السبت، 16 يوليو 2011

مقالات قيمة من الحوار المتمدن وغيره 4


مأمون فندى للعوا : شعب مصر مش بقر لتصبح رئيسا

كتب:أحمد أبو صالح


وجه مأمون فندى الكاتب بصحيفة الشرق الأوسط على صفحته بالموقع الإجتماعى " الفيس بوك " انتقادات عنيفة ضد مرشحى الرئاسة المحتملين د.محمد سليم العوا ود. عبد المنعم أبو الفتوح وأيضا الإعلامى أحمد المسلمانى .

وكتب فندى على صفحته على الفيس بوك "واحدة من نوائب القدر أن كل من كان له برنامج تلفزيوني أو ظهر عشرة دقائق على الشاشة أصبح مرشحا محتملا للرئاسة، داعية إسلامي مثل سليم العوا أو الأخ عبد المنعم أبو الفتوح، حتى أحمد المسلماني بقى مرشح رئاسة، هو إيه الحكاية البلد دي ما فيهاش ناس تانيه غير بتوع الفضائيات؟ البلد بها خمسة وتمانين مليون مواطن، مش خمسة وتماني مليون بقرة بتجرهم فضائية أحمد بهجت ".
 


****

خزعبلات سلفية


‏50‏ ألف سلفي يعلنون عن دستور إسلامي جديد

كتب:حفني وافي





أعلنت الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح التي تأسست عقب ثورة ‏25‏ يناير عن وضع دستور إسلامي يتفق مع تعاليم الشريعة الإسلامية‏.‏

جاء ذلك في مؤتمر حضره أكثر من‏50‏ ألف شخص من أتباع التيار السلفي مساء أمس في ساحة السيارات بمدينة نصر‏.‏وقال الدكتور عمر عبد العزيز عضو مجلس أمناء الهيئة إننا نريد تطبيق الشريعة الإسلامية وأن الوقت قد حان لتطبيقها ولن نضيع الفرصة وإن الهدف الرئيسي من تأسيس الهيئة الشرعية هو توحيد الأمة الإسلامية من أجل تطبيق شرع الله‏.‏وأضاف أننا سنطبق الشريعة الإسلامية أو نستشهد في سبيلها وأن المؤتمر يهدف إلي نصرة شريعة الله في الأرض‏,‏ ورفض القوانين الوضعية التي تخالف ما أنزله الله‏.‏وأضاف الشيخ عبد الستار فتح الله عضو مجلس أمناء الهيئة الشرعية أن الشريعة الإسلامية كانت مطبقة لمدة‏1250‏ سنة وبعد ذلك تم الاعتراف بالقوانين الوضعية العلمانية التي تم استيرادها من أوروبا وأضاف أن البعد عن تطبيق الشريعة الإسلامية بدأ في عهد الخديوي إسماعيل عندما تولي حكم مصر وأراد أن يجعل مصر قطعة من فرنسا وفي عام‏1882‏ تم إنشاء المحاكم المختلطة وبعدها بعام تمت ترجمة القانون الفرنسي إلي اللغة العربية وتم استبدال الشريعة بقانون فرنسي واستمر تطبيق القانون الفرنسي حتي عام‏1977‏ عندما قام الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب (بأمر من السادات الرئيس المدمن) حينئذ بتشكيل‏7‏ لجان لوضع دستور إسلامي يتفق مع تعاليم الشريعة وبالفعل تم الانتهاء من وضع دستور مؤلف من‏1500‏ ورقة تم إيداعه في مكتبة مجلس الشعب إلا أن الرئيس أنور السادات رفض تطبيق الدستور الإسلامي‏.‏ وأضاف‏:‏ بعد نجاح ثورة ‏25‏ يناير فإننا نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وترك القوانين الوضعية التي تتنافي مع تعاليم الدين الرسمي‏.‏

وأكد فتح الله أن الهيئة الشرعية لديها أربعة مشروعات قوانين للدستور الإسلامي‏.‏

أولها‏:‏ الذي وضعته جماعة الإخوان المسلمين عام‏1952‏ الثاني الذي وضعه مجمع البحوث الإسلامية برئاسة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الشريف عام‏1987‏ والثالث وضعته مجلس الشعب عام‏1977‏ والرابع وضعته مجموعة من فقهاء القانون والقضاة وتلك الدساتير موجودة لدي الهيئة الشرعية ويمكن العمل بها وتتفق مع نصوص الشريعة الإسلامية‏.‏

ودعا فتح الله المسلمين إلي عدم انتخاب أي مرشح سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئيسية يرفض تطبيق الشريعة الإسلامية لأن ذلك يتحدى تطبيق الشريعة الإسلامية التي أوصي بتطبيقها رسولنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ وأننا لن نسمح بتطبيق غير الشريعة الإسلامية‏.‏

 


*****
 




اغتصاب امرأة سنية !


مهند حبيب السماوي

الحوار المتمدن - العدد: 3399 - 2011 / 6 / 17







في صيف عام 2000 لاحظ العلماء فيلا صغيرا يموت على الطريق في غابات إفريقيا، وبعد ساعات لاحقة من المراقبة لجثته، جاءت إليه بعض الفيلة وحاولت حمله وإنعاشه من اجل إنقاذ حياته.

وفي التعليق على هذه الحادثة " الفريدة " بيّن الأستاذ دالي باتروسن من جامعة تفتس الأمريكية، وفي كتابه الجديد " الحياة الأخلاقية للحيوانات"، أن هذا النوع من السلوك دليل على أن الإنسان ليس هو الحيوان الوحيد الذي لديه شعور أخلاقي بل إن الثدييات ومن ضمنها الفيلة والدولفينات والقردة أيضا تمتلك حافز قوي للتعاون والتعاطف والإنصاف.

باترسون أوضح بان أخلاق الحيوانات مثل نظيرها في الإنسان تقتضي السير خلف قواعد اجتماعية معينة وتتطور بمرور الوقت، وان الحيوانات قادرة على أظهار سلوكيات أخلاقية معينة.

هذه الدراسة الحديثة التي تكشف عن وجود سلوكيات أخلاقية لبعض الحيوانات، تأتي متزامنة مع إعلان العراق عن القبض على مجموعة من " الوحوش الآدمية" التي قامت بأبشع جريمة وأحقر مجزرة عرفتها الإنسانية لا في تاريخ العراق الحديث فحسب بل ربما حتى في تاريخ المنطقة التي نعيش فيها.

إذ أعلنت السلطات العراقية في 28 من أيار الماضي، اعتقال شبكة إرهابية مجرمة مسؤولة عن جريمة بشعة لم يسمع بها شخص سليم العقل إلا اهتز كيانه وانعصر قلبه واقشعر بدنه وارتفع حاجبه عجبا أمام مدى فداحة المجزرة وبشاعة تفاصيلها ووحشية فعلها المروّع.

حيث أقدمت هذه الزمرة على قتل سبعين شخصا، بينهم أطفال ونساء وعروسين" من طائفتين مختلفتين فالرجل شيعيا وزوجته سنية " كانوا في حفل زفاف قرب منطقة التاجي، على نحو درامي تراجيدي لا نسمعه حتى في أفلام الرعب العالمية .

اعترافات المجرمين كشفت أنهم قاموا بقتل جميع من كانوا في الزفة بطريقة اقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، إذ قاموا بقتل جميع النساء بعد اغتصابها ومن ثم تم إلقاء جثثهن في النهر، أما الأطفال فقد وضعوا حجرا ثقيلا بأجسادهم وألقوهم في نهر دجلة.

ولم يكتف هؤلاء " الوحوش الآدمية" بهذه المجزرة بل حجزوا في دار لديهم العريس والعروسة" السنية"، وبعدها اقتادوهما إلى سرداب في جامع بلال الحبشي يوجد فيه مسؤول التنظيم العام الذي أمر باغتصابها المرأة " السنية "وقتلها .

ثم بدأوا تباعا باغتصاب العروس" السنية" داخل السرداب أمام أنظار زوجها، ثم ابقوا العروس" السنية" في سرداب الجامع ثمانية أيام، وبعدها تم اصطحاب العروس" السنية" والعريس إلى نهر دجلة وقتلوا العريس، وقام أحدهم " رحماك يا رب " بقطع أحد ثدي العروس" السنية" بـ (منجل)، وقام أخر بقطع ثديها الآخر، وتركوا تنزف حتى الموت" ، ثم ربطوا الجثتين بحبل وتم إلقاؤهما بنهر دجلة.

ولعل القارئ قد لاحظ أنني منحت العروس صفة طائفية وهي سنية ووضعته بين معقوفتين للتنبيه على أن هؤلاء الذين ينتمون لتنظيم القاعدة أو لأي تنظيم آخر مسلح " سني" ، أقول هؤلاء قد اغتصبوا هذه المرأة " السنية " وقطعوا أثداءها تاركيها تنزف حتى الموت وهم يعلمون أنها سنية من نفس الطائفة التي ينتمون إليها.

فأين بالله عليكم ادعاء هذه التنظيمات أنها جاءت لحفظ " سنة العراق" ضد الحكومة" الرافضية الشيعية" وهو يغتصبون ويقطعون أثداء امرأة عراقية " سنية" ؟

وكيف يزعمون بان قتالهم خالص لوجه الله وللطائفة السنية وهو يتلذذون بقتل امرأة سنية بريئة ليس لها ذنب؟

أي حقد يحملونه، وأي ذرة إنسانية توجد لدى مجموعة تقتل أطفال وتغتصب نساء وتقطع أثداءها ؟

وهل لنا أن نتصور ونتخيل ماذا يمكن أن يفعل هؤلاء لو سيطروا على البلد أو حكموه ؟

إن هذه الجريمة والمجزرة تكشف، شأنها شأن الكثير من نظيراتها، أن هؤلاء " الوحوش الآدمية" لم يقاتلوا من اجل نصرة دين الله ولا الطائفة السنية، وليس لهم أي علاقة بتلك الشعارات والكليشهات والخطابات التي يصرخون بها بملء أفواههم النتنة ويضحكون بها على من يصدقهم من المضللين.

إنها جريمة قذرة ستبقى غصة ماثلة أمام عيون العالم وصرخة مدوية في ضمير الإنسانية وهزة تحتاج لوعي حقيقي للتمعن في دلالتها والنظر في تفاصيلها ودراسة شخصياتها وتحليل سلوكياتهم المريضة التي جعلتهم يقتلون الأطفال ويغتصبون النساء ويمثلون بجثثهم من غير أن يرف لهم جفن أو يندى لهم جبين.

 



****






- عصا - عُمر البشير


أمين يونس

الحوار المتمدن - العدد: 3423 - 2011 / 7 / 11







أعتقد أن الرئيس الوحيد الذي يحمل معهُ [ عصا ] في حلّهِ وترحالهِ ، هو الرئيس السوداني " عمر البشير " ، وفي زياراته الداخلية فأنه يرفع العصا ويُلّوِح بها أمام الجماهير ، كُل دقيقتين ، لكي يُذّكِرهُم بأن عصاه جاهزة لضربهم وقمعهم ، في أي بادرةٍ للاعتراض أو العصيان ! . عمر البشير ، يُنافس صدام والقذافي وبشار وصالح وغيرهم ، في تدمير بلدهِ ، وتوفير الحُجج والذرائع ، للغَرب ، للتدخل السافر وفرض العقوبات وإذلال الوطن والشعب .. لا بل انه ضّيع العديد من الفُرص خلال السنوات الماضية ، لإصلاح الحال ، وإعطاء كُل ذي حقٍ حقه ، وإنصاف شعب جنوب السودان وإعطاءه حقوقه المشروعة " طوعاً " ، بدل الاحتراب الداخلي لسنوات .. حتى اضطر أخيراً ، إلى الرضوخ إلى الأمر الواقع .. وذهبَ صاغراً لحضور حفل الانفصال الاستقلال !. .. وكنتيجةٍ لرعونتهِ المُزمنة ، فلقد وُجِهتْ إليه قبل سنوات ، تُهَمٌ من المحكمة الدولية ، باقترافه جرائم بحق الإنسانية في الجنوب ودارفور وعموم السودان .. وحوصِرَ منذ ذلك الوقت ، بحيث لا يستطيع السفر إلى معظم بلدان العالم !. ناهيك ، بأن السودان الذي كان سّلَة غذاء العالم قبل عقود ، بإنتاجه الزراعي الوفير وثروته الحيوانية الهائلة .. تَحّول إلى بلدٍ ضعيف الاقتصاد ، مُستورد لكل شئ ... ورغم كُل ذلك ، فعُمر البشير ، لازال منتصراً كما يّدَعي وما زال يَهُزُ عصاه !.

مساحة دولة جنوب السودان أكثر من " 620 " ألف كيلومتر مربع ، أي حوالي مرة ونصف بقدر مساحة العراق .. أصبحت الدولة الجديدة ، من دول "منابع" نهر النيل ، مُشاركةً مع الدول الأفريقية الأخرى ، وتحولَ السودان إلى مجرد دولة "مَصَب" مثل مصر .. 90% من مساحة الدولة الجديدة ، عشبية خضراء لهطول الأمطار ، بينما معظم السودان أراضي صحراوية جرداء ... جنوب السودان غني بالنفط والمعادن الأخرى ، أكثر كثيراً من السودان ... هذا هو ما ساهمَ عمر البشير ، في تضييعه نتيجة سياسته الخرقاء !... طالما أعلن البشير ونظامه المُتخّلف ، بأن السودان دولة إسلامية ، وانه يسترشد بالدين الإسلامي وتعاليمه في حكمه ، وطّبَق بعض قشور الدين من خلال إحكامٍ مُرتجلة حمقاء .. أساءتْ أول ما أساءتْ إلى الاسلام نفسه ، وشجعتْ بطريقةٍ غير مُباشرة ، النزعة الانفصالية عند شعب الجنوب ، الذين معظمهم مسيحيون ووثنيون ... والبشير مثل الديكتاتوريين الآخرين ، مُتشبثٌ بالسُلطة بأي ثمنٍ ، ولا يلتفتُ لكرامة الوطن ولا حتى لكرامتهِ الشخصية ، ومُستعدٌ لتقديم كُل التنازلات ، وعلى كافة الجبهات ، إلى الغرب والولايات المتحدة الأمريكية .. من اجل إلغاء التُهَم الموجهة إليه دولياَ ... فلقد دَفع الجنوب إلى الانفصال دفعاً ووافق على العديد من الشروط المُذِلة بالنسبة إلى دارفور وأبيي ، ورضخَ إلى أوامر شركات النفط الغربية وشروطها المُجحفة ... فقط من أجل تبييض صفحتهِ بالنسبة للغرب ، والسماح له للبقاء في السُلطة .. ورفع " العصا " التي لا يستغني عنها ، وهزِها في وجه الشعب السوداني المغلوب على أمرهِ !.

ينبغي أن يأتي الدَور ، على عمر البشير ونظامهِ الرجعي المُتسلط ، حيث يُنْتظَر أن تقوم مكنسة ربيع الثورات العربية ، بجرف وكنس هذا النظام المَسخ ، الذي هو خليطٌ تقليدي قبيح ، من الحكم العسكري الديكتاتوري ، المتعَكِز على " قشور " الدين الإسلامي ، والقبلية المتخلفة ... لا بُدّ أن يأتي اليوم ، الذي تُكْسَر فيه [ عصا ] البشير على رأسهِ !.

 


****
 



من سيزور قنا ويفصل الصعيد؟

الكاتب: مأمون فندي

26-04-2011





السيناتور الأميركي جون ماكين زار بنغازي بهدف فصل شرق ليبيا عن غربها، والشيء نفسه يريده الرئيس الفرنسي ساركوزي، وبينما تندلع الثورة في صعيد مصر بداية من توقيف القطارات في أسيوط وشمال قنا، في ظل غباء سياسي منقطع النظير في مصر، أتساءل من سيزور، يا ترى، محافظة قنا أو محافظة أسيوط لكي يفصل شمال مصر عن جنوبها؟

ربما لا يكون السيناتور ماكين أو الرئيس ساركوزي، ولكن في ظل التجاهل الحادث من قبل المجلس العسكري ومجلس الوزراء لما يحدث في الجنوب المصري، لا أستغرب أن تلعب أطراف خارجية بمقدرات مصر الوطن، ليس بهدف زعزعة استقرار مزعوم، ولكن لتفكيك بنية الدولة المصرية بحدودها القديمة منذ فجر التاريخ. وقد يظن المصريون، بتراخ فكري وكسل عملياتي، أن هذا الأمر غير وارد حدوثه، لكن الحقيقة المرة هي أنه في لحظات غياب قدرات الدولة تبدأ الأمور باحتجاجات جهوية ومناطقية، ثم ما تلبث أن تتحول إلى نزعة انفصالية كما حدث لجنوب السودان أو لغربه في كردفان ودارفور. ليس هذا سيناريو مستبعدا، إنه واقع قابل للتحقيق اليوم قبل الغد. والسبب الرئيسي في ذلك هو غياب الرؤية في مصر في وقت تعم فيه الفوضى، وتسيطر عقلية البقالين الباحثين عن المكاسب الآنية الصغيرة.

هذه ليست أول ثورة في قنا تدعو إلى الانفصال، فقد سبقها التمرد الجنوبي الكبير في إعلان شيخ العرب همام جمهورية في سوهاج، وكانت جرجا وبرديس والبلينا مراكز القرار قي تلك الفترة، كما أن تمردا آخر عم مصر في 1867 في عهد الخديو إسماعيل قاده شيخ اسمه الطيب، وقام أفندينا الخديو بإرسال تجريدة (قوة عسكرية) لإخماد ثورة الطيب في الصعيد، وحرق جيش الخديو فيها قريتي السلامية والبعيرات وغيرهما من قرى شمال قنا عند فاو بحري وعند الأقصر. ولما سألت شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب (الذي لم يكن شيخا للأزهر يومها) عن هذا التمرد في بحث كنت أقوم به عام 1997 في أوج عنف الجماعات الإسلامية في الصعيد، عما إذا كان الشيخ الطيب المذكور في كتب التاريخ هو جده، أجابني الدكتور الطيب بأنه لا ينتمي إلى عائلته، وهو من شرق النيل، بينما عائلة الإمام من غرب النيل.

كانت نظريتي يومها، التي نشرتها بالإنجليزية، هي أن ما يقوم به نظام مبارك ضد الإسلاميين في الجنوب في أوائل التسعينات من اعتقال وقتل ومطاردة لا يختلف كثيرا عما قام به الخديو إسماعيل تجاه جماعة الشيخ الطيب التي بدأت في شمال قنا في قرية المراشدة وانتهت في البعيرات في الأقصر، والمسافة بين القريتين تصل إلى مائة كيلومتر في أطول محافظة في القطر المصري. الآن المراشدة جزء من محافظة قنا، بينما البعيرات جزء من محافظة الأقصر، بعد أن قسمت محافظة قنا إلى محافظتين، الأقصر وقنا.

وعلى الرغم من أن هذا سياق تاريخي معقد، فإن النقطة الأساسية هي أن تمرد الإسلاميين في الصعيد منذ السبعينات وحتى التسعينات لم يكن تمردا إسلاميا، بقدر ما هو احتجاج جهوي ومناطقي ناتج عن تجاهل الدولة المركزية المصرية شؤون الأطراف في الصعيد. ونتيجة لهذا التجاهل وحياة الضنك التي عاشها الصعايدة، قامت حركات التمرد في الصعيد، ومنها الجماعات الإسلامية التي قتلت السادات في الثمانينات، إلى حركات الإسلام السياسي في التسعينات التي قام مبارك بسحقها. كل هذا التمرد كان بهدف لفت نظر القاهرة للظلم الواقع على أهالي الجنوب. لم يستجب الخديو إسماعيل ولم يستجب مبارك، وكانت نهايتهما فيها من التشابه الكثير.

المهم في كل هذا هو القول إن مشكلات قنا وأسيوط ليست مشكلات عارضة وليست مشكلة محافظ قبطي رفضه أهالي قنا، ولكنها مشكلة بنيوية في الدولة المصرية وتطورها وليست بعيدة (ده للي عاوز يفهم) عن مشكلة بنغازي مقابل طرابلس أو جنوب اليمن وشماله أو حتى جنوب السودان وشماله إذا ما قرر أحدنا أن ينظر إلى السيناريوهات الأسوأ. بالطبع هذا الكلام لن يكون مفهوما من قبل النخب المصرية التي تعودت على ترديد الكليشيهات كبديل عن قراءة التاريخ الاجتماعي لمصر. قنا ليست مشكلة محافظ قبطي، بل هي مشكلة وطن، ولو تركناها قد تصل في ظروف اللخبطة الراهنة التي تلف المنطقة إلى حالة الانفصال، فكل شيء مهما عجب ممكن الآن في منطقة الشرق الأوسط.

ومن هنا أدعو المجلس العسكري والقائمين على الحكم في مصر إلى أن يتنبهوا، وبحذر شديد، لإمكانية تفتيت الدولة المصرية، فالأمر لا يحتاج إلى أكثر من زيارة لقائد أجنبي ودعم مادي لأهالي جنوب مصر حتى نقول على مصر التي نعرفها السلام. في ظل هذا التهديد الوجودي للدولة المصرية واستقرارها، أدعو الجيش المصري لفض المشهد في قنا، لأن الأمر لا يحتمل التأخير ولا التأجيل. الأمر أخطر من أن يترك لشاشات التلفزيون المصري لمناقشته من أناس لا يعرفون الجنوب وتاريخه. إنني أدعو المشير طنطاوي وقادة المجلس العسكري، أدعوهم بصفتي جنوبيا ومن أبناء قنا إلى أن يتخذوا قرارا جريئا وحاسما تجاه قنا قبل أن ينفرط عقد الدولة المصرية. فهل يقرأ المجلس العسكري؟ وهل يتحرك المشير؟

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط اللندنية



*****



لماذا لا يريد «إخوان مصر» الرئاسة؟

الكاتب: مأمون فندي

29-05-2011




لماذا لا يريد «الإخوان المسلمون» الترشح للرئاسة في مصر مباشرة بعد الثورة؟ ولماذا قال المرشد إن من يترشح للرئاسة من «الإخوان» سيتم فصله من الجماعة؟ رئاسة مصر بالطبع عليها مسؤوليات دولية وداخلية، وأولى هذه المسؤوليات هي أن الرئيس القادم لا بد أن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي في إطار السلام القائم بين مصر وإسرائيل، و«الإخوان» يريدون أن ينتقدوا المعاهدة مدعين تفوقا أخلاقيا على من أبرموها. فـ«الإخوان» يفضلون أن يجلسوا في مقاعد النقد من أجل كسب شعبية تلفزيونية على أن يتحملوا مسؤوليات سياسية واجتماعية كبرى، ومع الرئاسة تأتي هذه المسؤوليات الضخمة. فرئيس مصر مثلا لا بد أن يتعامل مع البطالة ومع ديون مصر ومع المجتمع الدولي، وكذلك مع الملفات الإقليمية المختلفة، كل هذا يتطلب سياسة وتخطيطا، وحتى الآن لا نعرف عن «الإخوان» قدرة على السياسة أو التخطيط.

بقي «الإخوان» طوال عمرهم كمنظمة في صفوف المعارضة، يمارسون النقد أو رمي العصا في العجلة، أما أن يركبوا العجلة ويسيروا بها ويحتفظوا بأنفسهم فوقها من دون أن تنقلب بهم فهذا يحتاج إلى تدريب طويل. البقاء في المعارضة فترات طويلة خطر من ناحيتين؛ الناحية الأولى هي أن المعارضة تدريجيا تبدأ في التماهي مع النظام، أي أنها تعارضه طول الخط فتصبح شبهه، كالنظرية الحديثة التي تقول إن وجوه الكلاب تشبه وجوه أصحابها من طول العشرة. هكذا الأنظمة تنتج معارضات تشبهها، وفي ذلك لن يكون نظام «الإخوان» مختلفا عن النظام السابق. أما النقطة الثانية فهي أن المعارضة لفترة طويلة تعلم الناس أن يقولوا لا على طول الخط، أي تضعهم في خانة التفكير السلبي، لا يقولون نعم لأن نعم تتطلب تخطيطا بعدها وتبعات سياسية تكلف «الإخوان» في مشروع دولتهم الدينية.

بالطبع ليس معنى أن «الإخوان» لا يفضلون الرئاسة الآن أنهم عازفون عنها، وزاهدون بها، فالواضح أن «الإخوان»، ومن بعد نجاح الثورة، كل تركيزهم ينصب على تكتيف الوطن دستوريا وتشريعيا، فهم من وضعوا التعديلات الدستورية وأقنعوا المجلس العسكري بطرحها للاستفتاء.. وهم أيضا من وضعوا الإعلان الدستوري المعيب الذي تحكم به البلاد الآن.. وهم أيضا من وضعوا الجدول الزمني للانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة. فالانتخابات التي سوف تحدث في سبتمبر (أيلول) المقبل تجعل التفوق من نصيب «الإخوان»، لأن الأحزاب الجديدة لم تتشكل بعد، ولا يسعفها الوقت أن تكون لها شعبية في الشارع. إذن سيكون أول برلمان بعد الثورة إخوانيا، وبهذا يُشرَّع في البرلمان - وديمقراطيا - لثيوقراطية مصر القادمة، أي بالديمقراطية سيحقق «الإخوان» دولتهم الدينية. لذا هم يركزون على الدور التشريعي الآن من أجل تكتيف الوطن وتربيطه أو أخذه أسيرا باسم القانون والتشريع الديمقراطي، أما الرئاسة فكل مصافحة لرئيس إسرائيلي ستأكل من رصيدهم في الشارع، ومن هنا فهم لا يفضلون الرئاسة الآن.

ما خرج من الجامع يبدو أنه سيعود إلى الجامع، بمعنى أن الثورة المصرية التي تدريجيا بدأ الناس يقنعون أنفسهم بأنها تخرج من الجامع كل جمعة يبدو أنها ستعود أيضا إلى الجامع من خلال دولة دينية يتبناها «الإخوان» خطوة خطوة ومن دون تكاليف سياسية تذكر. سعدت بالأمس عندما كانت هناك مظاهرات حاشدة في مصر رغم مقاطعة «الإخوان» والسلفيين لها، وهي رسالة للمجلس العسكري الحاكم بأن الثورة لم تكن ثورة «الإخوان»، وأن «الإخوان» ليسوا القوى الوحيدة المنظمة في مصر كما صوروا للمجلس. مصر أكبر من «الإخوان»، مصر بلد متنوع عرقيا وثقافيا وجغرافيا على عكس ما كانت تدعي مدرسة مصر الكيان الوحيد المتجانس.. مصر ليست كيانا متجانسا رغم كل المغالطات. ورغم فرحتي بالمليونية الأخيرة فإنها ما زالت مليونية يوم الجمعة المرتبطة بالعمل الديني. نريد مليونية في يوم آخر، مليونية تقول إن ما يحدث هو سياسة وليس خطبة جمعة على طريقة إيران الخمينية التي ارتبطت فيها السياسة ارتباطا عضويا بخطبة الجمعة. نريد مصر خطبة السبت أو الأحد أو الثلاثاء أو الخميس، وليس الجمعة على طول الخط.

«الإخوان» يأخذون مصر رهينة ولكن بالتدريج على طريقة الخطوة خطوة، والمجلس العسكري يوافقهم ليس من باب المشاركة الأيديولوجية ولكن لأن «الإخوان» هم من استقبلوا المجلس كما يستقبل سائقو التاكسي السائح القادم من المطار، يفسحونه حسب جدولهم، ويفعلون ما يريدونه هم لا ما يريد السائح، ويصدق السائح أن مصر التي فرجه عليها السائق هي مصر الأصلية، كل مصر، لا نقصان ولا زيادة هناك.

«الإخوان» لا يريدون الرئاسة الآن لسببين؛ الأول أنهم لا يريدون لمشروعهم أن يكون على المكشوف لهذه الدرجة، فهم يفضلون الوضع القائم، أن يحكموا من وراء ستار المجلس العسكري، والثاني أنهم لا يريدون أن يدفعوا أي ثمن سياسي للدور الذي يلعبه رئيس مصر القادم.. هم يريدون المغانم من دون دفع المغارم، بلغة «الإخوان» أنفسهم.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط اللندنية



*****


الجيش يريد..

الكاتب: مأمون فندي

08-06-2011





انتقلت مصر من حالة «الشعب يريد..» إلى حالة جديدة، وربما تكون فيها وصفة الاستقرار، وهي حالة «الجيش يريد..». فقد كان واضحا في تصريحات مساعد وزير الدفاع المصري اللواء ممدوح شاهين في حديثه لمؤتمر الوفاق الوطني بأنه يريد وضعا خاصا للجيش يحميه من أهواء الرئيس القادم، ويحمي للجيش خصوصيته وسرية ميزانيته، مما يجعله أقرب إلى موقع الجيش في النظام التركي. الجيش هو حامي البلاد من أخطار الخارج والداخل أيضا (من أهواء الرئيس). في تصوري أن مطلب اللواء ممدوح شاهين فيه شيئان، الأول هو المطلب من قبل القوات المسلحة، وهو يبدو على ظاهره وكأنه مطلب لا يختلف عن بقية المطالب الفئوية في المجتمع برمته، التي لها طلبات مشروعة، والتي عبر عنها الشعب كل يوم تحت راية «الشعب يريد..»، هذا السلوك وهذا المطلب ليس هو ما يهمني في هذا المقال، ما يهمني هو الشق الثاني من المطلب، أو دلالته السياسية، فواضح من هذا المطلب العسكري بالطريقة التي طرح بها أن الجيش، أو على الأقل قادة المجلس العسكري ممن يمثلون الأفرع والأذرع المختلفة للجيش، يبحثون عن صيغة أو مخرج يؤمنون به مستقبلهم ومستقبل القوات المسلحة بعد تسليمهم للسلطة، ويطرحونها اليوم وعلى الملأ، ليس بلافتة «الجيش يريد..» ولكن بكلام اللواء شاهين في مؤتمر الوفاق، وبأدب وتخوف شديدين. ولكن بعد أن تقرأ ما قال عن وضعية الجيش بتمعن بعد كل الديباجات، فإن ما طرحه اللواء شاهين، هو بالفعل لا يمكن ترجمته إلا على لافتة تقول «الجيش يريد..» وأنا شخصيا مع هذا المطلب إن كنا نريد أن نبحث عن مخرج للاستقرار في مصر، بعيدا عن مراهقات الصبية التي يلوكها الإعلام المصري كل يوم.

ماذا تعني عبارة «الجيش يريد..»، تعني أول ما تعني أن المجلس لا يثق فيمن حوله وفيمن تحالف معهم، ولو بشكل مؤقت بعد نجاح الثورة، ولكنه يريد مخرجا يجعله يتصرف بحرية في اختيار تحالفاته، أما اليوم فهو متحالف مع جماعة لأنه ليس هناك بديل في الأطياف الأخرى التي تتراقص على السلم وتغير مطالبها وصفاتها وأشكالها وألوانها كل يوم، بل كل ساعة أو ساعتين. الجيش يريد من يحرره ممن أمسكوا بتلابيبه بعد الثورة، فالجيش لا يستطيع أن يفعل شيئا، لأنه في ورطة تحالفات الليلة التالية لنجاح الثورة. الجيش له أمواله، ومعداته ومصالحه، ومطالبه، التي يريد أن يضمن، ومن خلال عملية سياسية أو دستورية، من يؤمن له هذه المطالب والمصالح، وحتى الآن الجيش، على ما يبدو لا يثق في أحد، لا في الأشخاص ولا في العملية السياسية التي هو جزء من رسم ملامحها، مجبر أخاك لا بطل، هذا هو وضع المجلس العسكري اليوم مع «الإخوان» وغيرهم.

كلنا يعلم، وخصوصا من درس ألف باء العلوم السياسية، أن مصر على مدى الثلاث أو الأربع سنين المقبلة سيكون بها أكثر من معركة طاحنة، أولها معركة «هوية الدولة المصرية»، وهي هوية لن تحسمها الدساتير أو التشريعات، بل هي هوية ستحسمها معارك شوارع، في جو من الانفلات الأمني الداخلي، وجو من الاضطرابات الإقليمية، والعوز الاقتصادي.

لقد كان مبارك بمثابة الصخرة الكبيرة في حديقة مصر، متى ما رفعت هذه الصخرة، خرجت من تحتها الأفاعي، والدبيب بأنواعه المختلفة من العقارب والقوارض، كما رأينا تحت الصخرة طحالب وعطنا، وعفنا كثيرا، بدا واضحا لدينا وضوح الشمس، وما العقارب بسمومها، والقوارض بأنيابها، والأفاعي، سوى تلك المادة الأولية التي تتكون منها حرب «هوية الدولة المصرية» في السنوات المقبلة، فليس بكتابة الدستور كما رأينا في العراق، ولا باختيار رئيس، أو بتوزيع الحصص السياسية يحدث الاستقرار، فالتفجيرات في عهد المالكي، زادت عما في عهد صدام أو حتى في أوائل الاحتلال. في ظل أجواء المستقبل الغامض هذه يحاول الجيش المحافظة على تماسكه، وعلى وضعه وهيبته، من خلال تحالفه مع القوى التي تحالف معها بعد نجاح الثورة مباشرة.

الجيش أو المجلس العسكري في صيغة كلام اللواء شاهين، رغم أنه هو من يحمي الشعب ويحمي الثورة والشرعية، فإنه في هذا التصريح يطالب الجيش بحماية الشعب له، أي أنه يطالب الشعب بأن يحمي الجيش مما قد تسفر عنه العملية السياسية التي تتسم بالمراهقة حتى الآن مما قد يسفر عنها من تهديد لوضع الجيش كحام للبلاد وللدستور وللشرعية. إن تصريح اللواء ممدوح شاهين لهو صرخة واضحة ضد ما يمكن أن تسفر عنه مراهقات بعض المصريين الحالية من تقويض العمود الفقري للدولة المصرية، وهو الجيش. ولكي تخرج مصر من أزمتها الحالية وما يستتبعها من أزمات، ضروري أن يستجيب المصريون الشرفاء لمطلب «الجيش يريد..»، ففي طمأنة الجيش طمأنة لمصر، وحتى هذه اللحظة بعد زيارتي الأخيرة لمصر، أدعي أن الجيش «مش مطمن»، أي غير مطمئن.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط اللندنية


 

****
 


المجلس والإخوان وعمر سليمان؟

الكاتب: مأمون فندي

04-07-2011





هناك شكوى واضحة من بعض الأحزاب الليبرالية الناشئة من أن بعض أعضاء المجلس العسكري في مصر أعطوا إشارات تدل على أنهم غير راغبين في الفكر الليبرالي، واستخلص بعض من تحدثوا مع المجلس أن هناك رائحة صفقة بين المجلس والإخوان. ولكن حتى نكون منصفين، هناك إشارات أخرى قام بها المجلس العسكري قد تساعد الأحزاب الليبرالية، فهل فهم الليبراليون الإشارة؟ فمثلا قام المجلس بفتح منفذ رفح رغم الضغوط الإسرائيلية والأميركية، وبهذا يكون المجلس بطريقة غير مباشرة سحب ورقة فلسطين من يد الإخوان، تلك الورقة التي كانوا يزايدون بها على نظام الرئيس الذي أزيح عن الحكم حسني مبارك. لكنّ الليبراليين لم يفهموا حتى لو كان العسكر لم يقصدوا ذلك. رغم هذه الإشارات المتناقضة فإن مسألة تسليم مصر للإخوان أو مشاركة العسكر الحكم مع الإخوان كان ضمن صفقة عمر سليمان قبل إزاحة مبارك عن الحكم، فلقاءات عمر سليمان مع الإخوان في الفترة من 1 فبراير (شباط) إلى ربما الخامس من فبراير كلها كانت تصب في صفقة يتشارك فيها جماعة 23 يوليو ممثلين بالعسكر في الحكم مع الإخوان المسلمين، وتهميش شباب مصر سواء انطلقوا من الميادين أو من الـ«فيس بوك» أو من المساجد.

في مصر الآن خبر جديد يقول إن عمر سليمان ينتوي أن يرشح نفسه للرئاسة، وأنه سيلقي خطابا يكشف فيه عن ملابسات محاولة اغتياله. أتيحت لي في الفترة من 1997 إلى 2006 تقريبا 6 مقابلات مع السيد عمر سليمان، كان كل لقاء منها يتجاوز ساعة من الزمان، واستمعت إليه وإلى آرائه في ما يخص الحكم في مصر وطبيعته، وتأكد لي من خلال كل هذه اللقاءات أن نائب الرئيس السابق - الذي لا أعرف وضعيته القانونية الآن - ليس ديمقراطيا بأي حال من الأحوال، على الأقل في ما يخصنا نحن القادمين من أطراف مصر، فعمر سليمان لديه إيمان مطلق بنظرية المجتمع المائي النهري، أو نظرية المجتمع الهيدروليكي، أي أن مصر لا يمكن أن تحكم إلا من المركز، أي بحكم مركزي من القاهرة. إذ قال لي: «كما تعلم أن البلدان النهرية لا بد لها من سدود تتحكم في حركة المياه»، وكان ردي يومها: إذا كان الأمر كذلك يا سيدي فلماذا لا تكون عاصمة الدولة في أسوان عند السد العالي؟ هذا يتحكم في الماء، والعاصمة تتحكم في السياسة.

في أول لقاء لي مع الرجل عام 1995 على خلفية مقال كتبته عن جمال مبارك في الـ«كريستيان ساينس مونوتور»، كان الرجل مهذبا، وأدرنا الحوار برمته بالإنجليزية، وتلك كانت رغبتي، لأن في الانزلاق إلى اللغة العربية والعامية المصرية لا بد أن أقول له «يا باشا» و«يا بيه»، فالمصريون لا يقبلون أسماءهم إلا مسبوقة بألقاب في أحاديثهم. وكنت يومها قد قضيت سبع سنوات في أميركا، وكنت شابا، وكنت أرفض هذه الألقاب، أو أحس أن استخدامها أمر من عالم متخلف تجاوزته بعد حصولي على الدكتوراه. بالطبع أدركت في ما بعد أن العالم ليس كذلك. المهم في كل هذا أنني اكتشفت أن عمر سليمان مولود لأسرة تعيش في جبال قنا من الناحية الشرقية إلى جوار مدينة فقط، واكتشفت ذلك عندما قال لأحد المسؤولين إن «فندي بلدياتنا»، وكانت لدي أحاسيس مزعجة من كلمة «بلدياتنا» عندما تقال عن أهل الصعيد في النكات اليومية، «مرة واحد بلدياتنا».. وظننت يومها أن الرجل يستخف بي، ولكن الأمر كان عكس ما توقعت، إذا قال إنه بلدياتي بالفعل، أي من أبناء محافظة قنا. تُرى ما علاقة هذا السرد بالإخوان والعسكر؟

ظني أن العسكر أوكلوا إلى عمر سليمان إيجاد صيغة تنهي الاحتجاجات التي كانت تجوب ميدان التحرير في الفترة من 28 إلى يوم عزل مبارك، وبالفعل دعا سليمان الإخوان وكل من ظنهم فاعلين في الشارع للحوار، وجلس معهم جلسات تفاوض كتلك التي كان يقوم بها مع حماس وفتح أو مع الإسرائيليين، جلسات تهدف إلى صياغة تصور لحل. وظني أن ما توصلت إليه المخابرات العامة كوكيل عن المجلس العسكري هي تلك الصيغة التي يعمل بها المجلس من يومها إلى الآن، صيغة تقول إن الإخوان شركاء في الحكم مع العسكر، ولكن النسب سيحددها دستور يحفظ للجيش حقه وللإخوان حقهم. فكتب جماعة الإخوان التعديلات الدستورية، وكان لهم ما شاءوا، ويبدو أن خلافا دب بين الطرفين في ما بعد، لذا لجأ العسكر إلى صيغة إعلان دستوري جديد يجب الاستفتاء عليه.

ومع ذلك يرفض العسكر تأجيل موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولا يريدون لأي أحزاب أخرى أن تنظم صفوفها، هم يريدون للإخوان أن يكسبوا لأن الإخوان سينفذون الطبخة على غرار ما حدث في تركيا، للجيش موقعه الخاص في الدستور، وللإخوان المناصب التنفيذية في الدولة، ولكن الكلمة الفصل هي للجيش. على غرار علاقة رجب طيب أردوغان بالجيش التركي. الأميركيون يعرفون هذه الصيغة في تركيا ويقبلون بها وأجادوا التعامل معها، وتلك كانت صفقة اللواء عمر سليمان مع الإخوان، وعمر سليمان جنرال كان رئيسا للمخابرات العسكرية قبل أن يتسلم منصب رئيس المخابرات العامة، إذن هو ضمن المجلس أو ضمن القيادات العليا للقوات المسلحة، رغم ما يشاع عن خلاف شخصي بينه وبين المشير طنطاوي.

المهم في كل هذا أنه لا بد للمجلس العسكري أن يفطن إلى أن الطبخة التي تمت بينه وبين الإخوان معروفة للجميع أيا كانت نوعية الخطاب الذي قد يلقيه سامي عنان، أو المشير، أو خطاب عمر سليمان المرتقب. نحن كمصريين لا نقبل أن تسلم مصر للإخوان في صفقة، ولا نقبل أن تفرغ الثورة من مضمونها بهذه الطريقة.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط اللندنية


 

****



قلق ما بعد الثورة


منقولة ومعدلة ....


أشعر هذه الأيام بشعور إنسان كان يحلم بأمنية كبيرة، ولما بدأت أمنيته تتحقق، بدأ القلق يعود إليه من جديد.

هذه هي طبيعة الإنسان، ما أن يرى أمنيته الغالية قد وصلت لمنتصف الطريق، حتى يبدأ بتجهيز أمنية جديدة أكبر من السابقة.

منذ عدة أشهر، كنت أحلم بقيام ثورة شعبية وطنية في مصر ضد نظام الفساد، وها نحن اليوم أمام ثورة رائعة تنتشر مثل النار في الهشيم، وبدأنا نرى الخناق يضيق شيئا فشيئا حول عنق هذا النظام الإجرامي.

لكن القلق بدأ يعود، ليس من الثورة وقدرتها على الصمود والنجاح، فأنا متيقنة من نجاحها، وأصبحت أراها تنضج وتكبر وتتعلم وتتكيف بعكس النظام المتخشب الذي صار حائرا متخبطا لا يعرف كيف يتعامل مع الموقف.

هل كان منا من يتصور أنه بعد خلع مبارك سوف تعاني مصر من خطر تحويلها إلى دولة دينية إخوانية سلفية سعودية ؟ بالطبع لا

القلق الذي يراودني هو حول السؤال، وماذا بعد؟ ماذا بعد أن يسقط النظام ( المجلس العسكري وحلفاؤه الإخوان والسلفيون ) ؟ هل ستكون مشاكلنا قد حلّت كلها؟

أنا أرى أن نهاية النظام لن تكون إلا الخطوة الأولى في الطريق الطويل. يا ترى كم ثورة سنحتاج لتصحيح تراكمات اجتماعية ودينية هائلة؟ كم من البنى والمفاهيم المتخلفة ستحتاج إلى هدم وإعادة بناء؟

ما معنى أن تنجح الثورة بإسقاط النظام الحاكم ثم نتوقف ونحن نرى فتيات يفرض عليهن الحجاب بعمر عشر سنوات؟ وأخريات يفرض عليهن النقاب وغيرهن يتم تزويجهن بعمر خمسة عشر سنة ليتم تطليقهن بعد سنتين ورميهن إلى أهلهن مثل من يرمي عظمة في الشارع؟

لقد سطّر الثوار صفحات من أروع الصفحات في تاريخ مصر على مر العصور، على الأقل هذه صفحات حقيقية نراها ونسمعها أمام أعيننا وليست صفحات موجودة في كتب صفراء قديمة مشكوك بها، إنها ليست قصة الزير سالم ولا جسّاس ولا بطولات عنترة.

لقد أثبت هذا الشعب أنه شعب حي قوي عظيم، ولكن التركة كبيرة، والحمل ثقيل، والطريق وعر وطويل.

لا يكفي أن نسقط النظام، ونلغي المادة الثانية من الدستور، ونطلق سراح المعتقلين، ونغلق الفروع الأمنية، ونسمح بالحرية السياسية والإعلامية، كل ذلك لا يكفي، فأمام هذا التكاثر السكاني، ومحدودية الموارد، وأمام تلك البنى الاجتماعية والدينية المتخلفة، سنجد مصر بعد عدة سنوات مثل ديموقراطية بنغلاديش وسيريلانكا.

مصر تستحق أفضل من ذلك، تاريخها وحضاراتها القديمة وموقعها المميز يحتم علينا أن نطلب ونسعى للأفضل والأجمل، نريد مصر مثل أية دولة أوربية، نعم إنه حلم كبير ولكنه غير مستحيل.

صرت أتكهرب من كلمة (حرائر) التي يطلقونها على السيدات الثائرات، إنها تذكرني بكلمات قبيحة مثل نكاح ووطء ونشوز وحريم، إنها تعيدني لعصور الجواري والغلمان والخصيان.

صرت أتكهرب من رؤية سيدات منقبات يخرجن في المظاهرات في مدن مصرية لم تكن إلى وقت قريب تعرف النقاب .

الحمل ثقيل والطريق وعر وطويل وزلزال الثورة سيحتاج لهزّات ارتدادية أخرى تهدم ما تبقى من نظم وبنى متخلفة معظمها غريب عن المجتمع المصري مستوردة من بلاد الصحراء والجراد.

علينا أن نبني مصر بحيث لا نحتاج لإرسال أبنائنا لبلاد النفط ويحضروا معهم عاداتهم ونقابهم ولحاهم.

أربعون عاما ونظام السادات ومبارك يفقر البلد بفساده وقمعه ويجعل الناس تهاجر إلى الخليج طلبا للرزق والأمن ليجلبوا معهم عادات وأفكارا متخلفة، هذا النظام الذي لم يحصّن بله وشعبه من التأثيرات السامة لمال النفط، والذي ترك شعبه لقمة سائغة لدعاة الدين الأجلاف، كل هذه التراكمات تحتاج إلى هدم وإعادة بناء.

أمنيتي الكبيرة التالية بعد نجاح الثورة والتي بدأت تقلقني، هي أن أرى مصر دولة علمانية يفصل دستورها الدين عن قوانين وشؤون البلد، دولة تلغي تدريس مادة الدين في مدارسها وتستبدلها بدروس الموسيقى والفنون والرياضة والرحلات المدرسية.

أمنيتي أن يمنع النقاب وغيره من الملابس الدينية السلفية والإخوانية في المدارس والجامعات والوظائف الحكومية كمرحلة أولى قبل منعه نهائيا في كل الأماكن.

أحلم بمصر يكون فيها الناس متساوين أمام القانون ولن يتم ذلك إلا بدستور علماني حقيقي، يلغي التراخيص العسكرية الطنطاوية بتكوين أحزاب إخوانية وسلفية (من نور وفضيلة ونهضة وحرية وعدالة مسميات الأحزاب الإظلامية التى يتشدق بها الإظلاميون وهم أخطر أعدائها ) ، فما دام الدستور خاضعا لهيمنة الدين فإن الناس لن يكونوا متساوين أمام القانون، وسيبقى الباب مفتوحا على مصراعيه للظلم والتمييز وانتهاك حقوق فئات كثيرة من المجتمع.

بعد أن ننتهي من مرحلة عبادة القائد الفرد، علينا أن نحرّر الناس من عبادة النصوص المحنطة ورجال الدين والأحزاب الدينية ، كلها عبادة وعبودية وخضوع وذل، ولا ينهض البلد إلا بأفراد أحرار معززين مكرمين، ليسوا فقط أحرار بأجسادهم ولكن أيضا أحرارا بعقولهم، علينا أن نعيد الاعتبار لعقل الإنسان المصري ونحرره من كافة المعوقات سواء من حكّام متألهين، أو من نصوص يزعمون أنها إلهية.

 


*****



المجلس العسكرى يقود الثورة المضادة فى مصر


عماد مسعد محمد السبع

الحوار المتمدن - العدد: 3425 - 2011 / 7 / 13






لكى نفهم جيدا أبعاد الدور الذى يمارسه العسكريون الآن فى حكم مصر علينا أن ندرك بداية موقعهم داخل التكوين الإجتماعى المصرى وطبيعة انحيازاتهم الطبقية أما بجانب قوة الرأسمال أو بجانب العمال والعمل الأجير .

منذ بداية أحداث 25 يناير فطن قادة المؤسسة العسكرية لواقعة أن الشرائح الشابة المدينية والمعولمة من أبناء الفئات الوسطى هى التى تضطلع بالفعل الإنتفاضى فى قلب القاهرة وشوارع وميادين مصر المختلفة .

حضور كتلة البرجوازية الصغيرة وغياب القاسم الأعظم من العمال والشغيلة كطبقة فاعلة واختفاء الشعار الإشتراكى داخل هذا المشهد الثورى شكلت حوافز أساسية لقادة هذه المؤسسة تجاه الإطاحة بمبارك وعائلته وزمرته الفاسدة .

وعندما هتف الثائرون فى مساء 28 يناير : " الشعب والجيش إيد واحدة " أدرك العسكر سقف المطالب السياسية للجمهور وأنها لا تعدو أفق التحول نحو مجتمع ديموقراطى ليبرالى , وأن قيم وأولويات الثائرين لم تمتد للنيل من " الجيش " الجالس على قمة السلطة منذ العام 1952 .

الشعار السابق " الشعب والجيش إيد واحدة " كان اعترافا بشرعية حركة الجيش فى 23 يوليو, وهو ما التقطه العسكر سريعا باعتباره ترجمة لحسابات ميدانية " رشيدة من جانب المنتفضين " , وأن " العقلية المحافظة " ربما هى من سيضبط المسار الثورى عند نهاية الطريق , وبدون المساس بموقع الجيش ومكانته وامتيازاته السياسية والاجتماعية.

رؤية العسكر الاقتصادية تتضح عبر أكثر من محطة يتعين الانتباه إليها , فبمجرد تنحى مبارك عن الحكم أعلن المجلس العسكرى ثم رئيس الوزراء ( عصام شرف ) عن التزامهم بآليات السوق وسياسة الاقتصاد الحر والوفاء بالتعهدات والاتفاقيات الدولية الحاكمة فى هذا السياق .

ثم سارع هذا المجلس للتصديق على مقترح مرسوم بقانون بتجريم بعض حالات الاعتصام والاحتجاج والتجمهر الفئوى وعقاب من يحرض على ذلك بالحبس وغرامة نحو نصف مليون جنيه على خلفية المظاهرات الفئوية المتنوعة التى تفجرت عقب الثورة . وينطوى هذا القانون على انتهاك للقوانين الدولية الخاصة بحرية التجمع والتعبير عن الرأي , وكان الهدف من وراء إصداره هو الحيلولة دون حدوث تراكمات احتجاجية فئوية وبما يمكن أن يؤدى لفعل ثورى شامل جديد بالمستقبل .

ثم اعتمد المشير / محمد حسين طنطاوى رئيس المجلس العسكرى الأعلى الموازنة العامة للدولة المصرية عن العام المالى 2011 – 2012 ,التى أكدت معظم قراءاتها على أنها استمرار لواقع الإنحيازات الطبقية لموازنات عهد مبارك , حيث تحابى رجال الأعمال و الرأسمال على حساب إجراءات تقشف يتحمل أعبائها الفقراء والكادحين و الفئات الوسطى .

وكان البين من اعتماد هذه الموازنة والممارسات السابقة أن ثمة انحيازا لصالح مجتمع رجال الأعمال والرأسمال المحلي والأجنبي لاسيما لشرائحه العليا كما تجلى ذلك فى التراجع السريع من جانب وزير المالية عن قراره بفرض ضرائب جديدة على الأرباح الرأسمالية.

ومن هنا يمكن القول بأن العسكر انحازوا بوضوح لصالح سقف بالغ الانخفاض لتغيير النظام الإقتصادى القائم فى مصر , وأنهم لا يدعمون أحداث تغييرات حاسمة فى هيكل توزيع الثروة الاجتماعية والناتج القومى .

هذا الدور لا يعدو إلا أن يكون مجرد حفاظ على موازيين القوى السياسية التى كانت سائدة قبل الثورة و " التحالف الطبقى " الذى أبقى العمال والطبقات الشعبية خارج معادلة حيازة الثروة والسلطة خلال عقود طويلة .

فقادة المؤسسة العسكرية المصرية لا يمكن أن يتجاوبوا مع الوضع الثورى , وذلك بحكم المنابت والجذور الاجتماعية والطبقية الوسيطة التى انحدروا منها , وبحكم شبكات المصالح الاقتصادية والمالية التى نسجها الجيش عبر تداخله فى السوق المدنى المحلى واعتماده على سيادة قوى العرض والطلب وجهاز الأثمان السعرى .

فالجيش المصري يضع يديه على نسبة تقارب ال 30% من الاقتصاد المصري – وفق بعض الإحصاءات – وهو يمتلك شركات تبيع كافة الأشياء بدءا من طفايات الحريق ، والمعدات الطبية ، واللابتوب ، ومرورا بأجهزة التليفزيون ، وماكينات الخياطة ، والثلاجات، وانتهاء بالأثاث واللحوم والمنتجات الزراعية ضمن مشاريع استثمارية خاصة يشرف عليها , وبدون أدنى رقابة مدنية على الأوجه المحاسبية لتلك المشاريع .

ويذكر الكاتب دانيال كوريسكي - أحد كبار الأعضاء السياسيين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية - فى مقال له على موقع "ريال كلير ورلد" : ( أن السفيرة الأمريكية لدى القاهرة "مارجريت سكوبي" قامت بتوقيع برقية إلى الجيش المصري أكدت فيها أن القوات المسلحة المصرية أصبحت شبيهه بالمشاريع التجارية الكبرى ) !.

فالجيش أصبح مؤسسة اقتصادية فاعلة ومؤثرة داخل السوق المحلى المصرى حيث تم تنمية هذا الطابع التجارى والمالى وفق سياسات المشير / عبد الحليم أبو غزالة الداعية لدمج العسكريين فى هيكل الاقتصاد والعملية الإنتاجية المحلية بعد أن ثار الجدل حول دورهم عقب تحرير معاهدة السلام مع إسرائيل .

وهكذا فإن هناك حاجة لأن يضمن المجلس العسكرى الحاكم - بترتيبات هذه المرحلة الانتقالية - الحفاظ على مكاسب رجاله الاقتصادية وامتيازات قادته ومصالح " رجال أعماله " ممن أدمجوا بالمجتمع المدنى ونشطوا فيه كتجار ومستثمرين.

هذا الدور الإقتصادى للجيش المصرى يتعين استيعابه عبر الوظيفة الخاصة " للجيش " داخل التكوين الاجتماعي حيث يصبح الجيش أحد الأجهزة الحقيقية لممارسة السلطة فى الدولة الطبقية المصرية .

فالدور المعلن للجيش الوطنى هو الذود عن الحدود الإقليمية وتحقيق " المصلحة العامة " وحماية للشرعية الدستورية وفق التصور القانونى والحقوقى .

ومن هنا يكتسب القمع المادى المنظم ( ممثلا فى الجيش الحديث ) شرعية التواجد على المسرح السياسى والدستورى , و يصبح استخدامه وقفا على السلطة السياسية, ويخضع للقواعد المنظمة لدولة القانون . ولذلك يصبح هذا القمع المسلح عنفا مشروعا يستند لقواعد الدستور ويتفق مع المصلحة العامة للشعب , و يتم تسويقه عبر تنمية المخاوف من الأطماع الخارجية , والتأكيد على أهمية دور الجيش فى حماية التراب الوطنى للأمة ودوره التاريخي فى هذا الإطار.

ومن هنا تجرى " تعمية عمدية " على الطبيعة الطبقية للجيش ووظيفته العضوية فى ضمان سيطرة فئة معينة على الثروة والسلطة , ويتم عزله " صوريا " عن " السياسة وباعتباره " قوة حياد طبقى وسياسى " .

عجز التحالف الطبقي لسلطة مبارك عن حل تناقضات واقعه الإقتصادى المتداخل والمشوه ( تشابك قوى وعلاقات إنتاج قديمة وجديدة – غياب التوازن فى ظل أعطاب جهاز الأثمان – الاندفاع نحو الخصخصة وفق برامج التكييف الهيكلي المفروض من صندوق النقد - الفساد .. ) دفع نحو تعظيم مستمر لمكانة ودور الجيش المصرى وكخط خلفي داعم وساند لهذا التحالف.

فهذا الجيش كان يدرك تماما واقع الفساد طوال عهد مبارك , و لكنه تقدم إلى الأمام كنتيجة حتمية لعجز الطبقة السياسية الحاكمة عن ضبط إيقاع الصراع الإجتماعى , وعجز الآليات الاقتصادية عن إنجاز تلك المهمة , وفشل الخطاب الأيديولوجى السلطوى فى تغييب الوعى وتسكين الأوضاع .

هذا الاندفاع العسكرى الأخير جاء على أرضية تم التمهيد لها منذ عقود طويلة وحيث أكتسب منحى العسكرة أبعادا هامة ( أيديولوجية وسياسة ) ومن أجل ضمان اعتراف المجتمع العام بهيبة وفوقية هذه المؤسسة العسكرية كقوة " كلية القدرة" بعيدة عن الفساد وحامية للشرعية والأمة .

كما جرى حجب الإنفاق الحربي المتزايد وامتيازات العسكريين الاقتصادية والاجتماعية الهائلة عن الوسائل الرقابية والبرلمانية وتحصينها بسياج من السرية والتأكيد على ابتعاد المؤسسة العسكرية عن " فساد وتناقضات المجتمع المدني وأجهزة الدولة " .

العسكر يلعبون الآن دورا قياديا فى صدارة المشهد السياسي المصرى ولأجل حماية قواعد الرأس مال ومؤسسة الملكية الخاصة وضامن لاستمرار أوجه التبعية الاقتصادية والعسكرية مع المركز الأمريكى والرأسمالي .

و باختصار فان المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية يقود مؤسسات الهيمنة الطبقية ويحافظ عليها بصفته رأس حربة الأقوى القادر على إجهاض عملية التحول الثورى اجتماعيا , وهو الضمانة الأخيرة لصون مصالح الرأسمال ورجال المال والأعمال وسيطرتهم على السلطة السياسية فى قادم المواعيد .

عماد مسعد محمد السبع .





****


حسن واحمد ..


إسحاق الشيخ يعقوب

الحوار المتمدن - العدد: 3425 - 2011 / 7 / 13







في بذل ثقافي طويل ... توشّجت صداقتهما في الحياة ... وأصبحا لحمة ثقافية وجدانية في هوية اختلط فيها احمد في حسن .. واختلط فيها حسن في احمد .. أتأملهما وأقول : ما أروع هذا الاختلاط الثقافي الإنساني الذي يفعِّل صداقتهما ويداخل حميميتهما الإنسانيتين الثقافيتين في عمق الوطن ... حميمية الصداقة تختزل المسافة .. أحمد من مكة وهو ( سني ) وحسن من سيهات وهو ( شيعي ) وكانت دهشة الصداقة في دهشة المسافة .. همّشت فيهما المذهبية الدينية الطائفية البغيضة .. واستويا في مذهبية دينية الوطن .. لا شأن لهما بخلاصة بيئة المذهبية الدينية الطائفية في بيئة الآباء والأجداد .. خلاصتهما في الإنسان والوطن .. وكانا يبحثان عن متعة الحياة في فطرة دهشة المتعة في الإنسان ويتصببان جوى في جمالية المرأة في الحياة ... وكانا لا يخفيان رأيهما بأن المرأة هي نبض الإنسان في الحياة ... والحياة تفقد نبضها الإنساني إذا توقف نبض المرأة في الحياة .. وتراهما يجوبان الأرض يتسقطان نبض المرأة في الحياة ... ويبتهجان ثقافة وشعراً ونقداً في ثقافة المرأة في الحياة !!



وعلى جسر المحبة ( جسر الملك فهد ) الذي يجسر صداقة وحيمية المحبة بين الشعب السعودي والشعب البحريني .. تجافلا أمام دائرة الجوازات وهما في طريقهما إلى مملكة البحرين .. الذي كلما تنفسا حميمية صداقتهما ... تنفسا حميمية الصداقة بين المملكتين ... وتأخذ بهما الدهشة ... ومأمور الجوازات يفرّق رفقة حميمية رحلتهما إلى مملكة البحرين .. قائلاً : أجيز الدخول لأحمد ولا أجيز الدخول لحسن .. ولكن كل إجراءات وثائقنا مستوفاة .. يقول : احمد .. ويصمت حسن يتلمّظ رضا به في حشرجة حنجرته .. يردف احمد متسائلاً .. أليست وثائق هويتنا القانونية مستكملة .. بلى يرد مأمور الجوازات .. إلا أني أجيز للسني بالدخول ولا أجيز للشيعي ... يضع حسن يديه على رأسه ويضغط بهما خشية الانفجار .. صامتاً متمزقاً متفجراً في ذاته ... دون أن ينبت ببنت شفه في لعنة الموقف ومن لعنة الموقف !!



يرخى الصوت أحمد بلطف أهل مكة وهو يُحرك يساره من منطلق يساريته .. مشيراً إلى حسن والى نفسه قائلاً : إننا مشدودان إلى هوى الوطن والوطنية .. وليس إلى هوى المذهب والطائفية .. ولدنا هكذا على ملة الآباء والأجداد .. إلا أننا على إيقاع ملة عصر الحداثة والتحديث في المدنية .. ندير ظهرينا لملة الطائفة والمذهب ونفتح قلبينا لملة الوطن والحرية .. ونحن في إيقاع عصر مغاير لإيقاع عصر الآباء والأجداد .. تدفع بنا بهجة الحرية في عمق بهجة مملكة البحرين التي ترفع أعلام الإصلاح والتغيير على إيقاع مشروع ميثاق الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ودولة القانون التي يدفع بها جلالة ملك فتي في مملكة فتية ... يتمتم مأمور الجوازات قائلاً : إني أتفهمكما ... وأتفهم حميمية صداقتكما ... وسمّو شمائل أريحيتكما الإنسانيتين ... إلا أني محكوم بأوامر (( ... ))



وقفا صامتان والحزن والألم يكاد يتفجر من بين جوانبهما .. ويأتي صوت احمد عبر الهاتف خافتاً حزيناً متحشرجاً : أيجوز هذا ... أيعقل هذا ... أيمكن أن يحدث هذا على أعتاب مملكة تفتح صدرها للحرية وتناهض بغضاء الطائفية ...

إن قلبي يكاد يبصق دماً .. وإن روحي تكاد تنكفئ محزونة في روحها بلا روح .

أصمت متجففاً في ألم الذات ... وحشرجة الجفاف تجفف رضاب لعابي .. أقفل سماعة الهاتف ... ومداد الحبر في القلم يكاد يبصق دماً .. وأنا اكتب شيئاً عن احمد وحسن !!

ما أكثر ما يتمزق الألم حزناً في البحرين .. وخارج البحرين .. وعلى إيقاع فتنة الطائفية .. التي تفترس الحرية وتشوه الوجه الإنساني والحضاري لمملكة البحرين !!




****

مصر الصغرى

سامح فوزى

الاثنين، 11 يوليو 2011



لا أعتقد أن نظام مبارك، بكل ما اتخذه من سياسات ومواقف أدت إلى «تقزيم» دور مصر إقليميّا وعالميّا، قد ذكر أحد من أركانه يومًا أن السعودية هى الشقيقة الكبرى لمصر. كل ما سمعناه، وعرفناه، ومللنا سماعه على مدى عقود أن مصر هى الشقيقة الكبرى لكل العرب.

وبالمناسبة العرب أنفسهم يقولون ذلك. وزير الخارجية الجديد السفير محمد العرابى بدأ عمله بتصريح أقل ما يوصف به أنه انبطاح أمام السعودية، لم يفعله كل سابقيه، ولم يقولوا يومًا إن «السعودية هى الشقيقة الكبرى لمصر» مثلما قال هو، وجعل مصر «شقيقة صغرى» للسعودية. مأساة أن تكون هذه هى نظرة وزير الخارجية لمصر، ودورها، ومكانتها.

ولا أعرف مبعث هذا الوصف، هل يعتقد وزير الخارجية أن الشقيقة الكبرى من المفترض عليها أن تؤدب الصغرى، تعيد فهمها للدين والواقع، تردها إلى صوابها إذا أخطأت، وتمنع عنها الخير إذا تحررت. هذا التصريح - فى رأيى - ليس مجرد خطأ فى التعبير، لكنه فى المقام الأول فساد فى الإدراك. هذه النظرة هى من بقايا نظام مبارك، والذى أعتبر أن الثراء المادى هو المكانة بعينها. مصر محتاجة، إذن هى فى وضع أقل أو أدنى ممن يملك المال.

وقد روى لى مثقف بارز أنه فى بداية حكم مبارك دعا عددًا من الخبراء والمثقفين للاستماع لوجهة نظرهم، وآرائهم بشأن السياسة المصرية. وعندما انبرى أحد المثقفين للحديث عن أهمية التوازن فى السياسة الخارجية، وعدم وضع البيض كله فى السلة الأمريكية، قال لى مبارك تعبيرًا شعبيّا رائجًا فى الريف، ما معناه أن المرأة الغانية دائمًا محتاجة. وهو ما ألجم الحضور، وأربكهم، ولم يجدوا ما يقولونه. والسفير العرابى هو امتداد لمدرسة وزير الخارجية أحمد أبو الغيط الذى كان معبرًا عن الدبلوماسية المصرية المنبطحة، التى ترى فيمن يمتلك الثروة مكانة وهيبة ينبغى الانصياع لهما. ومن مصر المترفعة عن الصغار إلى مصر التى تنبطح أمام الصغار. فى السابق كان هناك إعلام حكومى يقول ما لا تعرف السياسة أن تقوله، أى تنفيس داخلى، يهاجم قطر، والنظام ينبطح أمام قطر. يهاجم إسرائيل، والنظام يقدم تنازلات لإسرائيل تتكشف يوما بعد يوم. ورغم كل ذلك لم يحدث أن خرج علينا وزير خارجية مبارك بتصريح أن مصر تحولت إلى شقيقة صغرى للسعودية أو لأى دولة عربية أخرى.

السفير العرابى كان صريحًا، يقول الواقع، لكن ما يقوله يعبر عن فساد الإدراك، وغياب المعنى، والأخطر غياب الرؤية لتفعيل دور مصر فى محيطها إقليميّا وعالميّا. مكانة الدولة تتحدد بالقوة الخشنة، مثل السلاح والأرصدة النقدية، لكنها أيضًا تتحدد بالقوة الناعمة مثل التنوع الدينى، والثقافة، ورأس المال الإجتماعى ... إلخ. إذا لم تستطع الدولة أن تمتلك «قوة خشنة» يمكنها أن تستثمر فى «القوة الناعمة». الأزهر والكنيسة القبطية والسينما والأدباء وغيرهم «قوة ناعمة» مهمة لمصر، لا تستطيع أى دولة عربية مهما امتلكت المال أن تنافس مصر أو تضاهيها فيما تملك. لا يوجد لدى السعودية أو غيرها أديب عالمى مثل نجيب محفوظ، مئويته على الأبواب، ويمكن أن تتحول إلى حدث يضع مصر على الخريطة العالمية، فهو أديب العرب، الحائز على جائزة «نوبل»، وتخرج مئوية نجيب محفوظ من مصر إلى بقية دول العالم، لاسيما أن أدبه مترجم. هذا مجرد مثال. وإذا نظرنا إلى المؤسسات، والرصيد الثقافى المصرى فسنجده مليئًا بالأحداث التى يمكن استثمارها، وتتحول إلى أحداث سياحية مهمة، وجدل عالمى، لاسيما بعد ثورة 25 يناير التى تعيد مصر فيها اكتشاف نفسها.

مصر تمتلك الحضارة والثقافة وشعبها التواق إلى الحرية، هذه قوة ناعمة مهمة لا يصح أن نجعلها تنبطح أمام النفط، وثروته. هذه واقعية سياسية ليست فى محلها، والحاجة إلى المال لا تبرر انبطاحًا سوف ندفع ثمنه غاليًا، ونحرم أجيالاً قادمة من الشعور بالكرامة، وأعتقد أن هذا أحد مبادئ ثورة 25 يناير.



****



الإخوان المسلمون جماعة انتهازيين وكلاب سلطة


احمد قرة

الحوار المتمدن - العدد: 3426 - 2011 / 7 / 14





ربما تكون هناك صورة مغلوطة لدى جماعة الإخوان المسلمين بسبب محدودية الأفق والتركيبة الخلقية المتوارثة لدى تلك الجماعة بان مصر من الممكن أن تكون لقمة سائغة فى ظل ثورة شعب ، تسمح لتلك الجماعة أن تقفز على تلك الثورة وتحصد ثمارها ، مرادفة أهدافها الغير مشروعة بأنها هى أهداف الشعب ، وان إرادتها هى إرادة الشعب ، وهذا عيب خلقى لدى تلك الجماعة ومرض عضال منتشر لدى كافة فصائل الاسلام السياسى ، فليس من المنطقى لدى أى عاقل أن الأمور من الممكن أن تديرها مجموعة من المشايخ متوسطة التعليم يسيطر عليها وهج السلطة المدجج بدروع إيهام بالدين، وليس هذا بجديد على جماعة الإخوان المسلمين الذى منذ أن اجتمع إمامهم حسن البنا مع بعض الجهلاء فى مقهى فى مدينة الإسماعيلية عام 1928 مع بعض عمال التراحيل مستخدما اللحية وبعض الأقوال الدينية المبتزة للعاطفة والتى قد وجد حسن البنا انه من العسير أن تجد سبيلا مع المجتمع القاهري فى ذلك الوقت ، ثم سعى إلى تشكيل تلك الجماعة التى وضع بعد ذلك تنظيمها المخابرات البريطانية كما تشهد بذلك الوثائق البريطانية ، لتستمر الجماعة على نفس النهج ونفس الأخطاء حتى ثورة 25 يناير ، لتكرر نفس الأخطاء ولكنها لم تدرك حتى الآن حقيقة صورتها وحقيقة رؤية المصريين لها وكذلك درجة الوعى السياسى فى ظل مجتمع المعرفة وتنازع الأفكار والفرز السريع الذى يجعل أى ملتحى أو صاحب ذقن ليس له سبيل فى اتخاذه من اللحية سلطة ما، وخاصة مع المجتمع المصرى المكون من أكثر من 58 فى المئة من الشباب ، يفكرون بطريقة مختلفة، ويشكلون القوة الضاربة فى المجتمع المصرى وان أسلوب التصويت العكسى الذى استفاد منة الإخوان من قبل فى ظل نظام مبارك لم يعد متاحا فى المستقبل ، بل إن كثير من شباب الإخوان يشكلون أفكار تهدم تلك الجماعة على شيوخها وعواجيزها الذين يبدون وكأنهم قد جاءوا من حركة طالبان المتخلفة ، وفى كل يوم منذ ثورة 25يناير تتداعى تلك الجماعة وينكشف عوراتها ذلك لأنها لا تملك وثيقة فكرية أو أيديولوجية واحدة يمكن مناقشتها غير بعض قصاصات متفرقة لحسن البنا تمثل تحصيل الحاصل وتخلط ما بين الغث والسمين والدنيا والدين والسياسة والتخريف ، وان الاعتماد من قبل مجلس شورى تلك الجماعة على مفهوم أن الناس لا يفهمون وان الأمية هى درع الإخوان المانع من انكشافها لم يعد يتناسب مع الوقت الحالى ، بل إن كل المصريين الذين هم أكثر إيمانا وإسلاما وفهما للدين الإسلامى من معظم قيادات تلك الجماعات الإسلامية ، التى تهين الدين فى قاذورات السياسة وتمرمغ آيات الله وتضعها فى غير محلها من اجل سلطة فانية ومطامع بالية ، بل إن التفكير الفطرى الذى ربما يسائله أى سائل بعد أكثر من ثمانين عاما على تلك الجماعة هو معرفة إنجاز واحد فقط يمكن أن يقولوه للمصريين أو أنهم أعطوه لمصر طول تاريخهم ، سنجد انه لا شىء ، بل إنهم كانوا أكثر تآمرا على مصر والشرط المانع لوجود الديمقراطية ، ومثلما قال مرشدهم العام من قبل مهدى عاكف طظ فى مصر ، فإنهم الآن يقولون الآن طظ فى الثورة، وان كان المجلس العسكرى قد استطاع ترويضهم من خلال تعظيم انتهازيتهم وحبهم للقفز على السلطة عليهم أن يعلموا أن الأمور ليست بالبساطة التى يتصوروها، وان رفضهم وفقا لأسباب منطقية وواضحة أمرا يمكن شرحه ليس عيبا فيما يرفضهم بل هى الموضوعية التى ربما لا تتسع عقولهم لاستيعابها ، لذا كان انسحابهم من التحرير بعد 8 يوليو أمرا طبيعيا ومنطقيا ، وان رموزهم ما هم سوى كاريكاتير سخيف يضحك، علية المصريين قبل أن يضحك عليهم العالم ، وأنهم جماعة الماضى الذى يرى المصريين أن مصر تستحق أفضل من هذا بكثير
 



****



صوابع الفنجرى وشرعية المجلس العسكرى


جاك عطا الله

الحوار المتمدن - العدد: 3426 - 2011 / 7 / 14




أخيرا بعد خداع و لف ودوران ظهر المجلس العسكرى على حقيقته واظهر وجهه الحقيقى .

لم يكتف المجلس فقط بالتأكيد على انه سوف يتمم الانتخابات أولا قبل الدستور رغم كل الاعتراضات من معظم القوى الوطنية وشباب الثورة فالشواهد والخبرات التى تنطق الأصم وتجعل الأعمى يرى انه لا يمكن إجراء انتخابات على مستوى مصر وبهذه الحساسية والوقت الخطير وليس هناك شرطه ولا امن ولا أمان بالشارع و هناك خلل خطير وبلطجية و إخوان مستنفرين ومتعجلين للقفز على السلطة بمعاونة واضحة من المجلس العسكرى وأخشى أن يكون تحالف صريح وتواطؤ تام لتنقيب مصر وإعادتها قرونا للوراء لتصبح مملوكية فوضوية كما كانت قبل عصر محمد على التنويرى .

إنما قام المجلس على لسان اللواء الفنجرى بصفاقة نحسده عليها وتوضح مدى انفصال هؤلاء عن الشعب وأوجاعه ومطالبه بإلقاء بيان اقل ما يقال عليه انه اخرق ونزق ومهين للشعب المصرى وثورته انذر الشعب بالتمسك بالسلطة ورفض حتى مناقشة تركه السلطة بكرامته وتسليمها إلى مجلس رئاسى مصغر مكون من ثلاثة أفراد سياسيين من الخبرات المصرية التى يذخر بها الوطن مع انه قال انه سوف يسلم السلطة عندما تسلمها فى خلال ستة اشهر مر معظمها الآن.

لم يكتف الفنجرى نيابة عن المجلس العسكرى بما قاله ولكنه اتبعه بلهجة حادة و مهددة وإشارات بأصابع يده تحمل التهديد والوعيد ضد الثوار والشعب المصرى.

ونحن لدينا تاريخ من الإشارات بالأصابع يفعلها لاعبى كرة القدم وينالوا بسببها الطرد من الملاعب والوقف لعدة مباريات فماذا نفعل بإشارات أصابع الفنجرى التى تحمل معنى اكبر كثيرا من إشارات لاعبى الكرة البذيئة فى مبدأها ومعناها وتأثيراتها ؟؟؟؟

علينا أن نرجع بالذاكرة لكيفية وصول هذه الجماعة العسكرية للحكم ومن الذى وضعهم على هذا الكرسى الذى در على مبارك سبعين مليارا فى ثلاثين سنة و هذا غير باقى عصابته من الازلام والمحاسيب.

كلنا نعرف أن الذى سلمهم السلطة هو مبارك نفسه وهناك أقوال أنهم عقدوا صفقة معه يتنحى مقابل حمايته من المحاكمة ومن استرداد أمواله وهذا يفسر التواطؤ والبطء المتعمد وهناك شواهد عديدة أيضا على تورط المجلس بصفقات مشبوهة مع السعودية والإمارات والإخوان والسلفيين وعن عودته لضخ الغاز لإسرائيل بنفس السعر الأقل من تكلفة الإنتاج .

الآن نصل إلى خلاصة هذا المقال وماذا ننتظر من انتفاضة شباب الثورة وإضراب العديد منهم عن الطعام و من تهديدات وأصابع الفنجرى المشينة .

نقول للمجلس العسكرى تجاوزت قدرك وخصوصا انك تغتصب السلطة حاليا ومن سلمها لك كان أفاقا لصا حقيرا و كان مثل بلفور الذى أعطى سلطة لا يملكها لمن لا يستحقها وهى قطعا غير دستورية .

فليس لكم أن تهددوا الشعب مصدر السلطات وتسموا بدنه بإصراركم على البقاء فى سلطة مغتصبة من الشعب وهو مصدر السلطات وبالتهديد القبيح وغير المقبول.

المجلس العسكرى رصيدكم نفذ فارحلوا وسلموا الحكم إلى الشعب مصدر السلطات و لم يهدد الشعب المصرى أحدا من قبل وبقى فى مكانه فوفروا على أنفسكم وعلى الشعب الوقت الثمين وكما جئتم بسلام ارحلوا بسلام وكل من يرفع إصبعه ليهدد الشعب تقطع أصابعه وتبقى مصر شامخة مرفوعة الرأس وان عاندتم الشعب فانتظروا عقابه .






****


اتقوا الله في مصر .. رفقا بالثوار .. فهم ليسوا ملائكة ..!!


رضا عبد الرحمن على

الحوار المتمدن - العدد: 3426 - 2011 / 7 / 14






منذ أن بدأت الثورة المصرية ، ومنذ أن تنحى مبارك مُجبراً ، بقوة وإرادة الشعب المصري الشريف المسالم الذي فرض شرعية جديدة للبلاد ، ومنذ أن تسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد ومنذ أن اعترف بأنه يحترم شرعية الثورة والشعب ، والجميع يخطئ في حق مصر وفي حق ثورتها السلمية المجيدة ، وأقصد هنا بالجميع (كل مسئول ، وكل جهة في الدولة ، وكل مؤسسة وكل جماعة وكل تيار وكل حزب) الجميع أخطأ في حق مصر والمصريين ، لأن معظم هؤلاء منهم من استغل الثورة لصالحة متجاهلا حق الشهداء ، وهذا ما فعله بامتياز أرباب التيارات الدينية بكل ألوان طيفها ، فهم أول من أخطأ في حق الثورة ولا يزالون ، وآخرهم المتحدث الرسمي باسم الجماعة (.....) يقول على المتواجدين في ميدان التحرير الآن أنهم قلة ولا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف ، وكلهم من العلمانيين والشيوعيين ، وجميعنا نعلم الأرضية التي صنعها هؤلاء في تعريف الشعب المصري بالعلمانية ، وتناسى هذا الشيخ وغيره من الشيوخ أن هؤلاء الشباب قد منحوه هو وأمثاله أغلى منحة وهي الحرية.

معظم الخبراء العسكريين السياسيين الذين تربوا على يد مبارك ولحم أكتافهم من رواتب الولاء له ، أصبح الشغل الشاغل لهم تشويه صورة الثورة والثوار ، لدرجة أن أحد هؤلاء وهو لواء سابق وخبير عسكري ، قالها صراحة على القناة الأولى المصرية اليوم الأربعاء 13/7/2011م (لا أدري من أين جاء هؤلاء الثوار بكل هذا الغل .؟) ، وهنا يجب أن نعترف أن مثل هذه الشخصيات لا يمكن على الإطلاق أن يكون قد آمن بالثورة أو أحس بها أصلا ، فهو ضمن جيل مبارك وأحد من تربو على يديه ، وللعلم التلفزيون المصري حتى اللحظة وأثناء كتابة هذا المقال لا زال يحارب الثورة ، ويعادي الثورة ويحاول بقدر المستطاع تشويه الثورة ، واختزالها في سلوكيات وتصرفات عابرة ، وعلى سبيل المثال ما قاله الخبير العسكري اللواء السابق في (برنامج اتجاهات) على القناة الأولى (قال فوجئت بطفل في السابعة عشرة من عمره يقول سنفتح المجمع (مجمع التحرير) يومي الأربعاء والخميس) واصفا هذا الطفل بقوله (مين ده) أعتقد يا سيادة الخبير العسكري أن هذا الطفل وأمثاله من الأطفال هم من منحوك الفرصة للظهور في التليفزيون وأعطوك الجرأة لوصف مبارك(بالرئيس السابق) وأنت وأمثالك قبل الثورة كنتم تسبحون بحمد مبارك.

الجهات المنوط بها محاسبة ومحاكمة الفاسدين والقتلة أخطأوا في حق مصر وفي حق المصريين خصوصا بعد الثورة ، لأن كل هذه الجهات بكل أنواعها ومراكزها المختلفة منحت القتلة والفاسدين فرصا عدة للتخلص من أدلة إدانتهم ، أعطتهم الفرصة كاملة لتهريب الأموال وإخفاء أي شبهة دليل يدين فاسد أو قاتل فتحت الباب أمام البلطجية لترويع المصريين وإرهابهم ، وهنا الأمثلة كثيرة جدا ولا تحصى ولا تعد ، منها ترك زكريا عزمي وصفوت الشريف في قصر الرئاسة أكثر من شهر ونصف بعد تنحي مبارك ، وترك مئات غيرهم أحرار طلقاء يفعلون ما يشاؤون بل ويحاربون الثورة بأسلوب قذر منحط في معارك لم يشهدها التاريخ الإنساني ، محاكمة الضباط المتهمين بالقتل دون وقفهم عن العمل ، حتى يستطيعوا تهديد وابتزاز أهالي الشهداء ، وكذلك إخفاء أدلة إدانتهم مثل الأسلحة والمعدات والمستندات ، والأكثر إجراما من هذا هو قيام هؤلاء الضباط أنفسهم بعمل التحريات المطلوبة ضدهم لتقديمها للنيابة في التهم المنسوبة إليهم ، والأكثر عارا من هذا إلى الآن لم نسمع عن اسم قناص واحد من القناصين الذين قتلوا عشرات في جميع أنحاء مصر ، ويكفي أن وزير الداخلية قال أن الوزارة ليس بها قناصين.

أعتقد أن سرية المحاكمات للقتلة والفاسدين طوال ستة أشهر مضت هو خطأ وظلم للثورة والثوار ، ومن العار اليوم أن يتم الموافقة على علانية المحاكمات بعد ستة أشهر من الثورة ، وأعتقد أن الخطأ الأكبر الوضع الذي يعيش فيه القتلة والفاسدين داخل سجن طره ، ويكفيهم هنا امتلاك أجهزة المحمول فقط ، لسرعة الاتصالات والتخطيط من داخل السجن ومحاربة الثورة بأقذر الطرق والأساليب ، والبحث عن طرق للنجاة من الجرائم التي تلاحق كل منهم ، وأكبر دليل على التأثير السلبي لهذا التعامل المائع والمتسيب والمتساهل والمتواطئ مع هؤلاء القتلة هو أحكام البراءة للضباط وبعض الوزراء ، وكانت هذه الأحكام نتيجة طبيعية جدا لمجهود كبير قاموا به في إخفاء أدلة إدانتهم.

أعتقد أن بقاء مبارك في شرم الشيخ إلى الآن هو عار وخطأ كبير جدا على كل مسئول في مصر ، وهو أمر ليس له أي مبرر على الإطلاق ، كما أن البيانات التي ألقاها علينا كل من رئيس الوزراء واللواء الفنجري كانت تحوم حول مطالب الثورة وفي مجملها جاءت مخيبة للآمال ناهيك عن وجود نبرة التهديد والتخويف ، ورغم ذلك لم تنطق هذه البيانات بكلمة واحدة عن مبارك ، وكأن الحديث عن مبارك لا يزال خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه ، أو من الممكن المطالبة بأي شيء بعيدا عن مبارك الذي ننتظر براءته قريبا لو استمر الوضع على هذا النحو ، وفي المقابل معظم المصابين من شباب الثورة تم التعامل معهم في المستشفيات الحكومية وكأنهم قتلة ومجرمون ولم يحظوا بالعلاج والاهتمام الذي يليق بهم.

حقوق الشهداء وحقوق أسر الشهداء لماذا تأخرت كل هذا الوقت ، وإعلان رئيس الوزراء أنه سوف يشرف عليها بنفسه بعد ثلاثة أشهر من توليه المسؤولية ، أليست هذه أخطاء.؟

الحد الأدنى للأجور الذي خدعونا به ، وضحكوا علينا ، ورغم وضعهم حد أدنى للأجور إلا أنهم خافوا من وضع حد أقصى للأجور ، خوفا من الأثرياء ، فكل شيء يسير عكس مصلحة الفقراء وعكس مصلحة مصر لأن الفقراء هم القطاع العريض من هذا البلد ، ولو قامت لمصر قائمة ستكون بسواعد هؤلاء الفقراء بعد بتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية بين فئات الشعب.

بعد كل هذا الملل الذي يشعرنا أن ثورة لم تقم يخرج علينا أشخاص مغيبون يُجَـرِّمون ما فعله شباب الثورة حين أغلقوا مجمع التحرير ، كما يعتبرون إصرار الثوار على البقاء في التحرير ضد مصالح الوطن ، وضد سير عجلة الإنتاج ، ومحاولات لتخويف المصريين من الجوع والدخول في أزمات اقتصادية ، وهنا يجب أن أسأل هؤلاء جميعا أين كنتم حين تم تهريب مليارات الجنيهات وأطنان من المشغولات الذهبية بمليارات أخرى ، وكل هذا يتم نقله في طائرات مصرية بأموال مصرية ، تزامنا مع قتل المئات وإصابة آلاف من شباب مصر الحر ، أليست هذه الجرائم أكثر خطرا على المصريين وعلى الحالة الاقتصادية للبلاد.؟.

الجميع يعرف أن تأسيس أحزاب على أساس دينية هو مخالفة للقانون ، ورغم ذلك معظم الأحزاب التي تأسست بعد الثورة واستفادت منها هي أحزاب دينية ، وهذا خطأ يهدد أمن واستقرار مصر ، حاضرها ومستقبلها ، وهذه حقيقة لن نعرف خطورتها الآن ، ولكن هي كلمة حق أقولها مثل من قالوها وأجرى على الله.

الثوار ليسوا ملائكة ، الثوار بشر عاشوا أصعب لحظات حياتهم حين جعلوا أرواحهم فداء لتخليص مصر من الاستبداد والقتل والقمع والتعذيب ،ووضعوا أرواحهم على أكفتهم ، وهم عزّل ، و طالبوا بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية لجميع المصريين ، لم يفكروا في وزارة ولا رئاسة ولا حزب ، فكل ما يشغلهم هم نجاح الثورة واستكمال مطالبها كاملة ، حتى لا يضيع كل شيء هباء ، هم أكثر خوفا على هذا الوطن من جميع الأصناف والألوان والتيارات والجماعات والقيادات التي اشتركت في ظلم الثورة والثوار وفي سرقة أحلام هذا الشباب قبل أن تكتمل ، وفي خطف هذا النجاح وهو لا يزال وليدا ، وكل هؤلاء شاركوا في حملة شرسة لتشويه الثورة والثوار وتحويلهم لقلة مندسة ، وترويج إشاعات كاذبة أن هناك أيادي خارجية تحركهم وتدفع لهم ، وفي أحيان كثيرة يحاول أعداء الثورة الفصل بين من قام بالثورة في الأيام الأولى وبين من يصرون اليوم على تحقيق مطالب الثورة ، وذلك بتوجيه اتهامات باطلة وظالمة لشباب نقي طاهر يعرض نفسه كل يوم لبطش بلطجية طلقاء لا رابط لهم ، ولا رادع ، ويتم توجيههم كل حين للنيل من هذا الشباب كلما لزم الأمر ، هنا الخطأ الأكبر الذي يشترك فيه كل مسئول مصري لماذا لا يتم القبض على جميع البلطجية ، وهم أصدقاء وأحباب بعض العاملين في وزارة الداخلية ، ويعرفونهم كما يعرفون أبناءهم.

سؤال: هل سيبقى الميدان آمنا من أي هجوم للبلطجية.؟ ، في ظل غياب واضح للشرطة منذ يوم الثامن من يوليو ، أم أن هناك تخطيط وتجهيز لعملية جديدة لاقتحام الميدان ، وهذا ما كان يحدث أيام مبارك المخلوع بعد كل خطاب فيه إقصاء لوزراء أو تغيير في الحكومة ، و حتى بعد مبارك حدث ذلك بعد إقالة شفيق ، وبعد حل الحزب الوطني ، وبعد حل المحليات ، وهذه المرة الدائرة دارت على بعض الوزراء و بعض رجال الشرطة ، لو حدث ذلك فعلا ، وتم الاعتداء على الثوار في الميدان بإجرام وقسوة وبلا رحمة فمن نحاسب.؟ ومن نحاكم .؟ ومن المسئول.؟ ، وهل عندها سنلوم الشباب على اعتصامهم وبقائهم في التحرير ، وعلى إصرارهم على تحقيق جميع مطالب الثورة كاملة وغير منقوصة.؟

أخيرا : يجب أن نغفر لشباب الثورة أخطاءه البسيطة التي لا تضاهي كم الخطأ والجرم الذي وقع ويقع فيه كل مسئول عن هذا البلد ، فكلنا بشر ، يخطئ ويصيب ويكفي أن هذا الشباب كان سببا في خلع حاكم مثل مبارك ، بعد أن أضاع أعمار ملايين من المصريين وسرق أحلامهم وجعل همهم هو العيش جنب الحيط وتربية الأولاد ، ارحموا شباب الثورة وارحمونا يرحمكم الله.

 


****



فلتبدأ السعودية بالإصلاح أولا



عبد الباري عطوان

يتحسس المسؤولون السعوديون كثيرا عندما يتناول الكتاب العرب بعض القضايا التي تتعلق بأوضاعهم الداخلية، وقضايا الحريات وحقوق الإنسان وغياب القضاء العادل المستقل على وجه الخصوص، بينما لا يتورعون عن الخوض في قضايا الآخرين الخارجية والداخلية على حد سواء، ولا يرون أي تجاوز أو خروج عن المألوف في هذا الصدد.

الصحافة السعودية، والزملاء الكتاب فيها، يسطرون المقالات حول الأوضاع في سورية، والفساد المزعوم في بعض أركان نظامها، ولا ينسون التعريج على غياب حقوق الإنسان واستفحال القمع، والتعليق على أحداث ليبيا وديكتاتورية نظام القذافي المزعومة ، وانتقاد إيران والتباكي على غياب الديمقراطية فيها ووصمها بأنها دولة دينية مع أن السعودية ذاتها دولة دينية ، وانتقاد السلطة الفلسطينية، والغمز في قناة حركة 'حماس'، وأحيانا شن هجمات على الطرفين، وهذا أمر مشروع ونرحب به، حتى لو كان هذا الخيار الانتقادي انتقائيا، فمن واجب الصحافة والصحافيين التصدي لكل انتهاك لحقوق الإنسان أو قمع للحريات، والانتصار للديمقراطية والحكم الرشيد.

فالانطباع السائد، أو الذي يريد البعض تكريسه، أن الإعلام السعودي بكل أشكاله وألوانه ووسائله هو الإعلام العربي الوحيد الحميد والمهني، أما ما عداه فهو مناقض لذلك كليا، وتتحمل أنظمة عربية قمعية يسارية المسؤولية الكبرى في هذا الصدد، لأنها سكتت أولا عن هذه الظاهرة، وساهمت بذلك في تكريسها، ولأنها لم تقدم البديل المهني الآخر الذي يستطيع المنافسة بطرق حضارية، بعيدا عن الصراخ الأيديولوجي الفج، وإفساح الحد الأدنى للرأي الآخر، سواء في القضايا المحلية أو العربية.

صحيح أن الإعلام السعودي، والخارجي منه على وجه الخصوص، يتجنب الخوض في القضايا الداخلية التي تتناول مواضيع حساسة مثل الفساد، واضطهاد الرأي الآخر، وغياب الديمقراطية الحقة، وان فعل فباستحياء شديد، ولكن الصحيح أيضا انه نجح بامتياز يحسب له في التغطية على هذا النقص الواضح والكبير من خلال تناول القضايا العربية بطريقة ذكية، وتقديم إعلام 'قومي' يتجاوز الإعلام المحلي، من خلال استضافة خيرة الأقلام والكفاءات العربية، وإعطاء مساحة للرأي الآخر.

بمعنى آخر، يمكن القول أن الرأي الآخر مطلوب في القضايا العربية، ومحظور تماما في معظم القضايا المحلية الحساسة. ثم إن هناك تمييزا واضحا في القضايا العربية، فهناك قضايا مسكوت عنها في دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها، قضية الانتفاضة في البحرين على سبيل المثال، وقضايا أخرى مشاعة مثل الانتفاضة الشعبية الديمقراطية في بلاد مثل مصر وسورية وليبيا وربما اليمن أيضا.

' ' '

يوم الاثنين الماضي دعا مجلس الوزراء السعودي جميع الدول العربية التي تعيش ثورات داخلية إلى وقف إراقة الدماء والقيام بإصلاحات جادة تكفل حقوق الإنسان العربي، وقال وزير الإعلام السعودي عبد العزيز خوجة في ختام اجتماع مجلس الوزراء، 'إن المملكة تدعو الجميع إلى تغليب صوت الحكمة والعقل ووقف إراقة الدماء واللجوء إلى الإصلاحات الجادة التي تكفل حقوق وكرامة الإنسان العربي، وتحقق الاستقرار والحفاظ على وحدة واستقلال الأوطان العربية'. (أولى بنفسك كان ذا التعليم).

هذا البيان يأتي بعد دعوة مماثلة أصدرها الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، لمح فيها إلى سورية دون أن يذكرها بالاسم، بينما ذهب شقيقه تركي الفيصل، الذي لا يشغل أي منصب حاليا، منذ تركه منصبه الأخير كسفير لبلاده في واشنطن، وقبلها رئيس لجهاز الاستخبارات العامة، ذهب إلى ما هو ابعد من ذلك عندما وصف في حديث لمحطة الـ'بي بي سي' التلفزيونية العربية، بان ما حدث في مصر ليس ثورة، وأشاد بالرئيس المخلوع مبارك كحليف قوي، وأكد أن السعودية لا تتخلى عن حلفائها، ونفى وجود شيء اسمه 'ربيع عربي'.

لا نجادل في حق مجلس الوزراء السعودي في تقديم النصائح للدول الأخرى بالحكمة والتعقل، والقيام بالإصلاحات الجادة، فهذا سعي يشكر عليه، ويقدر له، كما أننا لا نعترض مطلقا على تدخل أمراء أو كتاب سعوديين في شؤون داخلية أو خارجية لدول عربية أخرى، ولكن ما نتمناه أن تبدأ المملكة العربية السعودية في تطبيق الإصلاحات الجادة التي تبشر بها في داخل المملكة نفسها، وتقدم لنا القدوة والنموذج في هذا الصدد.

فالمملكة العربية السعودية بحاجة إلى إصلاحات جذرية وليست جادة فقط، في مختلف الميادين، من حيث انتخاب مجلس شورى بصلاحيات كاملة، وفي انتخابات تشارك فيها المرأة جنباً إلى جنب مع الرجال كمرشحة وناخبة، ووضع دستور عصري ينظم شؤون الحكم ويحدد واجبات المواطن قبل حقوقه، ويشدد بشكل صريح على ملكية دستورية واضحة المعالم، ويؤسس لقيام القضاء العادل المستقل، وتحقيق الشفافية.

نعترف بأن الأمن السعودي لا يطلق النار ويقتل المئات أو الآلاف مثلما حصل في مصر وسورية وتونس وليبيا التي شهدت انتفاضات شعبية عارمة للمطالبة بالتغيير الديمقراطي، والسبب أن هذا الأمن لم يختبر بعد، وربما لو نزل الشباب السعودي بالآلاف إلى الشوارع على غرار نظرائه في الدول الأخرى لتصرف هذا الأمن بالطريقة نفسها للحفاظ على العرش، تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار ومواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة.

' ' '

السلطات السعودية التي يدخل خزينتها سنوياً أكثر من 350 مليار دولار كعوائد نفطية، تستطيع ان تمتص الصدمات الشعبية، وتشتري صمت الشباب العاطل الغاضب من خلال رصد مئة مليار دولار لزيادة الرواتب، وتقديم إعانات بطالة، وبناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية، وإلغاء أقساط ديون لمواطنين فقراء، وهذه خطوات جيدة نقدرها، ولكن هذا لا يعني أن الخطر قد زال، فالشعب السعودي، مثل كل الشعوب العربية الأخرى يريد الإصلاحات السياسية الجادة التي طالب مجلس الوزراء السعودي الدول الأخرى بتطبيقها فوراً دون تلكؤ.

صدمتنا كانت كبيرة عندما قرأنا إحصاءات رسمية تقول أن أكثر من مليوني شاب سعودي تقدموا بطلب إعانات بطالة من المراكز التي خصصتها الدولة، وهي إعانة في حدود 500 دولار شهرياً. وتدفع للمرة الأولى في تاريخ المملكة، الرقم ضخم بكل المقاييس، أي عدد العاطلين وليس حجم الإعانة ويوازي أكثر من عشرة في المئة من مجموع السكان، وإذا أضفنا الفتيات العاطلات والمحرومات من الكثير من الوظائف فان هذا الرقم يتضاعف عدة مرات.

نشدد على حرصنا على امن واستقرار ووحدة أراضي جميع الدول العربية دون أي استثناء بما في ذلك المملكة، ونؤكد أن بعض الانتكاسات التي تتعرض لها بعض الثورات العربية الديمقراطية في الوقت الراهن هي من الأمور الطبيعية والمتوقعة في ظل حكومات ديكتاتورية جثمت على صدر الشعوب لعقود، فالثورات لا تعطي ثمارها جميعاً بين يوم وليلة، وهناك قوى عديدة تريد إجهاضها وحرفها عن أهدافها، ولكن الأمر المؤكد أن عصر الاضطهاد والقمع وإذلال المواطن والمس بكرامته الوطنية والشخصية قد بدأت حجارته في التساقط الواحدة تلو الأخرى.

هناك خطوات عديدة للإصلاح الجاد يعرفها الجميع ولا نريد سردها، ولكننا نضيف إليها خطوة أخرى نرى أنها ضرورية أيضا وهي أن يتواضع أشقاؤنا المسؤولون السعوديون في التعاطي معنا، نحن الذين لا نملك العوائد النفطية الهائلة، والإعلام الباذخ، وان يكفوا عن إلقاء المحاضرات والمواعظ علينا من عليائهم.

أخيراً نسأل وبكل براءة: لماذا يعتبرون كل من ينتقد السعودية ويطالب بالإصلاح فيها جنباً إلى جنب مع الدول الأخرى معادياً لها وللخليج من بعدها، بينما لا ينطبق الاعتبار نفسه عليهم ومسؤوليهم إذا انتقدوا سورية ومصر والعراق ولبنان واليمن والسودان وباقي منظومة الفقر المالي والإعلامي العربية الأخرى؟




****


لا يا سيد عبد الباري عطوان.. لقد أخطأت

د. علي إبراهيم




عرفناك مناضلاً بالقلم والكلمة في كل قضايا الوطن، شاهدنا مواقفك القومية المخلصة لوطنك الصغير فلسطين ووطنكم الكبير من المحيط إلى الخليج،تعودنا على مطالعة مقالاتك أو قراءتها وهي التي تعبر عن مواقفك الأصيلة ،شاهدناك فارساً محللاً بالحجة مدعم بالحقيقة على الفضائيات العربية وغير العربية وخاصة الجزيرة،لكن ما اندلعت الأحداث الأخيرة في الوطن العربي وأقصد ما يطلقون عليه 'الربيع العربي' وخروج بن علي من تونس وسقوط النظام المصري العميل ،إلا وكنت كما عاهدناك مؤيداً محللاً ناقداً لهما حتى قبل سقوط هاذين النظامين.

موقفك مما يحدث في ليبيا أدهشنا فيبدوا أن حجم المؤامرة الإعلامية على ليبيا كان كبيراً لدرجة أنك لم تستطع استيعابه، ونحن لا نلومك أو نعتب عليك فكلنا كنا مثلك،هزتنا وصدمتنا الحملة الإعلامية المدروسة والمعدة بإتقان لم يسبق له مثيل، أن تلتقي آلة صنع الرأي العام العالمي كلها شرقاً وغرباً ، شمالاً وجنوباً ، عربية وأجنبية ، عجمية وإسلامية على كلمة واحدة 'إن معمر القذافي يقتل شعبه' وعلى العالم التصدي لهذا الطاغية وإنقاذ الشعب الليبي تحت ذريعة الدعوة 'لحماية المدنيين'

ولكن مثلك قد لا ينخدع أو يتأثر بهذه الحملة والحرب القذرة أكثر من ساعات ولنقل عدة أيام ، بعدها مفروض لمن هو في حجمك الفكري والسياسي والإعلامي أن يعود ليمسك بخيط الحقيقة ، وواجبه أن يقدمها لقرائه، خاصة وأن قراءك من الشريحة المؤمنة بقضايا أمتنا العربية ، والمدركة جيداً لما يحاك ضدها، شريحة تحمل على عاتقها القضية العربية.

ومع أننا قد نبهناك في حينها وشرحنا لك حجم المؤامرة، وأنت الفاطن لما يجري في العالم، وذلك قبل يومين بالضبط من انعقاد اجتماع جامعة الدول العربية بالقاهرة ، وقلنا لك على الهاتف على لسان الأستاذ/ عبد العظيم المغربي من مقر اتحاد المحامين العرب أن الموقف بحاجة إلى قلمك، وأنا الذي طلبت من 'المغربي' أن يتصل بك ويلح عليك أن تعود إلى الحقيقة وتمسك بها،وان تنبه جامعة الدول العربية بأنها ستتخذ موقفا خاطئا ، بل سترتكب الخطيئة إذ أقدمت على الطلب من مجلس الأمن والناتو التدخل العسكري في ليبيا ،وقلنا وشرحنا إليك باعتبارك واحدا منا نعتز بك وبمواقفك القومية العروبية الأصيلة: إننا في اجتماع لمعظم الاتحادات والنقابات العربية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لنبعث برسالة واضحة وقوية إلى جامعة الدول العربية نطلب منهم أن يتوجهوا بطرح الحل السلمي والحوار والصلح بين النظام والمعارضة،وان تشكل لجنة من الرؤساء لوأد هذه الفتنة بدلاً من توجه دول الخليج وعمرو موسى الى الطلب من مجلس الأمن التدخل العسكري.

للأسف يا سيد عبد الباري لم نجدك هكذا،لقد فقنا واستوعبنا حجم المؤامرة على ليبيا قبل أن يشرح لنا قلمك أبعادها،وعلى العكس وجدناك مازلت وللآن لم تفق من الصدمة،وجدناك تائها،متخبطاً، تشن هجومك اللاذع على العقيد القذافي وتصفه بكل الأوصاف المجرمة وتتباكى على الشعب الليبي،وهذا بالضبط ما بدأت به الحملة والحرب الإعلامية القذرة على ليبيا،وكأنك أصبحت واحدا من جنود هذه الحرب القذرة لا سمح الله، مع إدراكنا العميق أننا قراؤك ونعرفك جيداً انك لست منهم، بل على العكس انت على النقيض منهم لأنهم هم أعداء الوطن وانتم أبناؤه الشرفاء الذين فنيتم عمركم في الدفاع عنه.

للأسف يا سيد عبد الباري عندما اكتملت المؤامرة على ليبيا وصارت واضحة وضوح الشمس ولم نعد في حاجة إليك لتبصرنا بها، خاصة عندما شاهدنا الأساطيل الأمريكية والفرنسية والبريطانية والإيطالية والأسبانية تقذف بحممها وصواريخها الفتاكة ليبيا من شمالها إلى جنوبها ومن اجدابيا شرقا إلى رأس اجدير غربا لتحول كل شيء إلى دمار وخراب على هذه الأرض العربية، ومن بعدها رأينا دخول حلف الناتو بقوته الجبارة ليستلم المعركة ويستمر في التدمير لبلد عربي مسلم، لا يفرق بين رجل وامرأة ولا طفل أو كهل، للأسف لم نسمع منك إلا إدانة لحلف الناتو وفي المقابل وفي نفس مقلتك التي أدنت فيها الناتو لم يسلم 'معمر القذافي ' من سيل الشتائم والأوصاف التي وصفتها مرة 'بالطاغية' وتارة أخرى 'بالفاسد' ولم نعد ندري أين هو الأستاذ عبد الباري عطوان؟ أين يقف؟ ومع من ؟ هل يقف مع الحقيقة التي أصبحت ظاهرة كالعيان أم مع من يقف؟

وللأسف يا سيد عبد الباري عندما انتقدت ما يسموا أنفسهم بالثوار ومجلسهم الذي يقوده برنارد ليفي الصهيوني الفرنسي والذي حمل برسالة من ما يسموا بالثوار إلى العدو الصهيوني، انهالت عليك الشتائم والنقد والسب والقذف من أعوان هؤلاء الثوار ومنهم أنفسهم وعلى رأسهم السيد 'شلقم' الذي أرسل إليك رسالة خطية رداً على مقالكم وذلك لنشرها بصحيفتكم الغراء، ومن بعدها اتهموك انك أحد أعوان القذافي الذي أرشاك بالمال لتكتب ضدهم، ونحن نعلم انك لست من هذا النوع من الصحفيين ،وإلا ما كنا قرأنا لك وتمسكنا بك.

الأغرب يا سيد عبد الباري عطوان أنك إبان العدوان الغربي على العراق كنت صلباً مدافعاً عن الرئيس الراحل 'صدام حسين ' رحمه الله حتى آخر لحظة، وكنا نحيي فيك هذا الموقف ،لأنه بغض النظر عن ما ارتكبه صدام حسين من أخطاء، وبرغم احتلاله لبلد عربي وبرغم حروبه ضد إيران وبرغم كل شىء ، لكن عندما يصطف أعداؤنا أعداء الوطن العربي ضد صدام أو غيره فعلينا جميعاً أن نقف مع صدام، هذه بديهية قلتها لنا مراراً ، فكيف يا سيد عبد الباري تصطف وتقف لاعنا القذافي مع أعداء الأمة؟.

هذا ليس دفاعاً عن القذافي فليس هذا مجاله ،ولكن عندما ترى يا سيد عبد الباري أمتك في خطر حادق، ترى ولأول مرة طائرات وصواريخ وأسلحة عربية من قطر والأمارات وغيرها تشارك الناتو والصهيونية في تدمير بلد عربي،ترى أمة تتفكك وتصاب باللعنة وعدوها يقوى، فتأتي سيادتك وتكتب أن الليبيين يتسابقون إلى العدو الصهيوني لكسب وده،لتزيد الأمة غمة، وتساهم دون أن تدري في تمزيق ما تبقى لنا من أمل، مع أن أي عاقل لا يمكن أن بصدق مثل هذه التراهات والأكاذيب والحملة الإعلامية القذرة على ليبيا والقذافي تحديداً،ما بالك أنت الذي تعرف الكثير ، وتعلم أن ليبيا على الأقل ما زالت الدولة العربية الوحيدة والدولة الوحيدة على مستوى العالم التي لا تذكر اسم 'إسرائيل' في نشراتها الإخبارية بل تسميها باسمها الحقيقي 'العصابات الصهيونية' وأن ما يحدث في ليبيا وما يحدث 'للقذافي' من تشويه إعلامي كاذب ما هو إلا ثمن مواقفه من العصابات الصهيونية ومحاربته لها منذ قيام ثورة الفاتح 1969 وحتى الآن وخاصة على مستوى أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم. أعي جيداً أنك قد تكون على خلافات مع النظام الإعلامي أو السياسي في ليبيا، أو تكون غير راض عن الأداء أو احترامهم للإعلاميين والشرفاء من أمثالك الذين نعتز بهم ، ندرك أنك قد يكون طفح بك الكيل من بعض التصرفات ، نفهم أن هناك ممارسات خاطئة قام بها رجال النظام في ليبيا وربما أكثرها ضد المخلصين أمثالك، نعي كل هذا ونقدره، ولكن ألم تر أن المسئولين الكبار الذين حاولوا تدمير كل عمل مخلص من أي فرد عربي غيور على ليبيا والأمة العربية هم الآن عبارة عن خونة لنظامهم منشقين عنه،هؤلاء هم من دمروا كل بادرة أمل وقد أصابتك منها شرارة و(جرح) كما أصابتنا منها ( قرح ) ،وأصابت الكثيرين الشرفاء وهم يرون أموال الشعب الليبي تذهب هباءاً منثورا على أيدي هؤلاء المنشقين وغير المنشقين أعداء ليبيا والأمة العربية

وتبقى لنا في النهاية كلمة، رغم ما لمحنا وصرحنا،ورغم ما لحق وسيلحق بنا ،رغم كل شىء يبقى الوطن مقدساً ومن يرميه بالحجارة علينا جميعا أن نرميه بالنار،وان العدوان المباشر الغادر على ليبيا تحت أي حجة من الحجج لا يمكن قبوله، وواجبنا القومي التصدي لكل من يخترق أمننا القومي العربي، وان المؤامرة لكبيرة، والمقصود منها ليست ليبيا وحدها بل هي المقدمة أو جزء منها، المقصود هو وطننا العربي بالكامل من أجل الإستراتيجية الغربية والأطماع الصهيونية، وما صمود الشعب الليبي الذي لم تكتب عنه في مقالاتك يا أستاذ عبد الباري،إلا العامل الحاسم الذي صدهم وأخر قطار المداهمة الصهيوني لبقية الأمة العربية ، وما نشهده في سوريا واليمن ، وما سنشهده في البقية الباقية إلا أكبر دليل على ذلك.

ويبقى الأمل مع الشرفاء من أمثالك الذين يقودون بالكلمة مسيرة التصدي لعدو الأمة، وتبقى ليبيا في حاجة إلى مثل هذه المواقف إلى قلمك ورؤيتك، لإنقاذ الأطفال في الغرب والشرق، فقطرة دم ليبية وعربية واحدة لهي أغلى من كل نفط ليبيا والعالم،فمتى تكون دماء أهلنا في فلسطين وليبيا وسوريا واليمن وكل الأقطار العربية عزيزة علينا،وقلمك والله لجدير وقادر على الإسهام في ذلك بجلوس الأخوة والأشقاء أبناء الشرق والغرب والشمال والجنوب من ليبيا الحبيبة للحوار وحل كل المشكلات التي تعترض طريق حريتهم ورفاهيتهم بدلاً من تدميرهم وموتهم.

ويبقى ويظل قراؤك في حاجة إلى البصيرة ، فهم قد سبقوك في فهمها، ولكن بحكمتكم وترفعكم عن الصغائر أو حتى الكبائر فيما بيننا نحن العرب، يبقى الموقف الواحد للتصدي لعدو الأمة هو الهدف

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


' المنسق العام للجبهة القومية للدفاع عن ليبيا

رئيس هيئة العلماء والخبراء العرب والأفارقة (أبسو)

الأمين العام لاتحاد الصيادلة العربي والأفريقي




****


ثورة أم فوضى خلاقة ؟؟


علي بشار بكر أغوان

الحوار المتمدن - العدد: 3427 - 2011 / 7 / 15







بدأت الأحداث تتسارع كثيرا في الآونة الأخيرة لدرجة أن سرعة الأحداث لم تسمح لأي مختص أو محلل أو متابع للأوضاع أن يقدم أي رؤية تحليلية عن ما يجري حتى تعالت الأصوات وردود الأفعال الأولية التي بنيت على رؤية تحليلية سطحية لما يحدث من حالات تغيير متسارع الذي لا يسمح لأي معني من إطلاق عبارته التحليلية لان الصورة غير مكتملة المعالم ، وبالتالي إن الحكم عن ما يجري في الفترة الأولى من قيام هذه التغييرات على نطاق الساحة العربية أمرا صعبا جدا ، لهذا ظهرت أصوات تعالت أصوات اختلفت فيما بينها في تحديد ماهية الأحداث الأخيرة و إعطائها توصيفا يعبر عن حقيقة ما يجري فعلا هل هي ثورة فعلا أم فوضى خلاقة ؟ ومن بين هذه الأصوات هو أن الذي يحدث هو ثورة شباب كانت نابعة من إرادة ذاتية داخلية على طغيان الحكام وسلطويتهم وتشبثهم طوال هذه السنين بكراسي الحكم ، وظهرت أصوات أخرى تقول أن الأحداث الأخيرة هي عبارة عن فوضى خلاقة أتت من خارج الحدود وهي نتاج للرؤية الفكرية الأمريكية واستكمالا لمشاريع أمريكية بدأت منذ أكثر من ربع قرن ، و وصلت ما وصلت إليه اليوم من تغيير فعلي للأنظمة .


وأما الآن وبعد مرور فترة لا بأس بها تسمح بإطلاق العنان لتحليل نابع من دراسة معمقة للأوضاع ومستند إلى أسس علمية ونظريات ومشاريع سابقة ، حيث إن الذي يحدث الآن وكما أراه أنا شخصيا هو ليس بثورة بقدر ما هو فوضى عارمة منظمة من الخارج ومفتعلة لتغيير الطبيعة العامة للوطن العربي والشرق الأوسط بشكل عام وأقول إنها فوضى منظمة واعني أنها مفتعلة من قبل طرف خارجي ، وهذا الكلام مسند إلى تحليل بعض المقولات التي أطلقها بعض الساسة الأمريكان ، ومنذ فترة ليس قصيرة ، كحديث كوندليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة في عهد بوش الابن منذ عام 2005 لصحيفة الواشنطن بوست عشية يوم9/4/2005 ومرور ذكرى عامين على احتلال العراق ، والتي قالت فيه" إن بيئة الشرق الأوسط الاستراتيجية مضطربة للغاية ومثخنة بالخلافات الدينية والطائفية والقومية والعرقية " ونستنتج من هذا الكلام أنها عنت عندما تحدثت عن الفوضى الخلاقة هو عملية اختلاق المشاكل وتفعيلها بصورة منظمة من قبل فاعل خارجي يريد إعادة ترتيب أوراق قديمة لكي تتمشى مع تطور وضع جديد خصوصا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، أن الأوضاع التي تجري في البيئة الجيواستراتيجية للشرق الأوسط هي مخططة مسبقا ومنذ فترة ليست بقصيرة وهذا ما أكدته تصريحات كوندليزا رايس حول تغيير أنظمة الشرق الأوسط والمنطقة العربية وحتى أنها قالت حرفيا إن التغيير سوف يشمل حتى الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة وهذا الكلام يسكت الذين يقولون كيف تفرط الولايات المتحدة الأمريكية بمبارك وهو عميل حتى النخاع للغرب ، وقالت رايس أيضا "إن الولايات المتحدة تعمل على كسب عمالة الشعوب ، لأنها عملت طوال الفترة الماضية على كسب عمالة الحكام " وأيضا إذا ما أردنا أن نرجع إلى ما قبل عام 2005 وتحديدا عام 1981 عندما تحث روجيه غارودي عن عمليات التغيير في المنطقة العربية وكشفه عن المخططات الأمريكية الإسرائيلية حول تقسيم المنطقة العربية والإسلامية ، وتحدث عن المخططات الصهيونية والمشاريع الأمريكية التي تنوي أن تطبقها في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر من أهم المناطق الجيواستراتيجية للأمن القومي الأمريكي وكذلك لحماية امن الكيان الصهيوني ، وبالتالي بقاء المنطقة غارقة في صراع مستمر وفوضى دائمة سواء على شكل حروب أو انقسامات داخلية أو مشاكل طائفية يصب في مصلحة الولايات المتحدة التي ترغب بإعادة ترتيب أوراقها في المنطقة عبر حركة التغيير المخطط لها حاليا ، وبالتالي فان الكلام الذي يقول أن مشروع التغيير الحاصل الآن في بيئة الشرق الأوسط هو عبارة عن ردود أفعال أمريكية ، أكثر من كونها أفعال مخطط لها، ينسف مشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروع الشرق الأوسط الجديد ، المكملان لبعضهما اللذان يعبران عن وجهة نظر أمريكية وإسرائيلية حول المنطقة ، حيث يتحدث هذان المشروعان عن نوايا تغيير بصورة مبطنة تحت غطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات والجماعات المضطهدة وحقوق تقرير المصير وفتح الحدود ما بين الدول ..الخ من الأمور، وهذان المشروعان اكبر دليل على أن مشاريع التغيير هي مخطط لها منذ فترة ليست بقصيرة بل إنها ترجع جذورها إلى فترات تصل إلى أكثر من ربع قرن توالى عليها العديد من الإدارات الأمريكية التي تعمل على تنفيذ مشاريع بصورة متواصلة ، وبعيدا عن نظرية المؤامرة ، وما أوباما إلا جزء من هذا المشروع الذي وصل على يده إلى مراحل التنفيذ الفعلي ويمكن الإطلاع على الرابط التالي http://www.armedforcesjournal.com/2006/06/1833899 الذي يحوي على مقال منشور على موقع مجلة القوات المسلحة الأمريكية منذ 2006 " لرالف بيترس" بعنوان "حدود الدم" والذي يتضمن مشروع تقسيمي للمنطقة على أسس عرقية دينية مذهبية أيديولوجية قومية ويوضح الدول التي سوف تستحدث بعد هذا التغيير والدول التي سوف تظهر في المنطقة نتيجة التقسيم .

ويجب أن نقول انه لا يوجد شي كامل ولا يمكن لأي مخطط استراتيجي أن تكون خطته ناجحة 100%100 ، مهما كان متمكنا من إحكامها وتنسيقها وسد ثغراتها ، لأنه ببساطة هناك متغيرات لا يمكن أن يسيطر عليها مهما فعل ،لان الاستراتيجية الناجحة تعتمد على التراكم الصبور لدقائق الأمور وعدم القياس والتقييم من البداية وإنما الانتظار لفترات طويلة لكي يمكن أن نقيس نجاح أو فشل أي خطة استراتيجية لهذا فأن حصيلة الخطة إلى حد الآن هي نظامين فقط (التونسي والمصري) مع اضطرابات سورية يمنية وحرب ليبية أوربية وتظاهرات بحرينية أسكتت بقرارات سياسية مصلحية أكثر من كونها تبحث عن تغيير لنظام سياسي .

وان التغييرات التي تحدث الآن في المنطقة العربية هي عبارة عن مشاريع مستدامة تخضع لإعادة تقييم مستمر وهي استكمالا لمشاريع سابقة ونظريات طبقت في المنطقة ، كنظرية كرة الثلج (*) ونظرية الدومينو (**) ومشروع قوس الأزمات لبرجنسكي ونظرية الفوضى الخلاقة (***) لتفكيك الأنظمة الحالية وإحلالها وتقسيمها لكي تستطيع الولايات المتحدة ان ترسم خريطة جديدة على غرار خريطة سايكس بيكو مع الاحتفاظ بخصوصية كل مرحلة ، والهدف من هذا التقسيم الجديد هو لخلق نظام شيعي بالعراق ونظام شيعي في لبنان على غرار نظام إيران والتابع لولاية لولاية الفقيه ، وعلى الجانب الآخر تعمل الولايات المتحدة الآن على دفع الإسلاميين السنة إلى الصعود إلى الحكم في باقي الدول العربية (كصعود الإخوان المسلمين في مصر خصوصا بعد الانشقاقات التي ظهرت ما بين الإخوان وبروز تيار جهادي له قاعدة جماهيرية عريضة في مصر والدول المجاورة وهذا الانشقاقات تبحث عن الهيمنة على الساحة المصرية من خلال انشقاق تيارات معينة من الإخوان تلعب دور المعارضة وتيارات أخرى تلزم زمام السلطة في مصر وبالتالي سيطرة الإخوان على الساحة من خلال المعارضة والحكومة وهذا ما كان يفعله الحزب الحاكم في عهد مبارك ، وطبعا كل ذلك يجري تحت الرعاية الأمريكية ، هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الولايات المتحدة تقوم بتقوية التيار السلفي المتشدد في السعودية والدليل على ذلك هو عدم حدوث اضطرابات مهمة في السعودية للوقوف ضد المد الإيراني في المنطقة وبالتالي إبقاء فتيل الفتن مشتعل في المنطقة عبر دعم الطرفيين السني والشيعي لديمومة الصراع ، وكذلك نلاحظ السماح لحماس بتولي الحكم مع شروط اتفاق أمريكي إسرائيلي فلسطيني على إعلان دولة فلسطينية إسرائيلية يعترف بها المجتمع الدولي ، ومن جهة أخرى تعمل الولايات المتحدة على إبقاء بؤرة للحراك الاستراتيجي قائمة بدون حل ، وربما ليبيا هي هذه البؤرة التي سوف تدخل الولايات المتحدة من خلالها إلى المنطقة العربية وشمال أفريقيا بقناع دولي واحتلال هذه المنطقة بقوات دولية (أمريكية) وبالتالي احتلال ليبيا وتقسيمها إلى جزئين ليبيا الشرقية وليبيا الغربية ( ليبيا القذافي وليبيا الثوار) ويكون للولايات المتحدة قوة تمسك الأرض في شمال أفريقيا تنطلق منها إلى باقي الدول الأفريقية لمنافسة المد الصيني الذي يتفشى بشكل لا مثيل له في أفريقيا ، إن الهدف الأمريكي في النهاية هو تفعيل الخلافات الطائفية ونشر النعرات التفكيكية التي تؤدي إلى خلق فوضى داخل بيئة الشرق الأوسط أو الوطن العربي ،وبالتالي دخول المنطقة في صراعات لها بداية وليس لها نهاية والمستفيد الوحيد هو الولايات المتحدة من هذه الاضطرابات لكي تأتي من جديد وتتدخل بدافع حقوق الإنسان والديمقراطية وحق الشعوب بتقرير المصير ( التقسيم ) ، وبالتالي فإن الولايات المتحدة قد بدأت بالإعلان لمشروعها على الملأ بعد وصول هذا المشروع إلى مراحل متقدمة ودخوله إلى مراحله الحاسمة حيث الآن أعلنت الولايات المتحدة بأنها تمسك بيدها القلم والمسطرة وبدأت تجر الخطوط وترسم الحدود من جديد لدويلات جديدة سوف تظهر في المنطقة العربية ، وما دولة جنوب السودان التي ظهرت قبل فترة قصيرة إلا النتيجة الأولية لمشاريع التقسيم الأمريكي ، خصوصا يمكننا أن نلاحظ الدعم الكبير من قبل الغرب والأمريكان لهذه الدولة بعد ما أرسل الرئيس أوباما مبعوثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سارة رايس لحضور إعلان الاستقلال الدولة الجديدة ، هذا ناهيك عن الدعم الدولي الكبير من الأمم المتحدة ، وأخيرا أقول إن المنطقة سوف تشهد موجة جديدة من التقسيم على غرار تقسيم سايكس بيكو للمنطقة .

أخيرا يمكنني أن أتنبأ ببعض الأشخاص الذين سوف يحكمون على مقالي ويقولون إن كاتب هذا المقال متأثر جدا بنظرية المؤامرة بحيث يلغي دور الشعوب العربية التي كانت (نائمة طوال خمسين عام مضت) واستفاقت من نومها الآن ، يمكنكم سادتي أن تطلعوا على المشاريع الأمريكية ونظريات تفتيت المنطقة وتحكموا بأنفسكم على صحة هذا الكلام.




الهوامش :

(*) نظرية كرة الثلج : التي تعني أن كرة الثلج عندما تتدحرج في منطقة معينة سوف تأخذ في طريقها كل شي تمر به ولا يمكن إيقافها بسهولة وهذا ما حدث في المنطقة العربية ، على الرغم من أن الحصيلة إلى حد الآن نظامين فقط ولكن كرة الثلج ما تزال تتدحرج ولكن ببطء شديد وحذر وترقب خصوصا في سوريا واليمن .

(**) نظرية الدومينو : هي شبيهة إلى حد ما بنظرية كرة الثلج ولكن فيها بعض الاختلافات إن أي حجر من الأحجار الذي سوف يسقط سوف يوقع الأحجار التي مرتبطة به والذي يليه ، كالارتباط على التوالي الذي يستخدم في الدوائر الكهربائية ، بمعنى أن هذه الأنظمة مرتبطة ببعضها بحيث إن انهيار احد هذه الأنظمة سوف يؤدي إلى انهيار الأنظمة الأخرى .

(***) نظرية الفوضى الخلاقة : والتي تعني تفعيل الفوضى والاضطرابات والقلاقل الاثنية والطائفية والمذهبية والعرقية والاجتماعية ... الخ في منطقة معينة وبالتالي تعم الفوضى المفتعلة والمخلوقة من قبل طرف يسعى إلى الاستفادة من هذه الفوضى ، وان أول من أطلق هذه النظرية هي كوندليزا رايس في عام 2005 في فترة رئاسة بوش الابن ، ولكن تعود جذور هذه النظرية إلى العديد من المفكرين مثل ميكيافيلي وليوشتراوس برنارد لويس وغيرهم من المفكرين العدوانيين .





****



هل الإسلام دين الدولة ؟


الطيب آيت حمودة

الحوار المتمدن - العدد: 3427 - 2011 / 7 / 15




وإن اختلفنا في تعريف الدولة وتجادلنا في ماهيتها ومجال عملها ، فإننا قد لا نختلف في كونها تعاقدٌ بين المجتمع في إيجاد وكيل ممثل لها ينوبها في تسيير أمورها ، وهو ترجمان لحالها وطموحها ، أو هي تعاقد بين المجتمع وهيئات الدولة في بلوغ المرامي المتوخاة التي قد يتفق المجتمع حولها ، ويرسم لها سبيلا لبلوغها ، وما نشهده اليوم على الساحة السياسية في الوطن العربي في اليمن وليبيا وسوريا ..وفي كل بقاع ما يعرف بالعالم العربي يشير إلى خلل في فهم كينونة الدولة التي يُعد المجتمع مُنشيءٌ لها من أجل تسيير أموره و لفائدته وليس لفائدة طغم نافذة فيه ، أو متحكمة مسيطرة على مواقع التنفيذ فيه ، وهو ما يجرني جرا إلى القول بأن أساس بناء الدول هي المجتمعات ، فبدون المجتمع لا يمكن أن تكون هناك دولة ، فما بال هؤلاء الحكام في أوطاننا يستأثرون بالدولة ومقدراتها لخنق الشعوب التي أوجدتهم ووضعتهم على رأسها ؟ .

**الدولة بلا دين ولا إيديولوجية ولا مذهبية .

يجب التفريق بين هيكل الدولة وهيئاتها، فالدولة هي هيكل بلا روح ، هي بنايات وقصور للحاكم ، هي هيكل للبرلمان بغرفتيه ، هي مبان وزارية في حي راق من العاصمة ، هي تنظيم إداري ، هي جيش يؤتمر ينفذ ، مع وجود رموز قيمية لهذه الدولة ، غير أن كل ما ذُكر سيُصبح عديم الجدوى في غياب الهيئات التي تشغلها ، بدأ من الرئيس أو الملك ، ومجموع الوزراء وموظفي الدولة الذين يشغلون المناصب المهيأة للدولة ، فهياكل الدولة ثابتةٌ ، المتغير فيها هي الهيئات .... فقد تزول الأنظمة ( الهيئات ) المعروفة بالسلط التشريعية والتنفيذية والقضائية وتبقى الدولة ، فلهذا يقال شعارا سنبني دولة لا تزول بزوال الرجال .

وتوضيحا أكثر ، فالدولة هي شبيهة بهيكل خلية النحل بتنظيمها المحكم ، أو هي بارجة بحرية ، أو طائرة محلقة ، أو سفينة شراعية ، أو جهاز تلفزيون ، أو حافلة متنقلة ، أو سيارة ، فالبارجة، والحافلة ، والطائرة ، والخلية وجهاز التلفاز هي أدوات ابتدعها الإنسان لتحسين حاله وأحواله ، وهي في خدمته ، وهي بدون عقيدة ولا مذهب ولا توجه سياسي ، فهي بلا طعم ولا لون أيديولوجي ، كل ما في الأمر أن مستعملي تلك الوسائل هم الذين سيصبغون عليها لونا وفكرا وإيديولوجية ومذهبا دينيا ، فالدولة دولة سواء كان ذلك في الصين عند البوذيين أو عند الهندوس الهنود أو البلوش المسلمين ، وهي نفسها وإن اختلفت في شيء من تنظيمها عند المسلمين في تركيا أو السعودية والجزائر غير أن هيئاتها الحاكمة هم الذين يميزونها ويحددون لها أدلجة وتوجها دينيا أو اقتصاديا أو سياسيا ، فجهاز التلفاز هيكل بلا روح ، فمحطات الإرسال وقنوات التلفاز هي التي تحدد محتوى المعرفة الذي يُرغب إيصاله إلى المشاهد المتلقي ، فلولا حيادية الجهاز لحجب الكثير من البرامج التي لا تروقه ولا تساير منهجه الحياتي والديني ..... ولولا حياديته لما وجد السلفيون ضالتهم في نشدان المزيد من الأتباع مستغلين في ذلك تكنولوجيا ( الكفار) عبر ترسانة من القنوات السلفية من ( الناس إلى الرحمة إلى العفاسي .....) .

** هل للدولة دين ؟

تقديري أنه لا يمكن أن تكون للطائرة ديانة ، ولا للسفينة ولا للقطار ديانة والتي بإمكانها أن تكون مرجعا أو خلفية لها ، وبنفس القياس يمكن القول بأن الدولة في طبيعتها محايدة في أمور الدين ، فلا يعقل أن تكون دولة منعزلة خاصة بالمسلمين فقط دون غيرهم ، كما أنه لا يمكن أن تكون دولة مسيحية بالمطلق دون وجود عقائد منافسة لها ولو داخل حيز الدولة ، كل ما في الأمر أن هناك أغلبية قد تكون مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو ملحدة أو بوذية أو هندوسية ، وفي كل الحالات يجب الحرص على حقوق الأقليات سواء أكانت عرقية أو ثقافية أو دينية أو مذهبية ، فلا يعقل أن نخصص طائرة لركوب المسلمين فقط دون غيرهم من بني البشر ! أو أننا نعزل السود عن البيض عند ركوب الحافلة ، أو مراقبة هوية ركاب القطار بحثا عن عقيدتهم الدينية .. ومن هنا يمكن القول بأن الدولة للجميع لا يمكن الاستحواذ عليها أو على مقدراتها لفائدة قوم دون آخر ولا لون دون الألوان المتواجدة بحيزها الجغرافي ، فالقول بأن الإسلام دين الدولة تعبير لا يستقيم وواقع الحال لأمرين أثنين هما : أن الدولة كهيكل مثلها مثل السيارة لا دين لها ولا عقل ولا توجه ، فالسائق ( القائد) هو الذي يوجهها الوجهة المطلوبة مثله مثل (ربابنة) السفن (وقادة) الطائرات .. الخ . وثانيها في أن القول بأن الإسلام دين الدولة هو إنكار للتنوع العقدي بين الناس ، ومحاولة لتغييب الآخرين المخالفين في الملة .

** التنوع سمة بشرية وهبة ربانية .

لا يمكن أن نكون جميعا مسلمين مؤمنين بنفس الدرجة ، كما لا يمكن أن نكون جميعا بمذهب ديني واحد ، فالاختلاف ظاهرة طبيعية بيولوجيا ولسانيا وعقديا وجغرافيا وثقافيا .... غير أن البعض يعترف بالتنوع نظريا وينكره فعليا تطبيقيا ، بصبغ الدولة بصباغ ديني أو إيديولوجي قسري لا يعبر عن إرادة الجميع التواق للاختلاف ، لهذا كثيرا ما ترتفع أصوات ناقمة على الدولة الشمولية المستلهم من فكرر المدرسة اليعقوبية الفرنسية ذات التوجه الواحد من أجل تحقيق التوحد القسري المصطنع ، فكيف يعقل أن نقول بأن الإسلام دين الدولة المصرية أو السورية ؟ أين حقوق المسيحيين وغيرهم.... ؟ وبنفس الحدة لا يمكن تلوين الجميع بصباغ العروبة كالقول ( مصر العربية ) لأن هذا اللون فيه تطفيف في الكيل ، وفيه شنآن ، وفيه شوفينية وإنكار الآخر ، وفيه بعث للفتنة والمعاملة بالمثل .

** الدولة المدنية هي الحل .... والعَلمانية ليست ضد الدين .

الدولة المدنية هي الأقدر على معاملة الجميع على قدر المساواة دون محاباة ، ففي ظلها تختفي النعرات العنصرية ، والاختلافات الدينية ، والنعرات المذهبية ... فالجميع يتساوى أمام القانون أمام دولة مدنية بلا لون أيديولوجي ولا ديني .... وبالرغم من بعض المسلمين المتشددين الذين يرون في الدولة المدنية ( كفرا) لعوز فكري أصابهم ، إلا أن بعض المتنورين أدركوا بأن سبيل الإقناع والدعوة بالتي هي أحسن هي السبيل الأنجع لإقناع البشر ، ويعجبني صهيب بن الشيخ مفتي مرسيليا سابقا قوله : لولا العلمانية لما بقي للإسلام وجود في ديار الغرب ، ولما قدرنا على مجاراة الفرنسيين وإقناعهم بقانونهم بتأسيس دور العبادة في عمقها الثقافي والديني ؟

** دول العرب شمولية تتبنى الإسلام شكلا لا مضمونا .

المطلع على الشأن السياسي العربي يدرك البون الشاسع الموجود بينها وبين الديموقراطية ، ويدرك عمق الهوة الموجودة بين التنظير والتطبيق ، ويكتشف بعدها أن ليس كل ما قيل قد قيل ، فقد مارست الأنظمة الأباطيل ، فالإسلام فيها مغيبٌ ، والليبرالية بديموقراطيتها شعارات بلا معنى ، والعدو الإسرائيلي عدو مفترض تأتي منه عائدات وريوع ، فهي دول أقيمت لصالح طغم فاسدة مارقة رهنت البلاد والعباد لخدمة قضايا أقلية دون الأغلبية ...ومرت حقب زمنية بلا جدوى ... وكان لزاما على المجتمعات أن تتحرك وتُشعر الأنظمة وتهز كيانها لتشعرها بكل السبل المتاحة بأنها السر في الأنظمة والحكومات ، فلا يمكن أن تنفلت السيادة دائما من المجتمع لصالح الأنظمة ... فقد حان للشعوب أن تسترد شرعيتها وسيادتها وتشعر الحكام بأنها هي السيد وليس الحكام ! ولعل في نجاح المد الثوري في اليمن وليبيا وسوريا كفيل بإعادة الشرعية لأصحابها الطبيعيين .

خلاصة القول أن الدولة يجب أن تكون بعيدة عن تبني أو افتعال الصراع الطبقي والإثني واللساني والديني ، فهي مطالبة بأن تكون راعية للجميع باختلافاتهم وتنوعهم ، وفي رعاية ومسايرة هذا التنوع تبرز قدرة الحكام في الحفاظ على التوازن دون إفراط ولا تفريط ، وكل انحياز لها يعد انفصاما للروابط ، وإفسادا للعلائق ، و فسخا للعقد الاجتماعي القائم بينها وبين المجتمع، وكل عجز لها سيؤدي إلى بلقنة البلاد وتشتيت العباد .



****


رموز القوى السياسية: «الإخوان» كشفت عن نيتها فى الانفراد بوضع الدستور

عادل الدرجلي

محمود رمزي

Fri, 15/07/2011 -


اتفقت القوى السياسية والحزبية وخبراء على أن جماعة الإخوان المسلمين كشفت عن رغبتها فى الانفراد بوضع الدستور الجديد، بإعلانها رفضها ما جاء فى بيان المجلس العسكرى من وضع قواعد حاكمة أو ضوابط لاختيار الهيئة التأسيسية التى ستتولى وضع الدستور.

قال حسين عبد الرازق، عضو المجلس الرئاسى بحزب التجمع، إن هذا الموقف غير مفاجئ لأن الإخوان لهم أجندة مختلفة عن كل القوى السياسية وتقوم على أساس إعلاء مصلحتهم الخاصة على المصلحة العامة. وأضاف أن الجماعة تراهن على أنها تستطيع صياغة الدستور القادم على هواها إذا ترك الأمر للجنة التأسيسية التى يشكلها البرلمان القادم والذى تتخيل الجماعة أنها ستحصد أغلبية مقاعده.

وقال نبيل زكى، المتحدث الرسمى لحزب التجمع، إن موقف جماعة الإخوان المسلمين الرافض يشير إلى أن الجماعة أصبحت تتحسس مسدسها كلما تطرق الحديث إلى الدستور وهذا لا يليق، وأضاف متسائلاً: «هل موقف الجماعة يدل على أنهم ما زالوا متمسكين بشعارهم القديم (القرآن دستورنا)؟!».

وأضاف مصطفى الجندى، عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، أن موقف الإخوان يبين نواياهم بأن يكون الدستور القادم هم من يحددونه، وهذا يبين شرعية مخاوفنا كمجموعات وقوى سياسية تنادى بالدولة المدنية المبنية على دستور يقوم على أسس الشريعة الإسلامية.

وأوضح الجندى أن الجماعة كانت ترغب فى الانفراد بالدستور وكل هذا يجعلنا نتمسك بالدستور أولاً، وهو ما سأطالب به داخل حزب الوفد لأن النوايا اتضحت الآن.

وقال أحمد دراج، المنسق العام المساعد للجمعية الوطنية للتغيير، إن موقف الجماعة يضع العديد من علامات الاستفهام أمام إصرارها على إجراء الانتخابات أولاً، ويعتبر نوعاً من التخبط السياسى وعدم مراعاة للواقع الحالى، وأشار إلى أن جماعة الإخوان تتصرف منذ فترة بطريقة بها نوع من الإقصاء لبعض القوى السياسية.

وأوضح دراج أن الجماعة لم تتعرف على أصول التعامل السياسى بعد، وأنها تتصرف بطريقة بها اضطراب.

وأضاف أن الجماعة لم يعد لها الدور الماضى وأكبر دليل على ذلك مشاركتها فى جمعة 8 يوليو فقط إلا أن الاعتصام بعد الجمعة حتى الجمعة الأخرى، والذى ساهم فى تحقيق بعض المطالب لم يكن للإخوان حضور فيه.

وقال الدكتور محمد أبو العلا، القيادى بالحزب الناصرى، إن المجلس العسكرى يريد تحقيق توازن بين القوى الوطنية على مستوى المشهد السياسى، بعد إعلانه وضع قواعد حاكمة لاختيار اللجنة التأسيسية التى تتولى وضع الدستور بعد توافق جميع القوى السياسية عليها، ويستهدف حسم الخلاف بينها حول الانتخابات البرلمانية أولا أم الدستور.

وحول رأيه فى رفض جماعة الإخوان المسلمين قرار المجلس العسكرى، قال أبو العلا: «هذا الرفض يكشف بالدليل القاطع أن الجماعة تريد الاستحواذ على البرلمان القادم، وتقوم من خلاله بالانفراد بوضع الدستور الجديد وإقصاء القوى السياسية عن معركة تحديد المصير».

وأكد أحمد رفعت، المتحدث باسم الحزب الناصرى، أن المخاوف من انفراد الإخوان بوضع الدستور الجديد على هواهم كلها أصبحت حقيقة بعد موقفها الأخير، والذى يؤكد رغبتها فى الانفراد بالسلطة وتعديل الدستور القادم.

وقال الدكتور عمرو هاشم ربيع، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إنه من الطبيعى أن تكون هناك قواعد حاكمة لاختيار المائة شخصية التى ستضع الدستور، ورفض «الإخوان» يدل على أنها تريد أن يكون لها اليد الطولى فى اختيار اللجنة بعد أن يكون لديها عدد كبير من أعضاء البرلمان.



****


المتفرج المنفعل


فادي عقلة

الحوار المتمدن - العدد: 3426 - 2011 / 7 / 14
 


من اجل الحرية تذكر أن كل إنسان له دور ... وانتم مدعون إلى القيام بدوركم.

إن وجود رئيس (نظام) يعمل ويفكر ضمن نطاق الطائفة والعشيرة والعائلة أي لا يقيم وزناً للآخر ، بل يعيش حالة استعلاء ونفور وكراهية لفكرة المجتمع المدني وحقوق الإنسان وحاجات الناس للعدالة والحرية والحقيقة ،في عالم يموج بالتغيرات السياسية والتحولات الاجتماعية التي ستغير وجه الدول والمجتمعات .

كان من الضروري على المتفرج المنفعل والمهتم والقارئ ، السؤال ، ما هو دور الأفراد في تشجيع حقوق الإنسان ..؟ ماذا تنوي أنت أن تقوم به في مجال احترام حقوق الإنسان ..؟

بالطبع يستطيع الأفراد الاضطلاع بدور رئيسي في تدعيم احترام حقوقهم ، باعتبارهم المستفيدين الأساسيين من هذه الحقوق .

ذلك،إلى جانب كونهم عناصر أساسية في تحقيقها.إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يطالب كل فرد وكل هيئة في المجتمع بتشجيع احترام حقوق الإنسان والسعي للاعتراف بها ، فبوسع كل فرد أن يقوم ،سواء بمفرده أوفي محيطه الاجتماعي أومن خلال المنظمات غير الحكومية ، ويضاف إليه حاليا التواصل الالكتروني ، بتشجيع التوعية بتلك الحقوق ، وبالحث على احترامها ، و أجبار الأنظمة على تطبيقها من خلال الوعي الشعبي .

حيث لا يمكن لجهود الأمم المتحدة في هذا المجال أن تلقى النجاح ، على المدى الطويل، إلا بالتآزر والاستجابة الفعالة من جانب كل إنسان يحترم رغبات الأمة العربية التواقة للممارسة الديمقراطية كوسيلة وأداة للحرية القادمة .