدمير قدرات الشعوب العربية المعادية لإسرائيل والعمل كذلك على تقريب وجهات النظر بين العرب وإسرائيل وتوسيع مفهوم الاستسلام تحت مسمى السلام من خلال محطاتها الفضائية التى تملكها الأسرة السعودية ، وليس الأمر مرتبطا بذلك بل بتدبير المؤامرات للعديد من الدول خصوصا الممانعة مثل إيران وسوريا وليبيا واستعمال سلاح المؤسسة الدينية الوهابية (السلفية) وفروعها (وجناحها الإخوانى) بالعالم العربى والإسلامى وحتى الدول المستسلمة تماما للأجندة الإسرائيلية مثل مصر ، ومحاولة تدميرها من الداخل تنفيذا لهذه الأجندة والعمل على منافسة إسرائيل فى القيام بدور شرطة المنطقة التى تهاجم التيار الناصرى واليسارى والتيار البعثى وتيار القذافى والتيار العلمانى والليبرالى والتيار الدينى المستنير فى إيران ( من دلائل استنارته تحريمه النقاب واحترامه للفنون والسينما وتصويره للأنبياء فى مسلسلاته وأخذه بسبل العلم والتقدم مثل الطاقة النووية) والتيارات القومية والمثقفة ( والمبدعون أمثال نزار قبانى الذين فضحوا الوهابية والسعودية ) التى تهاجم كل الأنظمة الرجعية فى الوطن العربى وأيضا الهجوم على كل الأنظمة التى لا تؤمن بالمنهج السلفى الوهابى ولو أدى الأمر لتكفيرها وإدخالها نيران الوهابية الجديدة التى اخترعها محمد بن عبد الوهاب ومن بعده ابن باز وابن جبرين وابن العثيمين والعودة والعريفى واللحيدان وآل الشيخ ، وفرعها الإخوانى القرضاوى والقطبى والبناوى والعاكفى وأحمد منصور وصفوت حجازى ووجدى غنيم ومحمد البلتاجى ولا ندرى من القادم ، المهم أنه سيدخل النار لمجرد عصيان الأمر السعودى .

السعودية الآن تقوم بتنفيذ أجندة فى منتهى الخطورة وإن نجحت فسوف تثبت أقدامها كشرطى المنطقة وتدمير النظام السورى والمساهمة فى سرعة سقوطه ومثلما حاولت أن تستحوذ على الثورة المصرية والتونسية والليبية واليمنية ، واستحوذت على لبنان من خلال تيار سعد الحريرى ، حاولت أن تستحوذ الآن على سوريا مثلما كشفت التقارير .. فهل ستنجح زعيمة الرجعية العربية فى تدمير الوطن العربى هى ومجلس تآمرها القطرى الكويتى الخليجى ؟ .. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام .

قال حاييم وايزمان أول رئيس للكيان الصهيونى فى مذكراته : إنشاء الكيان السعودى هو مشروع بريطانيا الأول ... والمشروع الثانى من بعده إنشاء الكيان الصهيونى بواسطته .

الجمعة، 22 أبريل، 2011

من أزهق الروح لا يطالب باستعادتها

من أزهق الروح لا يطالب باستعادتها

بقلم : فتحى دياب

11 أبريل 2011

من أزهق الروح لا يطالب باستعادتها ..

يصيبنى العجب كثيرا وأنا أرقب ما يصدر عن بعض مفكرينا من مواقف وأقوال تتبدل من يوم لآخر ، حسب ما تقتضيه المصالح المتغيرة لاتجاه يناصرونه ، وكأن الموقف الفكرى لا يقتضى بالضرورة ، إن كان فكريا حقا ، أن يتسم بقدر معقول من الثبات ، وإلا أصبحنا أمام منعرجات زلجة ومماحكات لزجة تستعصى على التقييم أو التحاور .

والحق أن ما أدهشنى خلال الأسبوع الفائت ، مقال لواحد من مفكرينا المرموقين ( المتأسلم فهمى هويدى ابن أحد مؤسسى جماعة الإخوان عبد الرازق هويدى .. وهو مقال فى جريدة الشروق بتاريخ 29 مارس 2011 بعنوان : دعوة لاستعادة روح الثورة ) أبدى فيه تخوفه البالغ من الانقسام الذى ضرب الإجماع الوطنى فى مقتل قبل الاستفتاء وأثناءه وبعده ، داعيا إلى استعادة روح الثورة ومستخفا على نحو لا يصح عقلا ، باصطفاف واضح لأطياف متنوعة تمثل فى مجموعها تيارا ينحاز إليه ، ذلك الاصطفاف الذى ضلل كثيرا من الناخبين عن حقيقة ما هم ذاهبون لإبداء الرأى فيه ، فيتحول الأمر - بنسبة كبيرة - إلى استفتاء حول الانتماء الدينى من عدمه ، وليس على مسارين مختلفين نحو المستقبل .. مسار يؤدى إلى انفراد فصيل يتحالف ضمنا مع بقايا ماض بغيض ، ليستأثرا معا ، ووحدهما ، بوضع الدستور الجديد للبلاد ، وفق رؤاهما ومصالحهما ، ودون مشاركة تذكر لكافة أطياف الإجماع الوطنى الذى يتباكى عليه الآن مفكرنا المرموق ، وهو مسار ترسمه بدهاء المادة (189) وتعديلاتها .. بينما المسار الآخر يهيئ الفرص المتكافئة لكل التيارات والقوى الوطنية للمشاركة فى إعداد دستور يتوافق عليه الجميع وينطلق بنا إلى غد متقدم ، لا أن يقيدنا بماض متحجر ، كما أنه يكفل انتقالا أسرع وأقل كلفة إلى الحكم المدنى ، بعكس ما أشاع المتحالفان اللدودان !

ألم يكن ذلك هو الجوهر الحقيقى لغزوة الاستفتاء ؟ ألم يوظف الوازع الدينى للتضليل والحديث عن تعديل غير مطروح أصلا فى الاستفتاء حول المادة الثانية من الدستور الساقط ؟ ألم يتم الحشد والتعبئة فى المدن والقرى والكفور والشوارع والحوارى والأزقة ووسائل النقل العامة والمساجد والزوايا ومحطات التلفزة وصفحات الجرائد ، بالخطب واللافتات والمنشورات . وبالتوجيه المباشر خارج وداخل لجان الاستفتاء ؟ ألم تستخدم معايير الحلال والحرام والإيمان والكفر والجنة والنار فى تلك الغزوة الهزلية ، وفى استعراض عبثى للقوة ؟! .. ألم يتهم مفكرنا المرموق علنا ، وقبيل الاستفتاء ، من خالفوه الرأى من فريق ( لا ) بأنهم يخافون من الديمقراطية وأنهم يخضعون لأجندات أجنبية ؟! أليس فريق ( لا ) هو من يطالبه الآن بأن يستعيد معه روح الثورة ؟ فهل كان من روح الثورة ودرء الانقسام ، أن يخرج فصيل واحد ، وعند أول فرصة سانحة ، لكى يقوم بكل ما رأيناه من حشد وتعبئة ضد شركائه ، ثم بعد أن تنجح ( الغزوة ) يعود إليهم متباكيا ومطالبا بالاصطفاف مرة أخرى انتظاراً لفرص أخرى ؟! .. ألا يعد من قبيل السلوك الانتهازى الممجوج ؟ ألا يعد استخفافا بالعقول وبأقدار الناس ؟ .. أليس فى دفاع مفكرنا المرموق وتبريره المتساهل بأن ذلك الرجل إنما كان يمزح أمام أتباعه فى المسجد ، افتئاتا على حواسنا ومداركنا ؟ ألم يشهد مثلنا جحافل قرنائه وهم يطرحون ذات المقولات ؟ وما هى تلك الأسس والمرتكزات التى يرى مفكرنا أنها تشكل إجماعا وطنيا ؟ وهل من بينها قيام جمعية دينية بإنشاء حزب سياسى ليدخل فى اللعبة الديمقراطية ثم يتلقى منها التعليمات والتوجيهات على أساس الالتزام بالطاعة ؟ وأين هى الفواصل والكوابح التى تحول دون خلط ما هو دينى بما هو سياسى ، وخصوصا وأننا قد خبرنا ذلك جيدا خلال غزوة الاستفتاء ؟

وأما عن شركاء ( الغزوة ) من فلول الفساد والإفساد ، فقد رفعوا شعارا يقول بأن ( نعم ) تعنى عودة الاستقرار والأمن ، وأن ( لا ) تعنى الفوضى ، وللأسف فإن الكثيرين قد صدقوا تلك الأضلولة ، مع أن استفاقة الجهاز الأمنى من غيبوبته وربما من تمرده ، هى التى ستحقق الأمن ، وأن تلك الاستفاقة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بكلمتى : نعم ، ولا .

ولعل من الدروس المستفادة من تلك الغزوة ، أن القوى الديمقراطية انجرفت لذلك السجال المغلوط الذى فرضه المتحالفان ضمنا ، ولم تستطع أن تبرز حقيقة التناقض بين المسارين ولا الفارق الجوهرى بينهما فى تحديد صورة مصر المستقبل ، فأعطتهما الفرصة للتشويش على نسبة لا يستهان بها ممن ليسوا من المنتمين لهذين المتحالفين ، فصوتوا بـ ( نعم ) دون أن يتبينوا أن هاجس الاستقرار وهبة التدين ليسا مربط الفرس . وهنا أذكر أن حوارا دار بينى وبين واحد من معارفى الطيبين ممن صوتوا بنعم سألته خلاله عن أسباب تصويته فقال : عشان نحمى الإسلام ونرجع الاستقرار . ولما بينت له الغرض الحقيقى من ذلك الاستفتاء توقف مندهشا وقال : بس همه قالوا لى على حاجة غير كده خالص . وحين سألته من هم أولئك الذين قالوا ، أجاب : شيخ الجامع وجارنا الملتحى وواحد من الحزب الوطنى بس سقطوه فى الانتخابات اللى فاتت !

وهذا مثل من أمثلة كثيرة على توجيه جرى تارة باسم الدين وتارة تحت دعاوى الاستقرار . ولا يعنى ذلك بالطبع أن كل من صوتوا بـ ( نعم ) لم يصوتوا عن قناعة وأن ذلك كان خيارهم الفعلى ، لكن السؤال هنا عن نسبتهم الحقيقية داخل الـ (77%) . وبتقدير العديد من الباحثين ، فإن نسبة من جرى التشويش عليهم تتراوح بين (30-40%) وهى نسبة كبيرة رجحت الكفة وجعلت الفارق يبدو شاسعا إلى هذا الحد الغريب .

وهكذا رأينا مع أول فرصة حقيقية للممارسة الديمقراطية ، كيف جرى تزييف الوعى وتغييب الإرادة وتغليب الوسائل على الغايات ، بفعل من يدعونا المفكر المرموق إلى الالتحام معهم فى إجماع وطنى هش يتيح لأى طرف من أطرافه أن يفارق الصف فجأة مهرولا لاستلاب مغانم غير ثمينة ، وبطرق ربما لا تحوز مكانة فى باب الفضائل .

والآن .. وبعد أن أصدر المجلس الأعلى إعلانا دستوريا يلغى دستور 1971 ويضمن بين مواده ، المواد التى تم تعديلها فى الدستور الساقط بعد أن جرى تحصينها باستفتاء يلتبس علينا فهم مراميه أو المغزى من تنظيمه .. أتوجه إلى غالبية من قالوا نعم للتعديلات وإعادة العمل بالدستور القديم ( وذلك هو ما كان مطروحا يوم الاستفتاء ) : هل وعيتم الدرس ؟ وهل لمستم تحسنا ولو ضئيلا بالاستقرار بعد ما يزيد على أسبوعين من الاستفتاء ؟ وهل عليكم بعد الآن ألا تسلموا عقولكم لأحد مهما تسربل بأزياء الكهنوت أو القداسة ؟ وأن تتبينوا الرشد من الغى ؟ وأن تعلموا بأن توابع تلك الغزوة توشك أن تحدث خطرا بليغا بالوطن ووحدة شعبه وأرضه ؟ وأنه من قبيل الفتنة العظمى أن تتحزب الطوائف لأديانها ومشايخها وقساوستها فى أمر سياسى ودنيوى ؟ ثم ماذا عن ذلك الاعتداء المخزى من قبل بعض البلطجية على أحد المترشحين للرئاسة ( البرادعى ) بتدبير من حلفاء اليوم غرماء الأمس (الوطنى والإخوان والسلفيون) ؟ ألا يمثل كل ذلك ( بروفة ) محزنة لما يمكن أن تسير عليه الامور فى انتخابات سوف نساق إليها بعد عدة أشهر ، إذا استسلمنا لتلك الرؤى والمواقف والتحالفات ؟ أليس من حق شركاء الوطن من أصحاب الديانة الأخرى ، أن يرتابوا وأن يرفضوا أن تدار شئونهم وفق دساتير وشرائح لا يرتضونها بحكم انتمائهم الدينى وطالما أن صوت الدين قد علا فوق أى صوت آخر ؟ ومن قال بأن إنشاء دستور يؤسس لدولة ينتمى شعبها إلى دينين سماويين ويراد لدين منهما أن ينفرد بالمرجعية ، يمكن أن يتم تمريره بالأغلبية العددية لطائفة وليس بالتوافق الوطنى ؟ أهو دستور يؤسس لصدام أم لوئام ؟ ثم ألا يعد ذلك بابا ذهبيا لتدخلات أجنبية تحت دعاوى الحماية مثلما فعلت بريطانيا العظمى عام 1881 حين استغلت فتنة صغيرة حدثت بالإسكندرية لتبرير احتلالها لمصر ؟ .. ولمن يرد علينا - متعنتراً - بأن زمن الاحتلال قد ولى . نقول له إن الاحتلال لم يعد فى الغالب يتم بالجيوش ، وإنما بوسائل أخرى نعلمها ، ولعل الأربعين عاما الماضية من عمر بلادنا خير من يخبرنا عن ذلك . ( وإن كان الاحتلال قائم فى فلسطين الكاملة .. وفى العراق وأفغانستان .. وقريبا ليبيا ) .

وصدقنى يا مفكرنا المرموق ، فإنه لن تجدى أية دعوات إذا لم يتم الاعتراف الواضح بأن خطأ جسيما قد وقع ، وإذا لم تصدر وعود موثقة لا لبس فيها ولا تحتمل المناورة أو المداورة ، بأنه لن يتم اللجوء مرة أخرى لتلك الأساليب وتخويف الناس بغضب السماء إن هم صوتوا ضد رغبات المشايخ . وعلى الفصيل الذى يبدو جليا أنك تدعمه وتناصره ، أن يقدم تلك التطمينات على شكل إجراءات وليس مجرد أقوال أو تهويمات ، هذا إن أراد حقا أن يكون له شركاء فى ثورة أو فى وطن . ومن تلك الإجراءات التى أتصورها مثلا ، وربما أكون ما زلت أحسن الظن ، أن يبادر بتبرئة ساحته من سلوك ترادف مع مراحل الاستفتاء ويتناقض مع أبسط قواعد الديمقراطية ، وذلك بأن يقوم بمقاضاة من سلكوا ذلك المسلك المعيب ، أو على الأقل يعلن تبرؤه منهم أو فصلهم إن كانوا من أعضائه ، لكى يطمئننا بأنه يحرص على استعادة روح الثورة حقا ، وربما يكون الاعتذار عن تسرعه المهرول جزءا من تلك التطمينات ، وذلك هو صراط الصادقين . أما أن تصدر بعض التصريحات الخافتة من هنا وهناك ، ترفض باستحياء أو تبرر باستخذاء ، فذلك لا يحمل سوى معنى واحدا هو أن ذلك الفصيل يستحسن ما وقع طالما أنه قد استفاد منه ، ودون أن يدفع أى كلفة ، وفى إطار لعبة توزيع الأدوار .

إن تشذيب ذلك الفكر الإقصائى الوافد من جوف الصحراء ، بل ومواجهته ، موكول لمن يدعون رفضه بينما هم يستثمرون نتائجه ، بعد أن عجزت عن ذلك مؤسسة الأزهر ، بل وساهم القمر الصناعى نايل سات ، إما عن سذاجة وغفلة وإما عن إرادة وقصد ، فى ترويجه وإشاعته بين عامة الناس وبسطائهم ، الأمر الذى قد يستحيل معه الحديث عن ديمقراطية أو تعددية سياسية أو دولة مدنية أو عن رأى ورأى آخر .. فالغوغائية مع تلك الحالة ستكون هى الغالب ، وسيكون خلط الأوراق هو السائد ، ومصر الصابرة هى الخاسر الأعظم .. ولله الأمر من قبل ومن بعد .

مخاطر الدولة الدينية فى مصر - جابر عصفور

كتبت فى الفترة من يناير ومارس 2007 ولا تزال صالحة إلى اليوم وأصبحت الحاجة إليها ملحة اليوم بالذات ..


مخاطر الدولة الدينية‏-1‏

بقلم : جابر عصفور
الدولة الدينية هدف لمجموعات الإسلام السياسي من ناحية‏,‏ وشعار لمجموعات التطرف الديني من ناحية موازية‏,‏ وتتفق المجموعة الأولي والثانية علي أن كل حلول مشكلات المجتمع مشروطة بإقامة هذه الدولة التي تعدل بين الناس‏,‏ وتحكم بالقسط‏,‏ وتقضي علي البغي والعدوان‏,‏ ففي نصوص الدين ما يقدم العلاج الناجع لكل أنواع الفساد‏,‏ والترياق الشافي لكل أمراض الظلم وكوارث الأزمات الاقتصادية‏,‏ فالحاكمية لله عند هذه الجماعات‏,‏ والحاكم هو شرع الله وكتابه هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه‏.‏ وقد أخذنا نسمع عن الهدف‏,‏ ونري الشعار علي نحو ملحاح‏,‏ لم يتوقف عن التصاعد والانتشار منذ هزيمة‏1967‏ التي أسقطت دولة المشروع القومي بتسلطيتها التي كان لها أبلغ الأضرار‏,‏ وأهمها أزمة الوعي الجمعي المحبط الذي أصابه اليأس من كل حل مدني‏,‏ وأخذ يبحث عن خلاصه في نوع من الإيمان الديني التعويضي‏.‏
وارتفع صوت الدعوة إلي هذه الدولة مع بداية تحالف السادات مع الإخوان المسلمين‏,‏ بعد أن قام بما أسماه ثورة التصحيح في مايو‏1971,‏ وذلك في السياق الذي وصل إلي ذروته الأولي في يناير‏1979‏ حين أطاح الملالي بحكم بهلوي في إيران‏,‏ وأعلنوا قيام الجمهورية الإسلامية التي وعدت بأن تملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا‏,‏ حسب مفردات الخطاب الشيعي‏,‏ ووصل إلي ذروته الثانية مع تزايد قوة المجاهدين الذين أخذوا علي عاتقهم مواجهة التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان‏,‏ مع نهاية السنة التي أعلنت فيها الجمهورية الإسلامية في إيران‏.‏ وقد وجد المجاهدون الذين رفعوا شعار الدولة الدينية الإسلامية‏,‏ في مواجهة النظام الشيوعي المتحالف مع موسكو‏,‏ الدعم اللوجستي من دول عربية‏,‏ تحالفت والولايات المتحدة في عملية القضاء علي المد الشيوعي الذي وصل إلي أفغانستان‏,‏ وأصبح قريبا من منابع النفط‏,‏ وهو الأمر الذي دفع كارتر إلي إعلان مبدأ حق اللجوء إلي القوة في حالة تهديد أمن الخليج‏,‏ وكان ذلك في يناير‏1980.‏
وبقدر ما قدمت بعض الدولة العربية المعنية الدعم المالي‏,‏ وتسهيل مهام مكاتب التطوع للجهاد ضد الكفار في أفغانستان‏,‏ قامت الولايات المتحدة بتدريب أعداد لا يستهان بها من المجاهدين في صحراء أريزونا‏,‏ ولم تبخل بالسلاح والمال في سبيل القضاء علي المد الشيوعي‏,‏ ومن ثم التحالف مع الدعاة الأفغان للدولة الدينية‏,‏ ومعهم الدعاة العرب الذين عادوا إلي أوطانهم العربية‏,‏ بعد الانتصار علي النظام الشيوعي الأفغاني وإقامة الدولة الدينية الأفغانية‏.‏ وسعي المجاهدون العرب‏,‏ بدورهم‏,‏ إلي إقامة الدولة الدينية الإسلامية الجديدة بالقوة‏,‏ خاصة بعد أن أعلنوا أن الجهاد لن يتوقف ضد الأنظمة الجاهلية العربية التي تحكم بغير شرع الله من ناحية‏,‏ وضد الولايات المتحدة التي أصبحت الشيطان الأكبر الذي انقلبوا عليه بعد أن تحالفوا معه لتحقيق مصالحهم المشتركة التي لم تعد قائمة بعد تقلص المد الشيوعي وقيام البروسترويكا من ناحية مقابلة‏.‏
واقترن ذلك بتداعيات الثمانينيات‏,‏ ثم التسعينيات التي شهدت نهاياتها بداية عولمة الإرهاب الديني الذي أخذ يخترق القارات‏,‏ حاملا راية الجهاد الإسلامي الذي يسعى إلي القضاء علي الأنظمة الجاهلية في كل مكان‏,‏ واستبدال الدولة الدينية بالدولة المدنية‏,‏ وإحلال العصبية الدينية محل التسامح الذي يحكم‏-‏ أو يفترض أن يحكم‏-‏ علاقات مؤسسات المجتمع المدني وطوائفه‏.‏
وكانت النتيجة قرينة تصاعد الدعوة إلي الدولة الدينية والقضاء علي الدولة المدنية التي قيل إنها أحدثت من الشرور والمفاسد ما أعاد زمن الجاهلية إلي ضراوته التي أصبح القضاء عليها فرض عين علي كل مسلم يريد الجهاد في سبيل الله‏.‏ وازداد الأمر تعقيدا بسبب ما انطوي عليه العديد من الأنظمة المدنية العربية‏,‏ خصوصا ذات الطبيعة العسكرية أو التسلطية‏,‏ من مفاسد اقترنت بأزمات اقتصادية طاحنة‏,‏ دفعت الناس إلي البحث عن خلاص‏.‏ وكان وعد الخلاص‏,‏ ولا يزال‏,‏ جاهزا عند دعاة الدولة الدينية‏,‏ أولئك الذين وجدوا في مفاسد الأنظمة القائمة وتسلطيتها ما ساعدهم علي الانتشار‏,‏ ووجدوا في الثقافات التقليدية السائدة ما أعانهم علي النجاح‏.‏ والنتيجة هي كسب تعاطف الآلاف المؤلفة من البسطاء الذين أضناهم الفقر‏,‏ وأوجعهم الظلم‏,‏ ودفعتهم بشاعة الأجهزة القمعية للدولة التسلطية إلي رفضها والبحث عن بديل لها‏.‏ وكان البديل جاهزا‏,‏ صيغ في تخييلات مغوية‏,‏ قائمة علي وعود لا تفارقها أنواع من العون المادي للمحتاجين في مجالات التعليم والصحة والإسكان‏,‏
وغيرها من أشكال الرعاية التي لا تزال تقوم بما تعجز الحكومات عن النهوض به‏.‏ وأصبح للمجموعات الداعية للدولة الدينية‏,‏ علي اختلاف طوائفها وتياراتها‏,‏ حضور متزايد‏,‏ بواسطة أجهزة إيديولوجية قوية‏,‏ موازية لأجهزة الإعلام الحكومية ومتفوقة عليها‏,‏ سواء بواسطة وعاظ المساجد والزوايا‏,‏ وأئمة الدعوة‏,‏ وأمراء الجهاد الذين ملأوا الجامعات‏,‏ وحاضروا‏,‏ ولا يزالون‏,‏ في النوادي الاجتماعية والرياضية‏,‏ ونجحوا في اختراق العديد من مؤسسات المجتمع المدني التضامنية التي تضم النقابات والاتحادات‏,‏ كما نجحوا في التسلل إلي مواقع عديدة‏,‏ منها القضاء وأجهزة إعلام الدولة التي أصبح لها ما يوازيها من أجهزة إعلام خاصة بهذه الجماعات‏,‏ ابتداء من القنوات الفضائية وليس انتهاء بالإذاعات أو الصحف والمجلات‏,‏ أو مواقع الإنترنت‏.‏ وحققت المجموعات الداعية للدولة الدينية أكثر من انتصار نتيجة فساد الخصوم‏,‏ ولا داعي للأمثلة فهي معروفة‏.‏ ولكنها أدت في الأقطار التي تكاثرت فيها إلي كوارث وخيمة‏,‏ حسبي الإشارة إلي المذابح التي حدثت في الجزائر‏,‏ واتساع دوامات الاغتيال للمسلمين الذين أصبحوا موصومين بالكفر‏,‏ لا لشيء إلا لأنهم لم يقبلوا بفكرة الدولة الدينية‏,‏ خصوصا من المثقفين الذين أصبحوا هدفا للاغتيال في الجزائر ومصر وغيرهما من الأقطار العربية‏‏
****
مخاطر الدولة الدينية‏-2‏

بقلم : جابر عصفور
الواقع أن مثقفي المجتمع المدني والمدافعين عن الدولة المدنية هم أكثر الناس رفضا لمفهوم الدولة الدينية والدعوة لها‏,‏ وهم الأكثر تنبيها إلي مخاطرها وكوارثها الممكنة‏,‏ ولذلك تترصد لهم المجموعات الداعية إلي الدولة الدينية‏,‏ ساعية إلي استئصالهم‏,‏ أو قمعهم ماديا ومعنويا‏,‏ بما يزيحهم من طريق الدعوة التي لا يزالون عقبة في طريق تحقيق هدفها‏.‏ والخطر الأول الذي ينبه إليه هؤلاء المثقفون الواقعون‏,‏ للأسف‏,‏ بين مطرقة مجموعات الإسلام السياسي ومفاسد الكثير من الحكومات‏,‏
هو الخطر المقترن بالصفة البشرية لا الدينية لمفهوم الدولة الدينية‏,‏ فهي دولة بشرية‏,‏ لو أمكن قيامها‏,‏ تحكمها مجموعة من البشر‏,‏ تتحدث باسم الدين‏,‏ وتنوب عنه‏,‏ وتحتكر تأويله وتفسيره‏,‏ وادعاء معرفته‏,‏ ومن ثم تقيم تطابقا تخييليا بينها وبينه‏,‏ فتصبح هي إياه‏,‏ أو يصبح هو إياها علي سبيل التخييل لا التحقيق‏,‏ أقصد إلي أن شرع الله ليس هو الذي يحكم في حالة الدولة الدينية‏,‏ وإنما مجموعة البشر التي تدعي الإنابة عنه واحتكار المعرفة به‏,‏ رافضة أن يشاركها غيرها في الإنابة أو الحكم أو المعرفة‏,‏
ولذلك فهي المصدر الوحيد لتفسير النصوص المقدسة للدين‏,‏ والناطق الأوحد لمقاصدها‏,‏ وقولها أو حكمها هو الحق وما عداه الباطل‏,‏ ما ظلت محافظة علي هذا التطابق التخييلي بينها ونصوص الدين التي تدعي احتكار الفهم لها‏,‏ ولذلك ينبني خطابها علي نوع من الوثوقية والجزم والحسم في اقترانه بأنواع الأمر والنهي والتحريم أو الإباحة التي يؤديها هذا الخطاب الذي لا يخلو من عناصر القمع الخاصة به‏,‏ خصوصا حين يتوعد المخالفين بعذاب الدنيا والآخرة‏,‏ ويسن خطابهم المضاد بالبدعة المقترنة بالضلالة المفضية إلي النار‏.‏
والاختلاف مع خطاب هذه المجموعة يعني الكفر والخروج علي الثابت المعلوم من أمر الدين الذي تحدده هي ولا يحدده غيرها‏,‏ والذي تغدو إياه في علاقتها بالآخرين الذين لها عليهم حق السمع والطاعة والتصديق وعدم المساءلة‏,‏ ومن ثم الإذعان والاستجابة إلي كل ما يقال‏,‏ مهما كان هذا الذي يقال‏.‏ وبقدر ما تتحول العلاقة بين هذه المجموعة وغيرها إلي علاقة أعلى بأدنى‏,‏ قامع بمقموع‏,‏ آمر بمأمور‏,‏ ينتفي حضور حق الاختلاف الذي يغدو معصية‏.‏ ولا مجال للاجتهاد المغاير الذي يغدو خطيئة‏,‏
ولا سبيل إلي المجادلة بالتي هي أحسن ما بين هذه المجموعة‏(‏ الأعلى علي نحو مطلق‏)‏ وغيرها‏(‏ الأدنى علي نحو مطلق‏),‏ فالمجادلة بالتي هي أقمع هي الأصل الملازم لاحتكار المعرفة الدينية‏,‏ والناتج عن التطابق التخييلي بين الدين والمجموعة التي توهم الآخرين أنها تنوب عنه‏,‏ أو تتحد معه كأنها إياه‏.‏ ولا ينفصل عن نتائج ذلك إلغاء الاجتهاد الذي يحل محله الإتباع‏,‏ وإحلال النقل محل العقل‏,‏ والتقليد محل الابتكار‏,‏ وسيطرة التراتب‏(‏ البطريركية‏)‏ بدلا من المساواة‏,‏ والتعصب بدلا من التسامح‏,‏
فيحل التمييز محل التكافؤ‏,‏ ونخبوية المعرفة الدينية بدلا من تعميمها الذي يؤكد حق الجميع فيها أو الوصول إليها بطرائق مغايرة‏,‏ فتتحول المعرفة بوجه عام إلي معرفة مضنون بها علي غير القلة التي تحتكرها‏,‏ أو النخبة التي بيدها مفاتيح المعرفة المحرمة علي غيرها‏.‏ ولا يؤدي ذلك إلي التضاد بين علم القلة بوجه عام وجهالة الكثرة فحسب‏,‏ بل يضيف إليه انحطاط معارف الكثرة‏(‏ بإطلاقها‏)‏ بالقياس إلي علو مقام معارف القلة المضنون بها علي غير أهلها في كل الأحوال‏.‏ والنتيجة هي كثرة المحرمات المعرفية الموازية لشيوع التراتب ومنطق الاحتكار وإلغاء المغايرة‏.‏
وإذا نقلنا هذا المبدأ من المعرفة بوجه عام‏,‏ والدينية بوجه خاص‏,‏ إلي الممارسة السياسية كانت النتيجة متماثلة‏,‏ فإلغاء حق الاختلاف يبدأ من المعرفة وينتهي بالسياسة التي لن تعرف‏,‏ في حالة الدولة الدينية‏,‏ تعددية الأحزاب‏,‏ أو تنوع قوي المعارضة وحريتها‏,‏ بل تعرف الصوت الواحد الأحد الذي لا يطلب سوي الإجماع‏,‏ ويحارب التنوع والتعدد وحق الاختلاف من حيث هي نقائض لحتمية الإجماع الذي يقترن بالطاعة الواجبة‏(‏ دون مساءلة‏)‏ لقمة الهرم المتراتب دينيا ومعرفيا وسياسيا واجتماعيا‏,‏ حيث تهبط الأوامر المنزلة‏(‏ كأنها الوحي‏)‏ من إمام المجموعة إلي النخبة المحيطة به‏,‏ بوصفها أدني بالضرورة‏,‏ كي تنقلها إلي غيرها الأدنى منها‏..‏ وهكذا إلي سفح الهرم السياسي الاجتماعي المعرفي‏,‏ مستعينة علي ذلك بعمليات تخييل إيديولوجي‏,‏ يبرر احتكار النخبة ورأسها الأعلى لكل شيء من ناحية‏,‏ ويشيع أفكارها ومبادئها بما يقنع بسلامتها من ناحية موازية‏,‏ وذلك في حجاج إيديولوجي يقسم المجتمع إلي فرق متعددة‏,‏ كلها في النار‏,‏ ما عدا فرقة واحدة ناجية‏,‏ مآلها الجنة والسعادة في الدارين‏,‏
هي فرقة النخبة الحاكمة التي يخلع عليها رأسها ما تخلعه هي علي غيرها من صكوك الإيمان والرضوان‏,‏ والبركة والغفران‏,‏ في أحوال الإيجاب‏,‏ أو صكوك‏'‏ الكفران‏'‏ أو اللعنة الأبدية‏,‏ في أحوال السلب‏,‏ فالفرق الضالة مضلة هالكة‏,‏ موعودة بعذاب الدارين‏,‏ واستئصال أفرادها واجب وجوب استئصال الزوان من الحنطة‏,‏ فيما يقول متطرفو الحنابلة المتأخرون‏.‏
والنتيجة هي شيوع العنف‏,‏ مقرونا بالقمع في المجتمع‏,‏ وتغدو الأجهزة الأيديولوجية الدينية ودعاتها‏,‏ في علاقتها بالمواطنين الذين يتحولون إلي رعايا‏,‏ أدوات إرسال ذات بعد واحد‏,‏ يتجه من الأعلى إلى الأدنى دائما‏,‏ أو من المركز القامع إلي الهوامش المقموعة‏,‏ فارضا السمع والطاعة والتصديق والإذعان في كل الأحوال‏,‏ هادفا إلي تحقيق الإجماع الذي يتم استئصال الخارج عليه‏,‏ أو النظر إليه بوصفه الشاة الضالة التي خطفها الشيطان وسكنها‏.‏ وعندما يصل القمع إلي ذروة ممارساته يتحول إلي عدوي‏,‏ تحيل المقموعين إلي قامعين بدورهم‏,‏ أو مقتولين قتلة‏,‏ أعني أن المقموعين الواقع عليهم القمع يعكسونه كما تعكس المرايا ما يقع عليها وتسقطه علي غيرها الذي يسقطه علي غيره بدوره‏,‏ وذلك في دورة جهنمية‏,‏ لا يكف فيها القمع عن توليد القمع‏,‏ ويتبادل فيها المقموع والقامع الوضع والمكان‏,‏ خصوصا حين يتحول المقموع إلي قامع يمارس فعل القمع علي غيره الذي يمكن أن يقع تحت سطوته‏,‏ فيتحول المجتمع كله إلي قامعين مقموعين في زمن لا يمضي إلي الأمام بل يعود إلي الخلف‏,‏ وجماعة لا تتطلع إلي مستقبل واعد‏,‏ بل إلي ماض تخييلي تسجنها أوهامه‏.‏
*****
مخاطر الدولة الدينية‏-3‏

بقلم: جابر عصفور
نحن نشتكي من نقص الحريات وتقلصها في الدول التي تزعم أنها مدنية‏,‏ ولكن لا حريات علي الإطلاق في الدولة الدينية‏,‏ في حال وجودها‏,‏ إذ إن طبيعتها القائمة علي الإجماع والتسلط‏,‏ المقرونين بضرورات الطاعة والتصديق والإذعان‏,‏ لا تسمح بوجود الحريات بمعناها السياسي المقترن بتعددية الأحزاب‏,‏ وحق الاختلاف الفردي والجمعي مع سياسات الحكومة القائمة‏.‏ ويوازي غياب الحرية السياسية‏,‏ ويسبقه‏,‏ غياب الحرية الاعتقادية‏,‏ أو حتي التنوع الخلاق في اختلاف فهم مقاصد الشريعة وتأويل نصوصها‏,‏ وذلك في موازاة غياب الحريات الفكرية في الدولة الدينية التي هي أحادية المنظور‏,‏ ضيقة الرؤية‏,‏ حرفية الفهم بالضرورة‏,‏
فليس هناك تفسير لنصوص الدين سوي تفسير النخبة المتحكمة فيها‏,‏ وفرضها ما تراه بوسائل من القمع المعنوي والمادي‏,‏ أو بذهب المعز وسيفه علي النخب الثقافية‏,‏ فلا تتقلص الحريات الفكرية فحسب‏,‏ بل تختنق الحريات الإبداعية التي لابد أن يعاني ناتجها من الرقابة والمصادرة‏,‏ إذا اختلف عن ما تراه النخبة المتحكمة في كل شيء‏,‏ ابتداء من إدارة الدولة وانتهاء بإبداع العقول والقرائح‏.‏ ويعني ذلك أنه ليس هناك فكر سياسي أو ثقافي أو حريات أكاديمية أو إبداعية في الدولة الدينية التي لا تسمح إلا بما تراه هي‏,‏ ما ظلت محتكرة اليقين والحق‏,‏ فالنخبة الحاكمة فيها تغدو الفرقة الناجية التي هي علي الحق دائما‏,‏
وغيرها علي الباطل والضلال في كل أحوال اختلافه عنها‏.‏ وينتج عن قمع الحريات السياسية والفكرية والإبداعية تخلق رقيب داخلي في أعماق كل مفكر أو مبدع‏,‏ وكل مشتغل بالسياسة‏,‏ مهتم بالشأن العام‏,‏ خصوصا بعد أن يري الجميع ما حدث لأقران لهم‏,‏ تم التنكيل بهم ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر‏.‏ ويؤدي ذلك إلي استئصال روح المساءلة‏,‏ ومبدأ الشك‏,‏ أو رغبة التجريب‏,‏ مقابل تأكيد منطق الإتباع وتقليد الخلف للسلف في كل الأحوال‏,‏ واستبعاد منطق الابتداع وحتمية إضافة اللاحق للسابق‏.‏ وعندئذ‏,‏ يمضي المجتمع إلي الأمام وعيناه في قفاه‏,‏ لا يري إلا ما هو خلفه‏,‏ ولا يفعل إلا ما سبق فعله‏,‏ فلا يفكر أو يبدع إلا في الدوائر التي تجعله مقلدا للآخرين السابقين‏,‏
أو المركز المهيمن دائما‏.‏ وتسيطر علي المجالات الثقافية في دوائرها المختلفة نزعة تديين‏,‏ تسرف في رد كل شيء إلي الدين وإدخاله فيما يلزم أو لا يلزم‏,‏ سواء في المجال السياسي الذي تصبح الحاكمية فيه لله الذي ينوب عنه بعض البشر‏
أو المجال الفكري والإبداعي الذي لا تصبح له قيمة إلا بإلزامه بقيم مفروضة عليه من خارجه‏,‏ وبتأويلات دينية‏(‏ من صنع بشر يمكن أن يصيبوا وأن يخطئوا‏)‏ تتحكم في حركته وتحد من حريته‏,‏ بل تقضي علي هذه الحرية أصلا‏,‏ ويشيع الحديث عن الإعجاز العلمي للنصوص المقدسة التي تنطوي علي كل ما وصل إليه العلم في تطوره‏,‏ وفي ذلك ما يؤدي إلي مزالق قياس الثابت‏(‏ الدين‏)‏ علي المتغير‏(‏ العلم‏)‏ في أغلب الحالات‏,‏ وتدني البحث العلمي في كل الحالات‏.‏
ويلازم ذلك كله غياب الحرية بمعناها الاجتماعي‏,‏ فيغدو المجتمع تراتبيا‏,‏ وفضـلنا بعضكم علي بعض‏,‏ وتتمايز الطبقات أو الطوائف المتراتبة تمايزا حادا‏,‏ سواء في علاقة أفراد كل طائفة أو طبقة بباقي أفرادها وعلاقة كل طبقة أو طائفة بغيرها‏,‏ ويتكرر المبدأ الذي أقره ابن المعتز الحنبلي قديما‏,‏ حين أكد أن جماعة العوام متي وصلت إلي آداب الملوك العظام‏,‏ بطلت المآثر‏,‏ وسقطت المفاخر‏,‏ وصارت الرؤوس كالأذناب‏,‏ والأذناب كالأذياب‏,‏ وصح الخبر المروي عن الرجل المرضي‏:‏ لا يزال الناس بخير ما تباينوا‏,‏ فإذا تساووا هلكوا‏.‏ ويستند هذا التراتب إلي أساس فكري يقوم علي تأكيد حقيقة الجبر في حركة الإنسان الذي لا يختار علي سبيل الحقيقة‏,‏
وإنما يختار له‏,‏ استنادا إلي أمثال من قبيل‏:‏ القدر يختار ولا يختار عليه وللأقدار الاختيار علينا‏,‏ وفيها الخير لنا من حيث ندري ولا ندري‏.‏ وعندما يشيع الإيمان بالجبر يفقد الإنسان قدرته علي الاختيار الذي يعني قدرته علي المبادأة والمغايرة والاختلاف وحرية الفعل أو الحركة في الوجود‏,‏ فيصبح الإنسان عاجزا عن الفعل الخلاق‏,‏ قانعا بما هو عليه‏,‏ أو خانعا لما هو فيه دون سعي إلي تغييره‏,‏ ما ظل معتقدا أن هذا قدره‏,‏ وأن ما يعانيه مقدور عليه لسبب لا يعلمه‏.‏
ولا تقتصر مخاطر الدولة الدينية علي إلغاء الحريات بكل لوازمها فحسب‏,‏ وإنما يمتد الخطر إلي إلغاء معني المواطنة‏,‏ وتحويل الانتماء من الوطن إلي المعتقد‏,‏ ومن ثم الانتقال من روح التسامح ومبدأ المساواة الذي لا يمايز بين الطوائف الدينية والفئات الاجتماعية والتيارات السياسية‏,‏ في معني المواطنة المقترن بحق الاختلاف وطبيعته الحتمية‏,‏ إلي مبدأ التعصب الذي يؤكد التمايز والانقسام الحدي‏.‏ وعندئذ‏,‏ لن يصبح الدين لله والوطن للجميع‏,‏ بل يصبح الوطن من حق فئة بعينها بالدرجة الأولي‏,‏ تغدو هي الفئة الأعلى والأرقى ‏,‏ وغيرها الأدنى والأقل في حقوق مواطنته‏,‏ الأمر الذي يؤدي إلي الاحتقان في العلاقة بين أبناء الديانات المتعددة في الوطن الواحد‏,‏ وتحل العصبية البغيضة محل التسامح الرحب‏,‏ فيتحول الاحتقان إلي صراع وتنافر‏,‏ ومن ثم إلي فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر‏.‏
ولا تحدث هذه الفتنة بين أصحاب الديانات المتعددة فحسب‏,‏ حين تحكم أغلبية تقتات بمبادئ التعصب لا التسامح‏,‏ التمييز لا المساواة في الحقوق والواجبات‏,‏ فتتعقد علاقاتها بالأقليات التي تنطوي علي العداء للأغلبية وكراهتها‏,‏ وقد تخفي ذلك تحت أقنعة التقية في حالة ضعفها‏,‏ وإلا فمواجهة التمييز بالتمييز‏,‏ والعنف بالعنف‏,‏ والعصبية بمثلها‏,‏ في أحوال القوة‏,‏ فتحدث الفتنة‏,‏ وتتحول العلاقة بين الأديان إلي علاقة حروب وصراعات‏.‏ وهو الأمر نفسه الذي يحدث بين طوائف وفئات الدين الواحد‏,‏ علي نحو ما يحدث في العراق‏,‏ الآن‏,‏ بين السنة والشيعة‏,‏ أو حدث في الجزائر بين طوائف المتطرفين الذين تحولوا إلي إرهابيين قتلة‏,‏ فلم يترددوا في قتل المعتدلين الذين تحولوا‏,‏ في عيني التطرف‏,‏ إلي كفار‏.‏ وقس علي ذلك ما تفعله جماعات الإرهاب الديني بزعاماتها الدموية التي أصبحنا نسمع عنها‏,‏ وتجعلنا نري ما يمكن أن يؤدي إليه التعصب الذي هو أساس الدولة الدينية‏.‏
****
مخاطر الدولة الدينية ـ‏ 4‏

بقلم : جابر عصفور
إذا نظرنا إلي مخاطر الدولة الدينية‏,‏ من المنظور السياسي وحده‏,‏ لم نجدها قرينة الاستبداد والتسلط فحسب‏,‏ بل قرينة عدم وجود أسلوب واضح‏,‏ أو محدد‏,‏ لوصول الحاكم إلي الحكم‏,‏ ولا يوجد في هذه الدولة مؤسسات متمايزة‏,‏ مستقلة‏,‏ وهو الأمر الذي يتيح المجال واسعا لاستبداد الحاكم‏,‏ وإلغاء الديمقراطية بلوازمها من دستور وقوانين‏,‏ أو وضعها في مؤخرة الاهتمام بشرط أن تكون علي أساس من مرجعية دينية‏,‏ هي مرجعية فئوية أو طائفية في الأغلب الأعم‏.‏ ولن يوجد مفهوم للمواطنة بمعناه القائم علي المساواة في الحقوق والواجبات‏,‏
فليس هناك سوي المسلم والذمي والمستأمن في هذه الدولة التي تتراتب فيها الفئات تراتبا قمعيا قائما علي التمييز‏.‏ وبالطبع لا ننسي أن مبدأ الاسترقاق‏,‏ أو عودة الرقيق‏,‏ يمكن أن يعود إلي هذه الدولة التي تنبني علي درجات متباعدة من الحرية المقصورة علي السادة‏,‏ والقيد المحاط بهم وغيرهم من الذين يقعون في مرتبة الموالي أو المؤلفة قلوبهم‏.‏
وبالطبع فالحكم النهائي لرجل الدين أو من يحل محله في هذه الدولة سواء كان مجال هذا الحكم أمرا علميا خالصا أو إشكالا سياسيا بالغ التعقيد‏,‏ يتزايد تعقيده في عصر العولمة‏,‏ فالقسمة الصارمة إلي حلال وحرام‏,‏ شرعي أو غير شرعي‏,‏ لا مجال لها في هذا العصر بالغ التعقيد‏.‏ سريع إيقاع التغير الذي تعيشه ويلزم عن كل ما سبق النظرة الضيقة إلي القانون‏,‏ والاختلاف الخطير في إعماله أو تطبيقه أو تنفيذه‏,‏ فيتحول إلي ممارسات متباعدة قابلة للتناقض في أحكامها‏,‏ حسب اختلاف المذاهب الفقهية للقضاة الذين يحكم كل منهم حسب مذهبه‏,‏
وليس حسب قوانين واحدة متحدة‏,‏ تجاوز كل المذاهب‏,‏ في تحقيقها للمصالح المشتركة للمواطنين علي اختلاف طوائفهم‏.‏ يضاف إلي ذلك أن التراتب القمعي بين الطوائف مابين الفرقة الحاكمة الأعلى والفرق المحكومة الأدنى‏,‏ يسقط نفسه علي علاقات النوع والجنس‏,‏ فيتمايز الأصيل علي الوافد‏,‏
والرجل علي المرأة التي تفقد حقها في المساواة وتتحول إلي مجرد عورة في التراتب القمعي الذي يعلو فيه الكبير‏(‏ العود‏)‏ علي الصغير‏,‏ والمنتسب إلي الفئة الحاكمة علي الفئات المحكومة‏.‏ ويلتزم الجميع بطاعة الحاكم مهما ظلم وارتكب من الكبائر‏,‏ مخافة الفتنة‏,‏ إيمانا بأن حاكما قويا ظالما أفضل من حاكم أقل قوة حتي لو كان أكثر عدلا‏,‏ وقد سمعنا أخيرا من بعض المنتسبين لجماعات الإسلام السياسي‏,‏ من دافع عن صدام حسين السفاح علي أساس من قوته‏,‏ مبررا ذلك بأن الخروج عليه أدي إلي الفتنة‏.‏ أما علاقة الحاكم بالمحكومين فهي علاقة المستبد برعاياه الذين هم محرومون من حقوق المواطنة‏,‏
وليس لفقهائهم علي حكامهم سوي النصيحة التي قد يأخذ بها الحاكم‏,‏ أو يعمل السيف في رقاب بعض من يقدمونها مقترنة بإعلان الاختلاف معه‏.‏
ويمتد إعمال السيف من الداخل إلي الخارج‏,‏ خصوصا حين يغدو العالم كله دار حرب في أعين القائمين علي الدولة الدينية التي تستبدل‏,‏ في حال وجودها‏,‏ بالحوار مع العالم الصراع معه غير مؤمنة بحوار الحضارات أو كون العالم شعوبا وأمما تتعارف وتتعاون‏.‏
فالدولة الدينية قائمة علي العصبية‏,‏ والعصبية تنتقل من علاقتها بمواطنيها إلي علاقتها بغيرها من الدول التي هي أدني منها‏,‏ ويؤمن قادة هذه الدولة‏,‏ في حال وجودها أن الله فضلهم علي خلقه‏,‏ وأنهم طليعة خير أمة أخرجت للناس‏,‏
فيعود التمايز العرقي‏,‏ والنقاء البشري‏.‏ فنصبح إزاء نوع جديد من النازية أو إزاء نوع جديد من الجهاد ضد الإنسانية كلها ما ظلت علي الكفر‏,‏ وما ظلت دار حرب مباحة لجيوش الدولة الدينية ودعوتها التي لا تقتصر علي حدودها‏,‏ بل تعبرها إلي غيرها في مدي الدعوة التي تريد بها هذه الدولة بسط نفوذها علي محيطها الجغرافي‏,‏ منطلقة منه إلي العالم كله‏,‏ مشيعة عنف القمع والإرهاب في كل مكان والمقدمة لذلك ماثلة في مجاوزة الإرهاب الديني للأقطار العربية إلي الأقطار الأوروبية‏,‏ مرتكبا فيها الكثير من جرائمه الوحشية‏.‏
والغريب أن عددا غير قليل من قادة الجماعات الإرهابية لجأ إلي دول الغرب الأوروبي لإيجاد ما يحميهم تحت سقف الديمقراطية في الدول التي أطلقت لهم حرية الفعل والحركة والدعوة‏,‏ فكانت وإياهم كمن سمح للأفاعي السامة بأن ترعي في حماه‏.‏ وما إن شعرت هذه الجماعات بقوتها حتي انقلبت علي الدول التي تحميها‏,‏ بعد تكفيرها واقترفت فيها من جرائم الإرهاب الذي ذهب ضحيته الأبرياء ما يندى له جبين كل مسلم‏,‏ سواء في لندن‏,‏ أو مدريد‏,‏ أو نيويورك‏,‏ أو غيرها من العواصم التي امتدت إليها براثن الإرهاب المنتسب إلي دين أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن‏,‏
والوفاء لمن أحسن الوفادة‏,‏ وأتاح الأمان لطالبيه الذين جحدوا كل ما عوملوا به من تسامح استبدلوا به تعصبا مقيتا‏,‏ وكراهية لا حد لها‏,‏ ونيات انتقام وتدمير‏,‏ لم تنتج سوي حملات من كراهية الإسلام والمسلمين‏,‏ خصوصا بعد عولمة الإرهاب الديني وامتداد أذرعته عبر القارات والأقطار التي تأصلت فيها ـ نتيجة ذلك ـ نزعات عداء للإسلام والمسلمين‏,‏ وكانت النتيجة أن استغل الكارهون للإسلام والعرب جرائم الإرهاب التي حدثت باسم الإسلام‏,‏ والإسلام منها بريء‏,‏ ونجحوا في تشويه صورة الإسلام والمسلمين إلي حد بعيد‏,‏ خصوصا بعد أن قدم المتطرفون المحسوبون علي الإسلام المبرر والدليل فأصبح العربي المسلم مشكوكا فيه في المطارات والموانيء‏,‏ ينظر إليه الأمن في ريبة نظرته إلي إرهابي محتمل‏.‏
*****
مخاطر الدولة الدينية ـ‏5‏

بقلم : جابر عصفور
يزخر العالم الإسلامي المعاصر بمن اغتالتهم فرق التكفير حديثا‏,‏ وفيما فعلته القاعدة والجماعات المتفرعة منها أو المحاكية لها والمتأثرة بها ما يدل علي الطابع الدموي لهذه الجماعات التي تغتال غيرها باسم الدين‏,‏ وتقوم بتفجير الأبرياء أو ذبحهم في سبيل تحقيق حلمها المستحيل‏,‏ وهو إقامة الدولة الدينية علي أنقاض الدولة المدنية في كل مكان‏.‏ وإشاعة الفوضى والرعب والقتل المجاني والعنف الوحشي والسادية الدموية في تعذيب الأبرياء وقطع رؤوسهم علامات شهدناها‏,‏ ولا نزال نشهدها‏,‏ في الممارسات البشعة لهذه الجماعات الإرهابية التي أصبح وجودها قرين التخلف المتزايد والتعصب المقيت والقتل علي الهوية الطائفية أو المذهبية‏.‏ وتتعدد صور الإرهاب المادية والمعنوية‏,‏ فتقترن الأخيرة بالتمييز القمعي الذي تتعدد صوره‏,‏ وتتكاثر ممارساته الاجتماعية والطائفية والاعتقادية‏,‏ وذلك بدعوى حماية المسلمين من الضلال وتلبيس إبليس اللعين‏.‏
وما حدث في أفغانستان طالبان دليل علي ذلك‏,‏ فقد كانت تجربة الحكم الديني فيها أبشع بما لا يقاس بتجربة الحكم الشيوعي‏,‏ سواء من حيث إساءتها إلي الدين البريء من كل ما عاناه الأفغان بدعوى تطبيق الشريعة‏,‏ ابتداء من تقليص الحريات الفردية والعامة والقضاء عليها‏,‏ والتدخل في أخص الأمور مثل شكل اللحى التي كان علي الرجال إطلاقها إلي حد معين‏,‏ ولباس النساء الذي يغطي كل الجسم والوجه‏,‏ وانتهاك الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية‏,‏ علي نحو لم يعرفه الأفغان في حكم الشيوعيين‏ (‏ الكفار؟‏!)‏ الذين سعت طالبان إلي استئصال حضورهم‏,‏ وتحويل الإسلام إلى قواعد جامدة‏,‏ وشعائر شكلية متصلبة‏,‏ فإطلاق اللحى وارتداء الجلباب أو العمامة‏,‏ أو تنقيب المرأة منذ الطفولة ومنعها من التعليم والمشاركة الاجتماعية ليس هو الإسلام‏,‏
وما كان يجوز قديما من قطع يد السارق لم يعد صالحا لهذا العصر الذي ينظر إلي مثل هذا العقاب علي أنه نوع من الوحشية البربرية‏,‏ فضلا عن أنه لا يقطع دابر السرقات ما ظل الفقر غالبا‏,‏ والجوع قاهرا‏,‏ ولا حد لقسوة الحياة وشظفها‏,‏ أضف إلي ذلك أن إغراق المجتمع في حروب طائفية قبلية‏,‏ تحت شعارات دينية مخادعة ليس من الدين في شيء‏,‏ والانحدار بأوضاع المواطنين الذين تحولوا إلي رعايا أشبه بالعبيد هو البعد عن الإسلام نفسه‏,‏ والاضطهاد المغالي فيه للمرأة بوصفها مصدرا للشرور والآثام‏,‏ والنظر إليها بوصفها عورة‏,‏ وممارسة أبشع أنواع التمييز عليها أقرب إلي التعبير عن الكبت الجنسي المصاحب للقمع الاجتماعي‏.‏
والتأويل الخاطئ للآية وقرن في بيوتكن كان سعيا إلي حرمان المجتمع من نصف قوته‏.‏ أضف إلي ذلك العداء للفنون والآداب وتحريم التليفزيون والسينما والألعاب الرياضية وتدمير الميراث الحضاري الإنساني‏,‏ كما حدث في إطلاق قذائف المدفعية علي تمثالي بوذا اللذين لا نظير لهما في منطقة باميان‏.‏ ويتراوح عمرهما ما بين‏1500‏ إلي‏2000‏ عام‏,‏ ويعدان من الآثار الحضارية النادرة‏.‏ وقد أثار تدميرهما ثورة اليونسكو وأقطار العالم المتحضر الذي لم يفلح في إنقاذ هذا الكنز الحضاري الذي هو ملك للإنسانية كلها‏,‏ ذلك علي الرغم من محاولة بعض الدول الإسلامية التوسط لإنقاذ التمثالين‏,‏ وصدور بعض الفتاوى في تحريم تدمير أمثال هذه الآثار الحضارية القديمة‏.‏ وكانت النتيجة تثبيت صورة العداء الإسلامي للفنون‏,‏ ضمن سياق تشويه الصورة الكلية للمسلمين والإسلام علي السواء‏.‏
والكوارث التي حدثت في الدول العربية والإسلامية التي وصلت فيها الجماعات الإسلامية إلي السلطة تستحق التذكير بها للعظة والعبرة‏.‏ ومثالها الأول السودان عندما هيمن ما يسمي النظام الإسلامي‏(‏ ؟‏!)‏ الذي جاءت به ثورة الإنقاذ‏,‏ فبعد ما يزيد علي عشر سنوات من الحكم‏,‏ لم يحدث سوي الكوارث‏:‏ قطع أيدي الفقراء بدعوى السرقة‏,‏ وقطع رقاب المعارضين الدينيين بدعوى الخروج علي الإسلام‏,‏ ومن ثم الإلحاد‏,‏ وانتهاك الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية للمواطنين‏.‏
صحيح أن الوضع في باكستان التي قامت علي أساس ديني منذ البداية يختلف كثيرا‏,‏ ولكن ألم ينته الصراع فيها إلي انقسام الجزء الذي تحول إلي دولة بنجلاديش؟ وكان التأويل الديني هو سلاح الانفصاليين والسلاح التأويلي المضاد الذي لم يمنع من اضطهاد العلماء‏,‏ واختراع بدعة العلم الإسلامي التي كانت كارثة علي مسار العلم في زمن ضياء الحق الذي أدي إلي فرار الكثير من العلماء‏,‏ ومنهم من حصل علي جائزة نوبل مثل العالم محمد عبد السلام وتلميذه برويز علي الذي فضح زيف كارثة أسلمة العلوم في كتابه‏'‏ الإسلام والعلم‏'‏ الذي قدمه محمد عبد السلام‏,‏ ونشر بالإنجليزية‏,‏ قبل أن يترجمه الدكتور محمود خيال‏,‏ ضمن المشروع القومي للترجمة الذي نهض به المجلس الأعلى للثقافة‏.‏ وأضيف إلي ذلك تدهور التعليم الديني الذي غرق في تيارات التعصب‏,‏ وأصبح منتجا للتطرف‏.‏ وقد حدث ذلك بالفعل في المدارس السنية الأصولية التي أنتجت حركة طالبان‏.‏ وهي صيغة الجمع لكلمة طالب العربية الأصل في لغة البشتو‏.‏ وتدل علي الطلاب الذين تكونت عقائدهم الأصولية في حلقات التعليم الديني‏,‏ أو المدارس‏,‏ في باكستان وأفغانستان‏.‏
ومن الصعب أن ننسي الجزائر التي وصلت فيها الحركة الإسلامية إلي اكتساح الانتخابات‏,‏ ليس بفضل ما انطوت عليه من وعود إيجابية‏,‏ وإنما بفضل مفاسد جبهة التحرير‏.‏ وكانت النتيجة إغراق الجزائر في بحار الدماء‏,‏ وتحولها إلي قبر كبير لا يكف عن الاتساع الذي ضاق بالضحايا من المثقفين والكتاب والفنانين والأبرياء الذين لا عد لهم ولا حصر‏.‏ وقد شهدت الجزائر‏,‏ ابتداء من أبريل‏1997,‏ عددا كبيرا في المذابح الوحشية التي قامت بها الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح ومثيلاتها من الجماعات الإرهابية‏.‏ وهي مذابح لم تميز بين ذكر وأنثي أو طفل رضيع وشيخ طاعن في السن‏.‏
وكانت طرق القتل في غاية الوحشية لإثارة الرعب في نفوس المواطنين التي أصبحت تهمة التكفير معلقة كحد المقصلة علي رقابهم‏,‏ خصوصا بعد أن أعلنت الجماعة الإسلامية المسلحة تكفير كل قادة الجزائر دون استثناء‏,‏ وتكفير كل من يعمل معهم أو من لم يخالفهم‏.‏ وشاعت فتوى قتل الأطفال التي اعتمدت على أن أطفال الكافرين لابد أن يكونوا كفارا مثلهم حين يكبرون‏,‏ فالأصوب قطع رقابهم منذ البداية‏,‏ وتخليص المسلمين من شرورهم المستقبلية‏(‏ تصور؟‏!).‏ ولم ينحصر نشاط الجماعة في الجزائر‏,‏ وإنما امتد إلي خارجها‏,‏ خصوصا حين قامت الجماعة بتفجير أحد خطوط مترو الأنفاق في باريس‏,‏ ترتب عليه قتل أربع ضحايا وجرح أكثر من ستين‏.‏
*****
مخاطر الدولة الدينية ـ‏6‏

بقلم: جابر عصفور
رفض المفاهيم التي تربينا عليها عن القومية والوطنية سمة أساسية من سمات الدولة الدينية التي ينفر دعاتها من القومية الوطنية علي السواء الأولي بوصفها الرابطة التي تجمع بين أقطار عديدة علي أساس من المصالح المشتركة والتاريخ المشترك والثقافة الواحدة والتطلع إلي الأماني التي تصوغها شعارات متفق عليها‏,‏ كالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة التي لا تزال أماني وشعارات عزيزة في حركة القومية العربية‏,‏ تلك الحركة التي جمعت ما بين العرب في السعي وراء الاستقلال‏,‏ والخلاص من الاستعمار‏,‏ وبناء مجتمع جديد لا يخلو من وحدة التنوع التي تمتد من المحيط إلي الخليج‏,‏ وكما كانت الدعوة إلى القومية العربية قائمة علي أسس مدنية وسياسية‏,‏ لا تخلو من وضع عامل الأديان في اعتبارها‏,‏ بوصفه عامل قوة تحفز علي التقدم‏,‏
كانت هذه الدعوة قائمة علي نزعة إنسانية‏,‏ معادية للنزعات العرقية أو العنصرية المغالية‏,‏ ساعية إلي تحقيق مبدأ الحوار المتكافئ والتفاعل الكامل والتعاون البناء بينها وغيرها من القوميات التي تؤمن بالمبدأ نفسه‏,‏ ولا يزال الأساس الإنساني هو الوجه الآخر للأساس المدني في حركة القومية العربية‏,‏ سواء في أهدافها النبيلة أو صياغاتها الأصيلة الداعية إلي التقدم الواصل ما بين الخاص والعام‏,‏ القومي والإنساني‏,‏ بعيدا عن محاولات تشويهها أو الانحراف بها عن أهدافها‏..‏ وينطبق الأمر نفسه علي مفهوم الوطنية التي تردنا دلالاته إلي معاني المواطنة‏,‏ خصوصا من حيث هي عقد اجتماعي بين المواطنين من الأفراد الذين لا يتمايزون في الحقوق والواجبات‏,‏ ويتراضون علي دساتير وقوانين تبدأ من واقع حياتهم لتستبدل به واقعا أفضل‏,‏ وإمكانات أنضر‏,‏ فاصلة دائما بين السلطات‏,‏ محترمة دائما كل الأديان والمعتقدات‏,‏ سواء بمعناها الجمعي الذي يصل بين أغلبية وأقليات‏,‏ أو معناها الفردي الذي يؤكد حرية الإنسان ـ أو المواطن الفرد الحر ـ في اعتناق ما يشاء‏.‏
هذا التصور للقومية أو الوطنية مرفوض دائما عند دعاة الدولة الدينية والجماعات السياسية الساعية إلى إقامتها‏,‏ فالقومية شر ومنبع للمفاسد والشرور وعداء للإسلام والمسلمين‏,‏ كالوطنية والمواطنة وغيرها من البدع التي أتي بها الغرب الكافر الفاجر‏,‏ وذلك عند دعاة لا يزال لهم تأثيرهم‏,‏ مثل أبي الأعلى المودودي ومن سبقه أو لحق به أو تبعه من مجموعات الإسلام السياسي‏,‏ وهي مجموعات يجمع ما بينها التعصب للعقيدة الدينية التي تنقض القومية‏,‏ والأصولية التي تسعي إلي استئصالها‏,‏ ولا ينفصل التعصب والأصولية عن الإرهاب الديني الذي يسعي‏,‏ بدوره‏,‏ إلي استئصال القيم والمبادئ الوطنية‏,‏ والهدف هو استبدال رابطة العقيدة برابطة المواطنة‏,‏
وبالوحدة القومية الوحدة الدينية العابرة للقارات والثقافات‏,‏ ويتفق مع أبي الأعلى المودودي في كذلك كثيرون غيره في تأكيد أولوية العقيدة الدينية وتفضيلها علي أي عقيدة مغايرة‏,‏ قومية أو وطنية أو حتي إنسانية‏,‏ خصوصا من حيث هي عقائد من صنع البشر الذين يتميزون بالنقصان والفساد‏,‏ ولا عاصم لهم إلا بالعودة إلي خالقهم‏,‏ وتسليمهم بأن الحاكمية له وحده دون بقية خلقه الذين لا يفارقهم الشيطان ويسري في نفوسهم اللوامة مسري الدم في الأوردة والشرايين‏,‏ ولكن الحاكمية لله لا تعني ـ في النهاية ـ سوي الحاكمية لبعض البشر الذين يتحولون إلي وسطاء لله في الحكم‏,‏ أو نائبين عنه‏,‏ ولا عصمة لهم بالقياس إلي غيرهم من البشر‏,‏ فقد انتهي إلي الأبد زمن العصمة الذي اختص به الله أنبياءه‏,‏ في تتابع الديانات التي ختمها الإسلام‏.‏
ولذلك لم يعد لأحد مهما يكن ـ بعد الله وأنبيائه ـ سلطة علي أحد من البشر الذين توافقوا فيما بينهم علي عقد اجتماعي ارتضوه أساسا لمعيشة تحقق لهم‏,‏ جميعا‏,‏ دون تمييز‏,‏ الحق والعدل والمساواة‏,‏ وتدفعهم جميعا إلي ذري التقدم والحرية‏,‏ بعيدا عن شروط الضرورة والتخلف التي شقي بها البشر عبر عصور الظلم وأزمنة الإظلام‏,‏ والإيمان بضرورة عقد اجتماعي له صفته المدنية التي لا تحمل معه القداسة الدينية‏,‏ أو العصمة لأي فئة بشرية أو تمييزا لها علي غيرها‏,‏ يعني حتمية الإيمان بالدستور والقوانين التي يتعاهد عليها المواطنون‏.‏ ويرون فيها حماية لهم في عالمهم الدنيوي الذي هم أدري بشئونه‏,‏ وأقدر علي صنع أنظمته وأشكال حكوماته‏,‏ ما ظلت هذه الأنظمة والحكومات محكومة بدورها بما يضمن الفصل بين سلطاتها‏,‏ ويصون حرية الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم علي أساس من جنس أو عرق أو طائفة أو دين‏.‏
ولذلك لا يختلف معني المواطنة المدنية عن الوطنية في دوائرها المدنية الخالصة أقصد إلي تلك الدوائر التي يجسدها المجتمع المدني في تعدد مؤسساته وتباين مجموعاته‏,‏ خصوصا في حرية الحركة التي تظل محكومة بالمبدأ العام الذي يؤكد حقوق الإنسان من ناحية‏,‏ وعدم التمييز بينها وحقوق المواطنة من ناحية ثانية‏,‏ فالأولي هي الثانية‏,‏ والثانية هي الأولي في تطبيقها علي فضاء جغرافي بشري بعينه‏,‏ له خصوصيته الثقافية والحضارية بالطبع‏,‏ لكن بما لا يتناقض ومبدأ وحدة التنوع الخلاق في الحقوق والواجبات الإنسانية التي تصونها المواثيق والتشريعات الدولية التي تؤكد البعد الإنساني العادل في الممارسات الوطنية والفردية المقترنة بالمواطنة أو القومية‏,‏ ولا يفارق ذلك‏,‏ بالضرورة‏,‏
احترام المعتقدات الفردية وعدم التمييز بينها‏,‏ فالكل سواء أمام الدساتير والقوانين التي لا تفارق العقود المدنية التي ارتضاها المواطنون أساسا لحياتهم‏,‏ في وطن حر‏,‏ لا يتوقف عن التقدم‏,‏ مدركا أهمية التراث الروحي والديني لكل من الأغلبية والأقلية‏,‏ في تحقيق معني الإيمان بأن الدين لله والوطن للجميع‏,‏ وأن الحاكمية للدستور والقانون وليست لفئة من البشر‏,‏ تدعي الإنابة عن هذا الدين‏,‏ أو ذاك‏,‏ فتحيله من قيم ومبادئ روحية أخلاقية عادلة‏,‏ ثابتة‏,‏ قائمة علي المساواة والحرية‏,‏ إلي مبادئ سياسية نفعية‏,‏ متغيرة ومتحيزة معادية ـ في النهاية ـ للوطن والمواطنة والوطنية والقومية علي السواء‏.‏ وهذا هو السبب الجذري في رفض جماعات الإسلام السياسي‏,‏ وما يوازيها من أصوليات مسيحية أو يهودية‏,‏ مفاهيم المواطنة والوطنية والقومية‏,‏ وما يصاحبها من مؤسسات وتنظيمات حديثة‏,‏ مقترنة بالتعددية والتنوع‏,‏ وحق التعبير أو الاختلاف في كل المجالات‏.‏
****
مخاطر الدولة الدينية ـ 7‏

بقلم‏:‏ جابر عصفور
أتصور أن الثقافة التي تشيعها الدولة المدنية‏,‏ عندما تكون مدنية وحديثة بحق‏,‏ بعيدة عن التسلط والفساد‏,‏ هي الضمان الوحيد لكي لا يتحول الدين إلي شعائر شكلية أو شعارات من حكام الجور الذين ظلموا باسم الدين‏,‏ واستباحوا حريات الأفراد والمجموعات‏,‏ وظلموا شعوبهم التي لا تزال تئن من وطأة القمع الواقع عليها‏,‏ وقد ساعد حكام الجور علي ذلك انه لم يكن هناك دستور مكتوب أو عقد اجتماعي تترتب عليه قوانين حاكمة للجميع‏,‏ ولا معني حقيقيا للشورى مع هؤلاء الحكام‏,‏ حتي لو احتاجوا إلي بعض الفقهاء أو العلماء ليزخرفوا لهم أمسيات المنادمة‏,‏ أما الحكم النهائي فللحاكم الذي يرفع ذهب المعز وسيفه‏,‏ ولا حرية لأحد من رعاياه إلا بإذن منه‏,‏ وذلك بما ينفي حضور الحريات المدنية بمعناها المعاصر‏,‏ وسيتأصل وجودها‏.‏
وقد عرفنا فقهاء السلاطين الذين زينوا لهم الظلم قديما‏,‏ ولا يزالون يبررون لهم الاستبداد حديثا‏,‏ فيدفعونهم إلي منافسة مجموعات الإسلام السياسي في ادعاء احتكار التأويل الإسلامي‏,‏ وإشاعة اللوازم التي توهم بأنهم لا يقلون حرصا علي الإسلام من خصومهم‏,‏ واقعين بذلك في شراك الخطاب النقيض‏,‏ وداعمين تحول الإسلام الذي لا سلطة دينية فيه إلي سلطة كهنوتية تمارسها مؤسسة دينية‏,‏ تسعي إلي توسيع نفوذها‏,‏ ومشاركتها السلطة الحاكمة في الهيمنة والسيطرة‏,‏ ويحدث ذلك في إطار من علاقات تبادل المنافع والمصالح‏,‏ والنتيجة احدي اثنتين‏:‏ إما تحول المؤسسة الدينية الرسمية إلي سلطة اكليروس من نوع جديد‏,‏ ما ظلت علي تحالفها مع الدولة الاستبدادية‏,‏
وما ظلت تعيد إنتاج الخصائص نفسها علي المستوي الديني‏,‏ أو ممارسة هذه المؤسسة دورا أشبه بدور محاكم التفتيش التي كانت كارثة علي الحريات الفكرية والإبداعية‏,‏ وفي كلا الحالين تعكس المؤسسة الدينية صفات التسلط في الدولة‏,‏ فتبدو كأنها إياها‏,‏ أو تتسرب إليها من صفات جماعات الإسلام السياسي ما يجعل الفارق بينهما كميا وليس كيفيا‏,‏ والاستثناء الممكن‏,‏ والحادث بالفعل‏,‏ لا ينفي القاعدة العامة التي نري شواهدها في علامات كثيرة‏,‏ أهمها عدم تقبل المؤسسة الدينية لأي اجتهاد مغاير لاجتهادها‏,‏ واستخدامها المنطق القمعي في وصف ما تنتهي إليه علي أنه من ثوابت الإسلام وفرائضه‏,‏ ومن هو المسلم الذي يفكر في الخروج علي ثوابت الإسلام وفرائضه‏,‏ أو يعلن اختلافه مع السلطة الدينية فيها‏,‏ وأوضح ما انتهي إليه موضع المساءلة؟‏!‏ وهو أمر يدني بهذه السلطة إلي حال من الاتحاد مع جماعات التطرف الديني التي تدعي احتكار معرفة الحقيقة الدينية والإنابة الحصرية عنها‏,‏ وهو الأمر الذي يصل بين الطرفين اللذين يبدوان متناقضين للوهلة الأولي‏.‏
ولاشك أن نشوء تيار إسلامي مدني‏,‏ يؤمن بفصل الدين عن الدولة‏,‏ ودعم الدولة المدنية التي ترعي كل الأديان وتصون مقدساتها‏,‏ هو أمر بالغ الأهمية في زماننا الصعب الذي لابد فيه من دعم مؤسسات الدولة المدنية القائمة علي مبدأ المساواة في المواطنة‏,‏ وهو أمر بالغ الحيوية والأهمية لتطوير المفاهيم الدينية‏,‏ وتحديث المؤسسة الدينية المدنية‏,‏ علي السواء‏,‏ ولكن بشرط الإيمان بدنيوية الممارسة السياسية‏,‏ ولوازم الدولة المدنية من الديمقراطية الحقيقية والتعددية‏,‏ وتداول السلطة‏,‏ واستناد البرامج السياسية إلى أسس مدنية ومعايير عقلانية‏,‏ بعيدا عن المزايدات الدينية‏,‏ والتدخل في حيوات الناس الشخصية‏,‏ ولا تكتمل وعود هذا الهدف إلا بأن تكف الدولة عن منافسة الجماعات الدينية بادعاء أنها دينية أكثر منها حرصا علي الدين والتزاما بشريعته‏,‏ فالدولة المدنية القوية لا تزايد علي احترامها الأصيل للأديان‏,‏ كل الأديان‏,‏ وعلي حمايتها لكل المعتقدات والحريات بلا تمييز‏,‏ ولا يختل ذلك إلا في دولة مدنية هشة‏,‏ ينخرها الفساد والضعف‏,‏ أو الاستبداد والتسلط‏,‏ بما يؤذن بخرابها وانهيارها‏.‏
وللأسف فنحن لم نفصل فصلا حاسما‏,‏ إلي اليوم‏,‏ بين الديني والدنيوي‏,‏ ونتمسح بالديني الذي ليس مقصورا علي الأغلبية المسلمة نفسها‏,‏ ونتنازل سريعا تحت ضغط الغوغائية الدينية التي تعود بنا إلي الوراء في كل مجال اخترقته‏,‏ ونتبنى منطق جماعات الإسلام السياسي في غير حاله‏,‏ فنقع في شباك خطابها النقيض‏,‏ ولا نتوقف عن مجاراتها ـ دون وعي ـ حتي في الباطل الذي تدعيه‏,‏ ومحاكاتها في الاتجاهات الخطرة التي تقودنا إليها‏,‏ وما دعوى أسلمة التشريع الذي لا يزال‏,‏ من بقايا الزمن الماضي مطروحا إلي اليوم‏,‏ إلا مثال علي ما أقول‏.‏
ولا تزال نقابات واتحادات مهنية مهمة مخترقة من مجموعات الإسلام السياسي التي هيمنت عليها واخطر من ذلك لا تزال الساحة السياسية مقصورة علي الاستقطاب بين حزب الأغلبية والجماعة المحظورة للإخوان المسلمين‏,‏ ولا ندعم الأحزاب المدنية القائمة‏,‏ ولا نسمح بوجود أحزاب مدنية أكثر جدة وقوة‏,‏ يمكن أن تزيد الدولة المدنية عافية والمجتمع المدني صلابة‏,‏ ولذلك تقوى جماعات الإسلام السياسي ويتزايد نفوذها على الجماهير عاما بعد عام‏,‏ نرى ذلك في شعاراتها التي أصبحت أكثر ترددا على الألسنة‏,‏ وأكثر تأثيرا في قيم المجتمع المدني‏.‏

الظواهرى فى ليبيا .. فهل استعد الجيش للخطر القادم ؟

الظواهرى فى ليبيا .. فهل استعد الجيش للخطر القادم ؟

بقلم : د. رفعت سيد أحمد

21 أبريل 2011

لقد بح صوتنا ، ونحن نطالب مثقفينا وإعلاميينا ، بألا ينساقوا وراء إعلام الـ CIA الناطق بالعربية فيطلق على كل احتجاج أو عنف ضد أنظمة عربية ، كلمة (( ثورة )) فهذا خطأ ، وخلل كبير فى التحليل ، خاصة إذا جاءت الحقائق الجديدة لتدحضه ، وتؤكد أنه من النتائج الخطيرة لإطلاق كلمتى (( ثورة )) ، (( ثوار )) على ما يجرى مثلا فى سوريا وليبيا ، يؤدى إلى إهانة الثورتين المصرية والتونسية وهما الثورتان الوحيدتان الشعبيتان والسلميتان ، أما غيرهما فهو فى أحسن الأحوال احتجاجاً ، وفى أسوأها مؤامرة ركبها الغرب (( أمريكا وأوروبا وإسرائيل )) من أجل النفط أو تنظيم القاعدة صاحب التاريخ الطويل فى الإساءة للإسلام ، وقضايا المسلمين العادلة ، ولعل جريمة قتل المناضل الإيطالى (( فيتور أريجونى )) فى غزة على أيدى عناصر هذا التنظيم تؤكد عمالته وتطرفه .

الآن هذا التنظيم فى ليبيا ، والقائل بهذا ليس (( القذافى )) أو إعلامه ، أو كتائبه ، بل (( السعودية )) وصحافتها الرسمية ، ونظن أن السعودية التى نسميها دائما (( إسرائيل العربية )) ليست محبة للقذافى ونظامه ، فهى من أكثر دول العالم عداء له ، وهى الدولة العربية الأولى فى التبعية والعمالة لأوروبا وأمريكا ، وبالتالى شهادتها هنا (( شهادة حق )) ، وهى شهادة أتت عبر صحيفة (( الحياة )) السعودية فى عددها الصادر يوم السبت 16/4/2011 ، وحمل عنوان (( القاعدة : لدينا إمارات فى ليبيا والمجاهدون لا صلة لهم بالمجلس الانتقالى )) ، وفى تفاصيل الخبر المطول حقائق مذهلة على لسان أيمن الظواهرى ، والذى يؤكد أنهم قد أقاموا خمس إمارات إسلامية فى ليبيا (( شبيهة بإمارة طالبان )) وأنهم هم الذين يقودون العمل المسلح ضد كتائب الجيش الليبى الذى يسميه إعلام الجزيرة والعربية قصداً وتشويهاً (( كتائب القذافى )) وفى الحوار والخبر المنشور فى (( الحياة )) أسمى الظواهرى مجلس الحكم الانتقالى ((مجلس الكفر الانتقالى)) .. وإليكم نص كلمات الظواهرى التى ينقلها عنه المسئول الإعلامى فى تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب العربى والمسمى باسم (( صلاح أبى محمد )) هل لـ (( القاعدة )) وجود فعلاً فى ليبيا فى ظل المزاعم المتكررة فى شأن حصولكم على أسلحة وصواريخ أرض جو من مخازن الأسلحة فى ليبيا ، كما ورد أخيرا على لسان مسئولين أمنيين جزائريين والرئيس التشادى إدريس دبى ؟
نعم، ولدينا إمارات إسلامية، ولا نخاف من ذلك لأننا لسنا مجرمين ولا نخشى إلا الله سبحانه وتعالى، والأسلحة للدفاع عن شرفنا وشرف الأمة الإسلامية ورفع راية الإسلام، فلنا هناك خمس إمارات في إمارة مدينة درنة ومدينة بنغازي ومدينة البيضاء ومدينة المرج ومدينة شحات الإسلامية كُل عز وفخر، خصوصاً إمارة درنة وأميرها الشيخ الفاضل عبد الحكيم الذي شكّل هو وإخوانه المجلس الإسلامي بالمدينة ليحكم بشرع الله. ثم وصف الظواهرى مجلس الحكم الانتقالى بـ (( مجلس الكفر الانتقالى )) ووصفه بأنه عميل للغرب وأنه لا يقاتل وأن من يقاتل فى الصفوف الأمامية (( فى ليبيا )) هم مجاهدون فى سبيل الله ولا صلة لهم بمجلس الكفر الانتقالى الذى جلب الكفار ، إلا قلة منهم يتعمدون الظهور فى وسائل الإعلام فهم لا يفقهون إلا التصريحات المترنحة )) .

وبعد .. هذا جزء من المعلومات الخطيرة فى الخبر الذى نشرته صحيفة (( الحياة )) السعودية الواسعة الانتشار ، ولنا سؤالان على هذا الخبر المهم :

الأول : موجه إلى الجيش المصرى العظيم والذى يكن له كل أبناء الثورة ، المحبة والتقدير الكبيرين لدوره الرائد فى حماية الثورة حتى يومنا هذا ، وهو : هل استعد الجيش لهذا الخطر على حدودنا الغربية ؟ أم يا ترى قد أثرت فيه هو الآخر دعاية قناتى الجزيرة والعربية وباقى إعلام الـ CIA الناطق بالعربية ودعايات الحلف الصهيونى الغربى ، فى أن يسمى ما يجرى فى ليبيا (( ثورة )) وأن (( الثوار )) هم فعلا الذين يقاتلون القذافى ؟! أم أن لديه معلومات أخرى ليست لدينا ؟ وهنا أشير إلى الخبر المهم الذى نشرته صحيفة الشروق المصرية يوم 17/4/2011 فى صفحتها الأولى تحت عنوان (( صفقة أسلحة مهربة من ليبيا وراء اقتحام قسم شرطة سيدي براني )) ؛ ويتضمن معلومات خطيرة تؤكد أن السلاح والإرهاب المنظم بدأ ينتقل إلى حدود مصر الغربية حدودنا الغربية فعلا ، فهل استعد الجيش والشعب والثوار الحقيقيون لهذا الخطر الكبير القادم ؟ أتمنى - على الأقل - أن ينتبهوا ويستعدوا فالكوارث الدامية قادمة ولا حل لها سوى إغلاق الحدود فورا وتنظيم الدخول والخروج وضبط حركة الأسلحة التى تجرى بكثرة على الحدود ، ومراقبة الدور القطرى - الغربى الخطير هنا ، نقول هذا قبل أن يندم الجيش والشعب على ما سيحدث على حدودنا الغربية غدا من كوارث سببها تنظيم القاعدة القائد الفعلى للأحداث فى ليبيا !

أما السؤال الثانى : فهو موجه إلى إعلامنا الرسمى والخاص وإلى فضائيات الـ CIA وإلى نخبتنا السياسية والثقافية ، ألا يدفعكم هذا الخبر عن كون الذى يقود العمليات فى ليبيا على الأرض هو (( تنظيم القاعدة )) ، وفى السماء هو (( التحالف الغربى الطامع فى النفط )) .. ألا يدفعكم هذا إلى إعادة النظر - ولو من باب الأمانة مع القارئ ، وعدم خديعته قبل احترام العقل والضمير المهنى - إلى التعامل إعلاميا مع ما يجرى فى ليبيا على أنه لا علاقة له بالثورة ، ولا بالثوار ، وأن فى ذلك إهانة كبيرة - لو يعلمون - للثورة المصرية حين تسمى إرهاب القاعدة ، والصراع على السلطة والنفط بنفس اسمها (( الثورة )) ؟!

ختاما : أكرر نصيحتى للمجلس العسكرى الذى يفهم ماذا يعنى أمننا القومى ، من فضلك أغلق الحدود مع ليبيا أو على الأقل نظمها واضبطها جيداً .. قبل أن تتحول السلوم ومرسى مطروح والساحل الشمالى إلى أفغانستان أخرى .. اللهم قد بلغنا (( مجلسنا العسكرى )) اللهم فاشهد !