الأحد، 15 مايو، 2011

كيف سرق الأغنياء ثورة 1919 والشيخ حسان ثورة 2011

كيف سرق الأغنياء ثورة 1919 والشيخ حسان ثورة 2011

بقلم : د. صفوت حاتم

يا دكتور عصام يا شرف .. إما أن يأخذ القانون مجراه بحزم وبسرعة فى مواجهة أى اختراق طائفى .. أو ستفلت الأمور منك .. وستدخل مر نفقا مظلما .. ستكون أنت أحد أسبابه الرئيسية .. لديك فى مصر من الكفاءات الوطنية العلمية والفكرية مخزون لا ينضب .. فكن ثوريا ولا تكن "مباركيا" ولا طنطاويا ولا سلفيا ولا إخوانيا ... ودمتم

1- كانت ثورة 1919 تعبيرا عن طموحات الشعب المصرى فى التخلص من الاحتلال الإنجليزى وإقامة دولة عصرية حديثة . قامت الدولة بالأساس على أكتاف طبقتين أساسيتين .. الطبقة المتوسطة من "الأفندية" .. أى الموظفين الصغار المتنورين فى الحكومة وفى الأزهر .. وهى الطبقة التى استطاعت أن تقود الطبقة الفلاحية بوعى جديد للتخلص من عبء وهوان الاحتلال البريطانى . كان الفلاحون - إذن - وطليعتهم من الأفندية والأزهريين قادة العمل الوطنى . وقد اندلعت ثورة 1919 فى الريف والمدن البعيدة دون أن يكون لها قيادة مركزية واحدة تقود النضال ضد القوات البريطانية ( تماما مثلما حدث فى ثورة 25 يناير 2011 ) .. وهكذا نظمت كل قرية وكل مدينة قواها ووضعت خططها وخاضت معاركها تحت الشعار الموحد "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" .. وهكذا استطاع أسلافنا المصريون الأميون أن يبتدعوا بأنفسهم أدوات للتنظيم والنضال .. وقد استطاعت القوات الإنجليزية أن تسيطر على الموقف بسرعة مستفيدة من عزلة الريف وعزلة قراه .. وطبعا غياب قيادة شعبية متمرسة بالنضال المسلح ضد قوات الإنجليز المدججة بأسلحتها العصرية .

2- ورغم وأد الثورة المسلحة .. إلا أن الشعب المصرى "العظيم" .. استطاع أن يصل بقيادته إلى الحكم عام 1924 . ثم استطاع أن يفرضها مرة أخرى عام 1926 ضد إرادة الملك والمحتلين .. ولكن رغم ذلك فشلت ثورة الشعب المصرى عام 1919 فى تحقيق آماله فى الحرية والديمقراطية .. لماذا .. ماذا حدث ؟

3- لقد تآمرت ضد الشعب المصرى الأحزاب التى كونها قادة ثورة 1919 أنفسهم .. فقد عزلوا الشعب عن السياسة بعد أن تحولوا من ثوار إلى ساسة وسياسيين .. وأخضعوا الشعب للسلطة بعد أن صاروا شركاء فى السلطة .. وأصبحوا يقهرونه باسم الوطنية بعد أن كانوا يحرضونه على الثورة باسم الوطنية .. فلقد وضع قادة ثورة 1919 دستور 1923 الشهير الذى جردوا فيه الكتلة الشعبية من حق التواجد فى البرلمان .. فقد كان حق الترشيح مكفولا فقط للقادرين ماليا .. كان يشترط فى أعضاء مجلس الشيوخ ( مثل مجلس الشورى الآن ) أن يكونوا على سبيل الحصر : "الوزراء، الممثلين الدبلوماسيين، رؤساء مجلس النواب، وكلاء الوزارات، النواب العموميون، رؤساء ومستشارى محكمة الاستئناف أو أية محكمة أخرى من درجتها أو أعلى منها، نقباء المحامين، موظفى الحكومة من درجة مدير أو أعلى منها، كبار العلماء والرؤساء الروحانيون، كبار الضباط المتقاعدين من الخدمة من رتبة لواء فصاعدا، النواب الذين قضوا مدتين فى النيابة، الملاك الذين يؤدون ضريبة لا تقل عن مائة وخمسين جنيها فى العام (أكثر من 300 ألف جنيه بسعر العملة الآن)، الأفراد الذين لا يقل دخلهم السنوى عن ألف وخمسمائة جنيه فى العام (أكثر من ثلاثة ملايين بسعر العملة الآن) .. وهكذا .. وهكذا ..  "

4- أما بالنسبة لمجلس النواب (يعنى مجلس الشعب) فقد اشترط القانون دفع أمانة مقدارها 150 جنيها (يعنى حوالى 300 ألف جنيه بالأسعار الحالية) .. هذا ما كان يشترطه قانون الانتخاب فى مادته الخامسة والخمسين .. فلقد اشترط هذا المبلغ بعد نقاش طويل .. إذا كان الاتجاه عند وضع القانون هو وضع اشتراط أن يكون النائب من بين كبار الملاك الزراعيين أو ذوى الدخول الكبيرة .. ولما كان هذا الشرط استنفد فى شروط دخول مجلس الشيوخ .. فقد احتالوا عليه لإعادة النص بصيغة أخرى هى اشتراط أن يدفع المرشح "تأمين" .. يكون من الجسامة - فى ذلك الوقت - بحيث لا يجرؤ عليه إلا كبار الأغنياء !!

5- أما فى القاع .. أى الشعب .. فكان يرزح تحت ظروف الفقر والجهل والمرض (مثل حاله الآن بفضل الحزب الوطنى المحظور) .. وهكذا قام الشعب بالثورة .. ونظم نفسه .. وشكل قيادات محلية بالمدن .. ودفع شهداء .. ثم .. ثم .. تسلم الأغنياء ثمار الثورة وحدهم !!

6- وصارت الديمقراطية المنشودة "صراعا" بين شعارين "الاحتلال تحت سعد" ولا "الاستقلال على يدى عدلى" .. وبالنهاية .. لم يكن الشعب ممثلا هنا أو هناك .. فقد كان يتفاوض عنه وباسمه كل من يدعى تفويضا من الشعب .. وقد ظل كبار الملاك .. يملكون ويحكمون ويفاوضون ويتصارعون ويترشحون وينتخبون .. دون أن يكون للشعب الذى قام بالثورة حق الترشيح والتواجد فى البرلمان .

7- وهكذا سرقت ثورة عام 1919 من الشعب المصرى .. بطلها وصاحبها .. وهو درس التاريخ لثورة 25 يناير 2011 التى يجرى تفريغها الآن وسرقتها من صاحبها الحقيقى أى "الشعب المصرى" .. فرجال الأعمال الأغنياء يملكون كل شئ المال والإعلام والصحافة والفضائيات والمقرات .. كل شئ .. كل شئ مباح لاستغلال هذه الثورة وشدها للطبقة الغنية التى لم تتوقف عن نهب الشعب المصرى وخداعه بكل الطرق .. ما العمل ؟

غريب أمر الدكتور عصام شرف !!

هذا الرجل الذى ارتضاه ثوار 25 يناير ليكون على رأس حكومة تصريف الأعمال الانتقالية .. يتصرف بعقلية "بيروقراطية" بطيئة وتقليدية .. تذكرنا ببطء وبيروقراطية "المخلوع مبارك" ..

فلقد احتفظ ببعض وزراء المخلوع وحكومة حزبه "المحظور" .. ورغم ذلك .. قلنا لا بأس .. قد يكون الرجل مضطرا ولا يوجد لديه من يعرفه لإدارة الأعمال السريعة .. رغم اعتقادنا أن مصر ولادة ومملوءة بالكفاءات المدنية والعسكرية الشريفة ..

ومع كل أزمة عاصفة ومهددة للثقة نلمح مظاهر ضعف فى أداء الدكتور عصام .. مثلا عند الاعتداء على المتظاهرين فى ميدان التحرير .. أو ما حدث فى مباراة الزمالك والإفريقى التونسى .. ونجد الرجل يخرج ويعتذر ويعد بعدم تكرار مثل هذه الحوادث .. ونحن نعذره .. فالأوضاع دقيقة وحرجة .. ورغم ذلك تبدو مظاهر ضعفه الشخصى والحكومى واضحة للعيان .. وهو أمر يشجع كل من هب ودب على اختراق القانون وتهديد سلامة الوطن ..

يبدو أن الدكتور عصام شرف قرر - ويا للشجاعة - أن يخرج عن المقرر ( الذى كان ينتهجه نظام المخلوع مع مسألة الاحتقان الطائفى فى تعامله معها تعاملا أمنيا يسوده ويوجهه رجال أمن الدولة فقط ) .. ويجدد فى أسلوب البيروقراطية الأمنية ويتعامل مع الملف الطائفى بشكل خلاق ومبدع .. ألا وهو استدعاء "إطفائى" الحرائق الطائفية الجديد "الشيخ محمد حسان" .. يرسله هنا وهناك لإطفاء ما يشعله أتباعه السلفيون .. والشيخ سعيد ومسرور ومنتفخ بالدور الجديد ومنتعش به .. فلم يتهدد عرشه الشيخ حسان (وهو وسلفيوه صنيعة مبارك وحليفه عبد الله وفهد آل سعود) منذ عهد مبارك إلى عهد طنطاوى والثورجى الأونطة عصام شرف .. وبعد أن كان يخطب لمبارك "ويحبه فى الله .. والله أحبه لله" .. هكذا كان يقول فى إحدى خطبه .. الآن صار إطفائيا يجر فى أذياله الشيخ الإخوانى "صفوت حجازى" الذى كان قد حجز له دورا فى قطار الثورة على يد الإخوان المسلمين .. وهكذا أصبح "أشرفنا فى جاهلية مبارك .. أشرفنا فى ثورة عصام شرف وطنطاوى" !!

يا دكتور عصام يا شرف .. يا دكتور .. يا ثورجى .. يا دكتور يا رئيس الحكومة .. أنت تريد دولة قانون حديثة أم تريد دولة مشايخ السلفية ؟!!

أين شيخ الأزهر ورجاله حتى يقفوا بحزم أمام ظواهر الفتنة الطائفية التى يشعلها السلفيون أنفسهم ؟

ولماذا تستدعى "كبيرهم" ليقوم بمهمته الاستعراضية فى تهدئتهم وإطفاء الحرائق التى يشعلونها فى دور العبادة المسيحية ، والأضرحة التى يهدمونها فى القليوبية ، والكنائس التى يهدمونها .. وسكك حديد قنا التى يقطعونها ويقيمون عليها الخيام ومحافظها الذى رفضوه لأنه مسيحى وقالوا "هل عقمت النساء المسلمات أن يلدن محافظا لنا" .. وهددوا بقطع المياه عن البحر الأحمر ورفعوا علم دولة أجنبية ظلامية هى السعودية وأعلنوا قنا إمارة سلفية وأميرها قرشى (بتحريض من مصطفى بكرى) هم والإخوان ؟!

على من تنطلى هذه الحيل يا دكتور عصام ؟!!

أين المثقفون المتنورون أنصار الدولة المدنية ؟!! وأين أيضا رجال الأمن وهيبة الدولة التى داسها الإخوان والسلفيون بالأقدام ؟!!

بصراحة هذا أداء ضعيف ومتردد وبطئ وتقليدى وهو أسوأ من طريقة مبارك الذى والحق يقال لم يكن الظلاميون - الساعون لخلافة وتطبيق حدود دموية بشعة ومصادرة حريات - هؤلاء ليجرؤون على قطع سكك حديدية ولا طرق ولا انتهاج أسلوب البلطجة وهدم الأضرحة والكنائس فى عهده .. ومصر لا تحتاج ولا تريد ولا تحلم بالاستقرار على طريقتك وطريقة طنطاوى أنت وحكومتك الميمونة !!

وللحديث بقية ..