الجمعة، 22 أبريل 2011

من أزهق الروح لا يطالب باستعادتها

من أزهق الروح لا يطالب باستعادتها

بقلم : فتحى دياب

11 أبريل 2011

من أزهق الروح لا يطالب باستعادتها ..

يصيبنى العجب كثيرا وأنا أرقب ما يصدر عن بعض مفكرينا من مواقف وأقوال تتبدل من يوم لآخر ، حسب ما تقتضيه المصالح المتغيرة لاتجاه يناصرونه ، وكأن الموقف الفكرى لا يقتضى بالضرورة ، إن كان فكريا حقا ، أن يتسم بقدر معقول من الثبات ، وإلا أصبحنا أمام منعرجات زلجة ومماحكات لزجة تستعصى على التقييم أو التحاور .

والحق أن ما أدهشنى خلال الأسبوع الفائت ، مقال لواحد من مفكرينا المرموقين ( المتأسلم فهمى هويدى ابن أحد مؤسسى جماعة الإخوان عبد الرازق هويدى .. وهو مقال فى جريدة الشروق بتاريخ 29 مارس 2011 بعنوان : دعوة لاستعادة روح الثورة ) أبدى فيه تخوفه البالغ من الانقسام الذى ضرب الإجماع الوطنى فى مقتل قبل الاستفتاء وأثناءه وبعده ، داعيا إلى استعادة روح الثورة ومستخفا على نحو لا يصح عقلا ، باصطفاف واضح لأطياف متنوعة تمثل فى مجموعها تيارا ينحاز إليه ، ذلك الاصطفاف الذى ضلل كثيرا من الناخبين عن حقيقة ما هم ذاهبون لإبداء الرأى فيه ، فيتحول الأمر - بنسبة كبيرة - إلى استفتاء حول الانتماء الدينى من عدمه ، وليس على مسارين مختلفين نحو المستقبل .. مسار يؤدى إلى انفراد فصيل يتحالف ضمنا مع بقايا ماض بغيض ، ليستأثرا معا ، ووحدهما ، بوضع الدستور الجديد للبلاد ، وفق رؤاهما ومصالحهما ، ودون مشاركة تذكر لكافة أطياف الإجماع الوطنى الذى يتباكى عليه الآن مفكرنا المرموق ، وهو مسار ترسمه بدهاء المادة (189) وتعديلاتها .. بينما المسار الآخر يهيئ الفرص المتكافئة لكل التيارات والقوى الوطنية للمشاركة فى إعداد دستور يتوافق عليه الجميع وينطلق بنا إلى غد متقدم ، لا أن يقيدنا بماض متحجر ، كما أنه يكفل انتقالا أسرع وأقل كلفة إلى الحكم المدنى ، بعكس ما أشاع المتحالفان اللدودان !

ألم يكن ذلك هو الجوهر الحقيقى لغزوة الاستفتاء ؟ ألم يوظف الوازع الدينى للتضليل والحديث عن تعديل غير مطروح أصلا فى الاستفتاء حول المادة الثانية من الدستور الساقط ؟ ألم يتم الحشد والتعبئة فى المدن والقرى والكفور والشوارع والحوارى والأزقة ووسائل النقل العامة والمساجد والزوايا ومحطات التلفزة وصفحات الجرائد ، بالخطب واللافتات والمنشورات . وبالتوجيه المباشر خارج وداخل لجان الاستفتاء ؟ ألم تستخدم معايير الحلال والحرام والإيمان والكفر والجنة والنار فى تلك الغزوة الهزلية ، وفى استعراض عبثى للقوة ؟! .. ألم يتهم مفكرنا المرموق علنا ، وقبيل الاستفتاء ، من خالفوه الرأى من فريق ( لا ) بأنهم يخافون من الديمقراطية وأنهم يخضعون لأجندات أجنبية ؟! أليس فريق ( لا ) هو من يطالبه الآن بأن يستعيد معه روح الثورة ؟ فهل كان من روح الثورة ودرء الانقسام ، أن يخرج فصيل واحد ، وعند أول فرصة سانحة ، لكى يقوم بكل ما رأيناه من حشد وتعبئة ضد شركائه ، ثم بعد أن تنجح ( الغزوة ) يعود إليهم متباكيا ومطالبا بالاصطفاف مرة أخرى انتظاراً لفرص أخرى ؟! .. ألا يعد من قبيل السلوك الانتهازى الممجوج ؟ ألا يعد استخفافا بالعقول وبأقدار الناس ؟ .. أليس فى دفاع مفكرنا المرموق وتبريره المتساهل بأن ذلك الرجل إنما كان يمزح أمام أتباعه فى المسجد ، افتئاتا على حواسنا ومداركنا ؟ ألم يشهد مثلنا جحافل قرنائه وهم يطرحون ذات المقولات ؟ وما هى تلك الأسس والمرتكزات التى يرى مفكرنا أنها تشكل إجماعا وطنيا ؟ وهل من بينها قيام جمعية دينية بإنشاء حزب سياسى ليدخل فى اللعبة الديمقراطية ثم يتلقى منها التعليمات والتوجيهات على أساس الالتزام بالطاعة ؟ وأين هى الفواصل والكوابح التى تحول دون خلط ما هو دينى بما هو سياسى ، وخصوصا وأننا قد خبرنا ذلك جيدا خلال غزوة الاستفتاء ؟

وأما عن شركاء ( الغزوة ) من فلول الفساد والإفساد ، فقد رفعوا شعارا يقول بأن ( نعم ) تعنى عودة الاستقرار والأمن ، وأن ( لا ) تعنى الفوضى ، وللأسف فإن الكثيرين قد صدقوا تلك الأضلولة ، مع أن استفاقة الجهاز الأمنى من غيبوبته وربما من تمرده ، هى التى ستحقق الأمن ، وأن تلك الاستفاقة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بكلمتى : نعم ، ولا .

ولعل من الدروس المستفادة من تلك الغزوة ، أن القوى الديمقراطية انجرفت لذلك السجال المغلوط الذى فرضه المتحالفان ضمنا ، ولم تستطع أن تبرز حقيقة التناقض بين المسارين ولا الفارق الجوهرى بينهما فى تحديد صورة مصر المستقبل ، فأعطتهما الفرصة للتشويش على نسبة لا يستهان بها ممن ليسوا من المنتمين لهذين المتحالفين ، فصوتوا بـ ( نعم ) دون أن يتبينوا أن هاجس الاستقرار وهبة التدين ليسا مربط الفرس . وهنا أذكر أن حوارا دار بينى وبين واحد من معارفى الطيبين ممن صوتوا بنعم سألته خلاله عن أسباب تصويته فقال : عشان نحمى الإسلام ونرجع الاستقرار . ولما بينت له الغرض الحقيقى من ذلك الاستفتاء توقف مندهشا وقال : بس همه قالوا لى على حاجة غير كده خالص . وحين سألته من هم أولئك الذين قالوا ، أجاب : شيخ الجامع وجارنا الملتحى وواحد من الحزب الوطنى بس سقطوه فى الانتخابات اللى فاتت !

وهذا مثل من أمثلة كثيرة على توجيه جرى تارة باسم الدين وتارة تحت دعاوى الاستقرار . ولا يعنى ذلك بالطبع أن كل من صوتوا بـ ( نعم ) لم يصوتوا عن قناعة وأن ذلك كان خيارهم الفعلى ، لكن السؤال هنا عن نسبتهم الحقيقية داخل الـ (77%) . وبتقدير العديد من الباحثين ، فإن نسبة من جرى التشويش عليهم تتراوح بين (30-40%) وهى نسبة كبيرة رجحت الكفة وجعلت الفارق يبدو شاسعا إلى هذا الحد الغريب .

وهكذا رأينا مع أول فرصة حقيقية للممارسة الديمقراطية ، كيف جرى تزييف الوعى وتغييب الإرادة وتغليب الوسائل على الغايات ، بفعل من يدعونا المفكر المرموق إلى الالتحام معهم فى إجماع وطنى هش يتيح لأى طرف من أطرافه أن يفارق الصف فجأة مهرولا لاستلاب مغانم غير ثمينة ، وبطرق ربما لا تحوز مكانة فى باب الفضائل .

والآن .. وبعد أن أصدر المجلس الأعلى إعلانا دستوريا يلغى دستور 1971 ويضمن بين مواده ، المواد التى تم تعديلها فى الدستور الساقط بعد أن جرى تحصينها باستفتاء يلتبس علينا فهم مراميه أو المغزى من تنظيمه .. أتوجه إلى غالبية من قالوا نعم للتعديلات وإعادة العمل بالدستور القديم ( وذلك هو ما كان مطروحا يوم الاستفتاء ) : هل وعيتم الدرس ؟ وهل لمستم تحسنا ولو ضئيلا بالاستقرار بعد ما يزيد على أسبوعين من الاستفتاء ؟ وهل عليكم بعد الآن ألا تسلموا عقولكم لأحد مهما تسربل بأزياء الكهنوت أو القداسة ؟ وأن تتبينوا الرشد من الغى ؟ وأن تعلموا بأن توابع تلك الغزوة توشك أن تحدث خطرا بليغا بالوطن ووحدة شعبه وأرضه ؟ وأنه من قبيل الفتنة العظمى أن تتحزب الطوائف لأديانها ومشايخها وقساوستها فى أمر سياسى ودنيوى ؟ ثم ماذا عن ذلك الاعتداء المخزى من قبل بعض البلطجية على أحد المترشحين للرئاسة ( البرادعى ) بتدبير من حلفاء اليوم غرماء الأمس (الوطنى والإخوان والسلفيون) ؟ ألا يمثل كل ذلك ( بروفة ) محزنة لما يمكن أن تسير عليه الامور فى انتخابات سوف نساق إليها بعد عدة أشهر ، إذا استسلمنا لتلك الرؤى والمواقف والتحالفات ؟ أليس من حق شركاء الوطن من أصحاب الديانة الأخرى ، أن يرتابوا وأن يرفضوا أن تدار شئونهم وفق دساتير وشرائح لا يرتضونها بحكم انتمائهم الدينى وطالما أن صوت الدين قد علا فوق أى صوت آخر ؟ ومن قال بأن إنشاء دستور يؤسس لدولة ينتمى شعبها إلى دينين سماويين ويراد لدين منهما أن ينفرد بالمرجعية ، يمكن أن يتم تمريره بالأغلبية العددية لطائفة وليس بالتوافق الوطنى ؟ أهو دستور يؤسس لصدام أم لوئام ؟ ثم ألا يعد ذلك بابا ذهبيا لتدخلات أجنبية تحت دعاوى الحماية مثلما فعلت بريطانيا العظمى عام 1881 حين استغلت فتنة صغيرة حدثت بالإسكندرية لتبرير احتلالها لمصر ؟ .. ولمن يرد علينا - متعنتراً - بأن زمن الاحتلال قد ولى . نقول له إن الاحتلال لم يعد فى الغالب يتم بالجيوش ، وإنما بوسائل أخرى نعلمها ، ولعل الأربعين عاما الماضية من عمر بلادنا خير من يخبرنا عن ذلك . ( وإن كان الاحتلال قائم فى فلسطين الكاملة .. وفى العراق وأفغانستان .. وقريبا ليبيا ) .

وصدقنى يا مفكرنا المرموق ، فإنه لن تجدى أية دعوات إذا لم يتم الاعتراف الواضح بأن خطأ جسيما قد وقع ، وإذا لم تصدر وعود موثقة لا لبس فيها ولا تحتمل المناورة أو المداورة ، بأنه لن يتم اللجوء مرة أخرى لتلك الأساليب وتخويف الناس بغضب السماء إن هم صوتوا ضد رغبات المشايخ . وعلى الفصيل الذى يبدو جليا أنك تدعمه وتناصره ، أن يقدم تلك التطمينات على شكل إجراءات وليس مجرد أقوال أو تهويمات ، هذا إن أراد حقا أن يكون له شركاء فى ثورة أو فى وطن . ومن تلك الإجراءات التى أتصورها مثلا ، وربما أكون ما زلت أحسن الظن ، أن يبادر بتبرئة ساحته من سلوك ترادف مع مراحل الاستفتاء ويتناقض مع أبسط قواعد الديمقراطية ، وذلك بأن يقوم بمقاضاة من سلكوا ذلك المسلك المعيب ، أو على الأقل يعلن تبرؤه منهم أو فصلهم إن كانوا من أعضائه ، لكى يطمئننا بأنه يحرص على استعادة روح الثورة حقا ، وربما يكون الاعتذار عن تسرعه المهرول جزءا من تلك التطمينات ، وذلك هو صراط الصادقين . أما أن تصدر بعض التصريحات الخافتة من هنا وهناك ، ترفض باستحياء أو تبرر باستخذاء ، فذلك لا يحمل سوى معنى واحدا هو أن ذلك الفصيل يستحسن ما وقع طالما أنه قد استفاد منه ، ودون أن يدفع أى كلفة ، وفى إطار لعبة توزيع الأدوار .

إن تشذيب ذلك الفكر الإقصائى الوافد من جوف الصحراء ، بل ومواجهته ، موكول لمن يدعون رفضه بينما هم يستثمرون نتائجه ، بعد أن عجزت عن ذلك مؤسسة الأزهر ، بل وساهم القمر الصناعى نايل سات ، إما عن سذاجة وغفلة وإما عن إرادة وقصد ، فى ترويجه وإشاعته بين عامة الناس وبسطائهم ، الأمر الذى قد يستحيل معه الحديث عن ديمقراطية أو تعددية سياسية أو دولة مدنية أو عن رأى ورأى آخر .. فالغوغائية مع تلك الحالة ستكون هى الغالب ، وسيكون خلط الأوراق هو السائد ، ومصر الصابرة هى الخاسر الأعظم .. ولله الأمر من قبل ومن بعد .