الجمعة، 22 أبريل، 2011

مخاطر الدولة الدينية فى مصر - جابر عصفور

كتبت فى الفترة من يناير ومارس 2007 ولا تزال صالحة إلى اليوم وأصبحت الحاجة إليها ملحة اليوم بالذات ..


مخاطر الدولة الدينية‏-1‏

بقلم : جابر عصفور
الدولة الدينية هدف لمجموعات الإسلام السياسي من ناحية‏,‏ وشعار لمجموعات التطرف الديني من ناحية موازية‏,‏ وتتفق المجموعة الأولي والثانية علي أن كل حلول مشكلات المجتمع مشروطة بإقامة هذه الدولة التي تعدل بين الناس‏,‏ وتحكم بالقسط‏,‏ وتقضي علي البغي والعدوان‏,‏ ففي نصوص الدين ما يقدم العلاج الناجع لكل أنواع الفساد‏,‏ والترياق الشافي لكل أمراض الظلم وكوارث الأزمات الاقتصادية‏,‏ فالحاكمية لله عند هذه الجماعات‏,‏ والحاكم هو شرع الله وكتابه هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه‏.‏ وقد أخذنا نسمع عن الهدف‏,‏ ونري الشعار علي نحو ملحاح‏,‏ لم يتوقف عن التصاعد والانتشار منذ هزيمة‏1967‏ التي أسقطت دولة المشروع القومي بتسلطيتها التي كان لها أبلغ الأضرار‏,‏ وأهمها أزمة الوعي الجمعي المحبط الذي أصابه اليأس من كل حل مدني‏,‏ وأخذ يبحث عن خلاصه في نوع من الإيمان الديني التعويضي‏.‏
وارتفع صوت الدعوة إلي هذه الدولة مع بداية تحالف السادات مع الإخوان المسلمين‏,‏ بعد أن قام بما أسماه ثورة التصحيح في مايو‏1971,‏ وذلك في السياق الذي وصل إلي ذروته الأولي في يناير‏1979‏ حين أطاح الملالي بحكم بهلوي في إيران‏,‏ وأعلنوا قيام الجمهورية الإسلامية التي وعدت بأن تملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا‏,‏ حسب مفردات الخطاب الشيعي‏,‏ ووصل إلي ذروته الثانية مع تزايد قوة المجاهدين الذين أخذوا علي عاتقهم مواجهة التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان‏,‏ مع نهاية السنة التي أعلنت فيها الجمهورية الإسلامية في إيران‏.‏ وقد وجد المجاهدون الذين رفعوا شعار الدولة الدينية الإسلامية‏,‏ في مواجهة النظام الشيوعي المتحالف مع موسكو‏,‏ الدعم اللوجستي من دول عربية‏,‏ تحالفت والولايات المتحدة في عملية القضاء علي المد الشيوعي الذي وصل إلي أفغانستان‏,‏ وأصبح قريبا من منابع النفط‏,‏ وهو الأمر الذي دفع كارتر إلي إعلان مبدأ حق اللجوء إلي القوة في حالة تهديد أمن الخليج‏,‏ وكان ذلك في يناير‏1980.‏
وبقدر ما قدمت بعض الدولة العربية المعنية الدعم المالي‏,‏ وتسهيل مهام مكاتب التطوع للجهاد ضد الكفار في أفغانستان‏,‏ قامت الولايات المتحدة بتدريب أعداد لا يستهان بها من المجاهدين في صحراء أريزونا‏,‏ ولم تبخل بالسلاح والمال في سبيل القضاء علي المد الشيوعي‏,‏ ومن ثم التحالف مع الدعاة الأفغان للدولة الدينية‏,‏ ومعهم الدعاة العرب الذين عادوا إلي أوطانهم العربية‏,‏ بعد الانتصار علي النظام الشيوعي الأفغاني وإقامة الدولة الدينية الأفغانية‏.‏ وسعي المجاهدون العرب‏,‏ بدورهم‏,‏ إلي إقامة الدولة الدينية الإسلامية الجديدة بالقوة‏,‏ خاصة بعد أن أعلنوا أن الجهاد لن يتوقف ضد الأنظمة الجاهلية العربية التي تحكم بغير شرع الله من ناحية‏,‏ وضد الولايات المتحدة التي أصبحت الشيطان الأكبر الذي انقلبوا عليه بعد أن تحالفوا معه لتحقيق مصالحهم المشتركة التي لم تعد قائمة بعد تقلص المد الشيوعي وقيام البروسترويكا من ناحية مقابلة‏.‏
واقترن ذلك بتداعيات الثمانينيات‏,‏ ثم التسعينيات التي شهدت نهاياتها بداية عولمة الإرهاب الديني الذي أخذ يخترق القارات‏,‏ حاملا راية الجهاد الإسلامي الذي يسعى إلي القضاء علي الأنظمة الجاهلية في كل مكان‏,‏ واستبدال الدولة الدينية بالدولة المدنية‏,‏ وإحلال العصبية الدينية محل التسامح الذي يحكم‏-‏ أو يفترض أن يحكم‏-‏ علاقات مؤسسات المجتمع المدني وطوائفه‏.‏
وكانت النتيجة قرينة تصاعد الدعوة إلي الدولة الدينية والقضاء علي الدولة المدنية التي قيل إنها أحدثت من الشرور والمفاسد ما أعاد زمن الجاهلية إلي ضراوته التي أصبح القضاء عليها فرض عين علي كل مسلم يريد الجهاد في سبيل الله‏.‏ وازداد الأمر تعقيدا بسبب ما انطوي عليه العديد من الأنظمة المدنية العربية‏,‏ خصوصا ذات الطبيعة العسكرية أو التسلطية‏,‏ من مفاسد اقترنت بأزمات اقتصادية طاحنة‏,‏ دفعت الناس إلي البحث عن خلاص‏.‏ وكان وعد الخلاص‏,‏ ولا يزال‏,‏ جاهزا عند دعاة الدولة الدينية‏,‏ أولئك الذين وجدوا في مفاسد الأنظمة القائمة وتسلطيتها ما ساعدهم علي الانتشار‏,‏ ووجدوا في الثقافات التقليدية السائدة ما أعانهم علي النجاح‏.‏ والنتيجة هي كسب تعاطف الآلاف المؤلفة من البسطاء الذين أضناهم الفقر‏,‏ وأوجعهم الظلم‏,‏ ودفعتهم بشاعة الأجهزة القمعية للدولة التسلطية إلي رفضها والبحث عن بديل لها‏.‏ وكان البديل جاهزا‏,‏ صيغ في تخييلات مغوية‏,‏ قائمة علي وعود لا تفارقها أنواع من العون المادي للمحتاجين في مجالات التعليم والصحة والإسكان‏,‏
وغيرها من أشكال الرعاية التي لا تزال تقوم بما تعجز الحكومات عن النهوض به‏.‏ وأصبح للمجموعات الداعية للدولة الدينية‏,‏ علي اختلاف طوائفها وتياراتها‏,‏ حضور متزايد‏,‏ بواسطة أجهزة إيديولوجية قوية‏,‏ موازية لأجهزة الإعلام الحكومية ومتفوقة عليها‏,‏ سواء بواسطة وعاظ المساجد والزوايا‏,‏ وأئمة الدعوة‏,‏ وأمراء الجهاد الذين ملأوا الجامعات‏,‏ وحاضروا‏,‏ ولا يزالون‏,‏ في النوادي الاجتماعية والرياضية‏,‏ ونجحوا في اختراق العديد من مؤسسات المجتمع المدني التضامنية التي تضم النقابات والاتحادات‏,‏ كما نجحوا في التسلل إلي مواقع عديدة‏,‏ منها القضاء وأجهزة إعلام الدولة التي أصبح لها ما يوازيها من أجهزة إعلام خاصة بهذه الجماعات‏,‏ ابتداء من القنوات الفضائية وليس انتهاء بالإذاعات أو الصحف والمجلات‏,‏ أو مواقع الإنترنت‏.‏ وحققت المجموعات الداعية للدولة الدينية أكثر من انتصار نتيجة فساد الخصوم‏,‏ ولا داعي للأمثلة فهي معروفة‏.‏ ولكنها أدت في الأقطار التي تكاثرت فيها إلي كوارث وخيمة‏,‏ حسبي الإشارة إلي المذابح التي حدثت في الجزائر‏,‏ واتساع دوامات الاغتيال للمسلمين الذين أصبحوا موصومين بالكفر‏,‏ لا لشيء إلا لأنهم لم يقبلوا بفكرة الدولة الدينية‏,‏ خصوصا من المثقفين الذين أصبحوا هدفا للاغتيال في الجزائر ومصر وغيرهما من الأقطار العربية‏‏
****
مخاطر الدولة الدينية‏-2‏

بقلم : جابر عصفور
الواقع أن مثقفي المجتمع المدني والمدافعين عن الدولة المدنية هم أكثر الناس رفضا لمفهوم الدولة الدينية والدعوة لها‏,‏ وهم الأكثر تنبيها إلي مخاطرها وكوارثها الممكنة‏,‏ ولذلك تترصد لهم المجموعات الداعية إلي الدولة الدينية‏,‏ ساعية إلي استئصالهم‏,‏ أو قمعهم ماديا ومعنويا‏,‏ بما يزيحهم من طريق الدعوة التي لا يزالون عقبة في طريق تحقيق هدفها‏.‏ والخطر الأول الذي ينبه إليه هؤلاء المثقفون الواقعون‏,‏ للأسف‏,‏ بين مطرقة مجموعات الإسلام السياسي ومفاسد الكثير من الحكومات‏,‏
هو الخطر المقترن بالصفة البشرية لا الدينية لمفهوم الدولة الدينية‏,‏ فهي دولة بشرية‏,‏ لو أمكن قيامها‏,‏ تحكمها مجموعة من البشر‏,‏ تتحدث باسم الدين‏,‏ وتنوب عنه‏,‏ وتحتكر تأويله وتفسيره‏,‏ وادعاء معرفته‏,‏ ومن ثم تقيم تطابقا تخييليا بينها وبينه‏,‏ فتصبح هي إياه‏,‏ أو يصبح هو إياها علي سبيل التخييل لا التحقيق‏,‏ أقصد إلي أن شرع الله ليس هو الذي يحكم في حالة الدولة الدينية‏,‏ وإنما مجموعة البشر التي تدعي الإنابة عنه واحتكار المعرفة به‏,‏ رافضة أن يشاركها غيرها في الإنابة أو الحكم أو المعرفة‏,‏
ولذلك فهي المصدر الوحيد لتفسير النصوص المقدسة للدين‏,‏ والناطق الأوحد لمقاصدها‏,‏ وقولها أو حكمها هو الحق وما عداه الباطل‏,‏ ما ظلت محافظة علي هذا التطابق التخييلي بينها ونصوص الدين التي تدعي احتكار الفهم لها‏,‏ ولذلك ينبني خطابها علي نوع من الوثوقية والجزم والحسم في اقترانه بأنواع الأمر والنهي والتحريم أو الإباحة التي يؤديها هذا الخطاب الذي لا يخلو من عناصر القمع الخاصة به‏,‏ خصوصا حين يتوعد المخالفين بعذاب الدنيا والآخرة‏,‏ ويسن خطابهم المضاد بالبدعة المقترنة بالضلالة المفضية إلي النار‏.‏
والاختلاف مع خطاب هذه المجموعة يعني الكفر والخروج علي الثابت المعلوم من أمر الدين الذي تحدده هي ولا يحدده غيرها‏,‏ والذي تغدو إياه في علاقتها بالآخرين الذين لها عليهم حق السمع والطاعة والتصديق وعدم المساءلة‏,‏ ومن ثم الإذعان والاستجابة إلي كل ما يقال‏,‏ مهما كان هذا الذي يقال‏.‏ وبقدر ما تتحول العلاقة بين هذه المجموعة وغيرها إلي علاقة أعلى بأدنى‏,‏ قامع بمقموع‏,‏ آمر بمأمور‏,‏ ينتفي حضور حق الاختلاف الذي يغدو معصية‏.‏ ولا مجال للاجتهاد المغاير الذي يغدو خطيئة‏,‏
ولا سبيل إلي المجادلة بالتي هي أحسن ما بين هذه المجموعة‏(‏ الأعلى علي نحو مطلق‏)‏ وغيرها‏(‏ الأدنى علي نحو مطلق‏),‏ فالمجادلة بالتي هي أقمع هي الأصل الملازم لاحتكار المعرفة الدينية‏,‏ والناتج عن التطابق التخييلي بين الدين والمجموعة التي توهم الآخرين أنها تنوب عنه‏,‏ أو تتحد معه كأنها إياه‏.‏ ولا ينفصل عن نتائج ذلك إلغاء الاجتهاد الذي يحل محله الإتباع‏,‏ وإحلال النقل محل العقل‏,‏ والتقليد محل الابتكار‏,‏ وسيطرة التراتب‏(‏ البطريركية‏)‏ بدلا من المساواة‏,‏ والتعصب بدلا من التسامح‏,‏
فيحل التمييز محل التكافؤ‏,‏ ونخبوية المعرفة الدينية بدلا من تعميمها الذي يؤكد حق الجميع فيها أو الوصول إليها بطرائق مغايرة‏,‏ فتتحول المعرفة بوجه عام إلي معرفة مضنون بها علي غير القلة التي تحتكرها‏,‏ أو النخبة التي بيدها مفاتيح المعرفة المحرمة علي غيرها‏.‏ ولا يؤدي ذلك إلي التضاد بين علم القلة بوجه عام وجهالة الكثرة فحسب‏,‏ بل يضيف إليه انحطاط معارف الكثرة‏(‏ بإطلاقها‏)‏ بالقياس إلي علو مقام معارف القلة المضنون بها علي غير أهلها في كل الأحوال‏.‏ والنتيجة هي كثرة المحرمات المعرفية الموازية لشيوع التراتب ومنطق الاحتكار وإلغاء المغايرة‏.‏
وإذا نقلنا هذا المبدأ من المعرفة بوجه عام‏,‏ والدينية بوجه خاص‏,‏ إلي الممارسة السياسية كانت النتيجة متماثلة‏,‏ فإلغاء حق الاختلاف يبدأ من المعرفة وينتهي بالسياسة التي لن تعرف‏,‏ في حالة الدولة الدينية‏,‏ تعددية الأحزاب‏,‏ أو تنوع قوي المعارضة وحريتها‏,‏ بل تعرف الصوت الواحد الأحد الذي لا يطلب سوي الإجماع‏,‏ ويحارب التنوع والتعدد وحق الاختلاف من حيث هي نقائض لحتمية الإجماع الذي يقترن بالطاعة الواجبة‏(‏ دون مساءلة‏)‏ لقمة الهرم المتراتب دينيا ومعرفيا وسياسيا واجتماعيا‏,‏ حيث تهبط الأوامر المنزلة‏(‏ كأنها الوحي‏)‏ من إمام المجموعة إلي النخبة المحيطة به‏,‏ بوصفها أدني بالضرورة‏,‏ كي تنقلها إلي غيرها الأدنى منها‏..‏ وهكذا إلي سفح الهرم السياسي الاجتماعي المعرفي‏,‏ مستعينة علي ذلك بعمليات تخييل إيديولوجي‏,‏ يبرر احتكار النخبة ورأسها الأعلى لكل شيء من ناحية‏,‏ ويشيع أفكارها ومبادئها بما يقنع بسلامتها من ناحية موازية‏,‏ وذلك في حجاج إيديولوجي يقسم المجتمع إلي فرق متعددة‏,‏ كلها في النار‏,‏ ما عدا فرقة واحدة ناجية‏,‏ مآلها الجنة والسعادة في الدارين‏,‏
هي فرقة النخبة الحاكمة التي يخلع عليها رأسها ما تخلعه هي علي غيرها من صكوك الإيمان والرضوان‏,‏ والبركة والغفران‏,‏ في أحوال الإيجاب‏,‏ أو صكوك‏'‏ الكفران‏'‏ أو اللعنة الأبدية‏,‏ في أحوال السلب‏,‏ فالفرق الضالة مضلة هالكة‏,‏ موعودة بعذاب الدارين‏,‏ واستئصال أفرادها واجب وجوب استئصال الزوان من الحنطة‏,‏ فيما يقول متطرفو الحنابلة المتأخرون‏.‏
والنتيجة هي شيوع العنف‏,‏ مقرونا بالقمع في المجتمع‏,‏ وتغدو الأجهزة الأيديولوجية الدينية ودعاتها‏,‏ في علاقتها بالمواطنين الذين يتحولون إلي رعايا‏,‏ أدوات إرسال ذات بعد واحد‏,‏ يتجه من الأعلى إلى الأدنى دائما‏,‏ أو من المركز القامع إلي الهوامش المقموعة‏,‏ فارضا السمع والطاعة والتصديق والإذعان في كل الأحوال‏,‏ هادفا إلي تحقيق الإجماع الذي يتم استئصال الخارج عليه‏,‏ أو النظر إليه بوصفه الشاة الضالة التي خطفها الشيطان وسكنها‏.‏ وعندما يصل القمع إلي ذروة ممارساته يتحول إلي عدوي‏,‏ تحيل المقموعين إلي قامعين بدورهم‏,‏ أو مقتولين قتلة‏,‏ أعني أن المقموعين الواقع عليهم القمع يعكسونه كما تعكس المرايا ما يقع عليها وتسقطه علي غيرها الذي يسقطه علي غيره بدوره‏,‏ وذلك في دورة جهنمية‏,‏ لا يكف فيها القمع عن توليد القمع‏,‏ ويتبادل فيها المقموع والقامع الوضع والمكان‏,‏ خصوصا حين يتحول المقموع إلي قامع يمارس فعل القمع علي غيره الذي يمكن أن يقع تحت سطوته‏,‏ فيتحول المجتمع كله إلي قامعين مقموعين في زمن لا يمضي إلي الأمام بل يعود إلي الخلف‏,‏ وجماعة لا تتطلع إلي مستقبل واعد‏,‏ بل إلي ماض تخييلي تسجنها أوهامه‏.‏
*****
مخاطر الدولة الدينية‏-3‏

بقلم: جابر عصفور
نحن نشتكي من نقص الحريات وتقلصها في الدول التي تزعم أنها مدنية‏,‏ ولكن لا حريات علي الإطلاق في الدولة الدينية‏,‏ في حال وجودها‏,‏ إذ إن طبيعتها القائمة علي الإجماع والتسلط‏,‏ المقرونين بضرورات الطاعة والتصديق والإذعان‏,‏ لا تسمح بوجود الحريات بمعناها السياسي المقترن بتعددية الأحزاب‏,‏ وحق الاختلاف الفردي والجمعي مع سياسات الحكومة القائمة‏.‏ ويوازي غياب الحرية السياسية‏,‏ ويسبقه‏,‏ غياب الحرية الاعتقادية‏,‏ أو حتي التنوع الخلاق في اختلاف فهم مقاصد الشريعة وتأويل نصوصها‏,‏ وذلك في موازاة غياب الحريات الفكرية في الدولة الدينية التي هي أحادية المنظور‏,‏ ضيقة الرؤية‏,‏ حرفية الفهم بالضرورة‏,‏
فليس هناك تفسير لنصوص الدين سوي تفسير النخبة المتحكمة فيها‏,‏ وفرضها ما تراه بوسائل من القمع المعنوي والمادي‏,‏ أو بذهب المعز وسيفه علي النخب الثقافية‏,‏ فلا تتقلص الحريات الفكرية فحسب‏,‏ بل تختنق الحريات الإبداعية التي لابد أن يعاني ناتجها من الرقابة والمصادرة‏,‏ إذا اختلف عن ما تراه النخبة المتحكمة في كل شيء‏,‏ ابتداء من إدارة الدولة وانتهاء بإبداع العقول والقرائح‏.‏ ويعني ذلك أنه ليس هناك فكر سياسي أو ثقافي أو حريات أكاديمية أو إبداعية في الدولة الدينية التي لا تسمح إلا بما تراه هي‏,‏ ما ظلت محتكرة اليقين والحق‏,‏ فالنخبة الحاكمة فيها تغدو الفرقة الناجية التي هي علي الحق دائما‏,‏
وغيرها علي الباطل والضلال في كل أحوال اختلافه عنها‏.‏ وينتج عن قمع الحريات السياسية والفكرية والإبداعية تخلق رقيب داخلي في أعماق كل مفكر أو مبدع‏,‏ وكل مشتغل بالسياسة‏,‏ مهتم بالشأن العام‏,‏ خصوصا بعد أن يري الجميع ما حدث لأقران لهم‏,‏ تم التنكيل بهم ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر‏.‏ ويؤدي ذلك إلي استئصال روح المساءلة‏,‏ ومبدأ الشك‏,‏ أو رغبة التجريب‏,‏ مقابل تأكيد منطق الإتباع وتقليد الخلف للسلف في كل الأحوال‏,‏ واستبعاد منطق الابتداع وحتمية إضافة اللاحق للسابق‏.‏ وعندئذ‏,‏ يمضي المجتمع إلي الأمام وعيناه في قفاه‏,‏ لا يري إلا ما هو خلفه‏,‏ ولا يفعل إلا ما سبق فعله‏,‏ فلا يفكر أو يبدع إلا في الدوائر التي تجعله مقلدا للآخرين السابقين‏,‏
أو المركز المهيمن دائما‏.‏ وتسيطر علي المجالات الثقافية في دوائرها المختلفة نزعة تديين‏,‏ تسرف في رد كل شيء إلي الدين وإدخاله فيما يلزم أو لا يلزم‏,‏ سواء في المجال السياسي الذي تصبح الحاكمية فيه لله الذي ينوب عنه بعض البشر‏
أو المجال الفكري والإبداعي الذي لا تصبح له قيمة إلا بإلزامه بقيم مفروضة عليه من خارجه‏,‏ وبتأويلات دينية‏(‏ من صنع بشر يمكن أن يصيبوا وأن يخطئوا‏)‏ تتحكم في حركته وتحد من حريته‏,‏ بل تقضي علي هذه الحرية أصلا‏,‏ ويشيع الحديث عن الإعجاز العلمي للنصوص المقدسة التي تنطوي علي كل ما وصل إليه العلم في تطوره‏,‏ وفي ذلك ما يؤدي إلي مزالق قياس الثابت‏(‏ الدين‏)‏ علي المتغير‏(‏ العلم‏)‏ في أغلب الحالات‏,‏ وتدني البحث العلمي في كل الحالات‏.‏
ويلازم ذلك كله غياب الحرية بمعناها الاجتماعي‏,‏ فيغدو المجتمع تراتبيا‏,‏ وفضـلنا بعضكم علي بعض‏,‏ وتتمايز الطبقات أو الطوائف المتراتبة تمايزا حادا‏,‏ سواء في علاقة أفراد كل طائفة أو طبقة بباقي أفرادها وعلاقة كل طبقة أو طائفة بغيرها‏,‏ ويتكرر المبدأ الذي أقره ابن المعتز الحنبلي قديما‏,‏ حين أكد أن جماعة العوام متي وصلت إلي آداب الملوك العظام‏,‏ بطلت المآثر‏,‏ وسقطت المفاخر‏,‏ وصارت الرؤوس كالأذناب‏,‏ والأذناب كالأذياب‏,‏ وصح الخبر المروي عن الرجل المرضي‏:‏ لا يزال الناس بخير ما تباينوا‏,‏ فإذا تساووا هلكوا‏.‏ ويستند هذا التراتب إلي أساس فكري يقوم علي تأكيد حقيقة الجبر في حركة الإنسان الذي لا يختار علي سبيل الحقيقة‏,‏
وإنما يختار له‏,‏ استنادا إلي أمثال من قبيل‏:‏ القدر يختار ولا يختار عليه وللأقدار الاختيار علينا‏,‏ وفيها الخير لنا من حيث ندري ولا ندري‏.‏ وعندما يشيع الإيمان بالجبر يفقد الإنسان قدرته علي الاختيار الذي يعني قدرته علي المبادأة والمغايرة والاختلاف وحرية الفعل أو الحركة في الوجود‏,‏ فيصبح الإنسان عاجزا عن الفعل الخلاق‏,‏ قانعا بما هو عليه‏,‏ أو خانعا لما هو فيه دون سعي إلي تغييره‏,‏ ما ظل معتقدا أن هذا قدره‏,‏ وأن ما يعانيه مقدور عليه لسبب لا يعلمه‏.‏
ولا تقتصر مخاطر الدولة الدينية علي إلغاء الحريات بكل لوازمها فحسب‏,‏ وإنما يمتد الخطر إلي إلغاء معني المواطنة‏,‏ وتحويل الانتماء من الوطن إلي المعتقد‏,‏ ومن ثم الانتقال من روح التسامح ومبدأ المساواة الذي لا يمايز بين الطوائف الدينية والفئات الاجتماعية والتيارات السياسية‏,‏ في معني المواطنة المقترن بحق الاختلاف وطبيعته الحتمية‏,‏ إلي مبدأ التعصب الذي يؤكد التمايز والانقسام الحدي‏.‏ وعندئذ‏,‏ لن يصبح الدين لله والوطن للجميع‏,‏ بل يصبح الوطن من حق فئة بعينها بالدرجة الأولي‏,‏ تغدو هي الفئة الأعلى والأرقى ‏,‏ وغيرها الأدنى والأقل في حقوق مواطنته‏,‏ الأمر الذي يؤدي إلي الاحتقان في العلاقة بين أبناء الديانات المتعددة في الوطن الواحد‏,‏ وتحل العصبية البغيضة محل التسامح الرحب‏,‏ فيتحول الاحتقان إلي صراع وتنافر‏,‏ ومن ثم إلي فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر‏.‏
ولا تحدث هذه الفتنة بين أصحاب الديانات المتعددة فحسب‏,‏ حين تحكم أغلبية تقتات بمبادئ التعصب لا التسامح‏,‏ التمييز لا المساواة في الحقوق والواجبات‏,‏ فتتعقد علاقاتها بالأقليات التي تنطوي علي العداء للأغلبية وكراهتها‏,‏ وقد تخفي ذلك تحت أقنعة التقية في حالة ضعفها‏,‏ وإلا فمواجهة التمييز بالتمييز‏,‏ والعنف بالعنف‏,‏ والعصبية بمثلها‏,‏ في أحوال القوة‏,‏ فتحدث الفتنة‏,‏ وتتحول العلاقة بين الأديان إلي علاقة حروب وصراعات‏.‏ وهو الأمر نفسه الذي يحدث بين طوائف وفئات الدين الواحد‏,‏ علي نحو ما يحدث في العراق‏,‏ الآن‏,‏ بين السنة والشيعة‏,‏ أو حدث في الجزائر بين طوائف المتطرفين الذين تحولوا إلي إرهابيين قتلة‏,‏ فلم يترددوا في قتل المعتدلين الذين تحولوا‏,‏ في عيني التطرف‏,‏ إلي كفار‏.‏ وقس علي ذلك ما تفعله جماعات الإرهاب الديني بزعاماتها الدموية التي أصبحنا نسمع عنها‏,‏ وتجعلنا نري ما يمكن أن يؤدي إليه التعصب الذي هو أساس الدولة الدينية‏.‏
****
مخاطر الدولة الدينية ـ‏ 4‏

بقلم : جابر عصفور
إذا نظرنا إلي مخاطر الدولة الدينية‏,‏ من المنظور السياسي وحده‏,‏ لم نجدها قرينة الاستبداد والتسلط فحسب‏,‏ بل قرينة عدم وجود أسلوب واضح‏,‏ أو محدد‏,‏ لوصول الحاكم إلي الحكم‏,‏ ولا يوجد في هذه الدولة مؤسسات متمايزة‏,‏ مستقلة‏,‏ وهو الأمر الذي يتيح المجال واسعا لاستبداد الحاكم‏,‏ وإلغاء الديمقراطية بلوازمها من دستور وقوانين‏,‏ أو وضعها في مؤخرة الاهتمام بشرط أن تكون علي أساس من مرجعية دينية‏,‏ هي مرجعية فئوية أو طائفية في الأغلب الأعم‏.‏ ولن يوجد مفهوم للمواطنة بمعناه القائم علي المساواة في الحقوق والواجبات‏,‏
فليس هناك سوي المسلم والذمي والمستأمن في هذه الدولة التي تتراتب فيها الفئات تراتبا قمعيا قائما علي التمييز‏.‏ وبالطبع لا ننسي أن مبدأ الاسترقاق‏,‏ أو عودة الرقيق‏,‏ يمكن أن يعود إلي هذه الدولة التي تنبني علي درجات متباعدة من الحرية المقصورة علي السادة‏,‏ والقيد المحاط بهم وغيرهم من الذين يقعون في مرتبة الموالي أو المؤلفة قلوبهم‏.‏
وبالطبع فالحكم النهائي لرجل الدين أو من يحل محله في هذه الدولة سواء كان مجال هذا الحكم أمرا علميا خالصا أو إشكالا سياسيا بالغ التعقيد‏,‏ يتزايد تعقيده في عصر العولمة‏,‏ فالقسمة الصارمة إلي حلال وحرام‏,‏ شرعي أو غير شرعي‏,‏ لا مجال لها في هذا العصر بالغ التعقيد‏.‏ سريع إيقاع التغير الذي تعيشه ويلزم عن كل ما سبق النظرة الضيقة إلي القانون‏,‏ والاختلاف الخطير في إعماله أو تطبيقه أو تنفيذه‏,‏ فيتحول إلي ممارسات متباعدة قابلة للتناقض في أحكامها‏,‏ حسب اختلاف المذاهب الفقهية للقضاة الذين يحكم كل منهم حسب مذهبه‏,‏
وليس حسب قوانين واحدة متحدة‏,‏ تجاوز كل المذاهب‏,‏ في تحقيقها للمصالح المشتركة للمواطنين علي اختلاف طوائفهم‏.‏ يضاف إلي ذلك أن التراتب القمعي بين الطوائف مابين الفرقة الحاكمة الأعلى والفرق المحكومة الأدنى‏,‏ يسقط نفسه علي علاقات النوع والجنس‏,‏ فيتمايز الأصيل علي الوافد‏,‏
والرجل علي المرأة التي تفقد حقها في المساواة وتتحول إلي مجرد عورة في التراتب القمعي الذي يعلو فيه الكبير‏(‏ العود‏)‏ علي الصغير‏,‏ والمنتسب إلي الفئة الحاكمة علي الفئات المحكومة‏.‏ ويلتزم الجميع بطاعة الحاكم مهما ظلم وارتكب من الكبائر‏,‏ مخافة الفتنة‏,‏ إيمانا بأن حاكما قويا ظالما أفضل من حاكم أقل قوة حتي لو كان أكثر عدلا‏,‏ وقد سمعنا أخيرا من بعض المنتسبين لجماعات الإسلام السياسي‏,‏ من دافع عن صدام حسين السفاح علي أساس من قوته‏,‏ مبررا ذلك بأن الخروج عليه أدي إلي الفتنة‏.‏ أما علاقة الحاكم بالمحكومين فهي علاقة المستبد برعاياه الذين هم محرومون من حقوق المواطنة‏,‏
وليس لفقهائهم علي حكامهم سوي النصيحة التي قد يأخذ بها الحاكم‏,‏ أو يعمل السيف في رقاب بعض من يقدمونها مقترنة بإعلان الاختلاف معه‏.‏
ويمتد إعمال السيف من الداخل إلي الخارج‏,‏ خصوصا حين يغدو العالم كله دار حرب في أعين القائمين علي الدولة الدينية التي تستبدل‏,‏ في حال وجودها‏,‏ بالحوار مع العالم الصراع معه غير مؤمنة بحوار الحضارات أو كون العالم شعوبا وأمما تتعارف وتتعاون‏.‏
فالدولة الدينية قائمة علي العصبية‏,‏ والعصبية تنتقل من علاقتها بمواطنيها إلي علاقتها بغيرها من الدول التي هي أدني منها‏,‏ ويؤمن قادة هذه الدولة‏,‏ في حال وجودها أن الله فضلهم علي خلقه‏,‏ وأنهم طليعة خير أمة أخرجت للناس‏,‏
فيعود التمايز العرقي‏,‏ والنقاء البشري‏.‏ فنصبح إزاء نوع جديد من النازية أو إزاء نوع جديد من الجهاد ضد الإنسانية كلها ما ظلت علي الكفر‏,‏ وما ظلت دار حرب مباحة لجيوش الدولة الدينية ودعوتها التي لا تقتصر علي حدودها‏,‏ بل تعبرها إلي غيرها في مدي الدعوة التي تريد بها هذه الدولة بسط نفوذها علي محيطها الجغرافي‏,‏ منطلقة منه إلي العالم كله‏,‏ مشيعة عنف القمع والإرهاب في كل مكان والمقدمة لذلك ماثلة في مجاوزة الإرهاب الديني للأقطار العربية إلي الأقطار الأوروبية‏,‏ مرتكبا فيها الكثير من جرائمه الوحشية‏.‏
والغريب أن عددا غير قليل من قادة الجماعات الإرهابية لجأ إلي دول الغرب الأوروبي لإيجاد ما يحميهم تحت سقف الديمقراطية في الدول التي أطلقت لهم حرية الفعل والحركة والدعوة‏,‏ فكانت وإياهم كمن سمح للأفاعي السامة بأن ترعي في حماه‏.‏ وما إن شعرت هذه الجماعات بقوتها حتي انقلبت علي الدول التي تحميها‏,‏ بعد تكفيرها واقترفت فيها من جرائم الإرهاب الذي ذهب ضحيته الأبرياء ما يندى له جبين كل مسلم‏,‏ سواء في لندن‏,‏ أو مدريد‏,‏ أو نيويورك‏,‏ أو غيرها من العواصم التي امتدت إليها براثن الإرهاب المنتسب إلي دين أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن‏,‏
والوفاء لمن أحسن الوفادة‏,‏ وأتاح الأمان لطالبيه الذين جحدوا كل ما عوملوا به من تسامح استبدلوا به تعصبا مقيتا‏,‏ وكراهية لا حد لها‏,‏ ونيات انتقام وتدمير‏,‏ لم تنتج سوي حملات من كراهية الإسلام والمسلمين‏,‏ خصوصا بعد عولمة الإرهاب الديني وامتداد أذرعته عبر القارات والأقطار التي تأصلت فيها ـ نتيجة ذلك ـ نزعات عداء للإسلام والمسلمين‏,‏ وكانت النتيجة أن استغل الكارهون للإسلام والعرب جرائم الإرهاب التي حدثت باسم الإسلام‏,‏ والإسلام منها بريء‏,‏ ونجحوا في تشويه صورة الإسلام والمسلمين إلي حد بعيد‏,‏ خصوصا بعد أن قدم المتطرفون المحسوبون علي الإسلام المبرر والدليل فأصبح العربي المسلم مشكوكا فيه في المطارات والموانيء‏,‏ ينظر إليه الأمن في ريبة نظرته إلي إرهابي محتمل‏.‏
*****
مخاطر الدولة الدينية ـ‏5‏

بقلم : جابر عصفور
يزخر العالم الإسلامي المعاصر بمن اغتالتهم فرق التكفير حديثا‏,‏ وفيما فعلته القاعدة والجماعات المتفرعة منها أو المحاكية لها والمتأثرة بها ما يدل علي الطابع الدموي لهذه الجماعات التي تغتال غيرها باسم الدين‏,‏ وتقوم بتفجير الأبرياء أو ذبحهم في سبيل تحقيق حلمها المستحيل‏,‏ وهو إقامة الدولة الدينية علي أنقاض الدولة المدنية في كل مكان‏.‏ وإشاعة الفوضى والرعب والقتل المجاني والعنف الوحشي والسادية الدموية في تعذيب الأبرياء وقطع رؤوسهم علامات شهدناها‏,‏ ولا نزال نشهدها‏,‏ في الممارسات البشعة لهذه الجماعات الإرهابية التي أصبح وجودها قرين التخلف المتزايد والتعصب المقيت والقتل علي الهوية الطائفية أو المذهبية‏.‏ وتتعدد صور الإرهاب المادية والمعنوية‏,‏ فتقترن الأخيرة بالتمييز القمعي الذي تتعدد صوره‏,‏ وتتكاثر ممارساته الاجتماعية والطائفية والاعتقادية‏,‏ وذلك بدعوى حماية المسلمين من الضلال وتلبيس إبليس اللعين‏.‏
وما حدث في أفغانستان طالبان دليل علي ذلك‏,‏ فقد كانت تجربة الحكم الديني فيها أبشع بما لا يقاس بتجربة الحكم الشيوعي‏,‏ سواء من حيث إساءتها إلي الدين البريء من كل ما عاناه الأفغان بدعوى تطبيق الشريعة‏,‏ ابتداء من تقليص الحريات الفردية والعامة والقضاء عليها‏,‏ والتدخل في أخص الأمور مثل شكل اللحى التي كان علي الرجال إطلاقها إلي حد معين‏,‏ ولباس النساء الذي يغطي كل الجسم والوجه‏,‏ وانتهاك الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية‏,‏ علي نحو لم يعرفه الأفغان في حكم الشيوعيين‏ (‏ الكفار؟‏!)‏ الذين سعت طالبان إلي استئصال حضورهم‏,‏ وتحويل الإسلام إلى قواعد جامدة‏,‏ وشعائر شكلية متصلبة‏,‏ فإطلاق اللحى وارتداء الجلباب أو العمامة‏,‏ أو تنقيب المرأة منذ الطفولة ومنعها من التعليم والمشاركة الاجتماعية ليس هو الإسلام‏,‏
وما كان يجوز قديما من قطع يد السارق لم يعد صالحا لهذا العصر الذي ينظر إلي مثل هذا العقاب علي أنه نوع من الوحشية البربرية‏,‏ فضلا عن أنه لا يقطع دابر السرقات ما ظل الفقر غالبا‏,‏ والجوع قاهرا‏,‏ ولا حد لقسوة الحياة وشظفها‏,‏ أضف إلي ذلك أن إغراق المجتمع في حروب طائفية قبلية‏,‏ تحت شعارات دينية مخادعة ليس من الدين في شيء‏,‏ والانحدار بأوضاع المواطنين الذين تحولوا إلي رعايا أشبه بالعبيد هو البعد عن الإسلام نفسه‏,‏ والاضطهاد المغالي فيه للمرأة بوصفها مصدرا للشرور والآثام‏,‏ والنظر إليها بوصفها عورة‏,‏ وممارسة أبشع أنواع التمييز عليها أقرب إلي التعبير عن الكبت الجنسي المصاحب للقمع الاجتماعي‏.‏
والتأويل الخاطئ للآية وقرن في بيوتكن كان سعيا إلي حرمان المجتمع من نصف قوته‏.‏ أضف إلي ذلك العداء للفنون والآداب وتحريم التليفزيون والسينما والألعاب الرياضية وتدمير الميراث الحضاري الإنساني‏,‏ كما حدث في إطلاق قذائف المدفعية علي تمثالي بوذا اللذين لا نظير لهما في منطقة باميان‏.‏ ويتراوح عمرهما ما بين‏1500‏ إلي‏2000‏ عام‏,‏ ويعدان من الآثار الحضارية النادرة‏.‏ وقد أثار تدميرهما ثورة اليونسكو وأقطار العالم المتحضر الذي لم يفلح في إنقاذ هذا الكنز الحضاري الذي هو ملك للإنسانية كلها‏,‏ ذلك علي الرغم من محاولة بعض الدول الإسلامية التوسط لإنقاذ التمثالين‏,‏ وصدور بعض الفتاوى في تحريم تدمير أمثال هذه الآثار الحضارية القديمة‏.‏ وكانت النتيجة تثبيت صورة العداء الإسلامي للفنون‏,‏ ضمن سياق تشويه الصورة الكلية للمسلمين والإسلام علي السواء‏.‏
والكوارث التي حدثت في الدول العربية والإسلامية التي وصلت فيها الجماعات الإسلامية إلي السلطة تستحق التذكير بها للعظة والعبرة‏.‏ ومثالها الأول السودان عندما هيمن ما يسمي النظام الإسلامي‏(‏ ؟‏!)‏ الذي جاءت به ثورة الإنقاذ‏,‏ فبعد ما يزيد علي عشر سنوات من الحكم‏,‏ لم يحدث سوي الكوارث‏:‏ قطع أيدي الفقراء بدعوى السرقة‏,‏ وقطع رقاب المعارضين الدينيين بدعوى الخروج علي الإسلام‏,‏ ومن ثم الإلحاد‏,‏ وانتهاك الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية للمواطنين‏.‏
صحيح أن الوضع في باكستان التي قامت علي أساس ديني منذ البداية يختلف كثيرا‏,‏ ولكن ألم ينته الصراع فيها إلي انقسام الجزء الذي تحول إلي دولة بنجلاديش؟ وكان التأويل الديني هو سلاح الانفصاليين والسلاح التأويلي المضاد الذي لم يمنع من اضطهاد العلماء‏,‏ واختراع بدعة العلم الإسلامي التي كانت كارثة علي مسار العلم في زمن ضياء الحق الذي أدي إلي فرار الكثير من العلماء‏,‏ ومنهم من حصل علي جائزة نوبل مثل العالم محمد عبد السلام وتلميذه برويز علي الذي فضح زيف كارثة أسلمة العلوم في كتابه‏'‏ الإسلام والعلم‏'‏ الذي قدمه محمد عبد السلام‏,‏ ونشر بالإنجليزية‏,‏ قبل أن يترجمه الدكتور محمود خيال‏,‏ ضمن المشروع القومي للترجمة الذي نهض به المجلس الأعلى للثقافة‏.‏ وأضيف إلي ذلك تدهور التعليم الديني الذي غرق في تيارات التعصب‏,‏ وأصبح منتجا للتطرف‏.‏ وقد حدث ذلك بالفعل في المدارس السنية الأصولية التي أنتجت حركة طالبان‏.‏ وهي صيغة الجمع لكلمة طالب العربية الأصل في لغة البشتو‏.‏ وتدل علي الطلاب الذين تكونت عقائدهم الأصولية في حلقات التعليم الديني‏,‏ أو المدارس‏,‏ في باكستان وأفغانستان‏.‏
ومن الصعب أن ننسي الجزائر التي وصلت فيها الحركة الإسلامية إلي اكتساح الانتخابات‏,‏ ليس بفضل ما انطوت عليه من وعود إيجابية‏,‏ وإنما بفضل مفاسد جبهة التحرير‏.‏ وكانت النتيجة إغراق الجزائر في بحار الدماء‏,‏ وتحولها إلي قبر كبير لا يكف عن الاتساع الذي ضاق بالضحايا من المثقفين والكتاب والفنانين والأبرياء الذين لا عد لهم ولا حصر‏.‏ وقد شهدت الجزائر‏,‏ ابتداء من أبريل‏1997,‏ عددا كبيرا في المذابح الوحشية التي قامت بها الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح ومثيلاتها من الجماعات الإرهابية‏.‏ وهي مذابح لم تميز بين ذكر وأنثي أو طفل رضيع وشيخ طاعن في السن‏.‏
وكانت طرق القتل في غاية الوحشية لإثارة الرعب في نفوس المواطنين التي أصبحت تهمة التكفير معلقة كحد المقصلة علي رقابهم‏,‏ خصوصا بعد أن أعلنت الجماعة الإسلامية المسلحة تكفير كل قادة الجزائر دون استثناء‏,‏ وتكفير كل من يعمل معهم أو من لم يخالفهم‏.‏ وشاعت فتوى قتل الأطفال التي اعتمدت على أن أطفال الكافرين لابد أن يكونوا كفارا مثلهم حين يكبرون‏,‏ فالأصوب قطع رقابهم منذ البداية‏,‏ وتخليص المسلمين من شرورهم المستقبلية‏(‏ تصور؟‏!).‏ ولم ينحصر نشاط الجماعة في الجزائر‏,‏ وإنما امتد إلي خارجها‏,‏ خصوصا حين قامت الجماعة بتفجير أحد خطوط مترو الأنفاق في باريس‏,‏ ترتب عليه قتل أربع ضحايا وجرح أكثر من ستين‏.‏
*****
مخاطر الدولة الدينية ـ‏6‏

بقلم: جابر عصفور
رفض المفاهيم التي تربينا عليها عن القومية والوطنية سمة أساسية من سمات الدولة الدينية التي ينفر دعاتها من القومية الوطنية علي السواء الأولي بوصفها الرابطة التي تجمع بين أقطار عديدة علي أساس من المصالح المشتركة والتاريخ المشترك والثقافة الواحدة والتطلع إلي الأماني التي تصوغها شعارات متفق عليها‏,‏ كالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة التي لا تزال أماني وشعارات عزيزة في حركة القومية العربية‏,‏ تلك الحركة التي جمعت ما بين العرب في السعي وراء الاستقلال‏,‏ والخلاص من الاستعمار‏,‏ وبناء مجتمع جديد لا يخلو من وحدة التنوع التي تمتد من المحيط إلي الخليج‏,‏ وكما كانت الدعوة إلى القومية العربية قائمة علي أسس مدنية وسياسية‏,‏ لا تخلو من وضع عامل الأديان في اعتبارها‏,‏ بوصفه عامل قوة تحفز علي التقدم‏,‏
كانت هذه الدعوة قائمة علي نزعة إنسانية‏,‏ معادية للنزعات العرقية أو العنصرية المغالية‏,‏ ساعية إلي تحقيق مبدأ الحوار المتكافئ والتفاعل الكامل والتعاون البناء بينها وغيرها من القوميات التي تؤمن بالمبدأ نفسه‏,‏ ولا يزال الأساس الإنساني هو الوجه الآخر للأساس المدني في حركة القومية العربية‏,‏ سواء في أهدافها النبيلة أو صياغاتها الأصيلة الداعية إلي التقدم الواصل ما بين الخاص والعام‏,‏ القومي والإنساني‏,‏ بعيدا عن محاولات تشويهها أو الانحراف بها عن أهدافها‏..‏ وينطبق الأمر نفسه علي مفهوم الوطنية التي تردنا دلالاته إلي معاني المواطنة‏,‏ خصوصا من حيث هي عقد اجتماعي بين المواطنين من الأفراد الذين لا يتمايزون في الحقوق والواجبات‏,‏ ويتراضون علي دساتير وقوانين تبدأ من واقع حياتهم لتستبدل به واقعا أفضل‏,‏ وإمكانات أنضر‏,‏ فاصلة دائما بين السلطات‏,‏ محترمة دائما كل الأديان والمعتقدات‏,‏ سواء بمعناها الجمعي الذي يصل بين أغلبية وأقليات‏,‏ أو معناها الفردي الذي يؤكد حرية الإنسان ـ أو المواطن الفرد الحر ـ في اعتناق ما يشاء‏.‏
هذا التصور للقومية أو الوطنية مرفوض دائما عند دعاة الدولة الدينية والجماعات السياسية الساعية إلى إقامتها‏,‏ فالقومية شر ومنبع للمفاسد والشرور وعداء للإسلام والمسلمين‏,‏ كالوطنية والمواطنة وغيرها من البدع التي أتي بها الغرب الكافر الفاجر‏,‏ وذلك عند دعاة لا يزال لهم تأثيرهم‏,‏ مثل أبي الأعلى المودودي ومن سبقه أو لحق به أو تبعه من مجموعات الإسلام السياسي‏,‏ وهي مجموعات يجمع ما بينها التعصب للعقيدة الدينية التي تنقض القومية‏,‏ والأصولية التي تسعي إلي استئصالها‏,‏ ولا ينفصل التعصب والأصولية عن الإرهاب الديني الذي يسعي‏,‏ بدوره‏,‏ إلي استئصال القيم والمبادئ الوطنية‏,‏ والهدف هو استبدال رابطة العقيدة برابطة المواطنة‏,‏
وبالوحدة القومية الوحدة الدينية العابرة للقارات والثقافات‏,‏ ويتفق مع أبي الأعلى المودودي في كذلك كثيرون غيره في تأكيد أولوية العقيدة الدينية وتفضيلها علي أي عقيدة مغايرة‏,‏ قومية أو وطنية أو حتي إنسانية‏,‏ خصوصا من حيث هي عقائد من صنع البشر الذين يتميزون بالنقصان والفساد‏,‏ ولا عاصم لهم إلا بالعودة إلي خالقهم‏,‏ وتسليمهم بأن الحاكمية له وحده دون بقية خلقه الذين لا يفارقهم الشيطان ويسري في نفوسهم اللوامة مسري الدم في الأوردة والشرايين‏,‏ ولكن الحاكمية لله لا تعني ـ في النهاية ـ سوي الحاكمية لبعض البشر الذين يتحولون إلي وسطاء لله في الحكم‏,‏ أو نائبين عنه‏,‏ ولا عصمة لهم بالقياس إلي غيرهم من البشر‏,‏ فقد انتهي إلي الأبد زمن العصمة الذي اختص به الله أنبياءه‏,‏ في تتابع الديانات التي ختمها الإسلام‏.‏
ولذلك لم يعد لأحد مهما يكن ـ بعد الله وأنبيائه ـ سلطة علي أحد من البشر الذين توافقوا فيما بينهم علي عقد اجتماعي ارتضوه أساسا لمعيشة تحقق لهم‏,‏ جميعا‏,‏ دون تمييز‏,‏ الحق والعدل والمساواة‏,‏ وتدفعهم جميعا إلي ذري التقدم والحرية‏,‏ بعيدا عن شروط الضرورة والتخلف التي شقي بها البشر عبر عصور الظلم وأزمنة الإظلام‏,‏ والإيمان بضرورة عقد اجتماعي له صفته المدنية التي لا تحمل معه القداسة الدينية‏,‏ أو العصمة لأي فئة بشرية أو تمييزا لها علي غيرها‏,‏ يعني حتمية الإيمان بالدستور والقوانين التي يتعاهد عليها المواطنون‏.‏ ويرون فيها حماية لهم في عالمهم الدنيوي الذي هم أدري بشئونه‏,‏ وأقدر علي صنع أنظمته وأشكال حكوماته‏,‏ ما ظلت هذه الأنظمة والحكومات محكومة بدورها بما يضمن الفصل بين سلطاتها‏,‏ ويصون حرية الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم علي أساس من جنس أو عرق أو طائفة أو دين‏.‏
ولذلك لا يختلف معني المواطنة المدنية عن الوطنية في دوائرها المدنية الخالصة أقصد إلي تلك الدوائر التي يجسدها المجتمع المدني في تعدد مؤسساته وتباين مجموعاته‏,‏ خصوصا في حرية الحركة التي تظل محكومة بالمبدأ العام الذي يؤكد حقوق الإنسان من ناحية‏,‏ وعدم التمييز بينها وحقوق المواطنة من ناحية ثانية‏,‏ فالأولي هي الثانية‏,‏ والثانية هي الأولي في تطبيقها علي فضاء جغرافي بشري بعينه‏,‏ له خصوصيته الثقافية والحضارية بالطبع‏,‏ لكن بما لا يتناقض ومبدأ وحدة التنوع الخلاق في الحقوق والواجبات الإنسانية التي تصونها المواثيق والتشريعات الدولية التي تؤكد البعد الإنساني العادل في الممارسات الوطنية والفردية المقترنة بالمواطنة أو القومية‏,‏ ولا يفارق ذلك‏,‏ بالضرورة‏,‏
احترام المعتقدات الفردية وعدم التمييز بينها‏,‏ فالكل سواء أمام الدساتير والقوانين التي لا تفارق العقود المدنية التي ارتضاها المواطنون أساسا لحياتهم‏,‏ في وطن حر‏,‏ لا يتوقف عن التقدم‏,‏ مدركا أهمية التراث الروحي والديني لكل من الأغلبية والأقلية‏,‏ في تحقيق معني الإيمان بأن الدين لله والوطن للجميع‏,‏ وأن الحاكمية للدستور والقانون وليست لفئة من البشر‏,‏ تدعي الإنابة عن هذا الدين‏,‏ أو ذاك‏,‏ فتحيله من قيم ومبادئ روحية أخلاقية عادلة‏,‏ ثابتة‏,‏ قائمة علي المساواة والحرية‏,‏ إلي مبادئ سياسية نفعية‏,‏ متغيرة ومتحيزة معادية ـ في النهاية ـ للوطن والمواطنة والوطنية والقومية علي السواء‏.‏ وهذا هو السبب الجذري في رفض جماعات الإسلام السياسي‏,‏ وما يوازيها من أصوليات مسيحية أو يهودية‏,‏ مفاهيم المواطنة والوطنية والقومية‏,‏ وما يصاحبها من مؤسسات وتنظيمات حديثة‏,‏ مقترنة بالتعددية والتنوع‏,‏ وحق التعبير أو الاختلاف في كل المجالات‏.‏
****
مخاطر الدولة الدينية ـ 7‏

بقلم‏:‏ جابر عصفور
أتصور أن الثقافة التي تشيعها الدولة المدنية‏,‏ عندما تكون مدنية وحديثة بحق‏,‏ بعيدة عن التسلط والفساد‏,‏ هي الضمان الوحيد لكي لا يتحول الدين إلي شعائر شكلية أو شعارات من حكام الجور الذين ظلموا باسم الدين‏,‏ واستباحوا حريات الأفراد والمجموعات‏,‏ وظلموا شعوبهم التي لا تزال تئن من وطأة القمع الواقع عليها‏,‏ وقد ساعد حكام الجور علي ذلك انه لم يكن هناك دستور مكتوب أو عقد اجتماعي تترتب عليه قوانين حاكمة للجميع‏,‏ ولا معني حقيقيا للشورى مع هؤلاء الحكام‏,‏ حتي لو احتاجوا إلي بعض الفقهاء أو العلماء ليزخرفوا لهم أمسيات المنادمة‏,‏ أما الحكم النهائي فللحاكم الذي يرفع ذهب المعز وسيفه‏,‏ ولا حرية لأحد من رعاياه إلا بإذن منه‏,‏ وذلك بما ينفي حضور الحريات المدنية بمعناها المعاصر‏,‏ وسيتأصل وجودها‏.‏
وقد عرفنا فقهاء السلاطين الذين زينوا لهم الظلم قديما‏,‏ ولا يزالون يبررون لهم الاستبداد حديثا‏,‏ فيدفعونهم إلي منافسة مجموعات الإسلام السياسي في ادعاء احتكار التأويل الإسلامي‏,‏ وإشاعة اللوازم التي توهم بأنهم لا يقلون حرصا علي الإسلام من خصومهم‏,‏ واقعين بذلك في شراك الخطاب النقيض‏,‏ وداعمين تحول الإسلام الذي لا سلطة دينية فيه إلي سلطة كهنوتية تمارسها مؤسسة دينية‏,‏ تسعي إلي توسيع نفوذها‏,‏ ومشاركتها السلطة الحاكمة في الهيمنة والسيطرة‏,‏ ويحدث ذلك في إطار من علاقات تبادل المنافع والمصالح‏,‏ والنتيجة احدي اثنتين‏:‏ إما تحول المؤسسة الدينية الرسمية إلي سلطة اكليروس من نوع جديد‏,‏ ما ظلت علي تحالفها مع الدولة الاستبدادية‏,‏
وما ظلت تعيد إنتاج الخصائص نفسها علي المستوي الديني‏,‏ أو ممارسة هذه المؤسسة دورا أشبه بدور محاكم التفتيش التي كانت كارثة علي الحريات الفكرية والإبداعية‏,‏ وفي كلا الحالين تعكس المؤسسة الدينية صفات التسلط في الدولة‏,‏ فتبدو كأنها إياها‏,‏ أو تتسرب إليها من صفات جماعات الإسلام السياسي ما يجعل الفارق بينهما كميا وليس كيفيا‏,‏ والاستثناء الممكن‏,‏ والحادث بالفعل‏,‏ لا ينفي القاعدة العامة التي نري شواهدها في علامات كثيرة‏,‏ أهمها عدم تقبل المؤسسة الدينية لأي اجتهاد مغاير لاجتهادها‏,‏ واستخدامها المنطق القمعي في وصف ما تنتهي إليه علي أنه من ثوابت الإسلام وفرائضه‏,‏ ومن هو المسلم الذي يفكر في الخروج علي ثوابت الإسلام وفرائضه‏,‏ أو يعلن اختلافه مع السلطة الدينية فيها‏,‏ وأوضح ما انتهي إليه موضع المساءلة؟‏!‏ وهو أمر يدني بهذه السلطة إلي حال من الاتحاد مع جماعات التطرف الديني التي تدعي احتكار معرفة الحقيقة الدينية والإنابة الحصرية عنها‏,‏ وهو الأمر الذي يصل بين الطرفين اللذين يبدوان متناقضين للوهلة الأولي‏.‏
ولاشك أن نشوء تيار إسلامي مدني‏,‏ يؤمن بفصل الدين عن الدولة‏,‏ ودعم الدولة المدنية التي ترعي كل الأديان وتصون مقدساتها‏,‏ هو أمر بالغ الأهمية في زماننا الصعب الذي لابد فيه من دعم مؤسسات الدولة المدنية القائمة علي مبدأ المساواة في المواطنة‏,‏ وهو أمر بالغ الحيوية والأهمية لتطوير المفاهيم الدينية‏,‏ وتحديث المؤسسة الدينية المدنية‏,‏ علي السواء‏,‏ ولكن بشرط الإيمان بدنيوية الممارسة السياسية‏,‏ ولوازم الدولة المدنية من الديمقراطية الحقيقية والتعددية‏,‏ وتداول السلطة‏,‏ واستناد البرامج السياسية إلى أسس مدنية ومعايير عقلانية‏,‏ بعيدا عن المزايدات الدينية‏,‏ والتدخل في حيوات الناس الشخصية‏,‏ ولا تكتمل وعود هذا الهدف إلا بأن تكف الدولة عن منافسة الجماعات الدينية بادعاء أنها دينية أكثر منها حرصا علي الدين والتزاما بشريعته‏,‏ فالدولة المدنية القوية لا تزايد علي احترامها الأصيل للأديان‏,‏ كل الأديان‏,‏ وعلي حمايتها لكل المعتقدات والحريات بلا تمييز‏,‏ ولا يختل ذلك إلا في دولة مدنية هشة‏,‏ ينخرها الفساد والضعف‏,‏ أو الاستبداد والتسلط‏,‏ بما يؤذن بخرابها وانهيارها‏.‏
وللأسف فنحن لم نفصل فصلا حاسما‏,‏ إلي اليوم‏,‏ بين الديني والدنيوي‏,‏ ونتمسح بالديني الذي ليس مقصورا علي الأغلبية المسلمة نفسها‏,‏ ونتنازل سريعا تحت ضغط الغوغائية الدينية التي تعود بنا إلي الوراء في كل مجال اخترقته‏,‏ ونتبنى منطق جماعات الإسلام السياسي في غير حاله‏,‏ فنقع في شباك خطابها النقيض‏,‏ ولا نتوقف عن مجاراتها ـ دون وعي ـ حتي في الباطل الذي تدعيه‏,‏ ومحاكاتها في الاتجاهات الخطرة التي تقودنا إليها‏,‏ وما دعوى أسلمة التشريع الذي لا يزال‏,‏ من بقايا الزمن الماضي مطروحا إلي اليوم‏,‏ إلا مثال علي ما أقول‏.‏
ولا تزال نقابات واتحادات مهنية مهمة مخترقة من مجموعات الإسلام السياسي التي هيمنت عليها واخطر من ذلك لا تزال الساحة السياسية مقصورة علي الاستقطاب بين حزب الأغلبية والجماعة المحظورة للإخوان المسلمين‏,‏ ولا ندعم الأحزاب المدنية القائمة‏,‏ ولا نسمح بوجود أحزاب مدنية أكثر جدة وقوة‏,‏ يمكن أن تزيد الدولة المدنية عافية والمجتمع المدني صلابة‏,‏ ولذلك تقوى جماعات الإسلام السياسي ويتزايد نفوذها على الجماهير عاما بعد عام‏,‏ نرى ذلك في شعاراتها التي أصبحت أكثر ترددا على الألسنة‏,‏ وأكثر تأثيرا في قيم المجتمع المدني‏.‏