الخميس، 12 مايو، 2011

هل يقبل المصريون بحكم دولة دينية

سؤال قديم أثارته التوترات الأخيرة بعد 11 فبراير 2011

هل يقبل المصريون بحكم دولة دينية

ثقافة المصريين تاريخياً ضد التطرف يميناً أو يساراً

بقلم : د. عاصم الدسوقى


كانت ثورة 25 يناير تعبيراً عن وحدة المصريين ضد الظلم الذى حاق بهم جراء احتكار مجموعة طفيلية للسلطة التشريعية والتنفيذية باسم "الحزب الوطنى الديمقراطى" أولئك الذين وصفهم عامة المصريين بـ "الوطنجية" . وفى أحداث الثورة استعاد المصريون أيام ثورة 1919 حين توحد أبناء الأمة تحت شعار "الهلال والصليب" ، حتى إن أحد شباب ميدان التحرير من الملتحين اعترف بأعلى صوته فى الفضائيات "إنه لأول مرة يحضن مسيحيا ويقبله وهما فى الميدان" . وبات معروفا أن "أمن الدولة" كان وراء إشعال التوتر بين المسيحيين والمسلمين حتى لا يتحدوا معا ضد سلطة الظلم والطغيان ويتفرغوا لتصفية بعضهم بعضا ، وكان حادث كنيسة القديسين ليلة رأس السنة الميلادية دليلا على ذلك فسر لنا كثيرا من الأحداث المشابهة فى السابق .

لكن سرعان ما انتهزت الجماعات الإسلامية الفرصة لكى تفرض نفسها على ساحة الثورة ونسبت لعناصرها ريادتها ، وأن الفرصة قد حانت لكى يتسلموا السلطة ويفرضوا "حكومة المجتمع المسلم" بطريقة أو بأخرى . وبدأ أمرهم ينكشف رويدا رويدا من واقع الأحداث المتلاحقة ومن فلتات اللسان التى تعبر عن مكنون المشاعر . فقبل أن تعلن لجنة التعديلات الدستورية رأيها حذرت الجماعات من الاقتراب من المادة الثانية من الدستور الخاصة بالشريعة الإسلامية وقال أحد كبرائهم "إن هذا خط أحمر" . ولما تأكدوا أن اللجنة لم تتعرض لهذه المادة أعلنوا موافقتهم على التعديلات بل وحرضوا الناس فى يوم الاستفتاء على الموافقة لإيقاف العلمانيين عند حدهم . ولما حصلت التعديلات على نسبة 77% أعلنوا انتصارهم فى واقعة "ذات الصناديق".

وتوالت المواقف فقال أحدهم .. إننا استلمنا البلد واللى مش عاجبه يهاجر إلى كندا أو أمريكا ، وشب حريق فى كنيسة صول فى إطفيح ، وسمحوا لأنفسهم بتطبيق "حدود الله" خارج الشروط الفقهية ، ورفض أهالى قنا محافظا مسيحيا استنادا لمقولة "لا ولاية لغير المسلم على المسلم" . وانتفض الخائفون على مستقبل البلد ينادون بإقامة "الدولة المدنية" ، ويرد "السلفيون" بمقولة "نحو حزب مدنى بمرجعية دينية" وهو قول يدخل فى باب التلاعب بالألفاظ والعقول ، إذ ليس من المفهوم كيف يكون الحزب مدنيا بمرجعية دينية إلا إذا كان المقصود بالمدنى ارتداء ملابس غير الجلباب .

وبهذا الأسلوب عادت الفتنة تطل برأسها من جديد وأصبحنا ننفذ منهج "أمن الدولة" رغم اكتشافنا أنه كان وراء الوقيعة بين أبناء الأمة . وهنا تذكرت ما حدث فى مصر بعد انتهاء ثورة 1919 من حيث عودة المناخ الطائفى ليحكم العلاقة بين المصريين الأمر الذى دفع الدكتور زغيب ميخائيل حكيمباشى مستشفى أبو قرقاص الأهلى أن يكتب فى عام 1950 كتابا بعنوان "فرق تسد ... الوحدة الوطنية والأخلاق القومية" نعى فيه موت الوحدة الوطنية التى ظللت المصريين أثناء ثورة 1919 لأنهم لم يعودوا يهتفون "يحيا الهلال مع الصليب".

***

والحال كذلك .. فماذا نحن فاعلون .. وكيف وصلنا إلى هذه الدرجة السقيمة من التفكير وقسمة الأمة وهى على قلب رجل واحد .. وهل يقبل المصريون بحكم دولة دينية .. ؟

إن وقائع تاريخ المصريين وموروثهم الثقافى لا يشجع على قيام دولة دينية لسبب بسيط وهو أن مصر لم تشهد هذا الحكم الدينى بيد أبنائها من قبل .. فمصر المسيحية كانت ولاية رومانية حكمها أباطرة من بيزنطة المسيحية ولم تحكمها الكنيسة المصرية ، ومصر الإسلامية كانت أيضا ولاية منذ الفتح ولم يحكمها مصرى مسلم من أبنائها وإنما كان يأتيها وال ٍ من لدن الخليفة . والمصريون جميعا مسلميهم ومسيحييهم ، طوال تلك الحقب "الدينية" المسيحية والإسلامية لم يكونوا يعبأون بطبيعة الحاكم ، وكانوا ينصرفون إلى مباشرة شئون دنياهم من خلال مختلف طوائفهم ، ويجمع بينهم مشترك ثقافى أقرب إلى الطبيعة العلمانية المدنية منه إلى التشدد الدينى لعل أبرز معالمه العزوف عن الجدل وعدم استحسان كثرة اختلاف الآراء فى أمور الدين . ومن دلائل ذلك أن المصريين الذين أسلموا لم ينساقوا إلى الخلافات المذهبية الخارجة عن مذهب أهل السنة عندما وقعت . كما لم يتقبلوا النزعة الفلسفية الفقهية التى وردت من بلاد فارس عبر العراق ، أو روح التجمد التى جاءت مع فقهاء المغرب ( سيادة المذهب المالكى ) ، بل على العكس سيطرت عليهم الروح الفنية التى أتاحت الفرصة للتأمل والإبداع فى ميادين الفن والأدب ، وتغلبت بينهم قيمة الاعتدال حيث ظلت منظومة القيم الاجتماعية فى حالة من الثبات لا تقبل التغيير إلا بقدر يسير يأتى مع الثورات الكبرى والاضطرابات الاجتماعية ، وسرعان ما تعود المنظومة إلى حافة الوسطية . ولعل هذه الوسطية مسئولة عن تعثر شيوع أفكار التطرف يمينا أو يسارا بالنسبة إلى المذاهب الدينية والاجتماعية ، وشيوع فكرة الاختيار الثقافى من الأفكار الواردة بما يتفق مع أصول التقاليد .

والأصل أن المصريين عندما كانوا أتباع عقيدة واحدة زمن الفراعنة ( عقيدة آمون ، أو رع .. ) لم يعرفوا التناقض مع الحكم القائم .. فالجميع على دين واحد . ثم بدأ التناقض يظهر مع انتشار الأديان السماوية بينهم على تتابعها : اليهودية والمسيحية والإسلام ، إذ أخذت كل عقيدة وافدة مساحة ملحوظة من حجم العقيدة القائمة والسابقة عليها . وبصرف النظر عن حجم أصحاب كل عقيدة بين الكثرة والقلة والندرة ومدى انتشارها وسيادتها ، فإن ما يهمنا فى هذا الخصوص ما حدث من حالة التوحد بين الدين والدولة ، وكانت الخلافة الإسلامية تاريخيا أبرز مظاهره . ورغم زوال نظام الخلافة فى الحكم السياسى ووقوع سلطة الحكم فى أيدى أشخاص مدنيين ابتداء من انفراد محمد على باشا بحكم مصر (1805) ، إلا أن المؤسسة الدينية احتفظت بمكانتها فى المجتمع وأصبح الحاكم يضعها فى حساباته ، ومن هنا سعيه لاسترضاء رجالها حتى يكونوا فى خدمته .

وفى كل الأحوال شهدت مصر نزالا فكريا بين تيارات فكرية تتكلم عن الدين من منظور أخلاقى وسياسى ، وبين تيارات علمانية تريد أن تنأى بالدين عن معترك الحكم والسياسة . ومع ظهور جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا ابتداء من عام 1928 اشتد أزر التيار الإسلامى خاصة وقد تحول خطابها من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى المطالبة بالحكم منفردة أو بالمشاركة ، مما أدى إلى اصطدامها بمؤسسة الحكم .

وفى الدعوة لإقامة "حكومة إسلامية" ينسى هؤلاء أن المصريين ليسوا جميعا مسلمين بصرف النظر عن أن غالبيتهم مسلمون ، بل إن بينهم مسيحيين لا يمكن أن يقبلوا بالشريعة الإسلامية مهما كانت درجة عظمتها ، بل إن إقامة مثل هذه الدولة من شأنه إثارة الفتنة الطائفية الأمر الذى يدفع بالأقلية إلى الاستعانة بالقوى الخارجية والاستقواء بها ، وتجد فيها هذه القوى فرصتها للتدخل والسيطرة . وهذا يعنى أن أصحاب هذا التفكير يهربون من الواقع ويقفزون إلى ما يتصورون أنه الزمن "الجميل والمضئ" ، ويرددون مقولاته التى ثبت نجاحها وفاعليتها فى إطار ظروفها الموضوعية السائدة ، ويطالبون الناس بالتمسك بها للخروج من المأزق ، لكنهم ينسون أن التاريخ لا يتكرر بشخوصه وأحداثه ، وأن عجلة الزمن تسير إلى الأمام ولا يمكن أن تعود إلى الخلف إلا إذا أصابتها الأعطال . وهذا هو جوهر الإشكالية الذى يتمثل فى العمل على استعادة أحكام الزمن ومقولاته ومواقف أصحابه رغم تغير الظروف ، ودون تقدير للسياق الذى جرت فيه الأحداث التى أدت إلى اتخاذ المواقف ، وقطع الطريق على من ينادى بالعلمانية التى تعتبر فى نظرهم كفرا وإلحادا ، وهذا غير صحيح تاريخيا فالعلمانية تعنى فى أبسط الأمور صياغة القوانين من واقع الظروف الموضوعية وتغييرها تبعا لتغير الظروف فى ضوء الحكمة الإسلامية القائلة "أنتم أدرى بشئون دنياكم" ، أو مقولة "أهل مكة أدرى بشعابها".

فإذا سألت أولئك القوم كيف تطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية على جميع أبناء المجتمع وفيهم غير المسلمين وكل صاحب عقيدة يعتز بعقيدته ومعجزاتها .. أجابوا ببساطة قائلين إن الدين عند الله الإسلام ومن ابتغى غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. أو يقولون إن الإسلام يقوم على التسامح وأن لأهل الذمة ما لنا وعليهم ما علينا . ولا يلتفتون إلى أن استدعاء الدين فى السياسة فى بعض البلاد المجاورة مثل لبنان والعراق والسودان أدى إلى انقسام أهلها على أساس العقيدة والمذهب واختفاء التسامح حيث تسعى كل جماعة للقضاء على غيرها من الجماعات . كما لم يلتفتوا إلى أن خطاب الإخوان المسلمين فى مصر فى ثلاثينيات القرن العشرين أدى إلى ظهور "تيار الأمة القبطية" الذى دعا أصحابه إلى المحافظة على اللغة القبطية ، وتوطيد الرابطة الطائفية ، وتدعيم كيان الأقباط كشعب يرغب فى الاحتفاظ بمقوماته ، بل لقد وزع أنصار هذا التيار منشورات باسم "جماعة الأمة القبطية" فى أواخر الأربعينيات تطالب بالحكم الذاتى ، وهو أمر يتكرر فى صعيد مصر هذه الأيام .

والحق .. إن استمرار خطاب استدعاء الدين فى السياسة من شأنه "طوأفة" المصريين ليس فقط بين طائفتين ( مسلمين ومسيحيين ) وإنما سوف تدخل على المشهد "طوائف أخرى" يرتب لها فى الدوائر العالمية ونحن فى غفلة عما يدور من حولنا ، وإلا كيف نفسر مطالبة "البهائيين" بحقوق التمييز المذهبى ، وكثرة الحديث عن "الشيعة المصريين" ، ومحاولة نفر من اليائسين من الإصلاح إنشاء حزب جديد باسم "مصر الأم" يدعو إلى استعادة لغة الفراعنة القدامى وثقافتهم بديلا عن الثقافة القائمة .

والحق أن استدعاء الدين فى السياسة هو أحد إشكالات النظر فى واقع الأمور ، وأحد مناطق الجدل ، وأحد مشكلات صناعة الرأى وتكوين الوعى ، خاصة وأن الاجتهاد فيه يتم بمقتضى منطق أرسطو فى القياس الذى يأخذ بظاهر الأمور وينزع نصوص الأحكام من سياق ظروفها فى الزمان والمكان ويريح العقول من عناء التفكير .. مع أن أرسطو وضع القياس فى المرتبة الثالثة من التفكير بعد السببية والعقلانية ولم يكن القياس هو الأول والأخير عنده . .

والخلاصة .. إن عامة المصريين لا يمكن أن يقبلوا بدولة دينية . وإذا كانت الجماعة الإسلامية تقيم خطابها السياسى على أساس "أن الإسلام هو دين الوسطية" درءاً للشبهات واتفاقا مع الخصوصية الثقافية للمصريين ، فإن هذا القول لا يبرر الحكم بشريعته على غير المسلمين .             

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق