الأحد، 15 مايو، 2011

كيف سرق الأغنياء ثورة 1919 والشيخ حسان ثورة 2011

كيف سرق الأغنياء ثورة 1919 والشيخ حسان ثورة 2011

بقلم : د. صفوت حاتم

يا دكتور عصام يا شرف .. إما أن يأخذ القانون مجراه بحزم وبسرعة فى مواجهة أى اختراق طائفى .. أو ستفلت الأمور منك .. وستدخل مر نفقا مظلما .. ستكون أنت أحد أسبابه الرئيسية .. لديك فى مصر من الكفاءات الوطنية العلمية والفكرية مخزون لا ينضب .. فكن ثوريا ولا تكن "مباركيا" ولا طنطاويا ولا سلفيا ولا إخوانيا ... ودمتم

1- كانت ثورة 1919 تعبيرا عن طموحات الشعب المصرى فى التخلص من الاحتلال الإنجليزى وإقامة دولة عصرية حديثة . قامت الدولة بالأساس على أكتاف طبقتين أساسيتين .. الطبقة المتوسطة من "الأفندية" .. أى الموظفين الصغار المتنورين فى الحكومة وفى الأزهر .. وهى الطبقة التى استطاعت أن تقود الطبقة الفلاحية بوعى جديد للتخلص من عبء وهوان الاحتلال البريطانى . كان الفلاحون - إذن - وطليعتهم من الأفندية والأزهريين قادة العمل الوطنى . وقد اندلعت ثورة 1919 فى الريف والمدن البعيدة دون أن يكون لها قيادة مركزية واحدة تقود النضال ضد القوات البريطانية ( تماما مثلما حدث فى ثورة 25 يناير 2011 ) .. وهكذا نظمت كل قرية وكل مدينة قواها ووضعت خططها وخاضت معاركها تحت الشعار الموحد "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" .. وهكذا استطاع أسلافنا المصريون الأميون أن يبتدعوا بأنفسهم أدوات للتنظيم والنضال .. وقد استطاعت القوات الإنجليزية أن تسيطر على الموقف بسرعة مستفيدة من عزلة الريف وعزلة قراه .. وطبعا غياب قيادة شعبية متمرسة بالنضال المسلح ضد قوات الإنجليز المدججة بأسلحتها العصرية .

2- ورغم وأد الثورة المسلحة .. إلا أن الشعب المصرى "العظيم" .. استطاع أن يصل بقيادته إلى الحكم عام 1924 . ثم استطاع أن يفرضها مرة أخرى عام 1926 ضد إرادة الملك والمحتلين .. ولكن رغم ذلك فشلت ثورة الشعب المصرى عام 1919 فى تحقيق آماله فى الحرية والديمقراطية .. لماذا .. ماذا حدث ؟

3- لقد تآمرت ضد الشعب المصرى الأحزاب التى كونها قادة ثورة 1919 أنفسهم .. فقد عزلوا الشعب عن السياسة بعد أن تحولوا من ثوار إلى ساسة وسياسيين .. وأخضعوا الشعب للسلطة بعد أن صاروا شركاء فى السلطة .. وأصبحوا يقهرونه باسم الوطنية بعد أن كانوا يحرضونه على الثورة باسم الوطنية .. فلقد وضع قادة ثورة 1919 دستور 1923 الشهير الذى جردوا فيه الكتلة الشعبية من حق التواجد فى البرلمان .. فقد كان حق الترشيح مكفولا فقط للقادرين ماليا .. كان يشترط فى أعضاء مجلس الشيوخ ( مثل مجلس الشورى الآن ) أن يكونوا على سبيل الحصر : "الوزراء، الممثلين الدبلوماسيين، رؤساء مجلس النواب، وكلاء الوزارات، النواب العموميون، رؤساء ومستشارى محكمة الاستئناف أو أية محكمة أخرى من درجتها أو أعلى منها، نقباء المحامين، موظفى الحكومة من درجة مدير أو أعلى منها، كبار العلماء والرؤساء الروحانيون، كبار الضباط المتقاعدين من الخدمة من رتبة لواء فصاعدا، النواب الذين قضوا مدتين فى النيابة، الملاك الذين يؤدون ضريبة لا تقل عن مائة وخمسين جنيها فى العام (أكثر من 300 ألف جنيه بسعر العملة الآن)، الأفراد الذين لا يقل دخلهم السنوى عن ألف وخمسمائة جنيه فى العام (أكثر من ثلاثة ملايين بسعر العملة الآن) .. وهكذا .. وهكذا ..  "

4- أما بالنسبة لمجلس النواب (يعنى مجلس الشعب) فقد اشترط القانون دفع أمانة مقدارها 150 جنيها (يعنى حوالى 300 ألف جنيه بالأسعار الحالية) .. هذا ما كان يشترطه قانون الانتخاب فى مادته الخامسة والخمسين .. فلقد اشترط هذا المبلغ بعد نقاش طويل .. إذا كان الاتجاه عند وضع القانون هو وضع اشتراط أن يكون النائب من بين كبار الملاك الزراعيين أو ذوى الدخول الكبيرة .. ولما كان هذا الشرط استنفد فى شروط دخول مجلس الشيوخ .. فقد احتالوا عليه لإعادة النص بصيغة أخرى هى اشتراط أن يدفع المرشح "تأمين" .. يكون من الجسامة - فى ذلك الوقت - بحيث لا يجرؤ عليه إلا كبار الأغنياء !!

5- أما فى القاع .. أى الشعب .. فكان يرزح تحت ظروف الفقر والجهل والمرض (مثل حاله الآن بفضل الحزب الوطنى المحظور) .. وهكذا قام الشعب بالثورة .. ونظم نفسه .. وشكل قيادات محلية بالمدن .. ودفع شهداء .. ثم .. ثم .. تسلم الأغنياء ثمار الثورة وحدهم !!

6- وصارت الديمقراطية المنشودة "صراعا" بين شعارين "الاحتلال تحت سعد" ولا "الاستقلال على يدى عدلى" .. وبالنهاية .. لم يكن الشعب ممثلا هنا أو هناك .. فقد كان يتفاوض عنه وباسمه كل من يدعى تفويضا من الشعب .. وقد ظل كبار الملاك .. يملكون ويحكمون ويفاوضون ويتصارعون ويترشحون وينتخبون .. دون أن يكون للشعب الذى قام بالثورة حق الترشيح والتواجد فى البرلمان .

7- وهكذا سرقت ثورة عام 1919 من الشعب المصرى .. بطلها وصاحبها .. وهو درس التاريخ لثورة 25 يناير 2011 التى يجرى تفريغها الآن وسرقتها من صاحبها الحقيقى أى "الشعب المصرى" .. فرجال الأعمال الأغنياء يملكون كل شئ المال والإعلام والصحافة والفضائيات والمقرات .. كل شئ .. كل شئ مباح لاستغلال هذه الثورة وشدها للطبقة الغنية التى لم تتوقف عن نهب الشعب المصرى وخداعه بكل الطرق .. ما العمل ؟

غريب أمر الدكتور عصام شرف !!

هذا الرجل الذى ارتضاه ثوار 25 يناير ليكون على رأس حكومة تصريف الأعمال الانتقالية .. يتصرف بعقلية "بيروقراطية" بطيئة وتقليدية .. تذكرنا ببطء وبيروقراطية "المخلوع مبارك" ..

فلقد احتفظ ببعض وزراء المخلوع وحكومة حزبه "المحظور" .. ورغم ذلك .. قلنا لا بأس .. قد يكون الرجل مضطرا ولا يوجد لديه من يعرفه لإدارة الأعمال السريعة .. رغم اعتقادنا أن مصر ولادة ومملوءة بالكفاءات المدنية والعسكرية الشريفة ..

ومع كل أزمة عاصفة ومهددة للثقة نلمح مظاهر ضعف فى أداء الدكتور عصام .. مثلا عند الاعتداء على المتظاهرين فى ميدان التحرير .. أو ما حدث فى مباراة الزمالك والإفريقى التونسى .. ونجد الرجل يخرج ويعتذر ويعد بعدم تكرار مثل هذه الحوادث .. ونحن نعذره .. فالأوضاع دقيقة وحرجة .. ورغم ذلك تبدو مظاهر ضعفه الشخصى والحكومى واضحة للعيان .. وهو أمر يشجع كل من هب ودب على اختراق القانون وتهديد سلامة الوطن ..

يبدو أن الدكتور عصام شرف قرر - ويا للشجاعة - أن يخرج عن المقرر ( الذى كان ينتهجه نظام المخلوع مع مسألة الاحتقان الطائفى فى تعامله معها تعاملا أمنيا يسوده ويوجهه رجال أمن الدولة فقط ) .. ويجدد فى أسلوب البيروقراطية الأمنية ويتعامل مع الملف الطائفى بشكل خلاق ومبدع .. ألا وهو استدعاء "إطفائى" الحرائق الطائفية الجديد "الشيخ محمد حسان" .. يرسله هنا وهناك لإطفاء ما يشعله أتباعه السلفيون .. والشيخ سعيد ومسرور ومنتفخ بالدور الجديد ومنتعش به .. فلم يتهدد عرشه الشيخ حسان (وهو وسلفيوه صنيعة مبارك وحليفه عبد الله وفهد آل سعود) منذ عهد مبارك إلى عهد طنطاوى والثورجى الأونطة عصام شرف .. وبعد أن كان يخطب لمبارك "ويحبه فى الله .. والله أحبه لله" .. هكذا كان يقول فى إحدى خطبه .. الآن صار إطفائيا يجر فى أذياله الشيخ الإخوانى "صفوت حجازى" الذى كان قد حجز له دورا فى قطار الثورة على يد الإخوان المسلمين .. وهكذا أصبح "أشرفنا فى جاهلية مبارك .. أشرفنا فى ثورة عصام شرف وطنطاوى" !!

يا دكتور عصام يا شرف .. يا دكتور .. يا ثورجى .. يا دكتور يا رئيس الحكومة .. أنت تريد دولة قانون حديثة أم تريد دولة مشايخ السلفية ؟!!

أين شيخ الأزهر ورجاله حتى يقفوا بحزم أمام ظواهر الفتنة الطائفية التى يشعلها السلفيون أنفسهم ؟

ولماذا تستدعى "كبيرهم" ليقوم بمهمته الاستعراضية فى تهدئتهم وإطفاء الحرائق التى يشعلونها فى دور العبادة المسيحية ، والأضرحة التى يهدمونها فى القليوبية ، والكنائس التى يهدمونها .. وسكك حديد قنا التى يقطعونها ويقيمون عليها الخيام ومحافظها الذى رفضوه لأنه مسيحى وقالوا "هل عقمت النساء المسلمات أن يلدن محافظا لنا" .. وهددوا بقطع المياه عن البحر الأحمر ورفعوا علم دولة أجنبية ظلامية هى السعودية وأعلنوا قنا إمارة سلفية وأميرها قرشى (بتحريض من مصطفى بكرى) هم والإخوان ؟!

على من تنطلى هذه الحيل يا دكتور عصام ؟!!

أين المثقفون المتنورون أنصار الدولة المدنية ؟!! وأين أيضا رجال الأمن وهيبة الدولة التى داسها الإخوان والسلفيون بالأقدام ؟!!

بصراحة هذا أداء ضعيف ومتردد وبطئ وتقليدى وهو أسوأ من طريقة مبارك الذى والحق يقال لم يكن الظلاميون - الساعون لخلافة وتطبيق حدود دموية بشعة ومصادرة حريات - هؤلاء ليجرؤون على قطع سكك حديدية ولا طرق ولا انتهاج أسلوب البلطجة وهدم الأضرحة والكنائس فى عهده .. ومصر لا تحتاج ولا تريد ولا تحلم بالاستقرار على طريقتك وطريقة طنطاوى أنت وحكومتك الميمونة !!

وللحديث بقية .. 

الخميس، 12 مايو، 2011

هل يقبل المصريون بحكم دولة دينية

سؤال قديم أثارته التوترات الأخيرة بعد 11 فبراير 2011

هل يقبل المصريون بحكم دولة دينية

ثقافة المصريين تاريخياً ضد التطرف يميناً أو يساراً

بقلم : د. عاصم الدسوقى


كانت ثورة 25 يناير تعبيراً عن وحدة المصريين ضد الظلم الذى حاق بهم جراء احتكار مجموعة طفيلية للسلطة التشريعية والتنفيذية باسم "الحزب الوطنى الديمقراطى" أولئك الذين وصفهم عامة المصريين بـ "الوطنجية" . وفى أحداث الثورة استعاد المصريون أيام ثورة 1919 حين توحد أبناء الأمة تحت شعار "الهلال والصليب" ، حتى إن أحد شباب ميدان التحرير من الملتحين اعترف بأعلى صوته فى الفضائيات "إنه لأول مرة يحضن مسيحيا ويقبله وهما فى الميدان" . وبات معروفا أن "أمن الدولة" كان وراء إشعال التوتر بين المسيحيين والمسلمين حتى لا يتحدوا معا ضد سلطة الظلم والطغيان ويتفرغوا لتصفية بعضهم بعضا ، وكان حادث كنيسة القديسين ليلة رأس السنة الميلادية دليلا على ذلك فسر لنا كثيرا من الأحداث المشابهة فى السابق .

لكن سرعان ما انتهزت الجماعات الإسلامية الفرصة لكى تفرض نفسها على ساحة الثورة ونسبت لعناصرها ريادتها ، وأن الفرصة قد حانت لكى يتسلموا السلطة ويفرضوا "حكومة المجتمع المسلم" بطريقة أو بأخرى . وبدأ أمرهم ينكشف رويدا رويدا من واقع الأحداث المتلاحقة ومن فلتات اللسان التى تعبر عن مكنون المشاعر . فقبل أن تعلن لجنة التعديلات الدستورية رأيها حذرت الجماعات من الاقتراب من المادة الثانية من الدستور الخاصة بالشريعة الإسلامية وقال أحد كبرائهم "إن هذا خط أحمر" . ولما تأكدوا أن اللجنة لم تتعرض لهذه المادة أعلنوا موافقتهم على التعديلات بل وحرضوا الناس فى يوم الاستفتاء على الموافقة لإيقاف العلمانيين عند حدهم . ولما حصلت التعديلات على نسبة 77% أعلنوا انتصارهم فى واقعة "ذات الصناديق".

وتوالت المواقف فقال أحدهم .. إننا استلمنا البلد واللى مش عاجبه يهاجر إلى كندا أو أمريكا ، وشب حريق فى كنيسة صول فى إطفيح ، وسمحوا لأنفسهم بتطبيق "حدود الله" خارج الشروط الفقهية ، ورفض أهالى قنا محافظا مسيحيا استنادا لمقولة "لا ولاية لغير المسلم على المسلم" . وانتفض الخائفون على مستقبل البلد ينادون بإقامة "الدولة المدنية" ، ويرد "السلفيون" بمقولة "نحو حزب مدنى بمرجعية دينية" وهو قول يدخل فى باب التلاعب بالألفاظ والعقول ، إذ ليس من المفهوم كيف يكون الحزب مدنيا بمرجعية دينية إلا إذا كان المقصود بالمدنى ارتداء ملابس غير الجلباب .

وبهذا الأسلوب عادت الفتنة تطل برأسها من جديد وأصبحنا ننفذ منهج "أمن الدولة" رغم اكتشافنا أنه كان وراء الوقيعة بين أبناء الأمة . وهنا تذكرت ما حدث فى مصر بعد انتهاء ثورة 1919 من حيث عودة المناخ الطائفى ليحكم العلاقة بين المصريين الأمر الذى دفع الدكتور زغيب ميخائيل حكيمباشى مستشفى أبو قرقاص الأهلى أن يكتب فى عام 1950 كتابا بعنوان "فرق تسد ... الوحدة الوطنية والأخلاق القومية" نعى فيه موت الوحدة الوطنية التى ظللت المصريين أثناء ثورة 1919 لأنهم لم يعودوا يهتفون "يحيا الهلال مع الصليب".

***

والحال كذلك .. فماذا نحن فاعلون .. وكيف وصلنا إلى هذه الدرجة السقيمة من التفكير وقسمة الأمة وهى على قلب رجل واحد .. وهل يقبل المصريون بحكم دولة دينية .. ؟

إن وقائع تاريخ المصريين وموروثهم الثقافى لا يشجع على قيام دولة دينية لسبب بسيط وهو أن مصر لم تشهد هذا الحكم الدينى بيد أبنائها من قبل .. فمصر المسيحية كانت ولاية رومانية حكمها أباطرة من بيزنطة المسيحية ولم تحكمها الكنيسة المصرية ، ومصر الإسلامية كانت أيضا ولاية منذ الفتح ولم يحكمها مصرى مسلم من أبنائها وإنما كان يأتيها وال ٍ من لدن الخليفة . والمصريون جميعا مسلميهم ومسيحييهم ، طوال تلك الحقب "الدينية" المسيحية والإسلامية لم يكونوا يعبأون بطبيعة الحاكم ، وكانوا ينصرفون إلى مباشرة شئون دنياهم من خلال مختلف طوائفهم ، ويجمع بينهم مشترك ثقافى أقرب إلى الطبيعة العلمانية المدنية منه إلى التشدد الدينى لعل أبرز معالمه العزوف عن الجدل وعدم استحسان كثرة اختلاف الآراء فى أمور الدين . ومن دلائل ذلك أن المصريين الذين أسلموا لم ينساقوا إلى الخلافات المذهبية الخارجة عن مذهب أهل السنة عندما وقعت . كما لم يتقبلوا النزعة الفلسفية الفقهية التى وردت من بلاد فارس عبر العراق ، أو روح التجمد التى جاءت مع فقهاء المغرب ( سيادة المذهب المالكى ) ، بل على العكس سيطرت عليهم الروح الفنية التى أتاحت الفرصة للتأمل والإبداع فى ميادين الفن والأدب ، وتغلبت بينهم قيمة الاعتدال حيث ظلت منظومة القيم الاجتماعية فى حالة من الثبات لا تقبل التغيير إلا بقدر يسير يأتى مع الثورات الكبرى والاضطرابات الاجتماعية ، وسرعان ما تعود المنظومة إلى حافة الوسطية . ولعل هذه الوسطية مسئولة عن تعثر شيوع أفكار التطرف يمينا أو يسارا بالنسبة إلى المذاهب الدينية والاجتماعية ، وشيوع فكرة الاختيار الثقافى من الأفكار الواردة بما يتفق مع أصول التقاليد .

والأصل أن المصريين عندما كانوا أتباع عقيدة واحدة زمن الفراعنة ( عقيدة آمون ، أو رع .. ) لم يعرفوا التناقض مع الحكم القائم .. فالجميع على دين واحد . ثم بدأ التناقض يظهر مع انتشار الأديان السماوية بينهم على تتابعها : اليهودية والمسيحية والإسلام ، إذ أخذت كل عقيدة وافدة مساحة ملحوظة من حجم العقيدة القائمة والسابقة عليها . وبصرف النظر عن حجم أصحاب كل عقيدة بين الكثرة والقلة والندرة ومدى انتشارها وسيادتها ، فإن ما يهمنا فى هذا الخصوص ما حدث من حالة التوحد بين الدين والدولة ، وكانت الخلافة الإسلامية تاريخيا أبرز مظاهره . ورغم زوال نظام الخلافة فى الحكم السياسى ووقوع سلطة الحكم فى أيدى أشخاص مدنيين ابتداء من انفراد محمد على باشا بحكم مصر (1805) ، إلا أن المؤسسة الدينية احتفظت بمكانتها فى المجتمع وأصبح الحاكم يضعها فى حساباته ، ومن هنا سعيه لاسترضاء رجالها حتى يكونوا فى خدمته .

وفى كل الأحوال شهدت مصر نزالا فكريا بين تيارات فكرية تتكلم عن الدين من منظور أخلاقى وسياسى ، وبين تيارات علمانية تريد أن تنأى بالدين عن معترك الحكم والسياسة . ومع ظهور جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا ابتداء من عام 1928 اشتد أزر التيار الإسلامى خاصة وقد تحول خطابها من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى المطالبة بالحكم منفردة أو بالمشاركة ، مما أدى إلى اصطدامها بمؤسسة الحكم .

وفى الدعوة لإقامة "حكومة إسلامية" ينسى هؤلاء أن المصريين ليسوا جميعا مسلمين بصرف النظر عن أن غالبيتهم مسلمون ، بل إن بينهم مسيحيين لا يمكن أن يقبلوا بالشريعة الإسلامية مهما كانت درجة عظمتها ، بل إن إقامة مثل هذه الدولة من شأنه إثارة الفتنة الطائفية الأمر الذى يدفع بالأقلية إلى الاستعانة بالقوى الخارجية والاستقواء بها ، وتجد فيها هذه القوى فرصتها للتدخل والسيطرة . وهذا يعنى أن أصحاب هذا التفكير يهربون من الواقع ويقفزون إلى ما يتصورون أنه الزمن "الجميل والمضئ" ، ويرددون مقولاته التى ثبت نجاحها وفاعليتها فى إطار ظروفها الموضوعية السائدة ، ويطالبون الناس بالتمسك بها للخروج من المأزق ، لكنهم ينسون أن التاريخ لا يتكرر بشخوصه وأحداثه ، وأن عجلة الزمن تسير إلى الأمام ولا يمكن أن تعود إلى الخلف إلا إذا أصابتها الأعطال . وهذا هو جوهر الإشكالية الذى يتمثل فى العمل على استعادة أحكام الزمن ومقولاته ومواقف أصحابه رغم تغير الظروف ، ودون تقدير للسياق الذى جرت فيه الأحداث التى أدت إلى اتخاذ المواقف ، وقطع الطريق على من ينادى بالعلمانية التى تعتبر فى نظرهم كفرا وإلحادا ، وهذا غير صحيح تاريخيا فالعلمانية تعنى فى أبسط الأمور صياغة القوانين من واقع الظروف الموضوعية وتغييرها تبعا لتغير الظروف فى ضوء الحكمة الإسلامية القائلة "أنتم أدرى بشئون دنياكم" ، أو مقولة "أهل مكة أدرى بشعابها".

فإذا سألت أولئك القوم كيف تطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية على جميع أبناء المجتمع وفيهم غير المسلمين وكل صاحب عقيدة يعتز بعقيدته ومعجزاتها .. أجابوا ببساطة قائلين إن الدين عند الله الإسلام ومن ابتغى غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. أو يقولون إن الإسلام يقوم على التسامح وأن لأهل الذمة ما لنا وعليهم ما علينا . ولا يلتفتون إلى أن استدعاء الدين فى السياسة فى بعض البلاد المجاورة مثل لبنان والعراق والسودان أدى إلى انقسام أهلها على أساس العقيدة والمذهب واختفاء التسامح حيث تسعى كل جماعة للقضاء على غيرها من الجماعات . كما لم يلتفتوا إلى أن خطاب الإخوان المسلمين فى مصر فى ثلاثينيات القرن العشرين أدى إلى ظهور "تيار الأمة القبطية" الذى دعا أصحابه إلى المحافظة على اللغة القبطية ، وتوطيد الرابطة الطائفية ، وتدعيم كيان الأقباط كشعب يرغب فى الاحتفاظ بمقوماته ، بل لقد وزع أنصار هذا التيار منشورات باسم "جماعة الأمة القبطية" فى أواخر الأربعينيات تطالب بالحكم الذاتى ، وهو أمر يتكرر فى صعيد مصر هذه الأيام .

والحق .. إن استمرار خطاب استدعاء الدين فى السياسة من شأنه "طوأفة" المصريين ليس فقط بين طائفتين ( مسلمين ومسيحيين ) وإنما سوف تدخل على المشهد "طوائف أخرى" يرتب لها فى الدوائر العالمية ونحن فى غفلة عما يدور من حولنا ، وإلا كيف نفسر مطالبة "البهائيين" بحقوق التمييز المذهبى ، وكثرة الحديث عن "الشيعة المصريين" ، ومحاولة نفر من اليائسين من الإصلاح إنشاء حزب جديد باسم "مصر الأم" يدعو إلى استعادة لغة الفراعنة القدامى وثقافتهم بديلا عن الثقافة القائمة .

والحق أن استدعاء الدين فى السياسة هو أحد إشكالات النظر فى واقع الأمور ، وأحد مناطق الجدل ، وأحد مشكلات صناعة الرأى وتكوين الوعى ، خاصة وأن الاجتهاد فيه يتم بمقتضى منطق أرسطو فى القياس الذى يأخذ بظاهر الأمور وينزع نصوص الأحكام من سياق ظروفها فى الزمان والمكان ويريح العقول من عناء التفكير .. مع أن أرسطو وضع القياس فى المرتبة الثالثة من التفكير بعد السببية والعقلانية ولم يكن القياس هو الأول والأخير عنده . .

والخلاصة .. إن عامة المصريين لا يمكن أن يقبلوا بدولة دينية . وإذا كانت الجماعة الإسلامية تقيم خطابها السياسى على أساس "أن الإسلام هو دين الوسطية" درءاً للشبهات واتفاقا مع الخصوصية الثقافية للمصريين ، فإن هذا القول لا يبرر الحكم بشريعته على غير المسلمين .             

السلفيون يهددون بهدم ضريحى جمال عبد الناصر وسعد زغلول

دعاوى السلفيين تشعل الفتن فى مصر !
يهددون بهدم ضريحى جمال عبد الناصر وسعد زغلول

- سامى شرف : انفلات عقب تخلص هؤلاء من قيود الأمن
- د. محمد أبو العلا : الشعب قادر على قطع أياديهم إن مست ضريح الزعيم
- د. عاصم دسوقى : دعاوى وهابية يجب التصدى لها
- محمد عبد الحفيظ : الناصريون فى مصر بالملايين
- يسرى فتيان : عليهم أن يلغوا فريضة الحج طبقاً لرؤيتهم
- الشيخ جمال قطب : ليس من حقهم فرض الآراء الشرعية

بقلم : طلعت حسانين

تهديد بعض السلفيين بهدم الأضرحة المقامة بجوار المساجد والذى وصل إلى حد تنفيذ أحدهم لهدم ضريح فى إحدى قرى محافظة القليوبية أصبح يمثل علامة استفهام لدى كثير من المتابعين لتصاعد التيارات الدينية ومشاركتهم فى العمل العام منذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية والتى أظهرت نشاطاً واسعاً لكل من الإخوان المسلمين وأيضا الجماعات الإسلامية والتيار السلفى ويعد الأخير طبقا لتحركاتهم فى الشهور الأخيرة سواء فى دعواهم التى تثير الفتنة عقب مظاهرتهم منذ أيام بالعباسية والتى تطالب بعودة فتاة مسيحية كانت قد أشهرت إسلامها فى المنيا منذ شهور أو بمطالبتهم بإبعاد خطباء المساجد التابعين للأوقاف كما حدث فى مسجد النور بالعباسية عندما قام بعض هؤلاء بمنع خطيب المسجد أحمد ترك من الصعود للمنبر وحبسه فى غرفة داخل المسجد . ترديد المعتقدات المتشددة لدى بعض السلفيين وإصرارهم على هدم الأضرحة جعلنا نتوجه لسؤال أحد هؤلاء السلفيين يدعى محمد سعيد من إمبابة الجيزة عن رؤيتهم لأضرحة بعض الزعماء السياسيين حيث أجاب قائلا بأن ضريح جمال عبد الناصر بكوبرى القبة يجب هدمه أيضا طالما أنه مقام داخل المسجد . بعض رموز السياسة أفزعهم أيضا ما صرح به أحد السلفيين فتحدثوا عن هذه الفتوى الأخيرة قائلين :

سامى شرف وزير شئون الرئاسة الأسبق ومدير مكتب الزعيم جمال عبد الناصر يرى أن مثل هذه التصرفات وانطلاق بعض دعاوى السلفيين التى تروج لبعض الأفكار المتشددة هى دعوى للفتنة وغرس روح الفرقة بين أبناء الشعب المصرى مضيفاً بقوله : ثورة شباب مصر والتى جعلت الكثيرين يشعرون بالحرية التى وصلت لدرجة الانفلات خاصة أن بعض التيارات المتشددة كانت تعانى من القمع والحرمان من إبداء آرائها الخاطئة تحت ضغط أمن الدولة وتجاهل وسائل الإعلام كل ذلك جعلهم يتحدثون كثيرا فى أمور خطيرة تحتاج إلى حوارات دائمة ومختلفة لأن مثل هذه الدعاوى لا يعدو كونه آراء متطرفة لبعض الفصائل المتصارعة عبر التاريخ ولم تكن تمثل رأى الدين الصحيح وتطرق هؤلاء لهدم الأضرحة خاصة ضريح جمال عبد الناصر والذى يعد رمزاً للزعيم الذى أفنى حياته فى خدمة وطنه لابد أن تقابل مثل هذه الدعاوى بالرد المناسب والتوضيح كما أن هؤلاء الذين أصبحوا يتحدثون عن كل شئ لابد أن تكون ضدهم آراء صحيحة تخرج من المؤسسات الدينية الشرعية فى مصر الأزهر والعلماء لأن هذا العبث قد يثير فتناً ليس فى مصر وحدها ولكن فى الدول العربية كلها التى تضم أضرحة لرموز دينية وسياسية .

د. محمد أبو العلا رئيس الحزب الناصرى تحدث بقوله : السلفيون أصبحوا الآن يمثلون عودة غير محمودة للذين غابوا عن العالم وعادوا بعملاتهم الوهابية القديمة ولا يدرون ما حدث فى العالم من تطور وتغيير ، فالإسلام دين حنيف ودين واقعى لا يتناقض مع المنطق والعقل ، والمطلوب من جميع القوى السياسية أن تتجه للتصدى لهؤلاء وكذلك الشعب كله لأن العلم والتكنولوجيا كانت وراء نجاح ثورة 25 يناير بينما هم ما زالوا يتحدثون فى الظلام والجاهلية ، والشعب المصرى واع جداً رغم الإيمان بالصوفية وتقدير لآل البيت فإنه لا يميل إلى اعتناق التخلف والجاهلية ولن يسمح الشعب لهم بالردة أو الرجوع إلى التخلف ، على القوى السياسية أن تفضح الدعاوى الجاهلية وتفضح المفاهيم المغلوطى وذلك بتكثيف الندوات والدعاوى الغريبة التى يطلقها السلفيون لهدم البلد والخروج بها من ثورتها التى أذهلت العالم وأن تمس أياديهم قبر الزعيم جمال عبد الناصر فالشعب المصرى هو وحده القادر على قطعها .

من جانبه تحدث الدكتور عاصم دسوقى أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة قائلا : أنا لم أسمع بتطرق المتشددين وهذه القيادات السلفية إلى الحديث عن أضرحة جمال عبد الناصر أو سعد زغلول وغيرهم ولكن تابعت خلال الأشهر القليلة الماضية حديث البعض منهم حول الأضرحة وحوادث متفرقة عن محاولات هدم بعض الأضرحة وتفسيرى لتصاعد نغمة التعرض لبعض أضرحة وقبور مقامة بجوار المساجد يعد تطورا خطيرا فى توجه هؤلاء نحو أحداث فتن مختلفة تخدم الثورة المضادة والتى تحاول إثارة اللفظ والفتن بين أبناء الشعب الواحد وتاريخيا مرجعية هؤلاء تعود إلى اعتناقهم لبعض الآراء المتشددة والتى كانت تحرم كثيراً مما أصله الدين وكانوا يخرجون عن المألوف فى المجتمع وينادون بآراء متطرفة بدعاوى وهابية واعتناقاً لأفكار غريبة تقف ضد التطور الطبيعى لبعض الرؤى ، ولا شك أن هؤلاء مضللين بفعل بعض الكتب القديمة والآراء المدسوسة على صحيح الدين وهم يخلطون بين الدين والسياسة وفى حاجة ماسة إلى تصحيح هذه المفاهيم لديهم ومراجعة وتنقية أفكارهم من الآراء المتشددة التى تضر بالمجتمع والدين وليس لها مردود سوى نشر الفتنة .

أما محمد عبد الحفيظ عضو المكتب السياسى للحزب الناصرى فقال : كثير من الآراء الغريبة بدأت تظهر عقب تخلص بعض التيارات المتطرفة من قبضة الأمن والتى كانوا لا يجرأون على إظهارها وكانوا يتوارون عن وسائل الإعلام أو ممارسة أفعالهم الشاذة فى تلك الفترة رغم أننا مع الحريات ومقارعة الحجة بالحجة ولكن أن يتصرف هؤلاء بدعوى أن ما يخالف رؤيتهم هو منكر ويجب تغييره باليد فهذه فوضى وخروج على القانون وعلى الجهات المختلفة سواء المجلس العسكرى أو الحكومة أو الأزهر أن يتصدوا له ، فلا يستطيع مثل هؤلاء أن يفرضوا رؤيتهم المريضة على المجتمع ، فدور الزعيم جمال عبد الناصر ليس محل خلاف فى العالم كله وعندما يتوجه بعض محبيه لقراءة الفاتحة على ضريحه فى بعض المناسبات هو نوع من التكريم والتواصل والتذكر لمواقفه لا يتعارض مع صحيح الدين الإسلامى ولا تنكره الشرائع ويعد رمزا للعطاء والوطنية ولا يقبل أحد أن يفكر هؤلاء أو يهددوا بمثل هذه التهديدات الخاوية فالناصريون فى مصر بالملايين ويستطيعوا أن يصححوا لهؤلاء آراءهم الخاطئة بكل الوسائل ويجب على المجتمع أن يتصدى لهم قبل أن يحدثوا الفتن التى يرغب فيها أعداء الثورة .

من جانبه يرى القيادى الناصرى يسرى فتيان أمين تنظيم القاهرة أن ذلك خطير حيث أضاف قائلا : لابد للتيار الناصرى أن يشكل جبهة تتصدى لمثل هذه التصرفات الغريبة وتقاومها ولن نسمح كتيار ناصرى ولن يسمح الشعب المصرى كله بمثل هذه القلاقل والأقاويل الغريبة ولن يجرؤ أحد من السلفيين أو غيرهم من الاقتراب من ضريح الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر وهو الذى خدم مصر والوطن العربى وترك تجربة رائدة التف حولها العرب ويستدعونها اليوم حتى أن شباب ثورة 25 يناير كانوا ينادون بنفس هذه الأفكار وهى الحرية والعيش والعدالة الاجتماعية .

وأضاف فتيان بقوله :  إذا كان هؤلاء السلفيون يحاولون هدم أضرحة الأولياء أو الزعماء بدعوى أنها بدعة أو حرام فكان الأولى بهم أن يذهبوا لهدم قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى المدينة رغم أن زيارته تعد من أركان الحج وهو فريضة على المسلمين ، ولكن غياب الفكر والوعى لدى هؤلاء خاصة أن غالبيتهم من الصبية والجهلة جعلهم يطنطنون بمثل هذه الدعاوى المضلة والمضللة لإثارة الفتن وزعزعة الاستقرار وإخافة الناس من الدين الحنيف الذى لم يرد به دعاوى هدم ولكن عبادات صحيحة ودعاوى بناء وتعمير ونجد فى مناسك الحج ومنها الطواف حول الكعبة وتقبيل الحجر الأسود يعد بمنطق شرك رغم أنه حجر ولكن المنطق الدينى يؤكد أن الزيارة للعظة والعبرة من الدين وكلامهم مردود عليه ولكن الاقتراب من أضرحة الصالحين سواء من رجال الدين أو السياسة يعد عدوان وإثم سيتصدى له الصوفيون والناصريون وكذلك الوفديون إذا ما اقتربوا من ضريح سعد زغلول أيضاً .

من ناحية أخرى يرى الشيخ جمال قطب عضو مجمع البحوث بالأزهر الشريف أن ما يحدث هو ردة حيث قال : رأى الأزهر واضح فى مثل هذه المسائل ولم يعط لهؤلاء حق تحديد المساجد التى يصح الصلاة فيها فوجود الأضرحة لبعض آل البيت - أو لقيادات دينية أو صوفية أو سياسية بجوار المساجد لا يبطل الصلاة فيها وزيارة الأضرحة والقبور واجبة للعظة والعبرة وليس للتبرك أو الوسيلة وهو ما يردد بناء عليه هؤلاء دعاوى عدم الزيارة وهم ليس منوطا بهم إبداء الآراء الشرعية الثابتة والتى حسمتها الأحاديث بعيدا عن التفسيرات القاصرة والمريضة والتى يحاولون بها التشدد والمغالاة فى بعض الأمور التى يسر الله بها على المسلمين ولا تكون محل خلاف ولكن اعتناق البعض لأفكار بعينها ظهرت مع الخوارج والغلاة عبر التاريخ يعد تطرفا ومحاولة فرض رؤى بعينها عكس ما يظهر فى صحيح الدين .

إنذار إمبابة

إنذار إمبابة

بقلم : عاصم حنفى

زمان .. اضطر الحكم الناصرى إلى اعتقال الشيوعيين والإخوان المسلمين .. فأرسلهم إلى معتقل الواحات البعيد والنائى فى قلب الصحراء .. رأى الحكم الناصرى أن وجود الشيوعيين والإخوان خطر على استقرار الحكم وأمن المجتمع فقام بالاعتقال العشوائى لرموزهم وقياداتهم .. فسكتت تماما أصوات القلاقل والاضطرابات وحركات الاحتجاج ضد نظام الحكم .. زمان كانت يد الدولة قوية حازمة .. وظالمة أحيانا لكنها الضرورة التى أباحت المحظورات .. ولم يخرج الشيوعيون والإخوان من المعتقل إلا بعد استقرار الأمور وثبات الحكم واستقرار المجتمع .

وبعيدا عن مصر فى أيرلندا الشمالية .. لجأت الحكومة البريطانية إلى اجراءات الحجر السياسى والملاحقة الأمنية البوليسية لكل عناصر الجيش الجمهورى الأيرلندى التى أعلنت الحرب على الحكم المركزى .. وتمكنت الحكومة البريطانية بالحزم والشدة من إبطال مفعول جماعات العنف الأيرلندية .. ولم يجرؤ معارضوها على وصفها أنها حكومة غير ديمقراطية .. على أساس أن الضرورات تبيح المحظورات أحيانا .

هكذا تتعامل نظم الحكم فى أوقات الشدة والأزمات والتوترات المجتمعية .. فلا تسمح لجماعة أو فصيل أو تيار سياسى بعرقلة الاستقرار وهز كيان المجتمع .. وقد خلقت السجون وقوانين العزل السياسى من أجل هذه الظروف .

أتعجب والله .. وجميع الشواهد تؤكد أن هناك تيارا سلفيا يلعب بذيله .. ويتحدى المجتمع ونظام الحكم علنا .. ويتعمد إحراجه فى محاولة للهيمنة والاستعراض السياسى .. ومع هذا لا تتحرك الدولة لفرض سيطرتها .

ويزداد العجب .. والمجلس العسكرى يحذر من وجود عناصر أجنبية تلعب على الساحة الداخلية .. وتستغل جماعات التطرف من أجل هز الاستقرار والتلاعب بالثورة الوليدة التى تحتاج للحزم والشدة فى تعاملها مع مثيرى القلاقل .

ما حدث بالأمس فى إمبابة هو إنذار شديد اللهجة بضرورة التحرك لاعتقال رموز وقيادات التطرف .. لا صبيانهم المتواجدين فى موقع الأحداث والضرورات تبيح المحظورات !  

بل الجمهورية الثالثة !

بل .. الجمهورية الثالثة !

بقلم : محمد بدر الدين

مقولتان فاسدتان :

على كل مخلص للوطنية المصرية - حتى وإن لم يكن منتمياً للرؤية الناصرية - أن يقوم بمواجهة وتفنيد وفضح كل مقولة منهما ! ... لأن ذلك حق الشعب المصرى وكفاحه ، قبل أى تيار أو قائد أو انتماء ! .

المقولة الفاسدة الأولى ، ترديد عبارة : ( الستين سنة الأخيرة ! ) .

كما لو أن كل هذه العقود ، تشبه بعضها بعضاً ، ويضعها أصحاب ترديد المقولة فى "سلة واحدة" ! .. منذ ( قيام ثورة يوليو 1952 ) إلى ( قيام ثورة 2011 ) ! .

أما المقولة الفاسدة الثانية ، فهى تردد عبارة : ( سنبدأ الآن الجمهورية الثانية ! ) .

وهى تأكيد لنفس المعنى المتهافت الضحل ، بصيغة زائفة ومقولة أخرى لا تقل فساداً .. !.

فالحقيقة الساطعة أن الجمهورية الأولى هى جمهورية الثورة ( التى قادها جمال عبد الناصر ) ، والجمهورية الثانية هى جمهورية الثورة المضادة ( التى أسسها السادات وكرسها مبارك ) .. ونحن الآن مقبلون على "الجمهورية الثالثة" ( جمهورية الثورة من جديد ) .

ونبدأ بهذه السطور المناقشة .

إن الذين يخشون على ثورة 25 يناير الآن ، من زحف "الثورة المضادة" التى تريد إجهاضها أو "إجهادها" ، بل الانقلاب الكامل عليها .. يمكنهم أن يفهموا الآن ، خشية وقلق مفجرى ثورة 23 يوليو سنة 1952 ، واستمرت طول الوقت ! ... حتى أنها تمكنت بالفعل من الانقضاض عليها ، بل الانقلاب الكامل عليها فى الفرصة التى واتتها واللحظة التى تحينتها ، عند غياب مفجر وقائد الثورة جمال عبد الناصر بالوفاة المباغتة .

وهى ظلت تحاول الانقضاض والإجهاض ، طيلة السنوات الأولى بعد رحيل عبد الناصر ، لكن ثورة يوليو استمرت تقاوم ، وتنجز وتثمر - بقوة الدفع الذاتى - حتى افتتاحية العبور والاقتحام العظيم فى حرب أكتوبر عام 1973 .. لكن القوى المضادة للثورة تمكنت مع الأسف من الانقلاب الكامل والردة الرجعية الحادة ( 180 درجة ) ابتداء من عام 1974 . إنه العام الأسود والكارثى فى تاريخ مصر الحديث ، والأسوأ ربما منذ عام الاحتلال البريطانى فى 1882 .

حيث بدأت فى ( 1974 ) ، بوضوح وقوة ، العودة إلى نظام الاستغلال الطبقى من خلال سيطرة عصابة الرأسمالية الطفيلية على الحكم ، بإعلان قوانين 1974 التى أعلنت ما سمى الانفتاح الاقتصادى ... وحيث بدا فيه ، بوضوح وقوة ، الطريق إلى كامب ديفيد ، وسياسة الرضوخ والتهادن الاستسلامى وعزل مصر عن القضية الوطنية العربية وعن الانتماء العربى ، وقد كانت الخطوة الكبيرة الأولى ، فى ( 1974 ) أيضا ، بما سمى "مفاوضات الكيلو 101" .

الذين يتحدثون اليوم عن الثورة المضادة ، والخشية من انقضاضها على ثورة 25 يناير الشعبية ، يمكنهم - خاصة من الأجيال الجديدة - أن يدركوا تماماً معنى تربص ، ثم تمكن قوى الثورة المضادة بالفعل ، من السيطرة على مصر ، منذ عام 1974 وحتى عام 2011 .

ويمكنهم أن يدركوا تماماً أن مصر عاشت ثورة 23 يوليو ( فقط ) منذ عام 1952 إلى 1970 عام رحيل قائدها ، وعلى الأكثر - بالدفع الذاتى - حتى عام 1973 .

ويمكنهم أن يدركوا تماماً أن ما عاشته مصر بعد ذلك التاريخ ( منذ 1974 ) ، لا يمت إلى ثورة يوليو بصلة ، إنما هو انقضاض وانقلاب القوى المضادة للثورة عليها .

يمكنهم أن يدركوا فساد المقولتين ، اللتين يتم الترويج لهما حالياً ، بسوء نية غالباً ، وحسن نية نادراً .. أى كما سبق أن ذكرنا :

. المقولة الفاسدة الأولى ، التى تردد عبارة : ( الستين سنة الأخيرة ) ، كما لو أن الثورة التى قادها عبد الناصر ، والثورة المضادة التى أسسها السادات ، ثم كرسها مبارك هى شئ واحد وعهد واحد وخط واحد !! .

. المقولة الفاسدة الثانية : ( إننا مقبلون على الجمهورية الثانية ) !! .. بينما الحقيقة الواضحة وضوح الشمس - لا يغالط فيها إلا كل مغرض بلا ضمير أو جاهل بلا إدراك - أن مصر مرت فى الستين سنة الأخيرة ( أى منذ ثورة يوليو إلى الآن ) .. بالجمهورية الأولى ( جمهورية الثورة : عبد الناصر ) ثم الجمهورية الثانية ( جمهورية الثورة المضادة : السادات - مبارك ) .

ونحن الآن بصدد تأسيس الجمهورية الثالثة ... جمهورية ثورة 25 يناير ، التى هى استكمال ثورة 23 يوليو ، وأن تحلق وترنو إلى أفق جديد .

فإن انتصار ثورة 25 يناير هى انتصار لثورة جمال عبد الناصر .. بل انتصار لكل حلقات الثورة الوطنية فى مصر ، والحركة الوطنية المصرية منذ محمد كريم ، وعمر مكرم ، غلى أحمد عرابى وعبد الله النديم ، إلى مصطفى كامل ومحمد فريد ، إلى سعد زغلول ، وفتحى رضوان ، وأحمد عبد العزيز .

وللحديث استكمال ضرورى .    

دفتر الملاحظات :

. هل نقوم بثورة كاملة .. من أجل أن يصبح عمرو موسى أو محمد حسان أو عبود الزمر أو مجدى حسين أو سليم العوا أو عبد المنعم أبو الفتوح رئيساً ؟ .. مهزلة !


****


بل .. الجمهورية الثالثة ! ( 2 )

لا أستطيع أن أعطى صوتى لأى مرشح لرئاسة الجمهورية ( مهما كانت مزاياه ) ، من الذين يهاجمون ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر ، مساوين بينها وبين الثورة المضادة التى أسسها السادات وكرسها مبارك ، والذين يضعون ( الستين سنة الأخيرة .. كما يرددون ) فى سلة واحدة ! .. والذين يريدون إشاعة ( إننا مقبلون على الجمهورية الثانية ! .. ) ، فالحقيقة الناصعة أن الجمهورية الأولى هى جمهورية الثورة ( بقيادة جمال عبد الناصر ) ، والجمهورية الثانية هى جمهورية الثورة المضادة والردة ( على مدى عهدى الثنائى السادات - مبارك ) .. والمسلمة البديهية أننا الآن مقبلون على الجمهورية الثالثة ( جمهورية الثورة من جديد ) .

جمهورية ثورة 25 يناير ، التى هى استكمال لثورة 23 يوليو ، ويجب أن تبدأ من حيث انتهت ثورة 23 يوليو ، وأن تطور ، وتحلق وترنو إلى أفق جديد ... فإن انتصار ثورة 25 يناير هو انتصار لثورة جمال عبد الناصر ، بل انتصار لكل حلقات الثورة الوطنية فى مصر .

إن عصر ثورة 25 يناير ينبغى أن يكون حلقة جديدة تستكمل الثورات السابقة ( الثورة العرابية - ثورة 1919 - ثورة يوليو ) ، ولا تكون نقيضاً - أو نقضاً - لها ! .

إن ثورة 23 يوليو هى ثورة طليعة شابة من الجيش ، وكانت الطليعة جزءاً من الحركة الوطنية المصرية ، التفت حولها الجماهير فتحولت من ثورة طليعة إلى ثورة شعب ، بينما ثورة 25 يناير هى ثورة طليعة شابة من الشعب ، وهى بدورها جزء من الحركة الوطنية المصرية ، استجابت الجماهير لندائها ، فبدأت كثورة شعبية هادرة باهرة .

وأى مغازلة لثورة من ثورات الشعب على حساب غيرها ، هى محاولة فاشلة ساذجة ، وهى إساءة للشعب قبل غيره ، فهو صانع ومبدع كل هذه الثورات بطلائعه الشابة ، وبجماهيره المقاومة .

إن هؤلاء الذين يرددون المقولتين الفاسدتين .. ( مقولة الستين سنة - ومقولة الجمهورية الثانية ) ، هؤلاء الذين لا يجدون فارقاً بين وطنية وثورية جمال عبد الناصر ، وقيادته كجزء من الشعب وضمير أمته ، وبين خيانة كل أهداف الأمة والثورة على أيدى ( الثنائى السادات - مبارك ) ورجالهما .. هؤلاء لا يرون لعمى قلب ووجدان ، ما يراه الشعب بحسه ووجدانه وقلبه وعقله .. حينما خرج الشعب بملايينه ، يقولون لعبد الناصر عقب "النكسة السياسية" ورغم "الهزيمة العسكرية" فى 1967 : ( ابق .. نثق فيك رغم كل شئ .. لا نقبل أبدا هذه الاستقالة المستحيلة ! ) .

ويودعون ويدمعون لرحيل عبد الناصر فى 1970 ، كما لم يودع ويدمع شعب لقائده ، فى جنازة شعبية مهيبة لم يشهد لها التاريخ مثيلا ... بينما هذا الشعب ذاته ودع السادات عند مصرعه ، براحة عميقة وتنفس الصعداء ( والبعض وزع الحلوى والعصائر ) ، وهذا الشعب ذاته خرج فى يناير 2011 بالملايين أيضاً ، يلح من أجل طرد مبارك من الحكم ، فى أكمل وأجمل ثورة شعبية ( أى تبدأ شعبية منذ لحظتها الأولى ) ، شهدتها مصر عبر تاريخها ضد حاكم ظالم ! .

هذا هو موقف الشعب ، ونحن جزء منه ، وعن نفسى فإن موقفى من موقفه ، يتطابق معه ! .. ويتناقض مع ذاك البعض من النخبة المتشدقة بفجاجة أو بسماجة : ( بأنه كله واحد ! .. منذ 1952 إلى 2011 ، هو حكم العسكر ، هو حكم الفرعون والديكتاتور ، وعبد الناصر بالكثير هو المستبد العادل ) ! .

أولاً .. لا يوجد شئ اسمه المستبد العادل ! . فمجرد الاستبداد يعنى الظلم ! .

وثانياً .. كان جمال عبد الناصر هو نائب الشعب الأول فى قيادة الدولة ، مثل أى نائب حقيقى فى برلمان الشعب ، وكان جمال عبد الناصر هو خير من مثل الشعب فعلاً ، وكان ضميره ، وكان عمله كله من أجل صالحه وخيره ، وهذا هو ( جوهر الديمقراطية ) .. وكان الناقص والمتعذر وقتها : هو ( شكلها ) .

وكانت غالبية فترة ثورة يوليو ذات طبيعة انتقالية ، ومرحلة تحول من مجتمع طبقى متخلف محتل إلى مجتمع نقيض هو مجتمع الحرية والكفاية والعدل ، ولم يكن متاحاً خلالها تحقيق ( شكل الديمقراطية ) إلى جانب جوهرها .. وكان البحث مستمراً عن صيغة للديمقراطية ، ربما تكون أفضل من صيغة الأحزاب القديمة التى عانينا منها قبل ( 1952 ) .. وحينما وجد جمال عبد الناصر فى أخريات الستينيات أن صيغة ( التنظيم ثنائى التركيب : الجماهيرى والطليعى ) لم تجد تطبيقاً دقيقاً .. قال ( إن الاتحاد الاشتراكى تنظيم من ورق ) .. واتجه إلى فكرة الأحزاب مجدداً ، مع حرص واجب وتدقيق وتطوير .

وكانت مرحلة حرب التحرير من أجل تحرير الأرض قد عادت ( منذ 1967 ) ، فلم تعرف الثورة فترة للبناء والتجديد والبحث عن صيغ مقنعة مبدعة ( للديمقراطية السليمة ) سوى تسع سنوات فقط ( 1957 - 1966 ) .

إن الذين يتحدثون عن تشابه الدستور فى ( الستين سنة الأخيرة ) ، وعن صلاحيات الرئيس فيها .. وأن الحكام الثلاثة فيها من العسكر .. هم أناس ( شكليون ) جداً ، سطحيون .. لا يريدون أن ينفذوا إلى جوهر أو حقيقة الأشياء والأسماء ! .

إن قليلاً منهم يتحدث بذلك بحسن نية ، وبعدم إدراك للجوهر ، لكن أكثرهم يثيرون ضجيجاً ولغطاً بسوء نية وقصد ، وبعداء لسبب أو لآخر ، لثورة يوليو وقيادتها .

إن كل من يعادى ثورة 23 يوليو ، هو بالطبيعة والضرورة يعادى - فى حقيقته ومهما ادعى - ثورة 25 يناير ! .. 



****


بل الجمهورية الثالثة ! ( 3-3 )

لن أعطى صوتى فى انتخابات رئاسة الجمهورية القادمة لـ ( عمرو موسى ) ، لأنه جزء لا يتجزأ من النظام السابق الساقط ، ولم يتخذ فى يوم من الأيام موقفاً شجاعاً واحداً ضد جوهر سياسات ذلك النظام ( اللهم إلا على سبيل حدة النبرة واللهجة والمرادفات فقط ! ) ... وعلى حد العبارة الدقيقة للشاعر الرائد عبد الرحمن الأبنودى : " لن أنتخب عمرو موسى أبدا لأنه صورة طبق الأصل من مبارك ، وأحد رجاله وفيه كل مساوئه ، ثم إنه لا يجوز بعد 25 يناير أن نفكر فى شخصيات من هذه النوعية ". ( المصرى اليوم 19/4/2011) .

لكن ليس هذا وحده ! .

لن أنتخب أيضاً "محمد البرادعى" ، لأنى لا أستطيع أن أعطى صوتى لرجل يحتقر ملحمة نضال الشعب المصرى والعربى تحت قيادة جمال عبد الناصر ، حتى مع اعترافى بمزايا حقيقية له ، أهمها أولاً : أننا نصدقه من الناحية الديمقراطية أو الليبرالية ، وثانيا : أنه واحد من الذين قالوا يوماً بصدق ووضوح واستقامة ( لا ) لنظام مبارك .. ( هو واحد منهم وليس كما يطيب للبعض أن يردد أنه أول الذين قالوا "لا" ، أو "أول الذين طالبوا بالتغيير الجذرى وربما هو فى الحقيقة آخرهم ! . فكان دوره ضمن "الشرارات الأخيرة قبل الانفجار الشعبى الثورى الكبير فى 25/1/2011)

الحق أنى لا أستطيع أن أكون فى صف أى مرشح ( مهما كانت مزاياه ) ، من الذين يهاجمون ثورة يوليو وقائدها .. ( ولا أقول "ينقدون" فالنقد حسن وعملية راقية بل هو مطلوب وضرورى دائماً ) ( وأيضا الذين ضد الناصرية ومبادئها من الإخوان والسلفيين مثل عبد المنعم أبو الفتوح وسليم العوا ومحمد عمارة ومجدى حسين ومحمد حسان وعبود الزمر إلخ ) ، كما أعنى بالذين يهاجمون فى واقعنا اليوم ، هؤلاء الذين لا يكفون عن ترديد ما وصفته فى حديث سابق بالمقولتين السابقتين .. اللتين على كل مخلص للوطنية المصرية - حتى وإن لم يكن منتمياً للرؤية الناصرية - أن يقوم بمواجهة وتفنيد كل مقولة منهما ، لأن ذلك حق الشعب المصرى وكفاحه ، قبل أى تيار أو قائد أو انتماء :

. المقولة الفاسدة الأولى ، ترديد عبارة : ( الستين سنة الأخيرة ! ) .

. المقولة الفاسدة الثانية ، ترديد عبارة : ( سنبدأ الآن الجمهورية الثانية ! ) .. وهى تأكيد لنفس المعنى المهترئ . ( للأسف أقرأ مثل هذه المصطلحات فى جريدة القاهرة لصاحبها صلاح عيسى الموتور من الناصرية ) 

وكما سبق أن أكدنا :

إن كل من يعادى ثورة 23 يوليو ، هو بالطبيعة والضرورة يعادى - فى حقيقته ومهما ادعى - ثورة 25 يناير ! .

إن ما يمكننا تسميته ( بحزب التنديد بالستين سنة الأخيرة ) .. هو ذاته ، الذى لا يكف عن تقسيم جمهوريات مصر منذ ( 1952 ) ، إلى الجمهورية الأولى .. التى تضم ( الستين سنة الأخيرة ) ، ومتحدثاً عن الجمهورية الثانية التى يجب أن تقوم الآن ( بعد 25 يناير 2011 ) !!

بينما الحقيقة الناصعة الساطعة ، هى أننا مررنا منذ ( 1952 ) بجمهوريتين كاملتين نقيضتين .. هى الجمهورية الأولى التى قادها جمال عبد الناصر ( جمهورية الحرية والاشتراكية والوحدة ) ، والتى انتهت برحيله ( فى 1970 ) ، وعلى الأكثر استمرت حتى حرب أكتوبر 1973 بقوة الدفع الذاتى لسنوات الثورة وحرب الاستنزاف .

ثم أعقبت هذه الجمهورية الأولى الثورية ( جمهورية ثانية رجعية ) .

وقد بدأت الجمهورية الثانية الرجعية التابعة للاستعمار والصهيونية ، منذ عام 1974 ، على أيدى مؤسسها السادات ورجاله ، واستمرت منذ عام 1981 على أيدى مكرسها مبارك ورجاله حتى قيام ثورة الشعب فى 25 يناير 2011 . ( إن عام 1974 هو العام الكارثى بحق فى التاريخ الحديث لمصر ، هو أسوأ من عام 1967 الذى نهضنا فيه بسرعة من بعد تعثر وانهزام ، لأن 1974 هو العام الذى بدأ فيه كل هذا الفساد والنهب والانحرافات باسم الانفتاح ، وبدأ فيه الطريق إلى خيانة "كامب ديفيد" بخطوة "مفاوضات الكيلو 101 .." إلخ ) .

إننا اليوم أمام تأسيس الجمهورية الثالثة ، التى يجب أن تكون استكمالاً وانطلاقاً من الجمهورية الأولى الثورية ، بل وتطويراً لها بحكم تطور العصر والظرف التاريخى .

وكنا دائماً نحسب أن تلك كلها .. مسلمات بديهية .

لكن البعض يغالط ويشوش .. من أجل مصلحة ضيقة ، أو بسبب رؤية ضيقة ! .

إن ( حزب الستين سنة الأخيرة ) .. هو ذاته ( حزب الجمهورية الثانية تبدأ اليوم ! ) .. هو ذاته الأكثر إضراراً بالمجتمع ، لأن لا شئ يضر مثل تزييف الحقيقة والمغالطة وخلط الحابل بالنابل ، والتطاول السفيه ضد قيمة كفاح الشعب المصرى تحت قيادة جمال عبد الناصر ، قبل أن يكون تطاولاً وسفهاً ضد شخص جمال عبد الناصر نفسه ، الذى لن يضيره شئ فهو فى رحاب ربه .

ولذلك فإننى : لن أعطى صوتى لأى مرشح للرئاسة أو للبرلمان ، يقول بذلك التضليل وتزييف الحقيقة ! .

وهذا يعنى بطبيعة الحال وبالضرورة أننى أدعو غيرى لنفس الموقف .

لا .. ( لحزب الستين سنة الأخيرة ) ! .

لا .. ( لحزب إننا مقبلون على الجمهورية الثانية ) ! .

لا .. لحزب إهانة كفاح الشعب المصرى فى أعظم حقبة فى تاريخنا حتى الآن : الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين .

لا .. للذين يغالطون أو لا يدركون .. أن جوهر الشعب واحد ، الشعب الذى خرج فى (1919) ، والذى خرج فى ( 9و10 يونيو 1967 ) ، والذى خرج فى (18و19 يناير 1977) ، والذى خرج فى ( 25 يناير 2011 ) .

. أقوال سديدة :
. العميد المتقاعد محمد بدر ، أحد أبطال حرب أكتوبر ( فى ندوة نقابة الصحفيين تكريماً للفريق سعد الدين الشاذلى بحضور ابنته السيدة شهدان ) :

"إن إقصاء الشاذلى خلال حقبة السادات ، وسجنه خلال عهد مبارك ، يعود إلى أنه "صاحب مشروع مقاوم" ، فى حين أن كليهما صاحب مشروع الاستسلام والتبعية .. الذى انتهى بقيام ثورة 25 يناير ، التى بنت جسرا بينها وبين 6 أكتوبر 1973" .      

الخميس، 5 مايو، 2011

الانتقال من الاستبداد السياسي إلي صراع اجتماعي أصولي

الانتقال من الاستبداد السياسي إلي صراع اجتماعي أصولي

 السطو علي ثورة يناير

رفضتْ الجماعات الإسلامية المشاركة في ثورة يناير2011في أيامها الأولي، ومع التصاعد الدراماتيكي لأحداث الثورة (صمود الثوار+ تنازلات النظام المتوالية) صدر الأمر لأتباعهم للحاق بالثورة. وطوال أيام الاعتصام في الميدان، لم تظهر أية فروق بين المصريين، فكانت الفتاة المنتقبة تجلس بجوار من تعتز بشعرها . وردّد الجميع شعار(ارفع راسك إنت مصري) ولكن في مساء 11فبراير، وإعلان تخلي مبارك عن الحكم، ظهر الوجه الحقيقي للأصوليين. فبعد أنْ هتف كل من في الميدان بعد تخلي مبارك عن حكمه يوم 11 فبراير (الشعب خلاص اسقط النظام) هتف الأصوليون (الله وحده أسقط النظام) وفي اليوم التالي ذبحوا العجول ووزعوها علي المحرومين من أكل اللحم مع التهنئة بانتصار(الثورة الإسلامية) وكانتْ هذه بداية السطو علي الثورة وسرقة أرواح الشهداء ودماء المصابين الذين لبوا نداء (الحرية) .

مع التمهيد ليوم الاستفتاء علي التعديلات الدستورية، بدأتْ الحرب الهجومية علي شعبنا الطامح في دولة عصرية. كثفتْ الميديا الأصولية دعايتها بخلط الدين بالسياسة. وكان الأصولي صاحب تعبير(غزوة الصناديق) علي حق في وصفه الدقيق لمرحلة التحول من إسقاط نظام سياسي استبدادي إلي الطغيان باسم الدين. وجاءتْ واقعة قطع أذن مواطن قبطي مسيحي لتؤكد هذا الطغيان، وبعد يومين من هذه الواقعة تم قطع رقبة مصري مسلم لأنه لا يحرص علي صلاة الفجر، وبعد أيام بدأتْ (غزوة هدم الأضرحة) نجحوا في هدم أضرحة الأولياء الصالحين المعروفين علي نطاق محلي في بعض المدن والقرى، ثم أعلنوا أنّ الدور سيأتي علي الأضرحة الشهيرة مثل مقام السيدة زينب والسيدة نفيسة إلخ وهكذا تبدأ مصر مرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي، فبعد أنْ كان الاحتقان الديني السائد بين المسلمين والمسيحيين، انتقل إلي الصراع بين المسلمين والمسلمين، إذْ أنّ شعبنا (مسلمين ومسيحيين) مولع بظاهرة الأولياء، مع مراعاة أنّ حب الأولياء لم ينتقص من العقيدة الدينية، ولعلّ إجماع علماء الاجتماع علي (تدين) شعبنا أكبر دليل علي نفي ما يُردّده الأصوليون من أنّ الاحتفال بالأولياء ومقابرهم داخل المساجد نوع من الشرك بالله. ولكن هل ينتهي المشهد بهدم الأضرحة أم سيعقبه الاعتداء علي المدافعين عنها كما فعل الوهابيون في بداية الدعوة الوهابية ؟ ذكر الجبرتي أنّ آل سعود تآمروا مع الوهابيين للاستيلاء علي مكة وطرد أهلها الأصليين، وأنّ أشراف مكة لجأوا إلي مصر لحمايتهم من بطش الوهابيين. إلي أنْ يقول (أخذ البلدة الوهابيون واستولوا عليها عنوة وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال . وهذا دأبهم مع من يحاربهم.. وهدموا قبة زمزم والقباب التي حول الكعبة والأبنية التي أعلي من الكعبة) (عجائب الآثار في التراجم والأخبار- ج 6- لجنة البيان العربي- عام 1966من ص 26- 69وما بعدها) ولم تكن مصادفة أنْ يرفع الوهابيون علم السعودية في قري مصر، وأنْ يكون دفن الموتى سعوديًا وليس مصريًا.

 الترويج للأصولية الدينية وإذا كان البسطاء من أبناء قنا رفضوا تعيين المحافظ لأنه (مسيحي) فالمعني أنّ الولاء يجب أنْ يكون للدين وليس للانتماء الوطني ومراعاة الصالح العام بغض النظر عن الديانة. جرثومة وضعها جمال الدين الإيراني الشهير بالأفغاني وتبناها من بعده المتعلمون الكبار أمثال أ. فهمي هويدي ود. محمد عمارة الذي لا يمل من الهجوم علي الديانة المسيحية. وإذا كانت مباديء العلمانية هي التي نجحتْ في تحقيق الاستقرار لدي الشعوب المتحضرة، فإنّ فضيلة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب ذكر أنّ الأزهر سيتصدى للعلمانية (المصري اليوم 12/4/2011ص8) في حين أنّ د. عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية وعي خطورة الأصولية الدينية عندما انتقد الداعية الإسلامي أبو إسحق الحويني الذي قال (مش لو كنا كل سنة عمالين نغزو مرة واتنين مش كان ح يسلم ناس كتير في الأرض واللي يرفض كنا ناخدهم أسري وناخد أولادهم وأموالهم ونساءهم وكل ما يتعذر ياخد راس ويبيعها) (نقلا عن د. خالد منتصر- المصري اليوم 15/4/ 2011) ولأنّ الإسلاميين تدربوا علي التلون لذا عندما سئل د. سعد الكتاتني مؤسس حزب (الحرية والعدالة) عما إذا كان الحزب سيدعو إلي تطبيق الحدود قال (لكل حادث حديث والحديث في موقع المعارضة يختلف عن الحديث في موقع الحكم) (نقلا عن أ. ياسر عبد العزيز- المصري اليوم17/4/2011) أما د. محمود عزت نائب مرشد الإخوان فذكر أنّ تطبيق الحدود (ممكن بعد امتلاك الأرض) أي أنّ مصر محتلة وأنّ الأصوليين سيحرّرونها. وذكرت المصري اليوم أنها بثتْ التسجيل الصوتي لصاحب التصريح علي موقعها الإلكتروني (17/4/2011) وإذا كانت الميديا المصرية تحتفي بالأصوليين، فكيف وصل بعضهم إلي لجنة تعديل الدستور أمثال أ. طارق البشري وأ. صبحي صالح القيادي الإخواني ؟ هل هو التمهيد للدولة الطالبانية وحرق مصر كما حدث في البروفات التمهيدية ( قطع طريق السكة الحديد في قنا وحرق بيوت ومحال تجارية في المنيا في أبو قرقاص يمتلكها المسيحيون- التفاصيل أهرام 20/4/2011ص13) هل تتحول الثورة إلي نكبة أعتقد أنّ مصر في مفترق طرق : إما أنْ يحصل شعبنا علي حريته لينطلق نحو تأسيس الدولة العصرية التي أول مبادئها أنه لا فرق بين مواطن ومواطن إلاّ بعمله وليس بديانته. وهذا هو المدخل الحقيقي لتحقيق التقدم، أو الاستسلام للإسلاميين الذين (مع افتراض حُسن النية) يسحبون مصر إلي عصر الكهوف . وإذا كان البعض يهاجم أمريكا (الكافرة) فإنّ عالم اللغويات الكبير(ناعوم تشومسكي) كتب (عمدتْ أمريكا وحلفاؤها إلي دعم الإسلاميين الراديكاليين بصورة منتظمة لتفادي خطر النزعات القومية العلمانية. والمثال الشائع لذلك هو السعودية إذْ هي مركز الإسلام الراديكالي) (صحيفة الجارديان- 4/2/2011) وأنّ (التهديد الحقيقي لأمريكا هو استقلال الشعوب . وأنها تُدعّم الإسلاميين المتشددين لتجنب قيام دولة قومية علمانية. وأقرب مثال علي ذلك هو العلاقة بين واشنطن والسعودية) (نيويورك تايمز- 5/2/2011) وإذا كان الأحرار يؤمنون بالدور الوطني للمؤسسة العسكرية المصرية، فإنني أناشد الوطنيين المخلصين بها العمل علي وأد سرقة ثورة شعبنا حتي لا تكون لصالح التخلف . وصدق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في قوله الحكيم (أهل العصور الحديثة يتحرّكون من حاضر إلي مستقبل. ونحن نرجع القهقرى من ماضٍ إلي ماضٍ أبعد. هم ينتجون ونحن نستهلك. الغربيون لهم العلم والديمقراطية والقدرة علي تسخير الطبيعة. ولنا الطغيان والقدرة علي تسخير الجن) (أهرام 20/4/2011).

بقلم : طلعت رضوان