الثلاثاء، 30 أغسطس، 2011

بقية ملاحظات على مسلسل الحسن والحسين 2

ثم دخلت سنة ستين

ذكر بيعة يزيد

قيل : وفي رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه ، على ما سبق من الخلاف فيه ، فلما تولى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير ، ولم يكن ليزيد همة إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته ، فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية ، وكتابا آخر صغيرا فيه : أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا ، والسلام . فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه .

وكان مروان عاملا على المدينة من قبل

[ ص: 128 ] الوليد ، فلما قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارها ، فلما رأى الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه ، فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارما له حتى جاء نعي معاوية ، فلما عظم على الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر ، استدعى مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه ، واستشاره الوليد كيف يصنع .

قال : أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة ، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، أما ابن عمر فلا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا .

فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان ، وهو غلام حدث ، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما ، فوجدهما في المسجد وهما جالسان ، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال : أجيبا الأمير .

فقالا : انصرف ، الآن نأتيه .

وقال ابن الزبير للحسين : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟ فقال الحسين : أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر .

فقال : وأنا ما أظن غيره ، فما تريد أن تصنع ؟ قال الحسين : أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه .

قال : فإني أخافه عليك إذا دخلت .

قال : لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع .

فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه :

إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم .

ثم دخل فسلم ، ومروان عنده ، فقال الحسين :

الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ، وقد آن لكما أن تجتمعا ، أصلح الله ذات بينكما ، وجلس ، فأقرأه الوليد الكتاب ، ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة ، فاسترجع الحسين وترحم على معاوية وقال : أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سرا ولا يجتزأ بها مني سرا ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحدا .

فقال الوليد ، وكان يحب العافية : انصرف .

فقال له مروان : لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه .

فوثب

[ ص: 129 ] عند ذلك الحسين وقال : ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت ! ثم خرج حتى أتى منزله .

فقال مروان للوليد : عصيتني ، لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبدا ، فقال الوليد : وبخ غيرك يا مروان ، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا إن قال لا أبايع ، والله إني لأظن أن امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة .

قال مروان : قد أصبت . يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه .

وأما ابن الزبير فقال : الآن آتيكم .

ثم أتى داره فكمن فيها ، ثم بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز ، فألح عليه الوليد وهو يقول : أمهلوني .

فبعث إليه الوليد مواليه ، فشتموه وقالوا له : يا ابن الكاهلية لتأتين الأمير أو ليقتلنك ! فقال لهم : والله لقد استربت لكثرة الإرسال ، فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه .

فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير ، فقال : رحمك الله ، كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته وهو يأتيك غدا إن شاء الله تعالى ، فمر رسلك فلينصرفوا عنه .

فبعث إليهم فانصرفوا .

وخرج ابن الزبير من ليلته فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وسارا نحو مكة ، فسرح الرجال في طلبه فلم يدركوه ، فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم ، ثم أرسل الرجال إلى الحسين فقال لهم : أصبحوا ثم ترون ونرى ، وكانوا يبقون عليه ، فكفوا عنه ، فسار من ليلته :

وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة ، وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد ابن الحنفية فإنه قال له : يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أذخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك ، تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت وابعث رسلك إلى الناس وادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك ، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك ، إني أخاف أن تأتي مصرا وجماعة من الناس فيختلفوا

[ ص: 130 ] عليك ، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك ، فيقتتلون فتكون لأول الأسنة ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا .

قال الحسين : فأين أذهب يا أخي ؟ قال : انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ذلك ، وإن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، ويفرق لك الرأي ، فإنك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا ، ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها .

قال : يا أخي قد نصحت وأشفقت ، وأرجو أن يكون رأيك سديدا وموفقا إن شاء الله .

ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرغ :


لا ذعرت السوام في شفق الصب ح مغيرا ولا دعيت يزيدا

يوم أعطى من المهانة ضيما
والمنايا يرصدنني أن أحيدا

ولما سار الحسين نحو مكة قرأ : فخرج منها خائفا يترقب الآية . فلما دخل مكة قرأ : ولما توجه تلقاء مدين الآية .

ثم إن الوليد أرسل إلى ابن عمر ليبايع فقال : إذا بايع الناس بايعت ، فتركوه وكانوا لا يتخوفونه .

وقيل : إن ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة فعادا إلى المدينة ، فلقيهما الحسين وابن الزبير فسألاهما : ما وراءكما ؟ فقالا : موت معاوية وبيعة يزيد . فقال ابن [ ص: 131 ] عمر : لا تفرقا جماعة المسلمين .

وقدم هو وابن عباس المدينة .

فلما بايع الناس بايعا .

قال : ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد ، فلما دخلها قال : أنا عائذ بالبيت .

ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم ، وكان يقف هو وأصحابه ناحية .

ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمرو بن سعيد

في هذه السنة عزل الوليد بن عتبة عن المدينة ، عزله يزيد ، واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق ، فقدمها في رمضان ، فدخل عليه أهل المدينة ، وكان عظيم الكبر ، واستعمل على شرطته عمرو بن الزبير لما كان بينه وبين أخيه عبد الله من البغضاء ، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا لهواهم في أخيه عبد الله ، منهم : أخوه المنذر بن الزبير ، وابنه محمد بن المنذر ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ، ومحمد بن عمار بن ياسر ، وغيرهم ، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين .

فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى أخيه .

فقال : لا توجه إليه رجلا أنكأ له مني .

فجهز معه الناس وفيهم أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة ، فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له : لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر وله ستون سنة وهو لجوج .

فقال عمرو بن الزبير : والله لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم .

وأتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له : لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما أذن لي بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس . فقال له عمرو : نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ . فسار أنيس في مقدمته .

وقيل : إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله ، ففعل ، فأرسله ومعه جيش نحو ألفي رجل ، فنزل أنيس بذي طوى ونزل عمرو بالأبطح ، فأرسل عمرو إلى أخيه : بر يمين يزيد ، وكان حلف أن لا يقبل بيعته إلا أن يؤتي به في

[ ص: 132 ] جامعة ، ويقال : حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى ، ولا يضرب الناس بعضهم بعضا فإنك في بلد حرام .

فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه ، فهزمه ابن صفوان بذي طوى وأجهز على جريحهم وقتل أنيس بن عمرو وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير ، فتفرق عن عمرو أصحابه ، فدخل دار ( ابن ) علقمة ، فأتاه أخوه عبيدة فأجاره ، ثم أتى عبد الله فقال له : إني قد أجرت عمرا ، فقال : أتجير من حقوق الناس ! هذا ما لا يصلح وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله .

ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا ، ومات تحت السياط .


ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين بن علي ليسير إليهم وقتل مسلم بن عقيل

لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له : جعلت فداك ! أين تريد ؟ قال : أما الآن فمكة ، وأما بعد فإني أستخير الله .

قال خار الله لك وجعلنا فداك ! فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشئومة ، بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه ، الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب ، لا تفارق الحرم ، فداك عمي وخالي ! فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك .

فأقبل حتى نزل مكة وأهلها مختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق ، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي الحسين فيمن يأتيه ولا يزال يشير عليه بالرأي ، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير ، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ( ما دام الحسين باقيا ) بالبلد .

ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة

[ ص: 133 ] أرجفوا بيزيد ، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد ( الخزاعي ، فذكروا مسير الحسين إلى مكة وكتبوا إليه عن نفر ، منهم : سليمان بن صرد الخزاعي ) ، والمسيب بن نجبة ، ورفاعة بن شداد وحبيب بن مطهر وغيرهم :

بسم الله الرحمن الرحيم ، سلام عليك ، فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها ، وغصبها فيئها ، وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، وإنه ليس علينا إمام فأقبل ؛ لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد ، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .

وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال ، ثم كتبوا إليه كتابا آخر وسيروه بعد ليلتين ، فكتب الناس معه نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثونه على المسير إليهم ، ثم كتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي بذلك .

فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده : أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكا إن شاء الله ، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحق ، والسلام .

واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعد ، وكانت تتشيع ، وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه .

فعزم يزيد بن نبيط على

[ ص: 134 ] الخروج إلى الحسين ، وهو من عبد القيس ، وكان له بنون عشرة ، فقال : أيكم يخرج معي ؟ فخرج معه ابنان له : عبد الله وعبيد الله ، فساروا فقدموا عليه بمكة ثم ساروا معه فقتلوا معه .

ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف ، فإن رأى الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك .

فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وودع أهله واستأجر دليلين من قيس ، فأقبلا به ، فضلا الطريق وعطشوا ، فمات الدليلان من العطش وقالا لمسلم : هذا الطريق إلى الماء .

فكتب مسلم إلى الحسين : إني أقبلت إلى المدينة واستأجرت دليلين فضلا الطريق واشتد عليهما العطش فماتا ، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا ، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت ، وقد تطيرت ، فإن رأيت أعفيتني وبعثت غيري .

فكتب إليه الحسين : أما بعد فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي إلا الجبن ، فامض لوجهك ، والسلام .

فسار مسلم حتى أتى الكوفة ونزل في دار المختار ، وقيل غيرها ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، فكلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة ، واختلفت [ إليه ] الشيعة حتى علم بمكانه وبلغ ذلك النعمان بن بشير ، وهو أمير الكوفة ، فصعد المنبر فقال : أما بعد فلا تسارعو ا إلى الفتنة والفرقة ، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال .

وكان حليما ناسكا يحب العافية ، ثم قال : إني لا أقاتل من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب علي ، ولا أنبه نائمكم ، ولا أتحرش بكم ، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ، ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، و [ لو ] لم يكن منكم ناصر ولا معين ، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل .

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال : إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم ، إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين .

فقال : أكون من [ ص: 135 ] المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله .

ونزل . فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة ومبايعة الناس له ، ويقول له : إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف .

وكان هو أول من كتب إليه ، ثم كتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة وعمرو بن سعد بن أبي وقاص بنحو ذلك .

فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية فأقرأه الكتب واستشاره فيمن يوليه الكوفة ، وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد ، فقال له سرجون : أرأيت لو نشر لك معاوية كنت تأخذ برأيه ؟ قال : نعم .

قال : فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة .

فقال : هذا رأي معاوية ، ومات وقد أمر بهذا الكتاب .

فأخذ برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله وكتب إليه بعهده وسيره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة ، فأمره بطلب مسلم بن عقيل وبقتله أو نفيه .

فلما وصل كتابه إلى عبيد الله أمر بالتجهز ليبرز من الغد .

وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخة واحدة إلى الأشراف ، فكتب إلى مالك بن مسمع البكري ، والأحنف بن قيس ، والمنذر بن الجارود ، ومسعود بن عمرو ، وقيس بن الهيثم ، وعمر بن عبد الله بن معمر ، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت ، فكلهم كتموا كتابه إلا المنذر بن الجارود فإنه خاف أن يكون دسيسا من ابن زياد ، فأتاه بالرسول والكتاب فضرب عنق الرسول وخطب الناس وقال :

أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة ، وما يقعقع لي بالشنان ، وإني لنكل لمن عاداني وسهم لمن حاربني ، وأنصف القارة من راماها ، يا أهل البصرة إن أمير

[ ص: 136 ] المؤمنين قد ولاني الكوفة وأنا غاد إليها بالغداة وقد استخلف عليكم أخي عثمان بن زياد ، فإياكم والخلاف والإرجاف ، فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى ، حتى تستقيموا ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق ، وإني أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى فلم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم .

ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته ، وكان شريك شيعيا ، وقيل : كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه ، فكان أول من سقط شريك ، ورجوا أن يقف عليهم ويسبقه الحسين إلى الكوفة فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده ، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكون أنه الحسين فيقولون : مرحبا بك يا ابن رسول الله ! وهو لا يكلمهم ، وخرج إليه الناس من دورهم ، فساءه ما رأى منهم ، وسمع النعمان فأغلق عليه الباب وهو لا يشك أنه الحسين ، وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون ، فقال له النعمان : أنشدك الله ألا تنحيت عني ! فوالله ما أنا بمسلم إليك أمانتي وما لي في قتالك من حاجة ! فدنا منه عبيد الله وقال له : افتح لا فتحت ! فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس وقال لهم : إنه ابن مرجانة .

ففتح له النعمان فدخل ، وأغلقوا الباب وتفرق الناس ، وأصبح فجلس على المنبر ، وقيل : بل خطبهم من يومه فقال : أما بعد فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متبع فيكم أمره ، ومنفذ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم كالوالد البر ، ولمطيعكم كالأخ الشقيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي ، فليبق امرؤ على نفسه .

ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا وقال : اكتبوا إلي الغرباء ومن فيكم

[ ص: 137 ] من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم إلي فبريء ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله ، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وألقيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة . ثم نزل .

وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادي فدخل بابه واستدعى هانئا ، فخرج إليه ، فلما رآه كره مكانه فقال له مسلم : أتيتك لتجيرني وتضيفني .

فقال له هانئ : لقد كلفتني شططا ، ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني ، غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ، ادخل .

فآواه ، فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ .

ودعا ابن زياد مولى له ، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له : اطلب مسلم بن عقيل وأصحابه والقهم وأعطهم هذا المال وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم .

ففعل ذلك وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي بالمسجد فسمع الناس يقولون : هذا يبايع للحسين ، وهو يصلي ، فلما فرغ من صلاته قال له : يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت ، وهذه ثلاث آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سمعت نفرا يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه .

فقال : لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه ، وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر مني قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته .

فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن ، واختلف إليه أياما ليدخله على مسلم بن عقيل .

[ ص: 138 ] ومرض هانئ بن عروة ، فأتاه عبيد الله يعوده ، فقال له عمارة بن عبد السلولي : إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية وقد أمكنك الله فاقتله . فقال هانئ : ما أحب أن يقتل في داري . وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج ، فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور ، وكان قد نزل على هانئ وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء ، وكان شديد التشيع ، قد شهد صفين مع عمار ، فأرسل إليه عبيد الله : إني رائح إليك العشية .

فقال لمسلم : إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس اخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه ، فإن برأت من وجعي سرت إلى البصرة حتى أكفيك أمرها . فلما كان من العشي أتاه عبيد الله ، فقام مسلم بن عقيل ليدخل ، فقال له شريك : لا يفوتنك إذا جلس .

فقال هانئ بن عروة : لا أحب أن يقتل في داري .

فجاء عبيد الله فجلس وسأل شريكا عن مرضه ، فأطال ، فلما رأى شريك أن مسلما لا يخرج خشي أن يفوته فأخذ يقول :


ما تنظرون بسلمى لا تحيوها اسقونيها وإن كانت بها نفسي


فقال ذلك مرتين أو ثلاثا ، فقال عبيد الله : ما شأنه ؟ أترونه يخلط ؟ فقال له هانئ : نعم ، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه ، فانصرف .

وقيل : إن شريكا لما قال اسقونيها وخلط كلامه فطن به مهران فغمز عبيد الله فوثب ، فقال له شريك : أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك .

فقال : أعود إليك .

فقال له مهران : إنه أراد قتلك .

فقال : وكيف مع إكرامي له وفي بيت هانئ ويد أبي عنده ؟ فقال له مهران : هو ما قلت لك .

فلما قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل ، فقال له شريك : ما منعك من قتله ؟ قال : خصلتان ، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في منزله ، وأما الأخرى فحديث حدثه علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الإيمان قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن بمؤمن .

فقال له هانئ : لو

[ ص: 139 ] قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا !

ولبث شريك بعد ذلك ثلاثا ثم مات ، فصلى عليه عبيد الله .

فلما علم عبيد الله أن شريكا كان حرض مسلما على قتله قال : والله لا أصلي على جنازة عراقي أبدا ، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا .

ثم إن مولى ابن زياد الذي دسه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة بعد موت شريك ، فأدخله على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وقبض ماله وجعل يختلف إليهم ويعلم أسرارهم ، وينقلها إلى ابن زياد .

وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض ، فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة ، وقيل : دعا معهما بعمرو بن الحجاج الزبيدي فسألهم عن هانئ وانقطاعه ، فقالوا : إنه مريض .

فقال : بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برأ ، فالقوه فمروه أن لا يدع ما عليه في ذلك .

فأتوه فقالوا له : إن الأمير قد سأل عنك وقال : لو أعلم أنه شاك لعدته ، وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك ، وقد استبطأك ، والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لو ركبت معنا .

فلبس ثيابه وركب معهم .

فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر فقال لحسان بن أسماء بن خارجة : يا ابن أخي إني لهذا الرجل لخائف ، فما ترى ؟ فقال : ما أتخوف عليك شيئا فلا تجعل على نفسك سبيلا ، ولم يعلم أسماء مما كان شيئا .

وأما محمد بن الأشعث فإنه علم به ، قال : فدخل القوم على ابن زياد وهانئ معهم ، فلما رآه ابن زياد قال لشريح القاضي : أتتك بحائن رجلاه ، فلما دنا منه قال عبيد الله :

أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد

وكان ابن زياد مكرما له ، فقال هانئ : وما ذاك ؟ فقال : يا هانئ ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين ! جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علي ! قال : ما فعلت .

قال : بلى .

وطال [ ص: 140 ] بينهما النزاع ، فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين ، فجاء حتى وقف بين يديه ، فقال : أتعرف هذا ؟ قال : نعم ، وعلم هانئ أنه كان عينا عليهم ، فسقط في يده ساعة ثم راجعته نفسه ، قال : اسمع مني وصدقني ، فوالله لا أكذبك ، والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسا على بابي يسألني النزول علي ، فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضفته ، وقد كان من أمره الذي بلغك ، فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن به ورهينة تكون في يدك حتى أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك . فقال : لا والله .

لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال : لا آتيك بضيفي تقتله أبدا .

فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي ، وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره ، فقال : خلني وإياه حتى أكلمه ، لما رأى من لجاجه ، وأخذ هانئا وخلا به ناحية من ابن زياد بحيث يراهما ، فقال له : يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك ! إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان ! قال : بلى والله إن علي في ذلك خزيا وعارا ، لا أدفع ضيفي وأنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان ، والله لو كنت واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه .

فسمع ابن زياد ذلك فقال : أدنوه مني .

فأدنوه منه .

فقال : والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك ! قال : إذن والله تكثر البارقة حول دارك ! وهو يرى أن عشيرته ستمنعه .

فقال : أبالبارقة تخوفني ؟

وقيل إن هانئا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينا لعبيد الله علم أنه قد أخبره الخبر فقال : أيها الأمير قد كان الذي بلغك ، ولن أضيع يدك عندي وأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت .

فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم على رأسه وفي يده معكزة ، فقال : واذلاه ! هذا الحائك يؤمنك في سلطانك ! فقال : خذه ، فأخذ مهران ضفيرتي هانئ وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه ، فقال له عبيد الله : أحروري [ ص: 141 ] أحللت بنفسك وحل لنا قتلك ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق عليه .

فقام إليه أسماء بن خارجة فقال : أرسله يا غادر ! أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله .

فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ثم ترك فجلس .

فأما ابن الأشعث فقال : رضينا بما رأى الأمير ، لنا كان أو علينا .

وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاطوا بالقصر ، ونادى : أنا عمرو بن الحجاج ، هذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة . فقال عبيد الله لشريح القاضي ، وكان حاضرا :

ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي . ففعل شريح ، فلما دخل عليه قال له هانئ : يا للمسلمين ! أهلكت عشيرتي ؟ أين أهل الدين ؟ أين أهل النصر ؟ أيخلونني وعدوهم وابن عدوهم ! وسمع الضجة فقال : يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني . فخرج شريح ومعه عين أرسله ابن زياد ، قال شريح : لولا مكان العين لأبلغتهم قول هانئ .

فلما خرج شريح إليهم قال : قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يقتل .

فقال عمرو وأصحابه :

فأما إذ لم يقتل فالحمد لله ! ثم انصرفوا .

وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه : يا منصور أمت ! وكان شعارهم ، وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفا وحوله في الدور أربعة آلاف ، فاجتمع إليه ناس كثير ، فعقد مسلم لعبد الله بن عزيز الكندي على ربع كندة وقال : سر أمامي ، وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد ، وعقد لأبي ثمامة الصائدي على

[ ص: 142 ] ربع تميم وهمدان ، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة ، وأقبل نحو القصر .

فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر .

وأغلق الباب ، وأحاط مسلم بالقصر وامتلأ المسجد والسوق من الناس وما زالوا يجتمعون حتى المساء ، وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من الأشراف وأهل بيته ومواليه ، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين والناس يسبون ابن زياد وأباه .

فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم ، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس ، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم لقلة من معه .

وخرج أولئك النفر يخذلون الناس ، وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل المعصية ، ففعلوا ، فلما سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول : انصرف ، الناس يكفونك ، ويفعل الرجل مثل ذلك ، فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا .

فلما رأى ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة ، فلما خرج إلى الباب لم يبق معه أحد ، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ، فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا ، وكان بلال قد خرج مع الناس وهي تنتظره ، فسلم عليها ابن عقيل وطلب الماء فسقته ، فجلس ، فقالت له : يا عبد الله ألم تشرب ؟ قال : بلى .

قالت : فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، فقالت له ثلاثا فلم يبرح ، فقالت : سبحان الله ! إني لا أحل لك الجلوس على بابي .

فقال لها : ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي أكافئك به بعد اليوم ؟ قالت : وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذبني هؤلاء القوم وغروني . قالت : ادخل .

فأدخلته بيتا في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يتعش .

وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت ، فقال لها : إن لك لشأنا في ذلك البيت

[ ص: 143 ] وسألها فلم تخبره ، فألح عليها فأخبرته واستكتمته وأخذت عليه الأيمان بذلك ، فسكت .

وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات قال لأصحابه : انظروا هل ترون منهم أحدا ؟ فنظروا فلم يروا أحدا ، فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول المنبر وأمر فنودي : [ ألا ] برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد .

فامتلأ المسجد ، فصلى بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال : أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومن أتانا به فله ديته .

وأمرهم بالطاعة ولزومها ، وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور ، وكان على الشرط ، وهو من بني تميم .

ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله على الناس ، فلما أصبح جلس للناس .

ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل ، فأتى عبد الرحمن أباه ، وهو عند ابن زياد ، فأسر إليه بذلك ، فأخبر به محمد ابن زياد ، فقال له ابن زياد : قم فأتني به الساعة ، وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل . فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أتي ، فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا ، وضرب بكير بن حمران الأحمري فم مسلم فقطع شفته العليا وسقطت ثنيتاه ، وضربه مسلم على رأسه وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه .

فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة ، فقال له محمد بن الأشعث : لك الأمان فلا تقتل نفسك ! فأقبل يقاتلهم وهو يقول :


أقسمت لا أقتل إلا حرا وإن رأيت الموت شيئا نكرا
أو يخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقرا
كل امرئ يوما يلاقي شرا أخاف أن أكذب أو أغرا


[ ص: 144 ] فقال له محمد : إنك لا تكذب ولا تخدع ، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك .

وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال ، فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار ، فآمنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي فإنه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل ، وأتي ببغلة فحمل عليها وانتزعوا سيفه ، فكأنه أيس من نفسه ، فدمعت عيناه ثم قال : هذا أول الغدر .

قال محمد : أرجو أن لا يكون عليك بأس .

قال : وما هو إلا الرجاء ، أين أمانكم ؟ ثم بكى فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي : من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ؟ ! فقال : ما أبكي لنفسي ولكني أبكى لأهلي المنقلبين إليكم ، أبكي للحسين وآل الحسين .

ثم قال لمحمد بن الأشعث : إني أراك ستعجز عن أماني فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ؟ فقال له ابن الأشعث : والله لأفعلن ! ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين ، فلقيه الرسول بزبالة فأخبره ، فقال :

كلما قدر نازل عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا
.

وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه بايعه ثمانية عشر ألفا ويستحثه للقدوم .

وأما مسلم فإن محمدا قدم به القصر ، ودخل محمد على عبيد الله فأخبره وأمانه له ، فقال له عبيد الله : ما أنت والأمان ! ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به ! فسكت محمد ، ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ماء بارد ، فقال : اسقوني من هذا الماء .

فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها ! والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم ! فقال له ابن عقيل : من أنت ؟ قال : أنا من عرف الحق إذ [ ص: 145 ] تركته ، ونصح الأمة والإمام إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته ، أنا مسلم بن عمرو .

فقال له ابن عقيل : لأمك الثكل ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك ! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني ! قال : فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح فأخذ ليشرب فامتلأ القدح دما ، ففعل ذلك ثلاثا ، فقال : لو كان من الرزق المقسوم شربته .

وأدخل على ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمارة ، فقال له الحرسي : ألا تسلم على الأمير ؟ فقال : إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه ، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه .

فقال له ابن زياد : لعمري لتقتلن ! فقال : كذلك ؟ قال نعم . قال : فدعني أوصي إلى بعض قومي .

قال : افعل .

فقال لعمرو بن سعد : إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر ، فلم يمكنه من ذكرها ، فقال له ابن زياد : لا تمتنع من حاجة ابن عمك .

فقام معه فقال : إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني وانظر جثتي فاستوهبها فوارها وابعث إلى الحسين من يرده .

فقال عمر لابن زياد : إنه قال كذا وكذا

فقال ابن زياد : لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن ، أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت ، وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده ، وإن أرادنا لم نكف عنه ، وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها ، وقيل إنه قال : أما جثته فإنا إذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها .

ثم قال لمسلم : يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم ! فقال : كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب والسنة .

فقال : وما أنت وذاك يا فاسق ؟ ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة ؟ قال : أنا أشرب الخمر ! والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق ، وأني لست كما ذكرت ، وإن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين ، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة ، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا .

فقال له ابن زياد : قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام ! قال : أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه ، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك .

فشتمه ابن زياد وشتم

[ ص: 146 ] الحسين وعليا وعقيلا ، فلم يكلمه مسلم ، ثم أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده ، فقال مسلم لابن الأشعث : والله لولا أمانك ما استسلمت ، قم بسيفك دوني ، قد أخفرت ذمتك .

فأصعد مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبح ، وأشرف به على موضع الحدائين فضربت عنقه ، وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم ، ثم أتبع رأسه جسده .

فلما نزل بكير قال له ابن زياد : ما كان يقول وأنتم تصعدون به ؟ قال : كان يسبح ويستغفر ، ( فلما أدنيته لأقتله ) قلت له : ادن مني ، الحمد لله الذي ( أمكن منك ) وأقادني منك ! فضربته ضربة لم تغن شيئا ، فقال : أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد ؟ فقال ابن زياد : وفخرا عند الموت ! قال : ثم ضربته الثانية فقتلته .

وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانئ وقال له : قد عرفت منزلته في المصر وبيته ، وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك ، فأنشدك الله لما وهبته لي فإني أكره عداوة قومه :

فوعده أن يفعل .

فلما كان من مسلم ما كان ، بدا له فأمر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه ، قتله مولى تركي لابن زياد ، قال : فبصر به عبد الرحمن بن الحصين المرادي بعد ذلك بخازر مع ابن زياد فقتله .

فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتل هانئ ومسلم ، وقيل قاله الفرزدق ، ( الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة ) :


فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه وآخر يهوي من طمار قتيل


وهي أبيات . وبعث ابن زياد برأسيهما إلى يزيد ، فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له : وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق ، فضع المراصد والمسالح واحترس واحبس

[ ص: 147 ] على التهمة وخذ على الظنة ، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك .

وقيل : وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين ، وقيل : لتسع مضين منه ، قيل وكان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، فطلبهما ابن زياد وحبسهما ، وكان فيمن قاتل مسلما محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي التميمي والقعقاع بن شور ، وجعل شبث يقول : انتظروا بهم الليل يتفرقوا ، فقال له القعقاع : إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم فافرج لهم يتفرقوا .



ذكر مسير الحسين إلى الكوفة

قيل لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة فقال له : إني أتيتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك ، فإن كنت ترى أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها ، وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد .

فقال له : قل ، فوالله ما أستغشك وما أظنك بشيء من الهوى . قال له : قد بلغني أنك تريد العراق ، وإني مشفق عليك ، إنك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال ، وإنما الناس عبيد الدنيا والدرهم ، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه .

فقال له الحسين : جزاك الله خيرا يا ابن عم ، فقد علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل ، ومهما يقض من أمر يكن ، أخذت برأيك أو تركته ، فأنت عندي أحمد مشير ، وأنصح ناصح .

قال : وأتاه عبد الله بن عباس فقال له : قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبين لي ما أنت صانع ؟ فقال له : قد أجمعت السير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى .

فقال له ابن عباس : فإني أعيذك بالله من ذلك ، خبرني ، رحمك الله ، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم ؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم ، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى

[ ص: 148 ] الحرب ، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك . فقال الحسين : فإني أستخير الله وأنظر ما يكون .

فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال : ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم ، خبرني ما تريد أن تصنع ؟ فقال الحسين : لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ، ولقد كتبت إلي شيعتي بها وأشراف الناس وأستخير الله .

فقال له ابن الزبير : أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها .

ثم خشي أن يتهمه فقال له : أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا لما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك .

فقال له الحسين : إن أبي حدثني أن لها كبشا به تستحل حرمتها ، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش .

قال : فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى .

قال : ولا أريد هذا أيضا

ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا ، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ندري ، جعلنا الله فداك ! قال : إنه يقول : أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس ، ثم قال له الحسين : والله لئن أقتل خارجا منها بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها ، ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجا منها بشبر ، وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم ! والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت :

فقام ابن الزبير فخرج من عنده .

فقال الحسين : إن هذا ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز ، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له .

قال : فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال : يا ابن عم ، إني أتصبر ولا أصبر ، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم ، أقم في هذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم أقدم عليهم ، فإن أبيت [ ص: 149 ] إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا ، وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن الناس في عزلة ، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاءك ، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية .

فقال له الحسين : يا ابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ، وقد أزمعت وأجمعت المسير .

فقال له ابن عباس : فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه .

ثم قال له ابن عباس : لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك ، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت ، لفعلت ذلك .

ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال : قرت عينك يا ابن الزبير ! ثم أنشد قائلا :


يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز .

قيل : وكان الحسين يقول : والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم المرأة .

قال : والفرم خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت .

ثم خرج الحسين يوم التروية ، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص ، وهو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى ، يمنعونه ، فأبى عليهم ومضى ، وتضاربوا بالسياط ، وامتنع الحسين وأصحابه وساروا فمروا بالتنعيم ، فرأى بها عيرا قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية ، وكان عامله على اليمن ، وعلى العير الورس والحلل ، فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل : من أحب [ ص: 150 ] منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء ، فمن فارق منهم أعطاه حقه ، ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه .

ثم سار ، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر فقال له :

أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب .

فقال له الحسين : بين لي خبر الناس خلفك .

قال : الخبير سألت ، قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء . فقال الحسين : صدقت ، لله الأمر يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته ، والتقوى سريرته .

قال : وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد ، وفيه : أما بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ، فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير فإني في إثر كتابي ، والسلام .

وقيل : وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له : اكتب للحسين كتابا تجعل له الأمان فيه وتمنيه فيه البر والصلة واسأله الرجوع .

وكان عمرو عامل يزيد على مكة ، ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر ، فلحقاه وقرآ عليه الكتاب وجهدا أن يرجع ، فلم يفعل ، وكان مما اعتذر به إليهما أن قال : إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرت فيها بأمر أنا ماض له ، علي كان أو لي .

فقالا : ما تلك الرؤيا ؟ قال : ما حدثت بها أحدا وما أنا محدث بها أحدا حتى ألقى ربي .

ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي

[ ص: 151 ] صاحب شرطته فنزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان ، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع . فلما بلغ الحسين الحاجز كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم ، فلما انتهى قيس إلى القادسية أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي .

فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه ، ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي .

فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطع فمات .

ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب ، فإذا عليه عبد الله بن مطيع ، فلما رآه قام إليه فقال : بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله ! ما أقدمك ؟ فاحتمله فأنزله ، فأخبره الحسين ، فقال له عبد الله : أذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك ، أنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا ، والله إنها لحرمة الإسلام [ تنتهك ] وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية ! فأبى إلا أن يمضي .

وكان زهير بن القين البجلي قد حج ، وكان عثمانيا ، فلما عاد جمعهما الطريق ، وكان يساير الحسين من مكة إلا أنه لا ينزل معه ، فاستدعاه يوما الحسين فشق عليه ذلك ثم أجابه على كره ، فلما عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثم قال لأصحابه : من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد ، وسأحدثكم حديثا ، غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا : إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من [ ص: 152 ] الغنائم ، فأما أنا فأستودعكم الله ! ثم طلق زوجته وقال لها : الحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك في سببي إلا خير .

ولزم الحسين حتى قتل معه .

وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية فقال له بعض أصحابه : ننشدك إلا رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك ! فوثب بنو عقيل وقالوا : والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم ! فقال الحسين : لا خير في العيش بعد هؤلاء :

فقال له بعض أصحابه : إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع .

ثم ارتحلوا فانتهوا إلى زبالة ، وكان لا يمر بماء إلا اتبعه من عليه حتى انتهى إلى زبالة ، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر ، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله ، فأخذته خيل الحصين ، فسيره من القادسية إلى ابن زياد ، فقال له : اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي .

فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد وأباه ، فألقاه من القصر فتكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه فلما عيب ذلك عليه قال : إنما أردت أن أريحه .

قال بعضهم : لم يكن الذي ذبحه عبد الملك بن عمير ولكنه رجل يشبه عبد الملك .

فلما أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك وقال : قد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام .

فتفرقوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة ، وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا علام يقدمون .

ثم سار حتى نزل بطن العقبة ، فلقيه رجل من العرب فقال له : أنشدك الله لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف ، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأيا ، فأما على

[ ص: 153 ] هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل .

فقال : إنه لا يخفى علي ما ذكرت ولكن الله ، عز وجل ، لا يغلب على أمره .

ثم ارتحل منها .



****





ثم دخلت سنة إحدى وستين

ذكر مقتل الحسين ، رضي الله عنه

وسار الحسين بن شراف ، فلما انتصف النهار كبر رجل من أصحابه ، فقال له : مم كبرت ؟ قال : رأيت النخل .

فقال رجلان من بني أسد : ما بهذه الأرض نخلة قط ! فقال الحسين : فما هو ؟ فقالا : لا نراه إلا هوادي الخيل .

فقال : وأنا أيضا أراه ذلك .

وقال لهما : أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقالا : بلى ، هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد .

فمال إليه ، فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا إليهم ، فسبقهم الحسين إلى الجبل فنزل ، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي ، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في حر الظهيرة ، فقال الحسين لأصحابه وفتيانه : اسقوا [ ص: 158 ] القوم ورشفوا الخيل ترشيفا .

ففعلوا ، وكان مجيء القوم من القادسية ، أرسلهم الحصين بن نمير التميمي في هذه الألف يستقبل الحسين ، فلم يزل مواقفا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر ، فأمر الحسين مؤذنه بالأذان فأذن ، وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم ، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن أقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى ، فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم ، وإن لم تفعلوا أو كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه .

فسكتوا وقالوا للمؤذن : أقم ، فأقام ، وقال الحسين للحر : أتريد أن تصلي أنت بأصحابك ؟ فقال : بل صلي أنت ونصلي بصلاتك .

فصلى بهم الحسين ، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه ، ثم صلى بهم الحسين العصر ، ثم استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم .

فقال الحر : إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر .

فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين أيديهم .

فقال الحر : فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد .

فقال الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ! ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحر من ذلك .

فقال له الحسين : ثكلتك أمك ! ما تريد ؟ قال له : أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنا من كان ، ولكني والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه .

فقال له الحسين : ما تريد ؟ قال الحر : أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد .

قال الحسين : إذن والله لا أتبعك .

قال الحر : إذن والله لا أدعك .

فترادا الكلام ، فقال له الحر : إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، [ فإذا أبيت ] فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة حتى

[ ص: 159 ] أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعل الله يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك .

فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحر يسايره .

ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله .

ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غير ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم ، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي ابن L129 فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهلكم ، فلكم في أسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل ، والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم ، والسلام .

فقال له الحر : إني أذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن .

فقال له الحسين : أبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟ وما أدري ما أقول لك ! ولكني أقول كما قال أخو الأوسي لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : أين تذهب ؟ فإنك مقتول فقال :



سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما     وواسى رجالا صالحين بنفسه
وخالف مثبورا وفارق مجرما     فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم
كفى بك ذلا أن تعيش وترغما


[ ص: 160 ] فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه فكان يسير ناحية عنه حتى انتهى إلى عذيب الهجانات ، كان به هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها ، فإذا هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي وانتهوا إلى الحسين ، فأقبل إليهم الحر وقال : إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم .

فقال الحسين : لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي ، إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي ، فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك .

فكف الحر عنهم ، فقال لهم الحسين : أخبروني في خبر الناس خلفكم .

فقال له مجمع بن عبيد الله العائذي ، وهو أحدهم : أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم ، وملئت غرائرهم ، فهم ألب واحد عليك ، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك .

وسألهم عن رسوله قيس بن مسهر ، فأخبروه بقتله وما كان منه ، فترقرقت عيناه بالدموع ولم يملك دمعته ، ثم قرأ : فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك .

وقال له الطرماح بن عدي : والله ما أرى معك كثير أحد ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم ، ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعا في صعيد واحد أكثر منه قط ليسيروا إليك ، فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرا فافعل ، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ ، فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض ، والله ما إن دخل علينا ذل قط ، فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم تبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا ، ثم [ ص: 161 ] أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، فوالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف .

فقال له : جزاك الله وقومك خيرا ! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندري علام ( تتصرف بنا وبهم ) الأمور .

فودعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره ، ففعل ، ثم عاد إلى الحسين ، فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله .

ثم سار الحسين حتى بلغ قصر مقاتل فرأى فسطاطا مضروبا فقال : لمن هذا ؟ فقيل : لعبيد الله بن الحر الجعفي .

فقال : ادعوه لي .

فلما أتاه الرسول يدعوه قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها ، والله ما أريد أن أراه ولا يراني .

فعاد الرسول إلى الحسين فأخبره ، فلبس الحسين نعليه ثم جاء فسلم عليه ودعاه إلى نصره ، فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة ، قال : فإن لا تنصرني فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك .

فقال له : أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله تعالى .

ثم قام الحسين فخرج إلى رحله ثم سار ليلا ساعة فخفق برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين .

فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال : يا أبت جعلت فداك ! مم حمدت واسترجعت ؟ قال : يا بني إني خفقت برأسي خفقة فعن لي فارس على فرس ، فقال : القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أن أنفسنا نعيت إلينا .

فقال : يا أبت لا أراك الله سوءا .

ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي يرجع إليه العباد .

قال : إذن لا نبالي أن نموت محقين .

فقال له : جزاك الله من ولد خيرا ما جزى ولدا عن والده .

فلما أصبح نزل فصلى ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم ، فأتى الحر فرده وأصحابه ، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه وارتفعوا ، فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى ، المكان الذي نزل به الحسين ، فلما نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة ، فوقفوا ينتظرونه ، فسلم على الحر ولم يسلم على الحسين وأصحابه ، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ، فإذا فيه : أما بعد فجعجع بالحسين حين

[ ص: 162 ] يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام .

فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر : هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره .

وأخذهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية ، فقالوا : دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية أو شفية .

فقال لا أستطيع ، هذا الرجل قد بعث عينا علي .

فقال زهير بن القين للحسين : إنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا ابن رسول الله ، وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به ! فقال الحسين : ما كنت لأبدأهم بالقتال .

فقالا له زهير : سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم .

فقال الحسين : ما هي ؟ قال : العقر .

قال : اللهم إني أعوذ بك من العقر ! ثم نزل ، وذلك يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستين .

فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف ، وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف إلى دستبى ، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها وكتب له عهده على الري ، فعسكر بالناس في حمام أعين ، فلما كان من أمر الحسين ما كان دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال له : سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك .

فاستعفاه .

فقال : نعم ، على أن ترد عهدنا .

فلما قال له ذلك قال : أمهلني اليوم حتى أنظر .

فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه ، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة ، وهو ابن أخته ، فقال : أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطع رحمك ، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين ! فقال : أفعل .

وبات ليلته مفكرا في أمره ، فسمع وهو يقول :

[ ص: 163 ]

أأترك ملك الري والري رغبة     أم أرجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها     حجاب وملك الري قرة عين



ثم أتى ابن زياد فقال له : إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به ، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه ، وسمى أناسا .

فقال له ابن زياد : لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث ، فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا .

قال : فإني سائر .

فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين ، فلما نزل به بعث إليه رسولا يسأله ما الذي جاء به ، فقال الحسين : كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم ، فأما إذ كرهوني فإني أنصرف عنهم .

فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك ، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال :



الآن إذ علقت مخالبنا به     يرجو النجاة ( ولات حين مناص
)


ثم كتب إلى عمر يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأينا رأينا ، وأن يمنعه ومن معه الماء .

فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس ، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام ، ونادى عبد الله بن أبي الحصين الأزدي وعداده في بجيلة : يا حسين أما تنظر إلى الماء ؟ لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا ! فقال الحسين : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا .

قال : فمرض فيما بعد فكان يشرب ( الماء ) القلة ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يبغر ثم يقيء ثم يشرب فيما يروى ، فما زال كذلك حتى مات .

فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار في عشرين راجلا يحملون القرب وثلاثين فارسا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملئوا القرب وعادوا ، ثم بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري

[ ص: 164 ] أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك .

فخرج إليه عمر ، فاجتمعا وتحادثا طويلا ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره ، وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد : اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين .

فقال عمر : أخشى أن تهدم داري .

قال : أبنيها لك خيرا منها .

قال : تؤخذ ضياعي .

قال : أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز .

فكره ذلك عمر .

وتحدث الناس بذلك ولم يسمعوه ، وقيل : بل قال له : اختاروا مني واحدة من ثلاث : إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم .

وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال : صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل ، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله ، فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد ، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ودعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس فلم يفعلوا .

ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا وأربعا فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد : أما بعد فإن الله أطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا ، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده ، وفي هذا لكم رضى ، وللأمة صلاح ، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لأميره ، مشفق على قومه ، نعم قد قبلت .

فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك ، [ ص: 165 ] والله لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين .

فقال ابن زياد : نعم ما رأيت ! اخرج بهذا الكتاب إلى عمر فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما ، وإن أبوا فليقاتلهم ، وإن فعل فاسمع له وأطع ، وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى الناس واضرب عنقه وابعث إلي برأسه .

وكتب معه إلى عمر بن سعد : أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعا ، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق شاق قاطع ظلوم ، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر وبين العسكر ، والسلام .

فلما أخذ شمر الكتاب كان معه عبد الله بن أبي المحل بن حزام عند ابن زياد ، وكانت عمته أم البنين بنت حزام عند علي ، فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان ، فقال لابن زياد : إن رأيت أن تكتب لبني أختنا أمانا فافعل ، فكتب لهم أمانا فبعث به مع مولى له إليهم ، فلما رأوا الكتاب قالوا : لا حاجة لنا في أمانكم ، أمان الله خير من أمان ابن سمية .

فلما أتى شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر قال له : ما لك ويلك قبح الله ما جئت به ! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به ، أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح ، والله لا يستسلم الحسين أبدا ، والله إن نفس أبيه لبين جنبيه .

فقال له شمر : ما أنت صانع ؟ قال : أتولى ذلك .

ونهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم ، وجاء شمر فدعا العباس بن علي وإخوته فخرجوا إليه ، فقال : أنتم يا بني أختي آمنون .

فقالوا له : لعنك الله ولعن أمانك ! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟



ثم ركب عمر والناس معه بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته ، وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته ، فرفع رأسه فقال : إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ، فقال : إنك تروح إلينا .

قال : فلطمت أخته وجهها وقالت : يا ويلتاه ! قال : ليس لك الويل يا أخية ، اسكتي رحمك الله ! قال له العباس أخوه : يا أخي أتاك القوم .

فنهض فقال : يا أخي أركب بنفسي .

فقال له العباس : بل أروح أنا .

فقال : اركب أنت حتى تلقاهم فتقول : ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟

[ ص: 166 ] وتسألهم عما جاء بهم .

فأتاهم في نحو عشرين فارسا فيهم زهير بن القين فسألهم ، فقالوا جاء [ أمر ] الأمير بكذا وكذا .

قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم .

فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويذكرونهم الله ، فلما أخبره العباس بقولهم قال له الحسين : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا ( هذه الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار ) .

وأراد الحسين أيضا أن يوصي أهله .

فرجع إليهم العباس وقال لهم : انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله ، فإما رضيناه وإما رددناه .

فقال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر ؟ قال : أنت الأمير .

فأقبل على الناس فقال : ما ترون ؟ فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي : سبحان الله ! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوهم .

وقال قيس بن الأشعث بن قيس : أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال غدوة .

فقال لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية .

ثم رجع عنهم .

فجمع الحسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال : أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين فاجعلنا لك من الشاكرين أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعا عني خيرا ، ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ، وإني قد أذنت لكم جميعا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا ، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري .

فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وأبناء عبد الله بن جعفر : لم نفعل هذا ؟ لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبدا ! فقال الحسين : يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا فقد أذنت لكم .

قالوا : وما نقول للناس ؟ نقول : تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا ؟ لا والله لا نفعل ولكنا نفديك [ ص: 167 ] بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك !

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال : أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك ؟ أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك .

وتكلم أصحابه بنحو هذا ، فجزاهم الله خيرا .

وسمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول ، وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري يعالج سيفه :



يا دهر أف [ لك ] من خليل كم لك بالإشراق والأصيل     من صاحب أو طالب قتيل
والدهر لا يقنع بالبديل     وإنما الأمر إلى الجليل
وكل حي سالك السبيل


فأعادها مرتين أو ثلاثا ، فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه ونادت : واثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ! ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي ! ( فذهب ) فنظر إليها وقال : يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان .

قالت : بأبي أنت وأمي استقتلت ! نفسي لنفسك الفدى ! فردد غصته وترقرقت عيناه ثم قال : لو ترك القطا [ ليلا ] لنام .

فلطمت وجهها وقالت : واويلتاه ! أفتغصبك نفسك اغتصابا ، فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ! ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها ، فقام إليها الحسين فصب الماء على وجهها وقال : اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون ، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله ، أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير [ ص: 168 ] مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة .

فعزاها بهذا ونحوه وقال لها : يا أخية إني أقسم عليك لا تشقي علي جيبا ، ولا تخمشي علي وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت .

ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت ، فيستقبلون القوم من وجه واحد ، والبيوت على أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم .

فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويتضرعون ويدعون .

فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت ، وقيل الجمعة ، يوم عاشوراء ، خرج فيمن معه من الناس ، وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا ، وأربعون راجلا ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مطهر في ميسرتهم ، وأعطى رايته العباس أخاه ، وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل ، لئلا يؤتوا من ورائهم وأضرم نارا فنفعهم ذلك .

وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي ، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي ، فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه ، وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي التميمي ، وأعطى الراية مولاه .

فلما دنوا من الحسين أمر فضرب له فسطاط ، ثم أمر بمسك فميث في جفنة ، ثم دخل الحسين فاستعمل النورة ، ووقف عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير بن خضير الهمداني على باب الفسطاط وازدحما أيهما يطلي بعده ، فجعل برير يهازل عبد الرحمن ، فقال له : والله ما هذه بساعة باطل .

فقال برير : والله إن قومي لقد علموا [ ص: 169 ] أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكنني مستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم .

فلما فرغ الحسين دخلا ، ثم ركب الحسين دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه ، واقتتل أصحابه بين يديه ، فرفع يديه ثم قال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة .

فلما رأى أصحاب عمر النار تلتهب في القصب نادى شمر الحسين : تعجلت النار في الدنيا قبل القيامة ! فعرفه الحسين فقال : أنت أولى بها صليا ! ثم ركب الحسين راحلته وتقدم إلى الناس ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس فقال : أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظهم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ! قال : فلما سمع أخواته قوله بكين وصحن وارتفعت أصواتهن ، فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن ، وقال لعمري ليكثرن بكاؤهن ! فلما ذهبا قال : لا يبعد ابن عباس ، وإنما قالها حين سمع بكاءهن لأنه كان نهاه أن يخرج بهن معه .

فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء وقال ما لا يحصى كثرة ، فما سمع أبلغ منه ، ثم قال : أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه ، وأولى المؤمنين بالله والمصدق لرسوله ؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ أوليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي ؟

[ ص: 170 ] أولم يبلغكم قول مستفيض [ فيكم ] : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لي ولأخي : أنتما سيدا شباب أهل الجنة ( وقرة عين أهل السنة ) ؟ فإن صدقتموني بما أقول ، وهو الحق ، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه [ أهله ] ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو سهل بن سعد أو زيد بن أرقم أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي ؟

فقال له شمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ! فقال له حبيب بن مطهر : والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وإن الله قد طبع على قلبك فلا تدري ما تقول .

ثم قال الحسين : فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم .

أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ، أو بمال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة ؟ فلم يكلموه ، فنادى : يا شبث بن ربعي ! ويا حجار بن أبجر ! ويا قيس بن الأشعث ! ويا زيد بن الحارث ! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم ؟ قالوا : لم نفعل .

ثم قال : بلى فعلتم .

ثم قال : أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض .

قال : فقال له قيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم ابن عمك ، يعني ابن زياد ، فإنك لن ترى إلا ما تحب .

فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل ، ولا أقر إقرار العبد .

عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته ونزل عنها .

وخرج زهير بن القين على فرس له في السلاح فقال : يا أهل الكوفة ، نذار لكم من عذاب الله نذار ، إن حقا على المسلم نصيحة المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا نحن [ ص: 171 ] أمة وأنتم أمة ، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءا ، يسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه !

قال : فسبوه وأثنوا على ابن زياد وقالوا : والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلما .

فقال لهم : يا عباد الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، خلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية

فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين .

فرماه شمر بسهم وقال : اسكت أسكت الله نأمتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك ! فقال زهير : يا ابن البوال على عقبيه ! ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ! والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم .

فقال شمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة .

قال : أفبالموت تخوفني ؟ والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم ! ثم رفع صوته وقال : عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي ، فوالله لا تنال شفاعة محمد قوما أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم .

فأمره الحسين فرجع .

ولما زحف عمر نحو الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له : أصلحك الله ! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال له : إي إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي .

قال : أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى ؟ فقال عمر بن سعد : والله لو كان الأمر إلي لفعلت ، ولكن أميرك قد أبى ذلك .

فأقبل يدنو نحو الحسين قليلا قليلا ، وأخذته رعدة ، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس : والله إن أمرك لمريب ! والله ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن ! ولو قيل من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك .

فقال له : إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ولا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت .

ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين ، فقال له : جعلني الله فداك يا ابن رسول الله ! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ، ولا [ ص: 172 ] يبلغون منك هذه المنزلة أبدا فقلت في نفسي : لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم ، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك ، وإني قد جئتك تائبا مما كان مني إلى ربي مؤاسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك ، أفترى ذلك توبة ؟ قال : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك .

وتقدم الحر أمام أصحابه ثم قال : أيها القوم ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله ؟ فقال عمر : لقد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فقال : يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر ! أدعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسه وأحطتم به ومنعتموه من التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته ، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وها هو وأهله قد صرعهم العطش ! بئسما خلفتم محمدا في ذريته ! لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه ! فرموه بالنبل ، فرجع حتى وقف أمام الحسين .

ثم قدم عمر بن سعد برايته ، وأخذ سهما فرمى به وقال : اشهدوا لي أني أول رام ! ثم رمى الناس ، وبرز يسار ، مولى زياد ، وسالم ، مولى عبيد الله ، وطلبا البراز ، فخرج إليهما عبد الله بن عمير الكلبي ، وكان قد أتى الحسين من الكوفة وسارت معه امرأته ، فقالا له : من أنت ؟ فانتسب لهما .

فقالا : لا نعرفك ، ليخرج إلينا زهير بن القين ، أو حبيب بن مطهر ، أو برير بن خضير .

وكان يسار أمام سالم ، فقال له الكلبي : يا ابن الزانية ، وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ، وما يخرج إليك أحد إلا وهو خير منك ! ثم حمل عليه فضربه بسيفه حتى برد فاشتغل به يضربه ، فحمل عليه سالم ، فلم يأبه له حتى غشيه فضربه ، فاتقاه الكلبي بيده فأطار أصابع كفه اليسرى ، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله ، وأخذت امرأته عمودا ، وكانت تسمى أم وهب ، وأقبلت نحو زوجها وهي تقول : فداك أبي وأمي ! قاتل دون الطيبين ذرية محمد ! فردها نحو النساء ، فامتنعت [ ص: 173 ] وقالت : لن أدعك دون أن أموت معك .

فناداها الحسين فقال : جزيتم من أهل بيت خيرا ! ارجعي رحمك الله ، ليس الجهاد إلى النساء . فرجعت .

فزحف عمرو بن الحجاج في ميمنة عمر ، فلما دنا من الحسين جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم ، فلم تقدم خيلهم على الرماح ، فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين .

وتقدم رجل منهم يقال له ابن حوزة فقال : أفيكم الحسين ؟ فلم يجبه أحد ، فقالها ثلاثا فقالوا : نعم ، فما حاجتك ؟ قال : يا حسين أبشر بالنار ! قال له : كذبت بل أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع ، فمن أنت ، قال : ابن حوزة . فرفع الحسين يديه فقال : اللهم حزه إلى النار ! فغضب ابن حوزة فأقحم فرسه في نهر بينهما فتعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها فانقطعت فخذه وساقه وقدمه وبقي جنبه الآخر متعلقا بالركاب يضرب به كل حجر وشجر حتى مات .

وكان مسروق بن وائل الحضرمي قد خرج معهم وقال لعلي أصيب رأس الحسين ، فأصيب به منزلة عند ابن زياد ، فلما رأى ما صنع الله بابن حوزة بدعاء الحسين رجع وقال : لقد رأيت من أهل البيت شيئا ، لا أقاتلهم أبدا .

ونشب القتال وخرج يزيد بن معقل حليف عبد القيس فقال : يا برير بن خضير كيف ترى الله صنع بك ؟ قال : والله لقد صنع بي خيرا وصنع بك شرا .

فقال : كذبت ، وقبل اليوم ما كنت كذابا ، وأنا أشهد أنك من الضالين .

فقال له ابن خضير : هل لك أن أباهلك ، أن يلعن الله الكاذب ويقتل المبطل ، ثم أخرج أبارزك ! فخرجا فتباهلا أن يلعن الله الكاذب ويقتل المحق المبطل ثم تبارزوا فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل برير بن خضير فلم يضره شيئا وضربه ابن خضير ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ فسقط والسيف في رأسه ، فحمل عليه رضي بن منقذ العبدي ، فاعتنق ابن خضير ، فاعتركا ساعة ثم إن ابن خضير قعد على صدره ، فحمل كعب بن جابر الأزدي عليه بالرمح فوضعه في ظهره حتى غيب السنان فيه ، فلما وجد مس الرمح نزل عن رضي فعض أنفه وقطع طرفه ، وأقبل إليه كعب بن جابر فضربه بسيفه حتى قتله ، وقام رضي ينفض التراب عن قبائه ، فلما رجع كعب قالت له امرأته : أعنت على ابن [ ص: 174 ] فاطمة وقتلت بريرا سيد القراء ، [ والله ] لا أكلمك أبدا !

وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري وقاتل دون الحسين فقتل ، وكان أخوه مع عمرو بن سعد ، فنادى : يا حسين يا كذاب ابن الكذاب ! أضللت أخي وغررته حتى قتلته ! فقال : إن الله لم يضل أخاك بل هداه وأضلك .

قال : قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك .

فحمل واعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه ، فحمل أصحابه فاستنقذوه فدووي بعد فبرأ .

وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالا شديدا ، وبرز إليه يزيد بن سفيان فقتله الحر ، وقاتل نافع بن هلال مع الحسين أيضا فبرز إليه مزاحم بن حريث فقتله نافع .

فصاح عمرو بن الحجاج بالناس : أتدرون من تقاتلون ؟ فرسان المصر ، قوما مستميتين ، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل وقل ما يبقون ، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم .

يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ، لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام .

فقال عمر : الرأي ما رأيت ، ومنع الناس من المبارزة . قال : وسمعه الحسين فقال : يا عمرو بن الحجاج أعلي تحرض الناس ؟ أنحن مرقنا من الدين أم أنتم ؟ والله لتعلمن لو قبضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا المارق .

ثم حمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات فاضطربوا ساعة ، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي ، وانصرف عمرو ومسلم صريع ، فمشى إليه وبه رمق فقال : رحمك الله يا مسلم بن عوسجة ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر . ودنا منه حبيب بن مطهر وقال : عز علي مصرعك ، أبشر بالجنة ، ولولا أني أعلم أني في أثرك لاحق بك لأحببت أن توصيني حتى أحفظك بما أنت له أهل .

فقال : أوصيك بهذا ، رحمك الله ، وأومأ بيده نحو الحسين ، أن تموت دونه .

فقال : أفعل .

ثم مات مسلم وصاحت جارية له فقالت : يا ابن عوسجة ! فينادي أصحاب عمرو : قتلنا مسلما .

فقال شبث لبعض من حوله : ثكلتكم أمهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون أنفسكم لغيركم ، أتفرحون بقتل مثل مسلم ؟ أما والذي أسلمت له لرب موقف له قد رأيته في المسلمين ، فلقد رأيته يوم سلق أذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تنام خيول المسلمين ، أفيقتل مثله وتفرحون ؟

[ ص: 175 ] وكان الذي قتله مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي .

وحمل شمر في الميسرة فثبتوا له وحملوا على الحسين وأصحابه من كل جانب ، فقتل الكلبي وقد قتل رجلين بعد الرجلين الأولين وقاتل قتالا شديدا ، فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير بن حي التيمي من تيم الله بن ثعلبة ، وقاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا وهم اثنان وثلاثون فارسا ، فلم تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا كشفته .

فلما رأى ذلك عزرة بن قيس ، وهو على خيل الكوفة ، بعث إلى عمر فقال : ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة ؟ ابعث إليهم الرجال والرماة .

فقال لشبث بن ربعي : ألا تقدم إليهم ! فقال : سبحان الله ! شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة ، لم تجد لهذا غيري ! ولم يزالوا يرون من شبث الكراهة للقتال حتى إنه كان يقول في إمارة مصعب : لا يعطي الله أهل هذا المصر خيرا أبدا ولا يسددهم لرشد ، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ، ضلال يا لك من ضلال !

فلما قال شبث ذلك دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية ، فلما دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم ، وقاتل الحر بن يزيد راجلا قتالا شديدا ، فقاتلوهم ، إلى أن انتصف النهار ، أشد قتال خلقه الله ، لا يقدرون يأتونهم إلا من وجه واحد لاجتماع مضاربهم . فلما رأى ذلك عمر أرسل رجالا يقوضونهم عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم ، فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت فيقتلون الرجل وهو يقوض وينهب ، ويرمونه من قريب أو يعقرونه ، فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت ، فقال لهم الحسين : دعوهم فليحرقوها فإنهم إذا حرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها . فكان كذلك .

وخرجت امرأة الكلبي فجلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول : هنيئا لك الجنة ! فأمر شمر غلاما اسمه رستم فضرب رأسها بالعمود فماتت مكانها .

وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين ونادى : علي بالنار حتى أحرق هذا البيت [ ص: 176 ] على أهله .

فصاح النساء وخرجن ، وصاح به الحسين : أنت تحرق بيتي على أهلي ؟ حرقك الله بالنار ! فقال حميد بن مسلم لشمر : إن هذا لا يصلح [ لك ] ، تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء ، والله إن في قتل الرجال ما يرضى به أميرك ! فلم يقبل منه ، فجاءه شبث بن ربعي فنهاه فانتهى ، وذهب لينصرف فحمل عليه زهير بن القين في عشرة فكشفهم عن البيوت وقتلوا أبا عزة الضبابي ، وكان من أصحاب شمر .

وعطف الناس عليهم فكثروهم ، وكانوا إذا قتل منهم الرجل والرجلان يبين فيهم لقلتهم ، وإذا قتل في أولئك لا يبين فيهم لكثرتهم .

ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين : نفسي لنفسك الفداء ! أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، والله لا تقتل حتى أقتل دونك ، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة ! فرفع الحسين رأسه وقال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين ، نعم هذا أول وقتها ، ثم قال : سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي .

ففعلوا ، فقال لهم الحصين : إنها لا تقبل .

فقال له حبيب ( بن مطهر : زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقبل ) منك يا حمار ! فحمل عليه الحصين ، وخرج إليه ( حبيب ) فضرب وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه ، وقاتل حبيب ( قتالا شديدا فقتل رجلا من بني تميم اسمه بديل بن صريم ، وحمل عليه آخر من تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين على رأسه بالسيف فوقع ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه ، فقال له الحصين : أنا شريك في قتله .

فقال الآخر : لا والله ! فقال له الحصين : أعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما يرى الناس أني شركت في قتله ثم خذه وامض به إلى ابن زياد فلا حاجة لي فيما تعطاه .

ففعل وجال به في الناس ثم دفعه إليه ، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الرأس وجعله في عنق فرسه ) ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبصر به القاسم بن حبيب ، وقد راهق ، فأقبل مع الفارس لا يفارقه ، فارتاب به الرجل ، فسأله عن حاله ، فأخبره وطلب [ ص: 177 ] الرأس ليدفنه ، فقال : إن الأمير لا يرضى أن يدفن وأرجو أن يثيبني الأمير .

فقال له : لكن الله لا يثيبك إلا أسوأ الثواب .

ولم يزل يطلب غرة قاتل أبيه حتى كان زمان مصعب ، وغزا مصعب باجميرى ، ودخل القاسم عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه نصف النهار فقتله .

فلما قتل حبيب هد ذلك الحسين ، وقال عند ذلك : أحتسب نفسي وحماة أصحابي .

وحمل الحر وزهير بن القين فقاتلا قتالا شديدا ، وكان إذا حمل أحدهما وغاض فيهم حمل الآخر حتى يخلصه ، فعلا ذلك ساعة ثم إن رجالة حملت على الحر بن يزيد فقتلته ، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوه ، ثم صلوا الظهر ، صلى بهم الحسين صلاة الخوف ، ثم اقتتلوا بعد الظهر ، فاشتد قتالهم ، ووصل إلى الحسين ، فاستقدم الحنفي أمامه فاستهدف لهم يرمونه بالنبل وهو بين يديه حتى سقط .

وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا ، فحمل عليه كثير بن عبيد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه ، وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواه نبله ، وكانت مسمومة ، فقتل بها اثني عشر رجلا سوى من جرح ، فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيرا ، فأخذه شمر بن ذي الجوشن فأتى به عمر بن سعد والدم على وجهه وهو يقول : لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا سوى من جرحت ، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني .

فانتضى شمر سيفه ليقتله ، فقال له نافع : والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه ! فقتله شمر ثم حمل على أصحاب الحسين .

فلما رأوا أنهم قد كثروا ، وأنهم لا يقدرون يمنعون الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يقتلوا بين يديه ، فجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان إليه فقالا : قد حازنا [ ص: 178 ] الناس إليك .

فجعلا يقاتلان بين يده ، وأتاه الفتيان الجابريان وهما سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع ، وهما ابنا عم وأخوان لأم وهما يبكيان ، فقال لهما : ما يبكيكما ؟ إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين .

فقالا : والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك ! فقال : جزاكما الله جزاء المتقين !

وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين وجعل ينادي : ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد . يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى ، فقال له الحسين : رحمك الله ! إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا ليستبيحوك وأصحابك فكيف بهم الآن قد قتلوا إخوانك الصالحين ! فسلم على الحسين وصلى عليه وعلى أهل بيته وتقدم وقاتل حتى قتل .

وتقدم الفتيان الجابريان فودعا الحسين وقاتلا حتى قتلا .

وجاء عابس بن أبي شيب الشاكري وشوذب مولى شاكر إلى الحسين فسلما عليه وتقدما فقاتلا فقتل شوذب ، وأما عابس فطلب البراز فتحاماه الناس لشجاعته ، فقال لهم عمر : ارموه بالحجارة ، فرموه من كل جانب ، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وحمل على الناس فهزمهم بين يديه ، ثم رجعوا عليه فقتلوه وادعى قتله جماعة .

وجاء الضحاك بن عبد الله المشرفي إلى الحسين فقال : يا ابن رسول الله قد علمت أني قلت لك إني أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا ، فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من الانصراف .

فقال له الحسين : صدقت ، وكيف لك بالنجاء ؟ إن قدرت عليه فأنت في [ ص: 179 ] حل .

قال : فأقبلت إلى فرسي ، وكنت قد تركته في خباء حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر ، وقاتلت راجلا وقتلت رجلين وقطعت يد آخر ، ودعا إلى الحسين مرارا ، قال : واستخرجت فرسي واستويت عليه وحملت على عرض القوم فأفرجوا لي وتبعني منهم خمسة عشر رجلا ففتهم وسلمت .

وجثا أبو الشعثاء الكندي ، وهو يزيد بن أبي زياد ، بين يدي الحسين ، فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم ، وكلما رمى يقول له الحسين : اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة ! وكان يزيد هذا فيمن خرج مع عمر بن سعد ، فلما ردوا الشروط على الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه ، وكان أول من قتل .

وأما الصيداوي عمرو بن خالد وجبار بن الحارث السلماني وسعد مولى عمرو بن خالد ومجمع بن عبيد الله العائذي فإنهم قاتلوا أول القتال ، فلما وغلوا فيهم عطفوا إليهم فقطعوهم عن أصحابهم ، فحمل العباس بن علي فاستنقذهم وقد جرحوا ، فلما دنا منهم عدوهم حملوا عليهم فقاتلوا فقتلوا في أول الأمر في مكان واحد .

وكان آخر من بقي من أصحاب الحسين سويد بن أبي المطاع الخثعمي ، وكان أول من قتل من آل بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر ابن الحسين ، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية ، وذلك أنه حمل عليهم وهو يقول :



أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي     تالله لا يحكم فينا ابن الدعي



ففعل ذلك مرارا ، فحمل عليه مرة بن منقذ العبدي فطعنه فصرع وقطعه الناس بسيوفهم ، فلما رآه الحسين قال : قتل الله قوما قتلوك يا بني ! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول : على الدنيا بعدك العفاء .

وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه ، [ ص: 180 ] فقال : احملوا أخاكم ، فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فلم يستطع أن يحركها ثم رماه بسهم آخر فقتله .

وحمل الناس عليهم من كل جانب ، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر فقتله ، وحمل عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن سوط الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه ، ورمى عبد ( الله بن عروة ) الخثعمي جعفر بن عقيل فقتله .

ثم حمل القاسم بن الحسن بن علي وبيده السيف ، فحمل عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي فضرب رأسه بالسيف فسقط القاسم إلى الأرض لوجهه وقال : يا عماه ! فانقض الحسين إليه كالصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده فقطع يده من المرفق فصاح ، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمرا فاستقبلته بصدورها وجالت عليه فوطئته حتى مات ، وانجلت الغبرة والحسين واقف على رأس القاسم وهو يفحص برجليه والحسين يقول : بعدا لقوم قتلوك ، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ! ثم قال : عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوته ، والله هذا اليوم كثر واتره وقل ناصره ! ثم احتمله على صدره حتى ألقاه مع ابنه علي ومن قتل معه من أهل بيته .



ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس رجع عنه وكره أن يتولى قتله وعظم إثمه [ عليه ] ثم إن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير أتاه فضربه على رأسه بالسيف فقطع البرنس ، وأدمى رأسه وامتلأ البرنس دما ، فقال له الحسين : لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين ! وألقى البرنس ولبس القلنسوة ، وأخذ الكندي البرنس ، فلما قدم على أهله أخذ البرنس يغسل الدم عنه ، فقالت له امرأته : أسلب ابن [ بنت ] رسول الله تدخل بيتي ؟ أخرجه عني ! قال : فلم يزل [ ص: 181 ] ذلك الرجل فقيرا بشر حتى مات .

ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير ( فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد فذبحه ، فأخذ الحسين دمه ) فصبه في الأرض ثم قال : ربي إن تكن حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم من هؤلاء الظالمين .

ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله ، وقال العباس بن علي لإخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان : تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم .

ففعلوا فقتلوا ، وحمل هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي فقتله ، ثم حمل على جعفر بن علي فقتله ، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي ، ثم حمل عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه ، ورمى رجل من بني أبان أيضا محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه .

وخرج غلام من خباء من تلك الأخبية فأخذ بعود من عيدانه وهو ينظر كأنه مذعور ، فحمل عليه رجل قيل إنه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله .

واشتد عطش الحسين فدنا من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في فمه فجعل يتلقى الدم بيده ورمى به إلى السماء ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : اللهم إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك ! اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا !

وقيل الذي رماه رجل من بني أبان بن دارم ، فمكث ذلك الرجل يسيرا ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى ، فكان يروح عنه ويبرد له الماء فيه السكر وعساس فيها اللبن ويقول : اسقوني ، فيعطى القلة أو العس فيشربه ، فإذا شربه اضطجع هنيهة ثم يقول : اسقوني قتلني الظمأ ، فما لبث إلا يسيرا حتى انقدت بطنه انقداد بطن البعير .

ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو عشرة من رجالهم نحو منزل [ ص: 182 ] الحسين فحالوا بينه وبين رحله ، فقال لهم الحسين : ويلكم ! إن لم يكن لكم دين ولا تخافون يوم المعاد فكونوا أحرارا ذوي أحساب ، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم .

فقالوا : ذلك لك يا ابن فاطمة .

وأقدم عليه شمر بالرجالة منهم : أبو الجنوب ، واسمه عبد الرحمن الجعفي ، والقشعم بن نذير الجعفي ، وصالح بن وهب اليزني ، وسنان بن أنس النخعي ، وخولي بن يزيد الأصبحي ، وجعل شمر يحرضهم على الحسين وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه ، ثم إنهم أحاطوا به .

وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فقام إلى جنبه وقد أهوى بحر بن كعب بن تيم الله بن ثعلبة إلى الحسين بالسيف ، فقال الغلام : يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ! فضربه بالسيف ، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة ، فنادى الغلام : يا أمتاه ! فاعتنقه الحسين وقال له : يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك فإن الله يلحقك بآبائك الطاهرين الصالحين ، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي وحمزة وجعفر والحسن .

وقال الحسين : اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض ! اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم الولاة أبدا ، فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا !

ثم ضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه ، ولما بقي الحسين في ثلاثة أو أربعة دعا بسراويل ففزره ونكثه لئلا يسلبه ، فقال له بعضهم : لو لبست تحته التبان .

قال : ذلك ثوب مذلة ولا ينبغي لي أن ألبسه .

فلما قتل سلبه بحر بن كعب ، وكانت يداه في الشتاء تنضحان بالماء ، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود .

وحمل الناس عليه عن يمينه وشماله ، فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا ، ثم حمل على الذين عن يساره فتفرقوا ، فما رئي مكثور قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه ، ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه ، إن كانت الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب .

فبينما هو كذلك إذ خرجت زينب وهي تقول : ليت السماء انطبقت على الأرض ! وقد دنا عمر بن سعد ، فقالت : يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟ فدمعت عيناه [ ص: 183 ] حتى سالت دموعه على خديه ولحيته وصرف وجهه عنها .

وكان على الحسين جبة من خز ، وكان معتما مخضوبا بالوسمة ، وقاتل راجلا قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول : أعلى قتلي تجتمعون ؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله ، الله أسخط عليكم لقتله مني ! وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ! أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم .

قال : ومكث طويلا من النهار ، ولو شاء الناس أن يقتلوه لقتلوه ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء ، فنادى شمر في الناس : ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم ! فحملوا عليه من كل جانب ، فضرب زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى وضرب أيضا على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ويكبو ، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع ، وقال لخولي بن يزيد الأصبحي : احتز رأسه ، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد ، فقال له سنان ، فت الله عضدك ! ونزل إليه فذبحه واحتز رأسه فدفعه إلى خولي ، ( وسلب الحسين ما كان عليه ، فأخذ سراويله ) بحر بن كعب ( وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته ، وهي من خز ، فكان يسمى بعد قيس قطيفة ) ، وأخذ نعليه الأودي ، وأخذ سيفه رجل من دارم ، ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها ونهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء حتى إن كانت المرأة لتنزع ثوبها من ظهرها فيؤخذ منها .

ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة ( غير الرمية ) .

وأما سويد بن المطاع فكان قد صرع فوقع بين القتلى مثخنا بالجراحات ، فسمعهم يقولون : قتل الحسين ! فوجد خفة فوثب ومعه سكين ، وكان سيفه قد أخذ [ ص: 184 ] فقاتلهم بسكينه ساعة ثم قتل ، قتله عروة بن بطان الثعلبي وزيد بن رقاد الجنبي ، وكان آخر من قتل من أصحاب الحسين .

ثم انتهوا إلى علي بن الحسين زين العابدين فأراد شمر قتله ، فقال له حميد بن مسلم : سبحان الله أتقتل الصبيان ! وكان مريضا ، وجاء عمر بن سعد فقال : لا يدخلن بيت هذه النسوة أحد ولا يعرض لهذا الغلام المريض ، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده ، فلم يرد أحد شيئا .

فقال الناس لسنان بن أنس النخعي : قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتلت أعظم العرب خطرا ، أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله كان قليلا .

فأقبل على فرسه ، وكان شجاعا شاعرا به لوثة ، حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ثم نادى بأعلى صوته :



أوقر ركابي فضة وذهبا إني قتلت السيد المحجبا     قتلت خير الناس أما وأبا
وخيرهم إذ ينسبون نسبا


فقال عمر بن سعد : أشهد أنك مجنون ، أدخلوه علي .

فلما دخل حذفه بالقضيب وقال : يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام ؟ والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك ! وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة الحسين ، فقال : ما أنت ؟ فقال : أنا عبد مملوك .

فخلى سبيله ، فلم ينج منهم غيره وغير المرقع بن ثمامة الأسدي ، وكان قد نثر نبله فقاتل ، فجاء نفر من قومه فآمنوه فخرج إليهم ، فلما أخبر ابن زياد خبره نفاه إلى الزارة .

ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب إلى الحسين فيوطئه فرسه ، فانتدب عشرة ، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي ، وهو الذي سلب قميص الحسين ، فبرص بعد ، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره .

وكان عدة من قتل من أصحاب الحسين اثنين وسبعين رجلا .

[ ص: 185 ] ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد قتلهم بيوم .

وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى فصلى عليهم عمر ودفنهم .



ولما قتل الحسين أرسل رأسه ورءوس أصحابه إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي ، فوجد خولي القصر مغلقا فأتى منزله فوضع الرأس تحت إجانة في منزله ودخل فراشه وقال لامرأته النوار : جئتك بغنى الدهر ، هذا رأس الحسين معك في الدار . فقالت : ويلك ! جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ! والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا ! وقامت من الفراش فخرجت إلى الدار ، قالت : فما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة ، ورأيت طيرا أبيض يرفرف حولها .

فلما أصبح غدا بالرأس إلى ابن زياد .

وقيل : بل الذي حمل الرءوس كان شمر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعروة بن قيس فجلس ابن زياد وأذن للناس فأحضرت الرءوس بين يديه وهو ينكت بقضيب بين ثنيته ساعة ، فلما رآه زيد بن الأرقم لا يرفع قضيبه قال : أعل هذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هاتين الشفتين يقبلهما ! ثم بكى ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ! فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك .

فخرج وهو يقول : أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل ، فبعدا لمن يرضى بالذل !

فأقام عمر بعد قتله يومين ثم ارتحل إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان ، وعلي بن الحسين مريض ، فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى ، فصاح النساء ولطمن خدودهن ، وصاحت زينب أخته : يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء ! هذا الحسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطع [ ص: 186 ] الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا ! فأبكت كل عدو وصديق .

فلما أدخلوهم على ابن زياد لبست زينب أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها ، فقال عبيد الله : من هذه الجالسة ؟ فلم تكلمه ، فقال ذلك ثلاثا وهي لا تكلمه ، فقال بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة .

فقال لها ابن زياد : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم ! فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا ، لا كما تقول ، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر .

فقال : فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده .

فغضب ابن زياد وقال : قد شفى الله غيظي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .

فبكت وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي ، وأبرزت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت .

فقال لها : هذه شجاعة ، لعمري لقد كان أبوك شجاعا ! فقالت : ما للمرأة والشجاعة !

ولما نظر ابن زياد إلى علي بن الحسين قال : ما اسمك ؟ قال : علي بن الحسين .

قال : أولم يقتل الله علي بن الحسين ؟ فسكت .

فقال : ما لك لا تتكلم ؟ فقال : كان لي أخ يقال له أيضا علي فقتله الناس .

فقال : إن الله قتله .

فسكت علي .

فقال : ما لك لا تتكلم ؟ فقال : الله يتوفى الأنفس حين موتها ، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله . قال : أنت والله منهم .

ثم قال لرجل : ويحك ! انظر هذا هل أدرك ؟ إني لأحسبه رجلا .

قال فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال : نعم قد أدرك .

قال : اقتله .

فقال علي : من توكل بهذه النسوة ؟ وتعلقت به زينب فقالت : يا ابن زياد حسبك منا ، أما رويت من دمائنا ، وهل أبقيت منا أحدا ! واعتنقته وقالت : أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتني معه ! وقال له علي : يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام .

فنظر إليها ساعة ثم قال : عجبا للرحم ! والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها معه ، دعوا الغلام ينطلق مع نسائه .

ثم نادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فخطبهم وقال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته .

[ ص: 187 ] فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الوالبي ، وكان ضريرا قد ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل مع علي والأخرى بصفين معه أيضا ، وكان لا يفارق المسجد يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف ، فلما سمع مقالة ابن زياد قال : يا ابن مرجانة ! إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه ! يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ فقال : علي به .

فأخذوه ، فنادى بشعار الأزد : يا مبرور ! فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه ، فأرسل إليه من أتاه به فقتله وأمر بصلبه في المسجد ، فصلب ، رحمه الله .

وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في الكوفة ، وكان رأسه أول رأس حمل في الإسلام على خشبة في قول ، والصحيح أن أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق .

ثم أرسل ابن زياد رأس الحسين ورءوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى الشام إلى يزيد ومعه جماعة ، وقيل : مع شمر وجماعة معه ، وأرسل معه النساء والصبيان ، وفيهم علي بن الحسين ، قد جعل ابن زياد الغل في يديه ورقبته ، وحملهم على الأقتاب ، فلم يكلمهم علي بن الحسين في الطريق حتى بلغوا الشام ، فدخل زحر بن قيس على يزيد ، فقال : ما وراءك ؟ فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله وبنصره ، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته ، وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن ينزلوا على حكم الأمير عبيد الله أو القتال فاختاروا القتال فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مآخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر ، ويلوذون بالإكام والحفر ، كما لاذ الحمائم من صقر ، فوالله ما كان إلا جزر جزور ، أو نومة قائل ، حتى أتينا على آخرهم ! فهاتيك أجسادهم مجردة ، وثيابهم مرملة ، وخدودهم معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسب .

قال : فدمعت عينا يزيد بدموع التماسيح وقال اللئيم بن اللئيم لا الحليم بن الحليم : كنت أرضى من طاغيتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن سمية ! أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه ، فرحم الله الحسين ! ولم يصله بشيء .

[ ص: 188 ] وقيل : إن آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد وأرسل إلى يزيد بالخبر ، فبينما هم في الحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط وفيه : إن البريد سار بأمركم إلى يزيد فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا ، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل ، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان .

فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي وفيه كتاب يقول فيه : أوصوا واعهدوا فقد قارب وصول البريد .

ثم جاء البريد بأمر يزيد بإرسالهم إليه ، فدعا ابن زياد محفر بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن وسيرهما بالثقل والرأس ، فلما وصلوا إلى دمشق نادى محفر بن ثعلبة على باب يزيد : جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم ! فقال يزيد : ما ولدت أم محفر ألأم وأحمق منه ، ولكنه قاطع ظالم .

ثم دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه ، فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن كريز ، وكانت تحت يزيد ، فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت : يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، فأعولي عليه ، وحدي على ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصريحة قريش ، عجل عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله ! ثم أذن للناس فدخلوا عليه والرأس بين يديه ومعه قضيب وهو ينكت به ثغره ، ثم قال : إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام :



أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت قواضب في أيماننا تقطر الدما     يفلقن هاما من رجال أعزة
علينا وهم كانوا أعق وأظلما


فقال له أبو برزة الأسلمي : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟ أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذا ، لربما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرشفه ، أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمد شفيعه : ثم قام فولى .

[ ص: 189 ] فقال يزيد : والله يا حسين لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك . ثم قال : أتدرون من أين أتى هذا ؟ قال : أبي علي خير من أبيه ، وفاطمة أمي خير من أمه ، وجدي رسول الله خير من جده ، وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر منه ، فأما قوله أبوه خير من أبي فقد حاج أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له ، وأما قوله أمي خير من أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي ، وأما قوله جدي رسول الله خير من جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولا ندا ، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه ، ولم يقرأ : قل اللهم مالك الملك .

ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه ، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس ، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس .

فلما رأين الرأس صحن ، فصاح نساء يزيد وولول بنات معاوية .

فقالت فاطمة بنت الحسين ، وكانت أكبر من سكينة : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ؟ فقال : يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره .

قالت : والله ما ترك لنا خرص .

فقال : ما أتى إليكن أعظم مما أخذ منكن .

فقام رجل من أهل الشام فقال : هب لي هذه ، يعني فاطمة ، فأخذت بثياب أختها زينب ، وكانت أكبر منها ، فقالت زينب : كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ولا له .

فغضب يزيد وقال : كذبت والله ، إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلته .

قالت كلا والله ، ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا .

فغضب يزيد واستطار ، ثم قال : إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك !

قالت زينب : بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك .

قال : كذبت يا عدوة الله ! قالت : أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك ؟ فاستحى وسكت ، ثم أخرجهن وأدخلهن دور يزيد ، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم ، وسألهن عما أخذ منهن فأضعفه لهن ، فكانت سكينة تقول : ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية .

ثم أمر بعلي بن الحسين فأدخل مغلولا فقال : لو رآنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغلولين لفك عنا .

قال : صدقت .

وأمر بفك غله عنه .

فقال علي : لو رآنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعداء لأحب أن يقربنا .

فأمر به فقرب منه ، وقال له يزيد : إيه يا علي بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .

فقال علي :

[ ص: 190 ] ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور . فقال يزيد : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم . ثم سكت عنه وأمر بإنزاله وإنزال نسائه في دار علي جده ، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا عليا إليه ، فدعاه ذات يوم ومعه عمرو بن الحسن ، وهو غلام صغير ، فقال لعمرو : أتقاتل هذا ؟ يعني خالد بن يزيد .

فقال عمرو : أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى أقاتله .

فضمه يزيد إليه وقال : شنشنة أعرفها من أخزم ، هل تلد الحية إلا حية !

وقيل : ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله وسره ما فعل ، ثم لم يلبث إلا يسيرا ( حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبهم ) ، فندم على قتل الحسين ، فكان يقول : وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد ، وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني حفظا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورعاية لحقه وقرابته ، لعن الله ابن مرجانة فإنه اضطره ، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو يلحق بثغر حتى يتوفاه الله ، فلم يجبه إلى ذلك فقتله ، فبغضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع في قلوبهم العداوة ، فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين ، ما لي ولابن مرجانة ، لعنه الله وغضب عليه !

ولما أراد أن يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم ويسير معهم رجلا أمينا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة ، ودعا عليا ليودعه وقال له : لعن الله ابن مرجانة ! أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى الله ما رأيت .

يا بني كاتبني حاجة تكون لك .

وأوصى بهم هذا الرسول ، فخرج بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه ، فإذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه ، فكانوا حولهم كهيئة الحرس ، وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة .

فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب : لقد أحسن هذا الرجل [ ص: 191 ] إلينا فهل لك أن نصله بشيء ؟ فقالت : والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا ، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا بها إليه واعتذرتا ، فرد الجميع وقال : لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وكان مع الحسين امرأته الرباب بنت امرئ القيس ، وهي أم ابنته سكينة ، وحملت إلى الشام فيمن حمل من أهله ، ثم عادت إلى المدينة ، فخطبها الأشراف من قريش ، فقالت : ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقيت بعده سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدا ، وقيل : إنها أقامت على قبره سنة وعادت إلى المدينة فماتت أسفا عليه .

فأرسل عبيد الله بن زياد مبشرا إلى المدينة بقتل الحسين إلى عمرو بن سعيد ، فلقيه رجل من قريش فقال : ما الخبر ؟ فقال : الخبر عند الأمير .

فقال القرشي إنا لله وإنا إليه راجعون ، قتل الحسين .

ودخل البشير على عمرو بن سعيد فقال : ما وراءك ؟ قال : ما سر الأمير ، قتل الحسين بن علي .

فقال : ناد بقتله ، فنادى ، فصاح نساء بني هاشم وخرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها حاسرة تلوي ثوبها وهي تقول :



ماذا تقولون إن قال النبي لكم     ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي     منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم     أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي



فلما سمع عمرو أصواتهن ضحك وقال :



عجت نساء بني زياد عجة     كعجيج نسوتنا غداة الأرنب



[ ص: 192 ] والأرنب وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب ، وهذا البيت لعمرو بن معدي كرب .

ثم قال عمرو : واعية كواعية عثمان ، ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله .

ولما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين دخل عليه بعض مواليه يعزيه والناس يعزونه ، فقال مولاه : هذا ما لقيناه من الحسين ! فحذفه ابن جعفر بنعله وقال : يا ابن اللخناء ، الحسين ، تقول هذا ؟ والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه ، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ، ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه .

ثم قال : إن لم تكن آست الحسين يدي فقد آساه ولدي .

ولما وفد أهل الكوفة بالرأس إلى الشام ودخلوا مسجد دمشق أتاهم مروان بن الحكم فسألهم : كيف صنعوا ؟ فأخبروه ، فقام عنهم ثم أتاهم أخوه يحيى بن الحكم فسألهم فأعادوا عليه الكلام ، فقال : حجبتم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة ، لن أجامعكم على أمر أبدا ! ثم انصرف عنهم .

فلما دخلوا على يزيد قال يحيى بن الحكم :



لهام بجنب الطف أدنى قرابة     من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى     وليس لآل المصطفى اليوم من نسل



فضرب يزيد في صدره وقال : اسكت .

قيل : وسمع بعض أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا ينادي :



أيها القاتلون جهلا حسينا     أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم     من نبي وملأك وقبيل



[ ص: 193 ]

قد لعنتم على لسان ابن داود     وموسى وصاحب الإنجيل



ومكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع .

قال رأس جالوت ذلك الزمان : ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان ، لأنا كنا نتحدث أن ولد نبي يقتل بذلك المكان ، فكنت أخاف ، فلما قتل الحسين أمنت فكنت أسير ولا أركض .

قيل وكان عمر الحسين يوم قتل خمسا وخمسين سنة ، وقيل : قتل وهو ابن إحدى وستين ، وليس بشيء .

وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين .

( برير بن خضير بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء المهملة ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وآخره راء . وخضير بالخاء والضاد المعجمتين . ثبيت بضم الثاء المثلثة ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وآخره تاء مثناة من فوقها . ومحفر بضم الميم ، وفتح الحاء المهملة ، وتشديد الفاء المكسورة ، وآخره راء ) .

( [ وقال ] . . . التيمي تيم مرة يرثي الحسين وأهله وكان منقطعا إلى بني [ هاشم ] :



مررت على أبيات آل محمد     فلم أرها أمثالها يوم حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها     وإن أصبحت من أهلها قد تخلت
وإن قتيل الطف من آل هاشم     أذل رقاب المسلمين فذلت



[ ص: 194 ]

وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية     لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
وعند غني قطرة من دمائنا     سنجزيهم يوما بها حيث حلت
إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها     تقتلنا قيس إذا النعل زلت



ذكر أسماء من قتل معه

قال سليمان : لما قتل الحسين ومن معه حملت رءوسهم إلى ابن زياد ، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا ، وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت هوازن بعشرين رأسا ، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن الضبابي ، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا ، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس ، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس ، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس ، فذلك سبعون رأسا .

وقتل الحسين ، قتله سنان بن أنس النخعي ، لعنه الله ، وقتل العباس بن علي ، وأمه أم البنين بنت حزام ، قتله ( زيد بن رقاد الجنبي ) وحكيم بن الطفيل السنبسي .

وقتل جعفر بن علي ، وأمه أم البنين أيضا .

وقتل عبد الله بن علي ، وأمه أم البنين أيضا .

وقتل عثمان بن علي ، وأمه أم البنين أيضا ، رماه خولي بن يزيد بسهم فقتله .

وقتل محمد بن علي ، وأمه أم ولد ، قتله رجل من بني دارم .

وقتل أبو بكر بن علي ، وأمه ليلى [ ص: 195 ] بنت مسعود الدارمية ، وقد شك في قتله .

وقتل علي بن الحسين بن علي ، وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة الثقفي ، وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب ، قتله منقذ بن النعمان العبدي ، وقتل عبد الله بن الحسين بن علي ، وأمه الرباب ابنة امرئ القيس الكلبي ، قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي .

وقتل أبو بكر ابن أخيه الحسن أيضا ، وأمه أم ولد [ قتله عبد الله بن عقبة الغنوي ، وقتل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وأمه أم ولد ] قتله حرملة بن الكاهن ، رماه بسهم .

وقتل القاسم بن الحسن أيضا ، قتله سعد بن عمرو بن نفيل الأزدي .

وقتل عون بن أبي جعفر بن أبي طالب ، وأمه جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري ، قتله عبد الله بن قطبة الطائي .

وقتل محمد بن عبد الله بن جعفر ، وأمه الخوصاء بنت خصفة بن تيم الله بن ثعلبة ، قتله عامر بن نهشل التيمي .

وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب ، وأمه أم بنين ابنة الشقر بن الهضاب ، قتله بشر بن الخوط الهمداني .

وقتل عبد الرحمن بن عقيل ، وأمه أم ولد ، قتله عثمان بن خالد الجهني .

وقتل عبد الله بن عقيل ، وأمه أم ولد ، رماه عمرو بن صبيح الصيداوي بسهم فقتله .

وقتل مسلم بن عقيل بالكوفة ، وأمه أم ولد .

وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، وأمه رقية ابنة علي بن أبي طالب ، قتله عمرو بن صبيح الصيداوي ، ويقال قتله مالك بن أسيد الحضرمي .

وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل ، وأمه أم ولد ، قتله لقيط بن ياسر الجهني .

واستصغر الحسن بن الحسن بن علي - وأمه خولة بنت منظور بن زبان الفزاري ، واستصغر عمرو بن الحسين ، وأمه أم ولد ، فلم يقتلا .

[ ص: 196 ] وقتل من الموالي سليمان مولى الحسين ، قتله سليمان بن عوف الحضرمي ، وقتل منجح مولى الحسين أيضا ، وقتل عبد الله بن بقطر رضيع الحسين .

قال : ابن عباس رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - الليلة التي قتل فيها الحسين وبيده قارورة وهو يجمع فيها دما .

فقلت : يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى .

فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل الحسين وقص رؤياه ، فوجد قد قتل في ذلك اليوم .

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه جبرائيل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم سلمة : إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين . فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها ، فلما قتل الحسين صار التراب دما ، فأعلمت الناس بقتله أيضا .

وهذا يستقيم على قول من يقول أم سلمة توفيت بعد الحسين .

ثم إن ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عوده من قتل الحسين : يا عمر ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين .

قال : مضيت لأمرك وضاع الكتاب .

قال : لتجئني به .

قال : ضاع .

قال : لتجئني به . قال : ترك والله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذارا إليهن ، أما والله لقد نصحتك في الحسن نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه .

فقال عثمان بن زياد ، أخو عبيد الله : صدق والله ! لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة ، وأن الحسين لم يقتل ! فما أنكر ذلك عبيد الله بن زياد . آخر المقتل .


ثم دخلت سنة أربع وستين

ذكر وفاة يزيد بن معاوية

وفي هذه السنة توفي يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ( في قول بعضهم ، وقيل : تسع وثلاثين ، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر ) ، وقيل : ثمانية أشهر ، وقيل : توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وستين ، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة ، وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر ، والأول أصح .

وقال عمر بن سبينة : حج يزيد في حياة أبيه ، فلما بلغ المدينة جلس على شراب له ، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين ، فقيل له : إن ابن عباس إن وجد ريح الشراب ( عرفه ، فحجبه وأذن للحسين ، فلما دخل وجد رائحة الشراب ) مع الطيب فقال : لله در طيبك ما أطيبه ! فما هذا ؟ قال : هو طيب يصنع بالشام ، ثم دعا بقدح فشربه ، ثم دعا بآخر فقال : اسق أبا عبد الله .

فقال له الحسين : عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني ، فقال يزيد :



ألا يا صاح للعجب دعوتك ولم تجب     إلى الفتيات والشهوات
والصهباء والطرب     باطية مكلله
عليها سادة العرب     وفيهن التي تبلت
فؤادك ثم لم تثب


فنهض الحسين وقال : بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت .

وقال شفيق بن سلمة : لما قتل الحسين ثار عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلى بيعته ، فامتنع وظن يزيد أن امتناعه تمسك منه ببيعته ، فكتب إليه : أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته وأنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا ، فجزاك الله من ذي رحم خير ما يجزي الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم ، فما أنس من الأشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل ، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه فأعلمهم بحاله فإنهم منك أسمع الناس ولك أطوع منهم للمحل .

فكتب إليه ابن عباس : أما بعد فقد جاءني كتابك ، فأما تركي بيعة ابن الزبير فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ، ولكن الله بالذي أنوي عليم ، وزعمت أنك لست بناس بري ، فاحبس أيها الإنسان برك عني فإني حابس عنك بري ، وسألت أن أحبب الناس إليك وأبغضهم وأخذلهم لابن الزبير ، فلا ولا سرور ولا كرامة ، كيف وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء ، مسلوبين بالعراء ، ( مقتولين بالظماء ، لا مكفنين ولا [ ص: 225 ] موسدين ) ، تسفي عليهم الرياح ، وينشى بهم عرج البطاح ، حتى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنوهم ، وبي وبهم لو عززت وجلست مجلسك الذي جلست ، فما أنس من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينا من حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حرم الله ، وتسييرك الخيول إليه ، فما زلت بذلك حتى أشخصته إلى العراق ، فخرج خائفا يترقب ، فنزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة ، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته وتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الشرك والكفر ، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري ولا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوما ، والسلام .


في هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيد بالخلافة بالشام ، ولعبد الله بن الزبير بالحجاز ، ولما هلك يزيد بلغ الخبر عبد الله بن الزبير بمكة قبل أن يعلم الحصين بن نمير ومن معه من عسكر الشام ، وكان الحصار قد اشتد من الشاميين على ابن الزبير ، فناداهم ابن الزبير وأهل مكة : علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم ؟ فلم يصدقوهم .

فلما بلغ الحصين خبر موته بعث إلى ابن الزبير فقال : موعد ما بيننا الليلة الأبطح ، فالتقيا وتحادثا ، فراث فرس الحصين ، فجاء حمام الحرم يلتقط روث الفرس ، فكف الحصين فرسه عنهن وقال : أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم .

فقال ابن الزبير : تتحرجون من هذا وأنتم تقتلون المسلمين في الحرم ؟ فكان فيما قال له الحصين : أنت أحق بهذا الأمر ، هلم فلنبايعك ثم اخرج معنا إلى الشام ، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه الشام وفرسانهم ، فوالله لا يختلف عليك اثنان وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك وبين أهل الحرم .

فقال له : أنا لا أهدر الدماء ، والله لا [ ص: 226 ] أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة منكم .

وأخذ الحصين يكلمه سرا ، وهو يجهر ويقول : والله لا أفعل .

فقال له الحصين : قبح الله من يعدك بعد ( داهيا وأريبا ) قد كنت أظن أن لك رأيا ، وأنا أكلمك سرا وتكلمني جهرا ، وأدعوك إلى الخلافة ( وأنت لا تريد إلا ) القتل والهلكة .

ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة ، وندم ابن الزبير على ما صنع ، فأرسل إليه : أما المسير إلى الشام فلا أفعله ولكن بايعوا لي هناك فإني مؤمنكم وعادل فيكم .

فقال الحصين : إن لم تقدم بنفسك لا يتم الأمر ، فإن هناك ناسا من بني أمية يطلبون هذا الأمر .

وسار الحصين إلى المدينة ، فاجترأ أهل المدينة على أهل الشام ، فكان لا ينفرد منهم أحد إلا أخذت دابته ، فلم يتفرقوا ، وخرج معهم بنو أمية من المدينة إلى الشام ، ولو خرج معهم ابن الزبير لم يختلف عليه أحد .

فوصل أهل الشام دمشق وقد بويع معاوية بن يزيد ، فلم يمكث إلا ثلاثة أشهر حتى هلك ، وقيل : بل ملك أربعين يوما ومات .

وعمره إحدى وعشرون سنة وثمانية عشر يوما .

ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده ، فابتغيت ستة مثل [ ستة ] الشورى فلم أجدهم ، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم .

ثم دخل منزله وتغيب حتى مات .

وقيل : إنه مات مسموما ، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، ثم أصابه الطاعون من يومه فمات أيضا ، وقيل : لم يمت ، وكان معاوية أوصى أن يصلي الضحاك بن قيس بالناس حتى يقوم لهم خليفة ، وقيل لمعاوية : لو استخلفت ؟ فقال : لا أتزود مرارتها وأترك لبني أمية حلاوتها .



****


لَعِبت هاشم بالملك

من جملة الكلمات الدالة على الكفر الباطني ليزيد وبغضه للرسول صلى الله عليه وآله ، إذ أنّه تغنّى بهذه الأشعار وهو في غاية الفرح والنشوة عندما ادخل عليه سبايا أهل البيت بعد مقتل الحسين قائلا :

ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهـلوا واستهلوا فرحا
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم
وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل

 (حياة الإمام الحسين 187:2و377:3)

أصل هذه القصيدة لعبدالله بن الزبعري إلا أنّ إنشادها من قبل يزيد في ذلك الموقف ينم عن اعتقاده بمضمونها. وفي أعقاب الترنّم بهذه الأشعار نهضت العقيلة زينب عليها السلام وألقت خطبتها التي ابتدأتها بالآية الشريفة: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون}(الروم :10)، وتلت أيضا ضمن حديثها: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(آل عمران :178)، ويستدل من خطبتها خروج يزيد من حريم الإسلام وعدم اعتقاده بالدين، ويثبت كفره وفسقه أمام الملأ.

لقد كشفت واقعة كربلاء عن الكفر الخفي للأمويين، وأزالت الستار عن حقيقتهم وأظهرتها للأمة وللتاريخ، وهذا من ثمار واقعة الطف الخالدة.



****
 


وقد روى الطبري أن عبيد الله بن زياد كتب إلى عمر بن سعد : « أمّا بعد , فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء , ولا يذوقوا منه قطرة كما صُنع بالتقي الزكي المظلوم ، أمير المؤمنين عثمان بن عفان »(2) . فهل يعقل أن يعطي عبيد الله بن زياد أوامر خطية بهذه الخطورة دون علم ومباركة سيده وقائده الأعلى يزيد بن معاوية ؟!

ثمَّ هل يعقل بأن يعلن ابن زياد التعبئة العامة في ولاية مثل العراق دون علم «الخليفة» يزيد بن معاوية ومباركته ؟! قال البلاذري في « أنساب الأشراف » : إنّ ابن زياد جمع الناس وخطبهم قائلاً : فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب ، والتجار والسكان إلاّ خرج فعسكر معي ، وأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة .

وروى البلاذري أيضاً أن ابن زياد رتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدمة , فكان خبر ما قبله يأتيه في كل الأوقات(3) .

فإذا كان بإمكان عبيد الله بن زياد أن يجعل بينه وبين عمر بن سعد خيلاً مضمرة تأتيه بأخباره في كل وقت ، أليس بإمكان الخليفة أن تكون له مثل هذه الخيل بينه وبين عمر بن سعد ؟ ثمَّ إن كُتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد التي سبقت الإشارة إليها تفصح عن حقيقة موقفه النهائي .

ثم إنه بعد انتهاء المجزرة في كربلاء لم يوجّه يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد كلمة لوم واحدة ، بل على العكس أثنى عليه ومكّن له في الأرض .

وأبسط ما يفعله قادة الدول مع الذين يرتكبون أعمالاً أقل وحشية من مجزرة كربلاء أن يحيلونهم على التقاعد , أو يعفونهم من مناصبهم ؛ احتراماً لمشاعر المجتمعات التي يحكمونها ، لكن يزيد لم يفعل ذلك ، بل ولم يسمح لأحد بأن ينتقد عبيد الله بن زياد .

روى الطبري في تاريخه قال : لما وضعت الرؤوس ـ رأس الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السّلام) ـ بين يدي يزيد بن معاوية قال يزيد :

 يفلقن  هاماً من رجالٍ  أعزةٍ      علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال يحيى بن الحكم ، أخو مروان :

 لـهامٌ بـجنب الـطفِّ أدنـى  قرابةً     من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغلِ
 سـمية أمـسى نـسلُها عددَ الحصى      وبـنتُ رسـول الله لـيس لها  نسلُ(*)

فضرب يزيد في صدر يحيى وقال له : اسكت .

فيزيد لا يسمح حتّى لابن عمه أن ينتقد فعل عبيد الله في كربلاء , أو أن ينتقد عبيد الله ، لسبب بسيط هو أن ما فعله عبيد الله كان تنفيذاً حرفياً لمشيئة يزيد وموقفه النهائي القاضي بقتل آل محمّد وقتل مَن يواليهم .

ثمَّ إنّ يزيد قد اعترف أمام وفده الذي أرسله إلى ابن الزبير ، إذ قال : « لن يكون أعظم من الحسين ، ولا الزبير أعظم من علي ... »(1) .

عيد في عاصمة يزيد

قال الخوارزمي الحنفي بروايته عن سهل بن سعد : خرجت إلى بيت المقدس حتّى توسطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار ، كثيرة الأشجار , قد علّقوا الستور والحجب والديباج ، وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن !

فرأيت قوماً يتحدثون ، فقلت : يا هؤلاء , ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟

قالوا : يا شيخ , نراك غريباً .

فقلت : أنا سهل بن سعد , قد رأيت رسول الله وحملت حديثه ...

ثمَّ أخبروه قائلين : هذا رأس الحسين عترة رسول الله يُهدى من أرض

ــــــــــــــــــ

(*) لا يخفى اختلاف حركة حرف الروي فيما بين البيتين . (موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(1) راجع تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 344 ، وتاريخ ابن كثير 8 / 165 .

الصفحة (50)
العراق إلى الشام .

فقلت : واعجباً ! أيهدى رأس الحسين والناس يفرحون ...(1) .

موقف أركان قيادة يزيد

عبيد الله بن زياد ، وعمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن ، وبقية طواقم الإجرام في كربلاء هم أركان قيادة يزيد بن معاوية , وهم مجرد عبيد , ينفّذون أوامر سيدهم ، ويتبنون موقفه ؛ مصيباً كان أم مخطئً . فهل يعقل أن يكون ـ مثلاً ـ لرجل مثل عمر بن سعد , المتردد المريض المهزوز , موقف ينبع من قناعاته الخاصة .




كما يمكن أن يذكر كيف وصل خبر موت معاوية إلى المدينة وماذا عمل والي المدينة الوليد بن عتبة ابن أبي معيط، وكيف استدعى الإمام الحسين عليه السلام وطلب منه البيعة، ورفضه لها، وقال كلمته المشهورة: "أيها الأمير إنّا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق فاجر معلن بالفسق وشارب الخمر وقاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله" ويختم هذا المجلس بذكر وقوف الإمام الحسين عليه السلام على قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو على قبر أخيه الحسن أو على قبر أمه الزهراء عليها السلام أيضاً ويوجد نعي ومصيبة بكل هذه الموارد في كتب الشعر من قريضٍ وشعبي، وهذا شيء يعود اختياره إلى الخطيب وهو يختار ما يراه مناسباً لمجلسه.


من تاريخ اليعقوبى :

وكان معاوية أول من أقام الحرس والشرط والبوابين في الإسلام، وأرخى الستور واستكتب النصارى، ومشى بين يديه بالحراب، وأخذ الزكاة من الأعطيه، وجلس على السرير، والناس تحته، وجعل ديوان الخاتم وبنى وشيد البناء، وسخر الناس في بنائه، ولم يسخر أحد قبله، واستصفى أموال الناس، فأخذها لنفسه.

وكان سعيد بن المسيب يقول: فعل الله بمعاوية وفعل، فإنه أول من أعاد هذا الأمر ملكاً. وكان معاوية يقول: أنا أول الملوك. ورحل إليه عبد الله بن عمر يوماً، فقال: يا أبا عبد الله! كيف ترى بنياننا؟ قال: إن كان من مال الله فأنت من الخائنين، وإن كان من مالك فأنت من المسرفين. ودخل إليه عدي بن حاتم، فقال له: كيف زماننا هذا يا أبا طريف؟ قال: إن صدقناكم خفناكم، وإن كذبناكم خفنا الله. قال: أقسمت عليك! قال: عدل زمانكم هذا جور زمان قد مضى، وجور زمانكم هذا عدل زمان ما يأتي. واستقر خراج العراق وما يضاف إليه مما كان في مملكة الفرس في أيام معاوية على ستمائة ألف ألف وخمسة وخمسين ألف ألف درهم.

وكان خراج السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم، وخراج فارس سبعين ألف ألف، وخراج الأهواز وما يضاف إليها أربعين ألف ألف، وخراج اليمامة والبحرين خمسة عشر ألف ألف درهم، وخراج كور دجلة عشرة آلاف ألف درهم، وخراج نهاوند وماه الكوفة، وهو الدينور، وماه البصرة، وهو همذان، وما يضاف إلى ذلك من أرض الجبل أربعين ألف ألف درهم، وخراج الري وما يضاف إليها ثلاثين ألف ألف درهم، وخراج حلوان عشرين ألف ألف درهم، وخراج الموصل وما يضاف إليها ويتصل بها خمسة وأربعين ألف ألف درهم، وخراج آذربيجان ثلاثين ألف ألف درهم، بعد أن أخرج معاوية من كل بلد ما كانت ملوك فارس تستصفيه لأنفسها من الضياع العامرة وجعله صافية لنفسه، فأقطعه جماعة من أهل بيته.

وكان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه في هذه النواحي مائة ألف ألف درهم، فمنها كانت صلاته وجوائزه، واستقر خراج مصر في أيام معاوية على ثلاثة آلاف ألف دينار، وكان عمرو بن العاص يحمل منها إليه الشيء اليسير، فلما مات عمرو حمل المال إلى معاوية، فكان يفرق في الناس أعطياتهم، ويحمل إليه ألف ألف دينار، واستقر خراج فلسطين على أربعمائة وخمسين ألف دينار، واستقر خراج الأردن على مائة وثمانين ألف دينار، وخراج دمشق على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، وخراج جند حمص على ثلاثمائة وخمسين ألف دينار، وخراج قنسرين والعواصم على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، وخراج الجزيرة، وهي ديار مضر وديار ربيعة، على خمسة وخمسين ألف ألف درهم، وخراج اليمن على ألف ألف ومائتي ألف دينار، وقيل تسعمائة ألف دينار.

وكان معاوية قد ولي اليمن، لما استقامت له الأمور، فيروز الديلمي، ثم استعمل مكانه عثمان بن عفان الثقفي، ثم استعمل ابن بشير الأنصاري. وفعل معاوية بالشام والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة وأقطعها أهل بيته وخاصته. وكان أول من كانت له الصوافي في جميع الدنيا، حتى بمكة والمدينة، فإنه كان فيهما شيء يحمل في كل سنة من أوساق التمر والحنطة.



وملك يزيد بن معاوية، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبي، في مستهل رجب سنة ستون ، وكان غائباً فلما قدم دمشق كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهو عامل المدينة: إذا أتاك كتابي هذا، فأحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام. فورد الكتاب على الوليد ليلاً، فوجه إلى الحسين وإلى عبد الله بن الزبير، فأخبرهما الخبر، فقالا: نصبح ونأتيك مع الناس. فقال له مروان: إنهما والله إن خرجا لم ترهما، فخذهما بأن يبايعا، وإلا فاضرب أعناقهما. فقال: والله ما كنت لأقطع أرحامهما! فخرجا من عنده وتنحيا من تحت ليلتهما، فخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أياماً، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحي هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام.


فوجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكتب إليهم، وأعلمهم أنه أثر كتابه فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء. وأقبل الحسين من مكة يريد العراق، وكان يزيد قد ولى عبيد الله بن زياد العراق، وكتب إليه: قد بلغني أن أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنه قد خرج من مكة متوجها نحوهم، وقد بلي به بلدك من بين البلدان، وأيامك من بين الأيام، فإن قتلته، وإلا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك عبيد، فاحذر أن يفوتك.


مقتل الحسين بن علي

وقدم عبيد الله بن زياد الكوفة، وبها مسلم بن عقيل قد نزل على هانئ بن عروة، وهانئ شديد العلة، وكان صديقا لابن زياد، فلما قدم ابن زياد الكوفة أخبر بعلة هانئ، فأتاه ليعوده، فقال هانئ لمسلم بن عقيل وأصحابه، وهم جماعة: إذا جلس ابن زياد عندي وتمكن، فإني سأقول اسقوني، فاخرجوا فاقتلوه، فأدخلهم البيت وجلس في الرواق.

وأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فلما تمكن قال هانئ بن عروة: اسقوني! فلم يخرجوا، فقال: اسقوني، ما يؤخركم؟ ثم قال: اسقوني، ولو كانت فيه نفسي، ففهم ابن زياد، فقام فخرج من عنده، ووجه بالشرط يطلبون مسلماً، وخرج وأصحابه، وهو لا يشك في وفاء القوم، وصحة نياتهم، فقاتل عبيد الله، فأخذوه، فقتله عبيد الله، وجر برجله في السوق وقتل هانئ ابن عروة لنزول مسلم منزله وإعانته إياه.

وسار الحسين يريد العراق، فلما بلغ القطقطانة أتاه الخبر بقتل مسلم بن عقيل، ووجه عبيد الله بن زياد، لما بلغه قربه من الكوفة، بالحر بن يزيد، فمنعه من أن يعدل، ثم بعث إليه بعمر بن سعد بن أبي وقاص في جيش، فلقي الحسين بموضع على الفرات يقال له كربلاء وكان الحسين في اثنين وستين، أو اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته وأصحابه، وعمر بن سعد في أربعة آلاف، فمنعوه الماء، وحالوا بينه وبين الفرات، فناشدهم الله عز وجل، فأبوا إلا قتاله أو يستسلم، فمضوا به إلى عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيه، وينفذ فيه حكم يزيد، فروي عن علي بن الحسين أنه قال: إني لجالس في العشية التي قتل أبي الحسين ابن علي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني، إذ دخل أبي، وهو يقول:

يا دهر أف لك من خليل ... كم لك في الإشراق والأصيل
من طالب وصاحب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حي سألك السبيل

ففهمت ما قال: وعرفت ما أراد، وخنقتني عبرتي، ورددت دمعي، وعرفت أن البلاء قد نزل بنا، فأما عمتي زينب، فإنها لما سمعت ما سمعت، والنساء من شأنهن الرقة والجزع، لم تملك إن وثبت تجر ثوبها حاسرة، وهي تقول: ووا ثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم! ماتت فاطمة وعلي والحسن بن علي أخي، فنظر إليها فردد غصته، ثم قال: يا أختي اتقي الله، فإن الموت نازل لا محالة! فلطمت وجهها، وشقت جيبها، وخرت مغشياً عليها، وصاحت: واويلاه! وواثكلاه! فتقدم إليها، فصب على وجهها الماء، وقال لها: يا أختاه، تعزي بعزاء الله، فإن لي ولكل مسلم أسوة برسول الله، ثم قال: إني أقسم عليك، فأبرى قسمي، لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، فإني لمريض مدنف، وخرج إلى أصحابه.

فلما كان من الغد خرج فكلم القوم، وعظم عليهم حقه، وذكرهم الله عز وجل ورسوله، وسألهم أن يخلوا بينه وبين الرجوع، فأبوا إلا قتاله، أو أخذه حتى يأتوا به عبيد الله بن زياد، فجعل يكلم القوم بعد القوم والرجل بعد الرجل، فيقولون: ما ندري ما تقول، فأقبل على أصحابه فقال: إن القوم ليسوا يقصدون غيري، وقد قضيتم ما عليكم فانصرفوا، فأنتم في حل. فقالوا: لا والله، يا ابن رسول الله، حتى تكون أنفسنا قبل نفسك، فجزاهم الخير. وخرج زهير بن القين على فرس له فنادى: يا أهل الكوفة! نذار لكم من عذاب الله! نذار عباد الله! ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ولد سمية، فإن لم تنصروهم، فلا تقاتلوهم. أيها الناس! إنه ما أصبح على ظهر الأرض ابن بنت نبي إلا الحسين، فلا يعين أحد على قتله ولو بكلمة إلا نغصه الله الدنيا، وعذبه أشد عذاب الآخرة.

ثم تقدموا رجلاً رجلاً، حتى بقي وحده ما معه أحد من أهله، ولا ولده، ولا أقاربه، فإنه لواقف على فرسه إذ أتي بمولود قد ولد له في تلك الساعة، فأذن في أذنه، وجعل يحنكه، إذ أتاه سهم، فوقع في حلق الصبي، فذبحه، فنزع الحسين السهم من حلقه، وجعل يلطخه بدمه يقول: والله لأنت أكرم على الله من الناقة، ولمحمد أكرم على الله من صالح! ثم أتى فوضعه مع ولده وبني أخيه، ثم حمل عليهم، فقتل منهم خلقاً عظيماً، وأتاه سهم فوقع في لبته، فخرج من قفاه، فسقط، وبادر القوم فاحتزوا رأسه، وبعثوا به إلى عبيد الله بن زياد، وانتهبوا مضاربه، وابتزوا حرمه، وحملوهن إلى الكوفة، فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟ وأخرج عيال الحسين وولده إلى الشام، ونصب رأسه على رمح، وكان مقتله لعشر ليال خلون من المحرم سنة واحد وستون، واختلفوا في اليوم، فقالوا: يوم السبت، وقالوا: يوم الإثنين، وقالوا: يوم الجمعة، وكان من شهور العجم في تشرين الأول.


ووضع الرأس بين يدي يزيد، فجعل يزيد يقرع ثناياه بالقصب وكان أول صارخة صرخت في المدينة أم سلمة زوج رسول الله، كان دفع إليها قارورة فيها تربة، وقال لها: إن جبريل أعلمني أن أمتي تقتل الحسين وأعطاني هذه التربة، وقال لي: إذا صارت دما عبيطا فاعلمي أن الحسين قد قتل، وكانت عندها، فلما حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كل ساعة، فلما رأتها قد صارت دما صاحت: وا حسيناه! وابن رسول الله! وتصارخت النساء من كل ناحية، حتى ارتفعت المدينة بالرجة التي ما سمع بمثلها قط.

وكانت سن الحسين يوم قتل ستاً وخمسين سنة، وذلك أنه ولد في سنة أربعة من الهجرة.


وأخذ ابن الزبير عبد الله بن عباس بالبيعة له، فامتنع عليه، فبلغ يزيد بن معاوية أن عبد الله بن عباس قد امتنع على ابن الزبير، فسره ذلك، وكتب إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته، وعرض عليك الدخول في طاعته لتكون على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا، وإنك امتنعت عليه، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، وطاعة لله فيما عرفك من حقنا، فجزاك الله من ذي رحم بأحسن ما يجزى به الواصلين لأرحامهم، فإني ما آنس من الأشياء فلست بناس برك، وحسن جزائك، وتعجيل صلتك بالذي أنت مني أهله في الشرف والطاعة والقرابة بالرسول، وانظر، رحمك الله، فيمن قبلك من قومك، ومن يطرؤ عليك من الآفاق ممن يسحره الملحد بلسانه وزخرف قوله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي والتمسك ببيعتي، فإنهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد، والسلام.

فكتب إليه عبد الله بن عباس: من عبد الله بن عباس إلى يزيد بن معاوية. أما بعد، فقد بلغني كتابك بذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى نفسه وامتناعي عليه في الذي دعاني إليه من بيعته، فإن يك ذلك كما بلغك، فلست حمدك أردت، ولا ودك، ولكن الله بالذي أنوي عليم. وزعمت أنك لست بناس ودي فلعمري ما تؤتينا مما في يديك من حقنا إلا القليل، وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل، وسألتني أن أحث الناس عليك وأخذ لهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سروراً، ولا حبوراً، وأنت قتلت الحسين بن علي، بفيك الكثكث ولك الأثلب، إنك إن تمنك نفسك ذلك لعازب الرأي، وإنك لأنت المفند المهور. لا تحسبني، لا أبا لك، نسيت قتلك حسينا وفتيان بني عبد المطلب، مصابيح الدجى، ونجوم الأعلام، غادرهم جنودك مصرعين في صعيد، مرملين بالتراب، مسلوبين بالعراء، لا مكفنين، تسفي عليهم الرياح، وتعاورهم الذئاب، وتنشى بهم عرج الضباع، حتى أتاح الله لهم أقواماً لم يشتركوا في دمائهم، فأجنوهم في أكفانهم، وبي والله وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست، يا يزيد.
وما آنس من الأشياء، فلست بناس تسليطك عليهم الدعي العاهر، ابن العاهر، البعيد رحما، اللئيم أبا وأما الذي في ادعاء أبيك إياه ما اكتسب أبوك به إلا العار والخزي والمذلة في الآخرة والأولى، وفي الممات والمحيا، إن نبي الله قال: الولد للفراش، وللعاهر الحجر. فألحقه بأبيه كما يلحق بالعفيف النقي ولده الرشيد، وقد أمات أبوك السنة جهلاً وأحيا البدع والأحداث المضلة عمداً.

وما آنس من الأشياء، فلست بناس إطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرم الله، ودسك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة، فخرج منها خائفا يترقب، وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعز أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاما واستحل بها قتالاً، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحل حرمة البيت وحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم وما لم يكبر ابن الزبير حيث الحد بالبيت الحرام وعرضه للعائر وأراقل العالم، وأنت؟ لأنت المستحل فيما أظن بل لا شك فيه إنك للمحرف العريف، فإنك حلف نسوة، صاحب ملأه، فلما رأى سوء رأيك شخص إلى العراق، ولم يبتغك ضرابا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

ثم إنك الكاتب إلى ابن مرجانة أن يستقبل حسينا بالرجال، وأمرته بمعاجلته، وترك مطاولته، والإلحاح عليه، حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجاس، وطهرهم تطهيراً، فنحن أولئك لسنا كأبائك الأجلاف قاه الأكباد الحمير.


ثم طلب الحسين بن علي إليه الموادعة، وسألهم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره، واستئصال أهل بيته، فعدوتم عليهم، فقتلوهم كأنما قتلوا أهل بيت من الترك والكفر، فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودي ونصري، وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت آخذ ثاري، فإن يشأ الله لا يطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري، وإن سبقتني به في الدنيا، فقبلنا ما قتل النبيون وآل النبيين وكان الله الموعد، وكفى به للمظلومين ناصراً، ومن الظالمين منتقماً. فلا يعجبنك أن ظفرت بنا اليوم، فو الله لنظفرن بك يوماً.

فأما ما ذكرت من وفائي، وما زعمت من حقي، فإن يك ذلك كذلك، فقد والله بايعت أباك، وإني لأعلم أن ابني عمي وجميع بني أبي أحق بهذا الأمر من أبيك، ولكنكم، معاشر قريش، كاثرتمونا، فاستأثرتم علينا سلطاننا، ودفعتمونا عن حقنا، فبعدا على من يجترئ على ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا، وتولى الأمر دوننا. فبعدا لهم كما بعدت ثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، ومكذبو المرسلين.

ألا ومن أعجب الأعاجيب، وما عشت أراك الدهر العجيب، حملك بنات عبد المطلب وغلمة صغاراً من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوب، ترى الناس أنك قهرتنا، وأنك تأمر علينا، ولعمري لئن كنت تصبح وتمسي آمنا لجرح يدي، إني لأرجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي، فلا يستقر بك الجدل، ولا يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً، حتى يأخذك أخذاً أليماً، فيخرجك الله من الدنيا ذميماً أثيماً، فعش لا أبا لك، فقد والله أرداك عند الله ما اقترفت. والسلام على من أطاع الله.

وقعة الحرة :

وولى يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة، فأتاه ابن مينا، عامل صوافي معاوية، فأعلمه أنه أراد حمل ما كان يحمله في كل سنة من تلك الصوافي من الحنطة والتمر، وأن أهل المدينة منعوه من ذلك، فأرسل عثمان إلى جماعة منهم، فكلمهم بكلام غليظ، فوثبوا به وبمن كان معه بالمدينة من بني أمية، وأخرجوهم من المدينة واتبعوهم يرجمونهم بالحجارة، فلما انتهى الخبر إلى يزيد بن معاوية وجه إلى مسلم بن عقبة، فأقدمه من فلسطين، وهو مريض، فأدخله منزله، ثم قص عليه القصة، فقال: يا أمير المؤمنين! وجهني إليهم فو الله لأدعن أسفلها أعلاها، يعني مدينة الرسول، فوجهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديدا، وخندقوا على المدينة، فرام ناحية من نواحي الخندق، فتعذر ذلك عليه، فخدع مروان بعضهم، فدخل ومعه مائة فارس، فاتبعه الخيل حتى دخلت المدينة، فلم يبق بها كثير أحد إلا قتل، وأباح حرم رسول الله، حتى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهن، ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيد يزيد بن معاوية، فكان الرجل من قريش يؤتى به، فيقال: بايع آية إنك عبد قن ليزيد، فيقول: لا! فيضرب عنقه، فأتاه علي بن الحسين فقال: علام يريد يزيد أن أبايعك؟ قال: على أنك أخ وابن عم. فقال: وإن أردت أن أبايعك على أني عبد قن، فعلت فقال: ما أحشمك هذا، فلما أن رأى الناس إجابة علي بن الحسين قالوا: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على ما يريد، فبايعوه على ما أراد، وكان ذلك سنة اثنان وستون.


وكان جيش مسلم خمسة آلاف رجل: من فلسطين ألف رجل عليهم روح ابن زنباع الجذامي، ومن الأردن ألف رجل عليهم حبيش بن دلجة القيني، ومن دمشق ألف رجل عليهم عبد الله بن مسعدة الفزاري، ومن أهل حمص ألف رجل عليهم الحصين بن نمير السكوني، ومن قنسرين ألف رجل عليهم زفر بن الحارث الكلابي. وكان المدبر لأمر أهل المدينة والرئيس في محاربة أهل الشام عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري.

وخرج مسلم بن عقبة من المدينة يريد مكة لمحاربة ابن الزبير، فلما صار بثنية المشلل احتضر، واستخلف الحصين بن نمير، وقال له: يا برذعة الحمار! لو لا حبيش بن دلجة القيني لما وليتك، فإذا قدمت مكة، فلا يكون عملك إلا الوقاف ثم الثقاف، ثم الانصراف، ثم قال: اللهم إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل الحرة، فإني إذا لشقي. ثم خرجت نفسه فدفن بثنية المشلل، وجاءت أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة، فنبشته وصلبته على المشلل، وجاء الناس فرجموه، وبلغ الخبر الحصين بن نمير فرجع فدفنه، وقتل جماعة من أهل ذلك الموضع، وقيل لم يدع منهم أحداً.


وقدم الحصين بن نمير مكة فناوش ابن الزبير الحرب في الحرم، ورماه بالنيران حتى أحرق الكعبة. وكان عبد الله بن عمير الليثي قاضي ابن الزبير، إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الشام! هذا حرم الله الذي كان مأمناً في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد، فاتقوا الله، يا أهل الشام! فيصيح الشاميون: الطاعة الطاعة! الكرة الكرة! الرواح قبل المساء! فلم يزل على ذلك حتى أحرقت الكعبة، فقال أصحاب ابن الزبير: نطفئ النار، فمنعهم، وأراد أن يغضب الناس للكعبة، فقال بعض أهل الشام إن الحرمة والطاعة اجتمعتا، فغلبت الطاعة الحرمة. وكان حريق الكعبة في سنة ثلاث وستون.

وكتب مروان بن الحكم إلى الحصين بن نمير، وهو في محاربة ابن الزبير: لا يهولنك ما حدث، وامض لشأنك. وبلغ الخبر ابن الزبير وذاع في العسكر، فانكسرت شوكة القوم، وأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير: نلتقي الليلة على الأمان، فالتقيا، فقال له الحصين بن نمير: إن يزيد قد مات، وابنه صبي، فهل لك أن أحملك إلى الشام، فليس بالشام أحد، فأبايع لك، فليس يختلف عليك اثنان؟ فقال ابن الزبير، رافعا صوته: لا والله الذي لا إله إلا هو، أو تقتل بأهل الحرة أمثالهم من أهل الشام فقال له الحصين: من زعم أنك داهية فهو أحمق. أقول لك ما لك سراً، وتقول لي ما عليك علانية؟ ثم انصرف. وكان سعيد بن المسيب يسمى سني يزيد بن معاوية بالشؤم: في السنة الأولى قتل الحسين بن علي وأهل بيت رسول الله، والثانية استبيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهكت حرمة المدينة، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله وحرقت الكعبة.


المختار الثقفي وثأره من قتلة الحسين :

وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي أقبل في جماعة عليهم السلاح، يريدون نصر الحسين بن علي، فأخذه عبيد الله بن زياد، فحبسه، وضربه بالقضيب، حتى شتر عينه، فكتب فيه عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية وكتب يزيد إلى عبيد الله: إن خل سبيله، فخلى سبيله، ونفاه، فخرج المختار إلى الحجاز، فكان مع ابن الزبير، فلما لم ير ابن الزبير يستعمله شخص إلى العراق، فوافى وقد خرج سليمان بن صرد الخزاعي يطلب بدم الحسين، فلما صار إلى الكوفة اجتمعت إليه الشيعة، فقال لهم: إن محمد بن علي بن أبي طالب بعثني إليكم أميرا، وأمرني بقتل المحلين، وأطلب بدماء أهل بيته المظلومين، وإني والله قاتل ابن مرجانة، والمنتقم لآل رسول الله ممن ظلمهم. فصدقه طائفة من الشيعة، وقالت طائفة: نخرج إلى محمد بن علي فنسأله، فخرجوا إليه، فسألوه، فقال: ما أحب إلينا من طلب بثأرنا، وأخذ لنا بحقنا، وقتل عدونا، فانصرفوا إلى المختار، فبايعوه وعاقدوه، واجتمعت طائفة.

وكان ابن مطيع عامل ابن الزبير على الكوفة، فجعل يطلب الشيعة ويخيفهم، فواعد المختار أصحابه، ثم خرجوا بعد المغرب، وصاحب الجيش إبراهيم ابن مالك بن الحارث الأشتر، ونادى: يا لثارات الحسين بن علي! وكان ذلك سنة ست وستون، والتحم القتال بينهم وبين عبد الله بن مطيع، وكانت أشد حرب وأصعبها.

ثم صار ابن مطيع إلى القصر ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع المختار إلى ابن مطيع مائة ألف، وقال له: تحمل بها وأنفذ لوجهك. وسرح المختار عماله إلى النواحي، فأخرجوا من كان فيها، وأقاموا بها.
وكان عامل المختار على الموصل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، فزحف إليه عبيد الله بن زياد، بعد قتله سليمان بن صرد، فحاربه عبد الرحمن، وكتب إلى المختار بخبره، فوجه إليه يزيد بن أنس، ثم وجه إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر، فلقي عبيد الله بن زياد فقتله، وقتل الحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وحرق أبدانهما بالنار، وأقام واليا على الموصل وأرمينية وآذربيجان من قبل المختار وهو على العراق وال، ووجه برأس عبيد الله بن زياد إلى علي بن الحسين إلى المدينة مع رجل من قومه، وقال له: قف بباب علي بن الحسين، فإذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس، فذاك الوقت الذي يوضع فيه طعامه، فأدخل إليه. فجاء الرسول إلى باب علي بن الحسين، فلما فتحت أبوابه، ودخل الناس للطعام، نادى بأعلى صوته: يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الملائكة، ومنزل الوحي! أنا رسول المختار بن أبي عبيد معي رأس عبيد الله بن زياد، فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امرأة إلا صرخت، ودخل الرسول، فأخرج الرأس، فلما رآه علي بن الحسين قال: أبعده الله إلى النار. وروى بعضهم أن علي بن الحسين لم ير ضاحكا يوماً قط، منذ قتل أبوه، إلا في ذلك اليوم، وإنه كان له إبل تحمل ألفاًكهة من الشام، فلما أتي برأس عبيد الله بن زياد أمر بتلك ألفاًكهة، ففرقت في أهل المدينة وامتشطت نساء آل رسول الله، واختضبن، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي وتتبع المختار قتلة الحسين فقتل منهم خلقا عظيما، حتى لم يبق منهم كثير أحد، وقتل عمر بن سعد وغيره، وحرق بالنار، وعذب بأصناف العذاب.

ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية.

وتحامل عبد الله بن الزبير على بني هاشم تحاملاً شديداً، وأظهر لهم العداوة والبغضاء، حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته، فقيل له: لم تركت الصلاة على النبي؟ فقال: إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به.

وأخذ ابن الزبير محمد بن الحنفية، وعبد الله بن عباس، وأربعة وعشرين رجلاً من بني هاشم ليبايعوا له، فامتنعوا، فحبسهم في حجرة زمزم، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ليبايعن أو ليحرقنهم بالنار، فكتب محمد بن الحنفية إلى المختار بن أبي عبيد: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي ومن قبله من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المختار بن أبي عبيد ومن قبله من المسلمين، أما بعد فإن عبد الله بن الزبير أخذنا، فحبسنا في حجرة زمزم، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو لنبايعنه، أو ليضرمنها علينا بالنار، فيا غوثاً! فوجه إليهم المختار بن أبي عبيد بأبي عبد الله الجدلي في أربعة آلاف راكب، فقدم مكة، فكسر الحجرة، وقال لمحمد بن علي: دعني وابن الزبير! قال: لا أستحل من قطع رحمه ما استحل مني.

وبلغ محمد بن علي بن أبي طالب أن ابن الزبير قام خطيبا فنال من علي بن أبي طالب، فدخل المسجد الحرام، فوضع رحلا، ثم قام عليه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد، ثم قال: شاهت الوجوه، يا معشر قريش، أيقال هذا بين أظهركم وأنتم تسمعون ويذكر علي فلا تغضبون؟ ألا إن علياً كان سهما صائبا من مرامي الله أعداءه، يضرب وجوههم، ويهوعهم مأكلهم، ويأخذ بحناجرهم. ألا وأنا على سنن ونهج من حاله، وليس علينا في مقادير الأمور حيلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

فبلغ قوله عبد الله بن الزبير، فقال: هذا عذرة بني الفواطم، فما بال ابن أمه بني حنيفة؟ وبلغ محمداً قوله، فقال: يا معاشر قريش وما ميزني من بني الفواطم؟ أليست فاطمة ابنة رسول الله حليلة أبي وأم إخوتي؟ أ وليست فاطمة بنت أسد بن هاشم جدتي وأم أبي؟ أليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم جدة أبي وأم جدتي؟ أما والله لو لا خديجة بنت خويلد لما تركت في أسد عظماً إلا هشمته، فإني بتلك التي فيها المعاب صبير.

ولما لم يكن بابن الزبير قوة على بني هاشم، وعجز عما دبره فيهم، أخرجهم عن مكة، وأخرج محمد بن الحنفية إلى ناحية رضوى، وأخرج عبد الله بن عباس إلى الطائف إخراجاً قبيحاً، وكتب محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن عباس: أما بعد، فقد بلغني أن عبد الله بن الزبير سيرك إلى الطائف، فرفع الله بك أجرا، واحتط عنك وزرا، يا ابن عم، إنما يبتلي الصالحون، وتعد الكرامة للأخيار ولو لم تؤجر إلا فيما نحب وتحب قل الأجر، فاصبر فإن الله قد وعد الصابرين خيراً، والسلام.

وروى بعضهم أن محمد بن الحنفية صار أيضا إلى الطائف، فلم يزل بها، وتوفي ابن عباس بها في سنة ثمان وستون، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، ودفن عبد الله بن عباس بالطائف في مسجد جامعها، وضرب عليه فسطاط، ولما دفن أتى طائر أبيض فدخل معه قبره، فقال بعض الناس: علمه، وقال آخرون: عمله الصالح.

قال عبد الله بن عباس: أردفني رسول الله، ثم قال لي: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى! يا رسول الله. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، اذكر الله في الرخاء


يذكرك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن، ولو جهد الخلق على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو جهدوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، إن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.

وكان لعبد الله بن العباس من الولد خمسة ذكور: علي بن عبد الله، وهو أصغرهم سناً، إلا أنه تقدم لشرفه ونبله، والعباس كان أكبر ولده، وكان يلقب بالأعنق، ومحمد، والفضل، وعبد الرحمن.

وفي هذه السنة وقفت أربعة ألوية بعرفات: محمد بن الحنفية في أصحابه، وابن الزبير في أصحابه، ونجدة بن عامر الحروري، ولواء بني أمية، وقال المساور بن هند بن قيس: وتشعبوا شعباً، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين.

ووجه عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير إلى العراق، فقدمها سنة ثمان وستون، فقاتله المختار، وكانت بينهم وقعات مذكورة، وكان المختار شديد العلة من بطن به، فأقام يحارب مصعبا أربعة أشهر، ثم جعل أصحابه يتسللون منه حتى بقي في نفر يسير، فصار إلى الكوفة، فنزل القصر، وكان يخرج في كل يوم، فيحاربهم في سوق الكوفة أشد محاربة، ثم يرجع إلى القصر. وكان عبيد الله بن علي بن أبي طالب مع مصعب بن الزبير، فجعل مصعب يقول: يا أيها الناس، المختار كذاب، وإنما يغركم بأنه يطلب بدم آل محمد، وهذا ولي الثأر، يعني عبيد الله بن علي، يزعم أنه مبطل فيما يقول.

ثم خرج المختار يوماً، فلم يزل يقاتلهم أشد قتال يكون، حتى قتل، ودخل أصحابه إلى القصر فتحصنوا، وهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم مصعب الأمان، وكتب لهم كتابا بأغلظ العهود، وأشد المواثيق، فخرجوا على ذلك، فقدمهم رجلاً رجلاً فضرب أعناقهم، فكانت إحدى الغدرات المذكورة المشهورة في الإسلام. وأخذ أسماء بنت النعمان بن بشير امرأة المختار، فقال لها: ما تقولين في المختار بن أبي عبيد؟ قالت: أقول إنه كان تقياً، نقياً صواماً. قال: يا عدوة الله أنت ممن يزكيه! فأمر بها فضرب عنقها، وكانت أول امرأة ضرب عنقها صبراً، فقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول
قتلوها بغير جرم أتته ... إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول





****



بعض أفعال معاوية

- اغتصابه الخلافة بالقهر.

- قتل حجر بن عدي وأصحابه لأنهم رفضوا سب علي (ع) والبراءة منه ووقفوا في وجه من يفعل ذلك وقد قالت عائشة لمعاوية : الله الله في حجر وأصحابه وعاتبته وقالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : يقتل بعدي

    (1) المسعودي ج 2 ص 369.
    (2) تاريخ الطبري ج 4 ص 27.

(184)
بعذراء (بالشام) سبعة رجال يغضب الله وأهل السماء لهم (1). وقال الإمام علي (ع) :
    « يا أهل الكوفة سيقتل منكم سبعة نفر هم خياركم بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود ».

- جعل سب علي (ع) سنة يتبرك بها غربانه في أقطار حكومته.

- سفك دماء شيعة الإمام الطاهر علي (ع) واستباحة أموالهم وأعراضهم وقطع أصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم وحتى نسائهم ، ولا أدري أين كان ابن آكلة الأكباد والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يوصي الأمة بهم خيرا.

- اجتهاده وإلحاقه زياد ابن أبيه وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الولد للفراش وللعاهر الحجر.

- نقض كل المواثيق والعهود التي أبرمها مع الإمام الزكي الحسن بن علي (ع) بعد أن عقد معه صلحا ، إلا أن معاوية وعندما هدأت له الأمور خطب في أهل الكوفة وقال : يا أهل الكوفة إني ما قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج. ولقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم (2) إلى أن قال : وكل شرط شرطته وكل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به «.

- وختم صفحته السوداء مع الحسن (ع) بدس السم إليه فلقي الحسن (ع) ربه شهيدا مظلوما ، ولما سقي السم ، وقام لحاجته ثم رجع فقال : لقد سقيت السم عدة مرات فما سقيت مثل هذه لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي.

    وكان معاوية قد أطمع جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن (ع) بالزواج من يزيد ابنه ثم طلب منها دس السم للحسن (ع) ، ولما استشهد الحسن (ع) أرسل لها قائلا : إنا

    (1) الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر العسقلاني ص 315.
    (2) البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 134.


(185)

نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.

أما أعظم ما فعله فهو استخلافه يزيد وهو الخمير السكير ، وسيأتيك خبره مع وجوه الصحابة وأفضال القوم.

    إن بني أمية يبحثون عن هذه الفرصة منذ أن علاهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسيف ونصره الله عليهم وهم مشركون وأظهره على جزيرة العرب بعد أن أكرمه بالنبوة وحباه بالرسالة ، ولا يخفى عداء بني أمية لبني هاشم ، فكيف بهم إذا كان النبي من بني هاشم والأوصياء والخلفاء منهم ، وما كان في خلد معاوية يوم استقرت له السلطة وتم له الملك أن يتخذ ابنه ولي عهده ويأخذ له البيعة ويؤسس حكومة أموية مستقرة في أبناء بيته ، فلم يزل يروض الناس لبيعة يزيد سبع سنين يرسل للأقطار بعد أن بويع له بالشام وسافر معاوية بنفسه إلى المدينة ومكة ساعيا وراء البيعة لابنه.

    ونختم المطلب بقول الحسن البصري عندما سئل عن معاوية ، قال : ـ أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منها وفيهم بقايا الصحابة وذوي الفضيلة ، واستخلافه ابنه يزيد بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا ويل له من حجر « قالها مرتين »

 


****



من تاريخ الخلفاء للسيوطى :

و بعث أهل العراق إلى الحسين الرسل و الكتب يدعونه إليهم فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة و معه طائفة من آل بيته رجالا و نساء و صبيانا فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله فوجه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله فلما رهقه السلاح عرض عليه الاستسلام و الرجوع و المضي إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلا قتله فقتل و جيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله و ابن زياد معه و يزيد أيضا .

و كان قتله بكربلاء و في قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها فإنا لله و إنا إليه راجعون و قتل معه ستة عشر رجلا من أهل بيته .

و لما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام و الشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة و الكواكب يضرب بعضها بعضا و كان قتله يوم عاشوراء و كسفت الشمس ذلك اليوم و احمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك و لم تكن ترى فيها قبله .

و قيل : إنه لم يقلب حجر بيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط و صار الورس الذي في عسكرهم رمادا و نحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل النيران و طبخوها فصارت مثل العلقم و تكلم رجل بالحسين بكلمة فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره قال الثعالبي : روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال : رأيت قي هذا القصر ـ و أشار إلى قصر الإمارة بالكوفة ـ رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه و فارق مكانه .

و أخرج الترمذي [ عن سلمى قالت : دخلت على أم سلمة و هي تبكي فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام ـ و على رأسه و لحيته التراب ـ فقلت ما لك يا رسول الله ؟ قال : شهدت قتل الحسين آنفا ]

و أخرج البيهقي في الدلائل [ عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بنصف النهار أشعث أغبر ـ و بيده قارورة فيها دم ـ فقلت : بأبي و أمي يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين و أصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم ] فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ .

و أخرج أبو نعيم في الدلائل عن أم سلمة قالت : سمعت الجن تبكي على حسين و تنوح عليه

و أخرج ثعلب في أماليه عن أبي خباب الكلبي قال : أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب : أخبرني بما بلغني أنكم تسمعون نوح الجن فقال : ما تلقى أحد إلا أخبرك أنه سمع ذلك قلت : فأخبرني بما سمعت أنت قال : سمعتهم يقولون :

( مسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود )
( أبواه من عليا قري ... ش وجده خير الجدود )

و لما قتل الحسين و بنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك و أبغضه الناس و حق لهم أن يبغضوه .

و أخرج أبو يعلى في مسنده بسند ضعيف [ عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يزال أمر أمتي بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له : يزيد ]

و قال نوفل بن أبي الفرات : كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد فقال : قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية فقال : تقول أمير المؤمنين ؟ و أمر به فضرب عشرين سوطا .

و في سنة ثلاث و ستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه و خلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا و أمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاؤوا و كانت وقعة الحرة على باب طيبة و ما أدراك ما وقعة الحرة ؟ ذكرها الحسن مرة فقال : و الله ما كاد ينجوا منهم أحد قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم و من غيرهم و نهبت المدينة و افتض فيه ألف عذراء فإنا لله و إنا إليه راجعون ! قال صلى الله عليه و سلم : [ من أخاف أهل المدينة أخافه الله و عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ] رواه مسلم .

و كان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي و أخرج الواقدي من طرق أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال : و الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن يرمى بالحجارة من السماء ! إنه رجل ينكح أمهات الأولاد و البنات و الأخوات و يشرب الخمر و يدع الصلاة .

قال الذهبي : و لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل ـ مع شربه الخمر و إتيانه المنكرات ـ اشتد عليه الناس و خرج عليه غير واحد و لم يبارك الله في عمره و سار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير فمات أمير الجيش بالطريق فاستخلف عليهم أميرا و أتوا مكة فحاصروا ابن الزبير و قاتلوه و رموه بالمنجنيق و ذلك في صفر سنة أربع و ستين و احترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة و سقفها و قرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل و كان في السقف و أهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام فجاء الخبر بوفاته و القتال مستمر فنادى ابن الزبير : يا أهل الشام إن طاغيتكم قد هلك فانقلوا و ذلوا و تخطفهم الناس و دعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه و تسمى بالخلافة و أما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد و لم تطل مدته كما سيأتي.




 ****


من مروج الذهب للمسعودى :

سم الحسن رضي اللّه عنه

حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، قال: دخل الحسين عَلَى عمي الحسن بن علي لما سقي السم، فقام لحاجة الإنسان ثم رَجَع، فقال: لقد سقيت السم على مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين: يا أخي، مَنْ سَقَاك. قال: وما تريد بذلك. فإن كان الذي أظنه فاللهّ حسيبه وإن كان غيره فما أحِبُّ أن يؤخذ بي بريء، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى توفي، رضي اللّه عنه.

ذكر الذي سمّه

وذكر أن امرأته جَعْدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دسَّ إليها: إنك إن احتلْتِ في قتل الحسن وَجَّهت إليك بمائة ألف درهم، وزوَّجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سَمّه، فلما مات وَفَى لها معاوية بالمال، وأرسل إليها: إنا - نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.

وذكر أن الحسن قال عند موته: لقد حَاقَتْ شربته، وبلغ أمنيته والله لا وَفَى لها بما وَعَدَ، ولا صدق فيما قال.


قال المسعودي رحمه اللهّ: ووجدت في كتاب الأخبار لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن صالح بن علي بن عطية الأصم قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، عن أبي عون صاحب الدولة، عن محمد بن علي بن عبد اللهّ بن العباس، عن أبيه، عن جده، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه أَسْفَرَ في وجهه، فقلت: يا رسول اللهّ، إنك لتُسْفِر في وجه هذا الغلام، فقال: يا عَمَّ رسول اللّه، واللهِّ اللّهُ أشد حباً له مِنِّي، إنه لم يكن نبيُّ إلا وذريته الباقية بعدي من صُلْبه، وإن ذريتي بعدي من صُلْب هذا، إنه إذا كان يوم القيامة دُعِيَ الناس بأسمائهم وأسماء أمهاتهم ستراً من اللّه عليهم، إلا هذا وشيعته فإنهم يُدْعَوْنَ بأسمائهم أسماء آبائهم لصحة ولادتهم.

سرور معاوية بموت الحسن

وحدث محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حُمَيد الرَّازي، عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عباس بن ربيعة، قال: وفد عبد اللّه بن العباس على معاوية، قال: فواللّه إني لفي المسجد إذ كبرَ معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجَتْ فاختة بنت قرظ بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخِة لها، فقالت: سَرَّكَ اللّه يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال: موت الحسن بن علي، فقالت: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ثم بكَتْ وقالت: مات سيّد المسلمين، وابن بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: نعما واللّه ما فعلت، إنه كان كذلك أهلاً أن تبكي عليه، ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي اللّه عنهما، فراح فدخل على معاوية، قال: علمتُ يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت؟ قال: نعم، قال: أما واللّه ما مَوْتُه بالذي يؤخِّر أجلك، ولا حُفْرَتُه بسَادَةٍ حُفْرَتَكَ، ولئن أصبنا به قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر اللّه تلك المصيبة، ورفع تلك العَثْرَة، فقال: وَيْحَكَ يا ابن عباس! ما كلمتك قط إلا وجدتك معداً.

ولما صالح الحسن معاوية لما ناله من أهل الكوفة وما نزل به أشار عمرو بن العاص على معاوية - وذلك بالكوفة - أن يأمر الحسن فيقوم فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما أريد أن يخطب بالناس، قال عمرو: لكني أريد أن يبدو عيه في الناس بأنه يتكلم في أمور لا يدْرِي ما هي، ولم يزل به حتى أطاعه؟ فخرج معاوية فخطب الناس، وأمر رجلاً أن ينادي بالحسن بن علي، فقام إليه، فقال: قم يا حسن فكلم الناسَ، فقام فتشهد في بديهته، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا، وَحَقَنَ دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دُوَلٌ، قال اللّه عزّ وجل لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " ثم قال في كلامه ذلك: يا أهل الكوفة، لو لم تُذْهَلْ نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذُهِلت: مَقْتَلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.

وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سُرَادق الحسن وَرَحْله، وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح.


خطبة للحسن

وقد كان عليّ رضي اللّه عنه وكرم اللّه وجهه اعتلَّ، فأمر ابنه الحسن رضي اللّه عنه أن يصلى بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد اللهّ وأثنى عليه، ثم قال: إن اللّه لم يبعث نبيّاً إلا اختار له نقيباً وَرَهْطاً وبيتاً، فو الذي بعث محمداً بالحق نبيّاً لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عَمَله مثله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.

خطبة أخرى

ومن خطب الحسن رضي اللهّ عنه في أيامه في بعض مقاماته أنه قال: نحن حزب اللهّ المفلحون، وَعِتْرَة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خَلَّفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني كتاب اللّه، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خَلْفِه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإنَّ طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة اللهّ والرسول وأولي الأمر مقرونة فإن تنازعتم في شيء فَردُّوه إلى اللّه والرسول... ولو رَعُّوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم وأحذركم الِإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نَكَصَ على عقيبه وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون " فتلقون للرماِح أزرا، وللسيوف جزرا، وللعمد خطأ، وللسهام غَرَضاً، ثم لا ينفع نفساَ إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، واللهّ أعلم.

قام يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علافي الثقفي - وكانت صفية مولاة سُمَيَّة - فقال: يا معاوية، قضى رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضيت أنت أن الولد للعاهر وأن الحجر للفراش، مُخَالَفَةً لكتاب اللّه تعالى، وانصرافاً عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان، فقال معاوية: واللهّ يا يونس لتنتهين أو لأطيرن بك طيرة بطيئاً وقوعها، فقال يونس: هل إلا إلى اللّه ثم أقع؟ قال: نعم وأستغفر اللّه، فقال عبد الرحمن بن أمّ الحكم في ذلك ويقال: إنه ليزيد بن مفرغ الحميري:

ألا أبلغ معاوية بن حَرْب ... مُغَلْغَلًةَ عن الرجل اليماني
أتغضب أن يُقال: أبُوكَ عَف ... وترضى أن يُقال: أبُوكَ زاني؟
فأشهد أن رِحْمَكَ من زياد ... كَرِحْم الذيل من ولد الأتان

ولما قتل علي كرم اللّه وجهه كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم بن عُتْبَة بن أبي وَقَّاص المِرْقَال وولده عبد اللهّ بن هاشم إحَنٌ، فلما استعمل معاوية زياداً على العراق كتب إليه، أما بعد: فانظر عبد اللّه بن هاشم عتبة، فشدَّ يده إلى عنقه، ثم أبعث به إلي فحمله زياد من البصرة مُقَيَّداً مغلولاً إلى دمشق، وقد كان زياد طَرَقَه بالليل في منزله بالبصرة، فأدخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا. قال: لا، قال: هذا الذي يقول أبوه يوم صِفَين:

إني شَرَبْتُ النَّفس لما اعْتَلا ... وأكثَرَ اللوم وما أقلاَّ
أعْوَر يبغي أهْلَهُ محلاّ ... قدعالج الحياة حتى مَلاَّ
لا بُدَّ أن يَغُلَّ أو يُفَلا ... أشلُّهم بذي الكُعُوب شَلا
لا خَيْرَ عندي ... في كَرِيم وَلَّى

فقال عمرو متمثلاً:

وقد يَنْبُتُ المَرْعَى على دمَنِ الثّرَى ... وتبقى حزَازَاتُ النفوس كما هيا

دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب فاشخب أوداجه على أسباجه، ولا ترده إلى أهل العراق، فإنه لا يصبر عن النفاق، وهم أهلِ غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجاء، وإن له هَوى سَيرديه يه، ورأياً سيطغيه، وبطانة ستقويه، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فقال عبد اللّه: يا عمرو، إن أقتل فرجل أسْلَمه قومه، وأدركَه يومُه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وأنت تلوذ بسمال النطاف، وعقائق الرصاف، كالأمة السوداء، والنعجة القَوْدَاء، لا تدفع يد لامس، فقال: عمرو، أما واللّه لقد وقعت في لهاذم شَذْقَم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتا من مخاليب أمير المؤمنين، فقال عبد اللّه: أما واللهّ يا ابن العاص إنك لبَطِر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غَشُوم إذا وليت، هيابة إذا لقيت، تهدر كما يهد العَوْدُ المنكوس المقيد بين مجرى الشول لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشدة، أفلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغاراً، ولم يمرقُوا كباراً، لهم أيد شداد، وألسنة حداد، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويعزون الذليل، فقال عمرو: أما واللّه لقد رأيت أباك يومئذ تخفق أحشاؤه، وتبق أمعاؤه، وتضطرب أطلاؤه، كأنما انطبق عليه صمد، فقال عبد اللّه: يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالَتَكَ فوجدنا لسانك كذوباً غادراً، خلوتَ بأقوام لا يعرفونك، وجُنْدٍ لا يسامونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ إليك عقلك، ولتلجلج لسانك، ولا ضطرب فخذاك اضطراب القَعُودِ الذي أثقله حمله، فقال معاوية: أيهاً عنكما، وأمر بإطلاق عبد اللّه.


بين معاوية ومحمد بن أبي بكر

ولما صرف علي رضي الله عنه قيْسَ بن سعد بن عُبَادةَ عن مصر وَجَّه مكانه محمد بن أبي بكر، فلما وصل إليها كتب إلى معاوية كتاباً فيه: من محمد بن أبي بكر، إلى الغاوي معاوية بن صخر، أما بعد، فإن اللّه بعظمته وسلطانه خلق خلقه بلا عبث منه، ولا ضعف في قوته، ولا حاجة - به إلى خلقهم، ولكنه خلقهم عبيداً، وجعل منهم غويّاً ورشيداً، وشقياً وسعيداً، ثم اختار على علم واصطفى وانتخب منهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فانتخبه بعلمه، واصطفاه برسالته، وائتمنه على وحيه، وبعثه رسولاً ومبشراً ونذيراً ووكيلاً فكان أول من أجاب وأناب وآمن وصدق وأسلم وسَلّم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب: صدقه بالغيب المكتوم، أثره على كل حميم، وَوَقَاه بنفسه كل هَوْل، وحارب حَرْبه، وسالم سِلْمَه، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الليل والنهار والخوف والجوع والخضوع حتى برز سابقاً لا نظير له فيمن اتبعه، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تُسَاميه وأنت أنت، وهو هو، أصدق الناس نية، وأفضل الناس ذرية، وخير الناس زوجة، وأفضل الناس ابن عم: أخوه الشاري بنفسه يوم موته، وعمه سيد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، وعن حَوْزَته، وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تَبْغِيانِ لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم الغَوَائل، وتجهدان في إطفاء نور اللّه، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتؤلَبان عليه القبائل، وعلى ذلك مات أبوك، وعليه خَلَفْته، والشهيد عليك من تدني ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق، والشاهد لعلي - مع فضله المبين القديم - أنصاره الذين معه وهم الذين. ذكرهم اللّه بفضلهم، وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، وهم معه كتائب وعصائب، يَروْنَ الحق في إتباعه، والشقاء في خلافه، فكيف - يا لك الويل! - تَعْدِلُه نفسك بعده وهو وارث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ووصيه وأبو ولده: أول الناس له أتباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسره، ويطلعه على أمره، وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتَّعْ في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وَهَى، ثم يتبين لك لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي أمِنْتَ كَيده، ويئست من رَوْحه؟ فهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، والسلام على من اتبع الهدى.


وحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن أبي مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، قال: لما حج معاوية طاف بالبيصَ ومعه سعد، فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الندرَة، فأجلسه معه على سريره، ووَقَعَ معاوية في علي وشَرَعَ في سَبَّه، فزحف سعد ثم قال: أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي، واللهّ لأن يكون فيَّ خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن - يكون لي ما طلعت عليه الشمس، واللّه لأن أكون صهراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لي من الولد ما لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، والله لأن يكون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال لي ما قاله يوم خيبر " لأعطيَنَّ الراية غداً رجلاً يحبه اللّه ورسوله ويحب اللهّ ورسوله ليس بِفَرَّار، يفتح اللهّ على يديه " أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، واللهّ لأن يكون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لي ما قال له في غزوة تبوك: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " أحبُّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، وأيم الله لا دخلت لك داراً ما بقيت، ثم نهض " .


كان معاوية أول من بايع ليزيد ابنه بولاية العهد، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن همام السلولي:

فإن تَاتوا بِرَمْلَةَ أوبهند ... نُبَايعها أميرة مؤمنينا
إذا ما مات كسرى قام كسرى ... نعدُ ثلاثة مُتَنَاسقينا
فيا لهفا لَوَ أن لنا أنوفا ... ولكن لا نعود كما عنينا
إذا لضربتُمُ حَتَى تعودوا ... بمكه تلعقون بها السَّخِينَا
خشينا الغيظ حَتَى لو شَرِبْنَا ... دماء بني أمية ما رَوَينَا
لقد ضاعت رَعِيَّتكُمْ وأنتم ... تَصِيدُونَ الأرانب غافلينا

وأنفذت الكتب ببيعة يزيد إلى الأمصار، وكتب معاوية إلى مروان بن الحكم - وكان عاملَه على المدينة - يعلمه باختياره يزيد، ومبايعته إياه بولاية العهد، ويأمره بمبايعته، وأخذ البيعة له على من قِبَلَه، فلما قرأ مروان ذلك خرج مُغْضَباً في أهل بيته وأخواله من بني كنانة، حتى أتى دمشق فنزلها، ودخل على معاوية يمشي بين السِّمَاطين، حتى إذا كان منه بقدر ما يُسْمعه صَوْتَه سَلّم، وتكلم بكلام كثير يوبخ به معاوية، منه: أقم الأًمور يا ابن أبي سفيان، واعدل عن تأميرك الصبيان، واعلم أن لك من قومك نُظَرَاء، وأن لك على مناوأتهم وزراء، فقال له معاوية: أنت نظير أمير المؤمنين، وعُدّته في كل شديده وعَضده، والثاني بعد وليِّ عهده، وجعله ولي عهد يزيد، وردَه إلى المدينة، ثم إنه عزله عنها، وولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يَفِ لمروان بما جعل له من ولاية عهد يزيد بن معاوية.

وبلغ من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه .. وبلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهمِ عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن علياَ هو الذي قتل عًمّار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لَعْنَ علي سُنَة، ينشأ عليها الصغير؟ ويهلك عليها الكبير.


من غفلة أهل الشام والعراق

. قال المسعودي: وذكر بعض الإخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: مَنْ أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصاً من لصوص الفتن.

وحكى الجاحظ قال: سمعت رجلاً من العامة وهو حاج وقد ذكر له البيت يقول: إذا أتيته مَنْ يكلّمني. منه ؟ وأنه أخبره صديق له أنه قال له رجل منهم وقد سمعه يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم : ما تقول في محمد هذا؟ أربنا هو؟.


وذكر لي بعض إخواني أن رجلاً من العامة بمدينة السلام رفع إلى بعض الولاة الطالبين لأصحاب الكلام عَلَى جار له أنه يتزندق، فسأله الوالي عن مذهب الرجل، فقال: إنه مُرْجىء قَدَرِيّ ناصبي رافضي، فلما قصهُ عن ذلك قال: إنه يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل علَيّ بن العاص، فقال له الوالي: ما أدري عَلَى أي شيء أحسدك: أعلى علمك بالمقالات، أو على بصرك بالأنساب؟.

وأخبرني رجل من إخواننا من أهل العلم، قال: كنا نقعد نتناظر في أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية، ونذكر ما يذكره أهل العلم، وكان قوم من العامة يأتون فيستمعون منا، فقال لي ذات يوم بعضُهم وكان من أعقلهم وأكبرهم لحية، كم تُطْنبون في علي ومعاوية وفلان وفلان، فقلت له: فما تقول أنت في ذلك؟ قال: من تريد؟ قلت: علي، ما تقول فيه قال: أليس هو أبو فاطمة؟ قلت: ومَنْ كانت فاطمة؟ قال: امرأة النبي عليه السلام بنت عائشة أخت معاوية، قلت: فما كانت قصة علي. قال: قتل في غَزَاة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم.



وحدث منصور بن وحشي، عن الحارث بن مسمار البهراني، قال: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد اللّه بن الكَوَّاء اليشكري ورجالاً من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوماً فقال: نشدتكم باللّه إلا ما قلتم حقاً وصدقاً، أيَ الخلفاء رأيتموني؟ فقال ابن الكَوَّاء: لولا أنك عزمت علينا ما قلنا لأنك جبار عنيد، لا تراقب اللهّ في قتل الأخيار، ولكنا نقول: إنك ما علمنا واسِعُ الدنيا، ضيق الأخرى، قريب الثرى، بعيد المَرْعَى، تجعل الظلمات نوراَ، والنور ظلمات، فقال معاوية: إن اللّه أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابينَ عن بَيْضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم اللّه، والمحلَّينَ ما حّرم الله، والمحرمِينَ ما أحل اللّه، فقال عبد اللّه بن الكواء: يا ابن أبي سفيان، إن لكل كلام جواب، ونحن نخاف جبروتك، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حِدَادٍ لا تأخذها في اللّه لومة لائم، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم اللّه ويضعنا على فرجه قال: واللّه لا يطلق لك لسان، ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمت يا ابن سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أنَّى يكون الخليفة مَنْ ملك الناس قهراً، ودَانَهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً؟ أما واللّه. أئا لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى وما كنت فيه إلا كما قال القائل: لا حلي ولا سيري ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجْلبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أنت طليق ابن طليق، أطلقكما رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم فأنى تصلح الخلافة لطليق.

قال معاوية لصعصعة بن صوحان الغنوي : من البررة والفسقة؟ فقال: يا ابن أبي سفيان، تَرَكَ الخداع مَنْ كشف القناع، عليٌّ وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك.

وحدث أبو الهيثم قال: حدثني أبو البشير محمد بن بشر الفزاري، عن إبراهيم بن عقيل البصري، قال: قال معاوية يوماً - وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس - : الأرض للهّ، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركت منه كان جائزاً لي، فقال صعصعة:

تُمَنَيكَ نفسك ما لا يكو ... ن جَهْلاً معاوي لا تأثم

قال ابن عباس في علي بن أبي طالب : رضي اللّه عن أبي الحسن، كان واللّه عليٌّ عَلَم الهدى، وكهف التقي، ومحل الحجا، وبحر الندى، وطَوْد النهي، وكهف العلا، للورى داعياً إلى المحجَّةِ العظمى، متمسكاً بالعروة الوُثْقَى، خير مَنْ آمن واتقى، وأفضل من تقمص وارتدى، وأبر من انتعل وسَعَى، وأفصح من تنفس وقرأ، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي المصطفى، صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد. وهو أبو السبطين فهل يقارنه بشر. وزوج خير النساء فهل يفوقه قاطن بلد. للأسُود قتال، وفي الحروب ختال، لم تر عيني مثله ولن تَرَى، فعلى من انتقصه لعنة اللّه والعباد إلى يوم التناد.

وبويع يزيد بن معاوية، فكانت أيامه ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثماني ليال، وأخذ يزيد لابنه معاوية بن يزيد البيعة على الناس قبل موته، ففي ذلك يقول عبد اللّه بن هًمّام السَّلُولي:

تَلَقّفَهَا يَزِيد عن أبيه ... فخُذْهَا يا مُعَاوِيَ عن يزيدا
لقد علقت بِكُمْ فَتَلَقفُوهَا ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا

وهلك يزيد بحوَارِينَ من أرض دمشق لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وفي ذلك يقول رجل من عنزة:

يا أيّها القبر بحوَارِينَا ... ضممت شَر الناس أجمعينا


فسوق يزيد وعماله

وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:

اسْقِنِي شَرْبَةً تُرَوِّي مًشَاشِي ... ثم مِلْ فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السرّ والأمانة عِنْدِي ... ولتسديد مغنمي وجهادي

ثم أمر المغنين فغنوا به.

وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متكأ، وكان قرداً خبيثاً وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذُلّلَتْ لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحَلْبة، فجاء في بعض الأيام سابقاً، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قَبَاء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشَقَائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم:

تمسكْ أبا قيس بِفَضْل عِنَانها ... فليس عليها إن سقطت ضَمَانُ
ألا مَنْ رأى القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان


****


من بحار الأنوار :

هذا و قد روى صاحب المناقب و غيره أن يزيد لعنه الله أمر بمنبر و خطيب ليخبر الناس بمساوي الحسين و علي عليهما السلام و ما فعلا ، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم أكثر الوقيعة في علي و الحسين و أطنب في تقريظ معاوية و يزيد لعنهما الله ، فذكرهما بكل جميل .

قال : فصاح به علي بن الحسين ( عليه السلام ) : ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار ، ثم قال علي بن الحسين ( عليه السلام ) يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا و لهؤلاء الجلساء فيهن أجر و ثواب ؟

قال : فأبى يزيد عليه ذلك .

فقال الناس : يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا .

فقال : إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي و بفضيحة آل أبي سفيان .

فقيل له : يا أمير المؤمنين و ما قَدَرُ ما يُحسن هذا ؟

فقال : إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً .

قال فلم يزالوا به حتى أذن له .

فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون ، و أوجل منها القلوب .

ثم قال : أيها الناس أعطينا ستا و فضلنا بسبع ، أعطينا العلم و الحلم و السماحة و الفصاحة و الشجاعة و المحبة في قلوب المؤمنين ، و فضلنا بأن منا النبي المختار محمدا ، و منا الصديق ، و منا الطيار ، و منا أسد الله و أسد رسوله ، و منا سبطا هذه الأمة ، من عرفني فقد عرفني ، و من لم يعرفني أنبأته بحسبي و نسبي .

أيها الناس : أنا ابن مكة و منى ، أنا ابن زمزم و الصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من ائتزر و ارتدى ، أنا ابن خير من انتعل و احتفى ، أنا ابن خير من طاف و سعى ، أنا ابن خير من حج و لبى ، أنا ابن من حُمل على البُراق في الهواء ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ ، أنا ابن من صلى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله ، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله سيفين ، و طعن برمحين ، و هاجر الهجرتين ، و بايع البيعتين ، و قاتل ببدر و حنين ، و لم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ، و وارث النبيين ، و قامع الملحدين ، و يعسوب المسلمين ، و نور المجاهدين ، و زين العابدين ، و تاج البكاءين ، و أصبر الصابرين ، و أفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين ، أنا ابن المؤيد بجبرئيل ، المنصور بميكائيل ، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، و قاتل المارقين و الناكثين و القاسطين ، و المجاهد أعداءه الناصبين ، و أفخر من مشى من قريش أجمعين ، و أول من أجاب و استجاب لله و لرسوله من المؤمنين ، و أول السابقين ، و قاصم المعتدين ، و مبيد المشركين ، و سهم من مرامي الله على المنافقين ، و لسان حكمة العابدين ، و ناصر دين الله ، و ولي أمر الله ، و بستان حكمة الله ، و عيبة علمه ، سمح سخي ، بهي بهلول زكي أبطحي رضي مقدام همام صابر صوام مهذب قوام ، قاطع الأصلاب ، و مفرق الأحزاب أربطهم عنانا ، و أثبتهم جنانا ، و أمضاهم عزيمة ، و أشدهم شكيمة ، أسد باسل ، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة و قربت الأعنة طحن الرحى ، و يذروهم فيها ذرو الريح الهشيم ، ليث الحجاز و كبش العراق ، مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي شجري مهاجري من العرب سيدها و من الوغى ليثها وارث المشعرين و أبو السبطين الحسن و الحسين ذاك جدي علي بن أبي طالب ... ، ( بحار الأنوار : 45 / 138 ) .


****


اليوم انتهى مسلسل الحسن والحسين بالحلقة الثلاثين وقد كتب فيها فى لوحات جزاء ابن زياد والشمر وابن سعد وقتلهم ثأرا للحسين على يد المختار الثقفى ولكن لم يجعل الكتابة أحداثا .... ولم يظهر وحشية جيش ابن زياد فى قتل الحسين وأهل بيته ومن معه .. مع أن ابن الأثير ذكر ذلك بالتفصيل .. كان ينبغى إظهار الجريمة ببشاعتها وليس إخفاءها وتجاهلها .. والسلب والنهب وحرق الخيام وقطع الرؤوس ووطء الخيل لصدر وظهر الحسين .. وانتهى على ذلك المسلسل ..
وكان ينبغى أن يذكر وضع راس الحسين أمام ابن زياد ونكته فيه بعصاه وتعليق زيد بن أرقم وانس بن مالك على ذلك .. وكان ينبغى أن يذكر سبى النساء والصبيان ورحلتهم إلى دمشق إلى يزيد .. وكان ينبغى ذكر شئ من قصة المختار وثأره للحسين من قاتليه .. وكان ينبغى ذكر وقعة الحرة واستباحة المدينة المنورة واستباحة العذارى هناك .. وذكر رمى مسلم بن عقبة والحصين بن نمير للكعبة بالمنجنيق ..

وكان ينبغى ذكر حوار ابن زياد مع السيدة زينب وهو مذكور فى الكامل لابن الأثير .. وخطبة زين العابدين فى دمشق عن جده علي ..

من حسنات المسلسل انه فتح مجالا للنقاش وللتفكير فى أحداث الفتنة الكبرى .. وحتى وقعة كربلاء الطف .. أى من 33 هـ تقريبا حتى 61 هــ .. ولم يذكر المسلسل تاريخ عاشوراء لاستشهاد الحسين ..

وكان ينبغي أن يبدأ المسلسل من مولد الحسن 3 هـ والحسين 4 هـ .. وحتى 67 أو 70 هـ .. أى حتى المختار الثقفى ..
أى يجمع أيضا فكرة مسلسل المختار الثقفي وفيلم موكب الإباء ..

وقد أبدع الفنان محمد المجالي جدا فى دور الحسين .. بصوته القوي وهيئته وشيبته وشبابه .. جزاه الله خيرا .. 
وأرى أن نفس طاقم التمثيل فى هذا المسلسل يمكن الاستعانة به وكذلك طاقم المكياج والملابس والموسيقى والإخراج والتصوير إلخ .. فى مسرحية الحسين ثائرا والحسين شهيدا لعبد الرحمن الشرقاوى .. وأيضا الفتنة الكبرى للدكتور طه حسين لو أمكن عمل هذا الكتاب دراميا .. 
كما كان ينبغى إضافة فقرة لتصوير مراقد ومساجد وأضرحة الأئمة الحسن والحسين والسيدة زينب وآل البيت فى مصر والعراق وسوريا إلخ ..

وروي عن محمد بن عمرو بن حسن ، قال : كنّا مع الحسين ( عليه السلام ) بنهري كربلاء ، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال : صدق الله ورسوله ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كأنّي أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي ، وكان شمر قبَّحه الله أبرص . وروي عن أبي ضمرة أنس بن عياض ، قال : قيل للإمام جعفر صلوات الله عليه : كم تتأخَّر الرؤيا ؟ فقال ( عليه السلام ) : رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كأن كلباً أبقع يلغ في دمه ، فكان شمر بن ذي الجوشن لعنه الله قاتل الحسين ( عليه السلام ) ، وكان أبرص ، فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة .