الخميس، 5 مايو 2011

الانتقال من الاستبداد السياسي إلي صراع اجتماعي أصولي

الانتقال من الاستبداد السياسي إلي صراع اجتماعي أصولي

 السطو علي ثورة يناير

رفضتْ الجماعات الإسلامية المشاركة في ثورة يناير2011في أيامها الأولي، ومع التصاعد الدراماتيكي لأحداث الثورة (صمود الثوار+ تنازلات النظام المتوالية) صدر الأمر لأتباعهم للحاق بالثورة. وطوال أيام الاعتصام في الميدان، لم تظهر أية فروق بين المصريين، فكانت الفتاة المنتقبة تجلس بجوار من تعتز بشعرها . وردّد الجميع شعار(ارفع راسك إنت مصري) ولكن في مساء 11فبراير، وإعلان تخلي مبارك عن الحكم، ظهر الوجه الحقيقي للأصوليين. فبعد أنْ هتف كل من في الميدان بعد تخلي مبارك عن حكمه يوم 11 فبراير (الشعب خلاص اسقط النظام) هتف الأصوليون (الله وحده أسقط النظام) وفي اليوم التالي ذبحوا العجول ووزعوها علي المحرومين من أكل اللحم مع التهنئة بانتصار(الثورة الإسلامية) وكانتْ هذه بداية السطو علي الثورة وسرقة أرواح الشهداء ودماء المصابين الذين لبوا نداء (الحرية) .

مع التمهيد ليوم الاستفتاء علي التعديلات الدستورية، بدأتْ الحرب الهجومية علي شعبنا الطامح في دولة عصرية. كثفتْ الميديا الأصولية دعايتها بخلط الدين بالسياسة. وكان الأصولي صاحب تعبير(غزوة الصناديق) علي حق في وصفه الدقيق لمرحلة التحول من إسقاط نظام سياسي استبدادي إلي الطغيان باسم الدين. وجاءتْ واقعة قطع أذن مواطن قبطي مسيحي لتؤكد هذا الطغيان، وبعد يومين من هذه الواقعة تم قطع رقبة مصري مسلم لأنه لا يحرص علي صلاة الفجر، وبعد أيام بدأتْ (غزوة هدم الأضرحة) نجحوا في هدم أضرحة الأولياء الصالحين المعروفين علي نطاق محلي في بعض المدن والقرى، ثم أعلنوا أنّ الدور سيأتي علي الأضرحة الشهيرة مثل مقام السيدة زينب والسيدة نفيسة إلخ وهكذا تبدأ مصر مرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي، فبعد أنْ كان الاحتقان الديني السائد بين المسلمين والمسيحيين، انتقل إلي الصراع بين المسلمين والمسلمين، إذْ أنّ شعبنا (مسلمين ومسيحيين) مولع بظاهرة الأولياء، مع مراعاة أنّ حب الأولياء لم ينتقص من العقيدة الدينية، ولعلّ إجماع علماء الاجتماع علي (تدين) شعبنا أكبر دليل علي نفي ما يُردّده الأصوليون من أنّ الاحتفال بالأولياء ومقابرهم داخل المساجد نوع من الشرك بالله. ولكن هل ينتهي المشهد بهدم الأضرحة أم سيعقبه الاعتداء علي المدافعين عنها كما فعل الوهابيون في بداية الدعوة الوهابية ؟ ذكر الجبرتي أنّ آل سعود تآمروا مع الوهابيين للاستيلاء علي مكة وطرد أهلها الأصليين، وأنّ أشراف مكة لجأوا إلي مصر لحمايتهم من بطش الوهابيين. إلي أنْ يقول (أخذ البلدة الوهابيون واستولوا عليها عنوة وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال . وهذا دأبهم مع من يحاربهم.. وهدموا قبة زمزم والقباب التي حول الكعبة والأبنية التي أعلي من الكعبة) (عجائب الآثار في التراجم والأخبار- ج 6- لجنة البيان العربي- عام 1966من ص 26- 69وما بعدها) ولم تكن مصادفة أنْ يرفع الوهابيون علم السعودية في قري مصر، وأنْ يكون دفن الموتى سعوديًا وليس مصريًا.

 الترويج للأصولية الدينية وإذا كان البسطاء من أبناء قنا رفضوا تعيين المحافظ لأنه (مسيحي) فالمعني أنّ الولاء يجب أنْ يكون للدين وليس للانتماء الوطني ومراعاة الصالح العام بغض النظر عن الديانة. جرثومة وضعها جمال الدين الإيراني الشهير بالأفغاني وتبناها من بعده المتعلمون الكبار أمثال أ. فهمي هويدي ود. محمد عمارة الذي لا يمل من الهجوم علي الديانة المسيحية. وإذا كانت مباديء العلمانية هي التي نجحتْ في تحقيق الاستقرار لدي الشعوب المتحضرة، فإنّ فضيلة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب ذكر أنّ الأزهر سيتصدى للعلمانية (المصري اليوم 12/4/2011ص8) في حين أنّ د. عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية وعي خطورة الأصولية الدينية عندما انتقد الداعية الإسلامي أبو إسحق الحويني الذي قال (مش لو كنا كل سنة عمالين نغزو مرة واتنين مش كان ح يسلم ناس كتير في الأرض واللي يرفض كنا ناخدهم أسري وناخد أولادهم وأموالهم ونساءهم وكل ما يتعذر ياخد راس ويبيعها) (نقلا عن د. خالد منتصر- المصري اليوم 15/4/ 2011) ولأنّ الإسلاميين تدربوا علي التلون لذا عندما سئل د. سعد الكتاتني مؤسس حزب (الحرية والعدالة) عما إذا كان الحزب سيدعو إلي تطبيق الحدود قال (لكل حادث حديث والحديث في موقع المعارضة يختلف عن الحديث في موقع الحكم) (نقلا عن أ. ياسر عبد العزيز- المصري اليوم17/4/2011) أما د. محمود عزت نائب مرشد الإخوان فذكر أنّ تطبيق الحدود (ممكن بعد امتلاك الأرض) أي أنّ مصر محتلة وأنّ الأصوليين سيحرّرونها. وذكرت المصري اليوم أنها بثتْ التسجيل الصوتي لصاحب التصريح علي موقعها الإلكتروني (17/4/2011) وإذا كانت الميديا المصرية تحتفي بالأصوليين، فكيف وصل بعضهم إلي لجنة تعديل الدستور أمثال أ. طارق البشري وأ. صبحي صالح القيادي الإخواني ؟ هل هو التمهيد للدولة الطالبانية وحرق مصر كما حدث في البروفات التمهيدية ( قطع طريق السكة الحديد في قنا وحرق بيوت ومحال تجارية في المنيا في أبو قرقاص يمتلكها المسيحيون- التفاصيل أهرام 20/4/2011ص13) هل تتحول الثورة إلي نكبة أعتقد أنّ مصر في مفترق طرق : إما أنْ يحصل شعبنا علي حريته لينطلق نحو تأسيس الدولة العصرية التي أول مبادئها أنه لا فرق بين مواطن ومواطن إلاّ بعمله وليس بديانته. وهذا هو المدخل الحقيقي لتحقيق التقدم، أو الاستسلام للإسلاميين الذين (مع افتراض حُسن النية) يسحبون مصر إلي عصر الكهوف . وإذا كان البعض يهاجم أمريكا (الكافرة) فإنّ عالم اللغويات الكبير(ناعوم تشومسكي) كتب (عمدتْ أمريكا وحلفاؤها إلي دعم الإسلاميين الراديكاليين بصورة منتظمة لتفادي خطر النزعات القومية العلمانية. والمثال الشائع لذلك هو السعودية إذْ هي مركز الإسلام الراديكالي) (صحيفة الجارديان- 4/2/2011) وأنّ (التهديد الحقيقي لأمريكا هو استقلال الشعوب . وأنها تُدعّم الإسلاميين المتشددين لتجنب قيام دولة قومية علمانية. وأقرب مثال علي ذلك هو العلاقة بين واشنطن والسعودية) (نيويورك تايمز- 5/2/2011) وإذا كان الأحرار يؤمنون بالدور الوطني للمؤسسة العسكرية المصرية، فإنني أناشد الوطنيين المخلصين بها العمل علي وأد سرقة ثورة شعبنا حتي لا تكون لصالح التخلف . وصدق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في قوله الحكيم (أهل العصور الحديثة يتحرّكون من حاضر إلي مستقبل. ونحن نرجع القهقرى من ماضٍ إلي ماضٍ أبعد. هم ينتجون ونحن نستهلك. الغربيون لهم العلم والديمقراطية والقدرة علي تسخير الطبيعة. ولنا الطغيان والقدرة علي تسخير الجن) (أهرام 20/4/2011).

بقلم : طلعت رضوان