الأحد، 7 أغسطس، 2011

عبد الله بن سبأ .. شخصية أسطورية اخترعها من لا يريدون الاعتراف بأخطائهم

سيف بن عمر الأموي وشخصية ابن سبا الأسطورية

في 21 كانون الثاني 2010

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يعد يمكن لأي شخص أن يقنع أصحاب العقول والتفكير والتأني بأن لعبد الله بن سبأ في أحداث ثورة الصحابة على الخليفة عثمان بن عفان ذلك الدور الأسطوري الذي نسبه الطبري له استناداً إلى رواية الكذاب الوضاع سيف بن عمر ، فقد كثرت البحوث العلمية الرصينة التي ميزت الروايات والدور المنسوب إليه ، ومن أبرزها كتاب (عبد الله بن سبا) للسيد مرتضى العسكري وكتاب (عبد الله بن سبأ) للدكتور عبد العزيز الهلابي وكتاب (عبد الله بن سبأ) للدكتور إبراهيم بيضون.

ونحن نتفق تماماً مع الدكتور إبراهيم بيضون الذي قال في خاتمة كتابه ، ص 118: (إنه الدور-الأسطورة وما اكتنفه من تضليل ومبالغة ، أكثر من الرجل-الأسطورة الذي قد يكون مجرد تلفيق أو لا يكون. فهو أقل حجماً من أن يرتقي الى الدور والى مستوى أن يقود النخبة تحت قيادته).

فعبد الله بن سبأ هو شخصية أسطورية لفقها سيف بن عمر الأموي من ثلاث شخصيات حقيقية هي:

* عبد الله بن سبأ الذي أعدمه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حرقاً بسبب اعتناقه الغلو.

* عبد الله السبئي رأس الخوارج.

* الصحابي ابن السوداء ، اليهودي الذي اسلم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله).

هؤلاء ثلاث شخصيات شاركت في أحداث تلفيقات سيف بن عمر الذي حاول أن يكتب تاريخ المسلمين كما يشتهيه ، وتبعه بعض السذّج من أهل السنة فالتزموا رواياته حفاظاً على كرامة بعض الصحابة من أن تمسها يد حقيقة انحرافهم وما ألحقوه الأمة من ويلات !

اتخاذ العرب للقب السبئي:

لقد كان العرب يتلقبون بلقب السبئي وهناك على اقل تقدير تسعة من الصحابة ممن حملوا هذا اللقب هم:

1. أبيض بن حمال السبئي المأربي ، من قبيلة الازد وهو ممن أقام بمأرب[1].

2. روح بن زنباع السبئي ، من قبيلة جذام ، وهو مختلف في صحبته[2].

3. سعد السبئي[3].

4. عمارة بن شبيب السبئي[4] ، مختلف في صحبته[5].

5. عمرو بن عمرو السبئي[6].

6. مالك بن هبيرة السبئي ، وهو مالك بن هبيرة بن خالد بن مسلم بن الحارث بن الحصيب بن مالك بن الحارث بن بكير بن ثعلبة بن عصية بن السكون السبئي الكندي[7].

7. معيقيب السبئي[8].

8. هبيرة بن أسعد بن كهلان السبئي[9].

9. يحنس بن وبرة السبئي ، من قبيلة الأزد[10].

يضاف لذلك العديد من التابعين وتابعي التابعين والرواة والعلماء الذين حملوا هذا اللقب في القرون الاولى.

شيوع استخدام لقب (ابن السوداء) على كل من تكون أمه سوداء البشرة !

وحيث إن استعمال لقب "ابن السوداء" كان شائعاً فلذلك لا يمكن الجزم بشخصية من يحمل لقب (ابن السوداء) في اي رواية يرد فيها إذا لم يرد فيها قرينة على شخصيته.

ـ الإمام علي (عليه السلام) يخاطب عمر بن الخطاب بلقب (ابن السوداء)[11] !

ـ عمرو بن عثمان بن عفان يخاطب أسامة بن زيد بلقب (ابن السوداء)[12] !

ـ عثمان يخاطب عمار بن ياسر بلقب (ابن السوداء)[13] !

ـ أبو ذر يصف بلال الحبشي بلقب (ابن السوداء)[14] !

ـ معاوية يسمي عمار بن ياسر بلقب (ابن السوداء)[15] !

ـ ابن السوداء من بنى الحارث بن سعد هذيم بالشام وهو جد هدبة بن خشرم الشاعر ، وكان من كهنة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى: ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ))[16] ، وهدبة بن خشرم هو: هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الاسحم بن عامر بن ثعلبة بن قرة بن خنبس[17] ، من بني عامر بن ثعلبة ، من سعد هذيم ، من قضاعة من أهل بادية الحجاز ( بين تبوك والمدينة )[18]. وقد نص ابن حجر في الإصابة على أن كرز بن أبي حبة بن الاسحم بن عائد بن ثعلبة بن قرة بن حبيش بن عمرو العذري له إدراك (أي له صحبة) وهو جد هدبة بن الخشرم ، أي أن كرز من الصحابة وهو الذي يسمى ابن السوداء وكان من كهنة اليهود ثم اسلم[19]. فهذا هو ابن السوداء اليهودي الذي ينسبون له الدور الأسطوري والذي أطلقوا عليه اسم: عبد الله بن سبأ ! وبالمناسبة فإن قضاعة محسوبة على القبائل اليمنية والتي كان يحمل أبنائها لقب السبئي نسبة إلى سبأ جدهم الأعلى الذي ينتسبون جميعها إليه. فابن السوداء اليهودي السبئي هو الصحابي كرز بن أبي حية.

· أولاً: عبد الله بن سبأ المغالي

عبد الله بن سبأ يسأل عن رفع اليدين في الدعاء:

عن أبي بصير ومحمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام المنتظر وقت الصلاة بعد الصلاة من زوار الله عز وجل ، وحق على الله تعالى أن يكرم زائره ، وأن يعطيه ما سأل. وقال عليه السلام : اطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فانه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض ، وهي الساعة التي يقسم الله فيها الرزق في عباده. وقال : إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء ولينصب في الدعاء فقال عبد الله بن سبا : يا أمير المؤمنين ! أليس الله في كل مكان ؟ قال عليه السلام : بلى ، قال : فلم يرفع العبد يديه إلى السماء ؟ قال : أما تقرأ ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فمن أين يطلب الرزق إلا من موضعه ، وموضع الرزق ما وعد الله عز وجل السماء[20].

عبد الله بن سبأ يتحول للغلو:

عن أبان بن عثمان قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لعن الله عبد الله بن سبا إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبدا لله طائعا ، الويل لمن كذب علينا ، وإن قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، نبرأ إلى الله منهم ، نبرأ إلى الله منهم[21].

عبد الله بن سبا عند الشيخ الصدوق:

قال الشيخ الصدوق: (عبد الله بن سبا ، الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو)[22].

عبد الله بن سبأ عند العلامة الحلي:

قال العلامة الحلي: (عبد الله بن سبأ - بالسين المهملة ، والباء المنقطة تحتها نقطة واحدة - غال ملعون ، حرقه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالنار ، كان يزعم أن عليا ( عليه السلام ) اله وانه نبي لعنه الله)[23].

عبد الله بن سبا في كلام التفرشي:

قال التفرشي: (عبد الله بن سبأ : الذي رجع إلى الكفر واظهر الغلو ، من أصحاب علي عليه السلام ، رجال الشيخ. وقال الكشي : حدثني محمد بن قولويه القمي قال : حدثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف القمي قال : حدثني محمد بن عثمان العبدي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان قال : حدثنا أبي ، عن الباقر عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ، ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله تعالى عن ذلك ، فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله ؟ فأقر بذلك ، وقال : نعم ، أنت هو وقد كان القي في روعي أنك أنت الله وأني نبي ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب ، فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب ، فأحرقه بالنار. وذكره العلامة في الخلاصة مرتين ( مرة ذكر أن عبد الله من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو ) ومرة ذكر أن عبد الله بن سبأ ، غال ملعون ، حرقه أمير المؤمنين عليه السلام بالنار ، وكان يزعم أن عليا عليه السلام إله ، وأنه نبي لعنه الله)[24].

عبد الله بن سبا يُقتَلُ حرقاً:

تقول الروايات الشيعية أن الإمام علي (عليه السلام) قتل عبد الله بن سبأ نتيجة غلوه وادعائه النبوة ، فمنها:

عن أبي جعفر عليه السلام أن عبد الله بن سبا كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله ، تعالى عن ذلك ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله فأقر بذلك وقال : نعم أنت هو ، وقد كان القي في روعي أنك أنت الله وأني بني . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب ، فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار ، وقال : إن الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك[25].

ومنها: ما رواه الكشي في رجاله بسنده عن الإمام أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ، وكان يزعم أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الله - تعالى عن ذلك - فبلغ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فدعاه فسأله ، فأقر وقال : نعم أنت هو ، وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأنا نبي ، فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ويلك قد سخر منك الشيطان ، فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب ، فأبى ، فحبسه ، واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأخرجه فأحرقه بالنار . . الحديث .

وعن الكشي بسنده عن هشام بن سالم ، قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول - وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ ، وما ادعى من الربوبية لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) - فقال : إنه لما ادعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأبى أن يتوب ، فأحرقه بالنار . وذكر الكشي عن بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا ، فأسلم[26].

ومنها: عن أبان بن عثمان ، قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : لعن الله عبد الله بن سبأ ، أنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكان والله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عبدا لله طائعا ، ويل لمن كذب علينا ، وإن قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، نبرأ إلى الله منهم ، نبرأ إلى الله منهم[27].

ومنها: عن عبد الله بن سنان ، قال : حدثني أبي ، عن أبي جعفر عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يدعى النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله ( تعالى عن ذلك ) . فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله ؟ فأقر بذلك وقال نعم أنت هو ، وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأني نبي . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب ، فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب ، فأحرقه بالنار وقال : إن الشيطان استهواه ، فكان يأتيه ويلقى في روعه ذلك[28].

ومنها: عن أبي حمزة الثمالي ، قال ، قال علي بن الحسين عليهما السلام لعن الله من كذب علينا ، إني ذكرت عبد الله بن سبا فقامت كل شعرة في جسدي ، لقد ادعى أمرا عظيما ماله لعنه الله ، كان علي عليه السلام والله عبدا لله صالحا ، أخو رسول الله ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله ، وما نال رسول الله ( ص ) الكرامة من الله إلا بطاعته لله[29].

ومن الملفت انه لا توجد روايات عند الشيعة يوصف عبد الله بن سبأ المغالي فيها بابن السوداء بخلاف روايات شيعية أخرى تصف آخرين بهذا اللقب.

· ثانياً: عبد الله بن وهب السبئي الراسبي

عبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج:

قال ابن حجر المتوفى 852 ه‍  في تبصير المنتبه : " السبئي طائفة منهم عبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج "[30].

عبد الله بن وهب السبئي ايضاً يسمى أبن السوداء:

عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) أن أمير المؤمنين لما دنا إلى الكوفة مقبلا من البصرة ، خرج الناس مع قرظة بن كعب يتلقونه فلقوه دون نهر النضر بن زياد فدنوا منه يهنونه بالفتح وإنه ليمسح العرق عن جبهته فقال له قرظة بن كعب : الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعز وليك وأذل عدوك ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين . فقال له عبد الله بن وهب الراسبي : إي والله إنهم الباغون الظالمون الكافرون المشركون . فقال له أمير المؤمنين : ثكلتك أمك ما أقواك بالباطل وأجراك على أن تقول ما لم تعلم أبطلت يا ابن السوداء ليس القوم كما تقول لو كانوا مشركين سبينا وغنمنا أموالهم وما ناكحناهم ولا وارثناهم[31].

وفي هذا الأثر يوصف عبد الله بن وهب السبئي بلقب (ابن السوداء) وهو لقب كما قدمنا كان يوصف به من كانت أمه سوداء على سبيل التوبيخ.

نفي ابن السوداء إلى المدائن:

عن أبي الجلاس قال : سمعت عليا يقول لعبد الله السبائي : ويلك ما أقضى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ كتمته أحدا من الناس ولقد سمعته يقول : إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا وإنك أحدهم[32].

عن مغيرة عن سباط قال بلغ عليا أن ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر فدعا به ودعا بالسيف أو قال فهم بقتله فكلم فيه فقال لا يساكني ببلد أنا فيه قال فسيره إلى المدائن[33].

وهناك قرائن قد تدل على أن ابن السوداء وهو عبد الله بن وهب السبئي كان ينتقص أبا بكر وعمر على سبيل الحكاية وينسب الانتقاص إلى أمير المؤمنين عليه السلام ـ حيث إن الخوارج لا ينتقصونهما بل كانوا ينتقصون عثمان ـ على سبيل تأليب الناس ضده ولذلك نفاه الإمام عليه السلام إلى المدائن ، ويقوي ذلك أن الإمام حينما انتقص أبا بكر وعمر وعثمان في خطبته الشقشقية فقد تكون تلك المرة الأولى والأخيرة التي انتقصهم فيها علانية في فترة حكمه ولذلك سميت بالشقشقية المأخوذة من الشقشقة. ويدعم هذا الرأي قول الإمام الباقر عليه السلام: (كان علي بن أبي طالب عليه السلام عندكم بالعراق يقاتل عدوه ومعه أصحابه وما كان فيهم خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته وحق معرفته إمامته)[34] حيث يبين هذا الحديث الشريف قلة الموالين للإمام (عليه السلام) في جيشه ومجتمعه الكوفي مما لا يسمح له بالجهر بالعقيدة الحقة لاسيما في ظروف الحرب والفتنة تلك ، ونفس تلك الظروف التي لم تكن تسمح بالانتقاد العلني للخليفتين الأولين أيضا كانت تجعل الإمام (عليه السلام) يمنع من يحاول إثارة الانتقادات من هذا النوع طلباً للتأليب على خلافته وحكومته لأن هذا يسمى في عرف أيامنا تحريضاً ضد الدولة وضد النظام السياسي القائم فيها.

خطأ السمعاني بجعل الخارجي رافضي !

قال السمعاني في الأنساب: (وعبد الله بن وهب السبئي رئيس الخوارج ، وظني أن ابن وهب هذا منسوب إلى عبد الله بن سبأ ، فإنه من الرافضة ، وجماعة منهم ينسبون إليه يقال لهم : السبئية ، وعبد الله بن سبأ هو الذي قال لعلي رضي الله عنه : أنت الإله حتى نفاه إلى المدائن ، وزعم أصحابه أن عليا رضي الله عنه في السحاب ، وأن الرعد صوته ، والبرق سوطه ، وفي هذا قال قائلهم : ومن قوم إذا ذكروا عليا * * يصلون الصلاة على السحاب)[35].

انظر لهذا التخبط فهو يظن أن لقب السبئي هو نسبة لعبد الله بن سبأ الرافضي !! فهل يصلح أن ينسب شخص يحمل عقيدة الخوارج نسبة عقائدية إلى شخص يحمل عقيدة التشيع ؟! هذا هو هذيان المحموم بعينه ! والمؤسف أن السمعاني يكتب كتابه الحاوي على هذيانه هذا في الأنساب وكان يفترض به أن يعلم أن لقب السبئي هو من الألقاب الشائعة في أهل اليمن ، وقد ذكرنا آنفاً تسعة من الصحابة ممن حملوا هذا اللقب وهناك من غير الصحابة أكثر من 35 شخص آخر حملوا هذا اللقب في القرون الأولى. فكيف يجهل السمعاني هذا !!؟

ثم إن الذين زعموا أن الإمام (عليه السلام) هو الإله قتلهم الإمام (عليه السلام) جميعاً حرقاً بالنار ولم يكن ليستثني منهم أحداً أو يحابي احد منهم لأي سبب كان. ولو أراد الإمام عليه السلام أن يحابي أحداً لحابى معاوية وأبقاه على ولاية الشام إلى أن يأتيه بالبيعة ولكنه لم يفعل لأن الإمام عليه السلام لا يحابي في الحق. فنفي عبد الله السبئي إلى المدائن له سبب آخر وهو تحريضه ضد خلافة الإمام (عليه السلام) كما ذكرنا آنفاً وليس كما توهم السمعاني في أنسابه !

عبد الله بن وهب السبئي ورفضه موت الإمام علي (عليه السلام):

عن الشعبي قال: أخبرني زحر بن قيس الجعفي قال بعثني علي على أربعمائة من أهل العراق وأمرنا أن ننزل المدائن رابطة قال فوالله إنا لجلوس عند غروب الشمس على الطريق إذ جاءنا رجل قد أعرق دابته قال فقلنا من أين أقبلت فقال من الكوفة فقلنا متى خرجت قال اليوم قلنا فما الخبر قال خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة صلاة الفجر فابتدره بن بجدة وابن ملجم فضربه أحدهما ضربة إن الرجل ليعيش مما هو أشد منها ويموت مما هو أهون منها قال ثم ذهب فقال عبد الله بن وهب السبائي ورفع يده إلى السماء الله أكبر الله أكبر قال قلت له ما شأنك قال لو أخبرنا هذا أنه نظر إلى دماغه قد خرج عرفت أن أمير المؤمنين لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه قال فوالله ما مكثنا إلا تلك الليلة حتى جاءنا كتاب الحسن بن علي من عبد الله حسن أمير المؤمنين إلى زحر بن قيس أما بعد فخذ البيعة على من قبلك قال فقلنا أين ما قلت قال ما كنت أراه يموت[36].

فمن الواضح أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يعرف ليلة مقتله بأن هناك مؤامرة ضد خلافته وانه إنما بعث هؤلاء الـ 400 جندي ليرابطوا في المدائن درءاً للفتنة التي يتوقع ظهورها بعد مقتله نتيجة تواجد الخوارج هناك والذين يتزعمهم عبد الله السبئي ! ويصح أن يقال أنَّ الإمام علي عليه السلام كان يعلم بأن هناك حركة مكملة لقتله مصدرها من المدائن حيث يقبع عبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج ، وقد يقوي هذا السياق رفض عبد الله السبئي لخبر اغتيال الإمام (عليه السلام) وانه لا يموت لكي يستغل الوقت في الجمع والإعداد والتنفيذ لفتنته ولكن وجود الـ 400 جندي ومجيء الخبر سريعا بوفاة الإمام عليه السلام أحبط هذه الخطة لا سيما مع حرص الإمام الحسن عليه السلام بأخذ البيعة منهم سريعاً. فكان قول السبئي بان الإمام لا يموت حتى يسوق العرب والذي أراد به التسويف واستغلال الزمن لتنفيذ خطته هو الذي دفع الرواة من بعد ذلك للقول بأنه من المغالين ثم نسبوا له كلاماً في الغلو والخلط بينه وبين عبد الله بن سبأ المقتول قبل هذه الحادثة حرقاً !!

ومن الملفت للنظر أن تسويف عبد الله بن وهب السبئي في إنكاره مقتل الإمام عليه السلام هو مماثل لتسويف عمر بن الخطاب حين وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) طلباً لحضور أبي بكر الذي كان في مكان آخر ، فعمد عمر بن الخطاب إلى هذه الحيلة ليشغل الناس عن التفكير بالخلافة التي لا يشكون أنها لصاحب يوم الغدير ، فقال ما قال إشغالاً للناس وبعثاً للبلبلة والإرباك ريثما يحضر أبي بكر ويبايعوه ، وقد أشار لذلك الشيخ المظفر في كتيبه السقيفة[37] ، ونحن إذ نرى اشتراك عمر بن الخطاب مع عبد الله بن وهب السبئي في المنهج والفكرة والخطة نتساءل: هل كان شيطانهما واحداً ؟!! أم تعلم الأخير من الأول ؟!

نعود إلى الرواية حيث نقرأ فيها قول السبئي: (ما كنت أراه يموت) ولم يصدر عنه شيء بعدها ينبيء عن عقيدة بغلو ! مما يدحض الشبهات والروايات التي نسبته للغلو.


· ثالثاً: ابن السوداء اليهودي الأصل

ابن السوداء اليهودي هو الصحابي كرز بن أبي دحية:

قال محمد بن حبيب في المحبر أن ابن السوداء من بنى الحارث بن سعد هذيم بالشام وهو جد هدبة بن خشرم الشاعر ، وكان من كهنة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى: ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ))[38] ، وهدبة بن خشرم هو: هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الاسحم بن عامر بن ثعلبة بن قرة بن خنبس[39] ، من بني عامر بن ثعلبة ، من سعد هذيم ، من قضاعة من أهل بادية الحجاز ( بين تبوك والمدينة )[40]. وقد نص ابن حجر في الإصابة على أن كرز بن أبي حبة بن الاسحم بن عائد بن ثعلبة بن قرة بن حبيش بن عمرو العذري له إدراك (أي له صحبة) وهو جد هدبة بن الخشرم ، أي أن كرز من الصحابة وهو الذي يسمى ابن السوداء وكان يهودياً ثم اسلم[41]. فهذا هو ابن السوداء اليهودي الذي ينسبون له الدور الأسطوري والذي اطلقوا عليه اسم: عبد الله بن سبأ ! وبالمناسبة فإن قضاعة محسوبة على القبائل اليمنية والتي كان يحمل أبنائها لقب السبئي نسبة إلى سبأ جدهم الأعلى الذي ينتسبون جميعا إليه. فابن السوداء اليهودي السبئي هو كرز بن أبي حية.

ابن السوداء وجيش الغضب:

عن جابر قال : حدثني من رأى المسيب بن نجبه قال جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ومعه رجل يقال له ابن السوداء ، فقال له : يا أمير المؤمنين إن هذا يكذب على الله وعلى رسوله ، ويستشهدك . فقال أمير المؤمنين : لقد أعرض وأطول ، يقول ماذا ؟ قال : يذكر جيش الغضب فقال : خل سبيل الرجل ! أولئك قوم يأتون في آخر الزمان قزع كقزع الخريف الرجل والرجلان والثلاثة ، في كل قبيلة حتى يبلغ تسعة ، أما والله إني لأعرف أميرهم واسمه ومناخ ركابهم ثم نهض وهو يقول : [ باقرا ] باقرا باقرا ثم قال : ذلك رجل من ذريتي يبقر الحديث بقرا[42].

فالملاحظ من خلال تتبع الروايات أن هناك تمييزاً بين من كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يغضب عليه ويقرعه بلقب (ابن السوداء) وبين من كان هو معروفاً بين الناس بهذا اللقب كما هو في هذه الرواية. كما أن الملاحظ أن ابن السوداء كان رجلاً له اهتمام بروايات الأحداث المستقبلية كجيش الغضب وما شابهها وهذا يؤيد أن يكون ابن السوداء يهودياً له إطلاع على الموروث اليهودي ابتداءاً من ظهور النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ومروراً بالأحداث التي تلي ذلك مما هو كائن في آخر الزمان.

الدور الأسطوري لعبد الله بن سبأ:

ثم جاء سيف بن عمر الكذاب الوضاع فاخترع شخصية جديدة أطلق عليها اسم "عبد الله بن سبا" دمج فيها بين شخصيات هؤلاء الثلاثة : (عبد الله بن سبأ المغالي وعبد الله بن وهب السبئي الخارجي وابن السوداء الصحابي) ! من اجل التغطية على الأحداث الحقيقية التي أدت إلى مقتل عثمان وهي أحداث كان للصحابة فيها دور رئيسي وفي مقدمتهم عمرو بن العاص وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة ، وكذلك كان هناك دور مهم للصحابي كرز بن أبي أحية المعروف بابن السوداء. ونتيجة وجود بعض الروايات التي ينبز عبد الله بن وهب السبئي الخارجي فيها بابن السوداء واشتراكه بالاسم مع عبد الله بن سبأ المغالي ، كل ذلك دفع سيف بن عمر لابتكار شخصيته الجديدة وملامحها: ابن السوداء عبد الله بن سبأ المغالي المحرض على قتل عثمان والمبتكر لقضية أن يوشع بن نون هو وصي موسى (عليهما السلام) وأنَّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو وصي للنبي (صلى الله عليه وآله) ، بحسب زعمه ! متجاهلاً أن هذه الوصية هي حقيقة دينية وتأريخية معروفة ، حيث نقرأ الروايات التالية في مصادر أهل السنة والتي تثبت أن هذه القضية غير مقتصرة على الشيعة وليست من ابتكار عبد الله بن سبأ ولا عبد الله بن وهب السبئي ولا الصحابي ابن السوداء.

- في المعجم الكبير للطبراني عن أبي سعيد الخدري عن سلمان قال قلت يا رسول الله لكل نبي وصي فمن وصيك فسكت عني فلما كان بعد رآني فقال يا سلمان فأسرعت إليه قلت لبيك قال تعلم من وصي موسى قلت نعم يوشع بن نون قال لم قلت لأنه كان أعلمهم قال فإن وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب قال أبو القاسم قوله وصيي يعني أنه أوصاه في أهله لا بالخلافة[43].

- في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي عن أبي السكين الكوفي قال سمعت أبا بكر بن عياش يقول في مجلسه بالكناسة عند الطاق في القتاتين إني أريد أن أتكلم اليوم بكلام لا يخالفني فيه أحد إلا هجرته ثلاثا قالوا قل يا أبا بكر قال ما ولد لآدم مولود بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر قالوا صدقت يا أبا بكر فقال له عاصم بن يوسف مولى فضيل بن عياض يا أبا بكر ولا يوشع بن نون وصى موسى قال ولا يوشع بن نون وصى موسى إلا أن يكون كان نبيا ثم فسره أبو بكر فقال قال الله كنتم خير أمة أخرجت للناس[44].

ـ في سنن الدارمي: وقال هزيل بن شرحبيل أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ود أبو بكر انه وجد من رسول صلى الله عليه وسلم عهدا فخزم انفه بخزامة ذلك[45].

ـ وروى الطبراني في المعجم الأوسط عن علي بن علي الهلالي عن أبيه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة عند رأسه قال فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إليها فقال حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك قالت أخشى الضيعة من بعدك قال يا حبيبتي أما علمت أن الله أطلع على الأرض إطلاعه فاختار منها أباك فبعثه برسالته ثم اطلع على الأرض إطلاعه فاختار منها بعلك وأوحى إلي أن أنكحك إياه يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحدا قبلنا ولا تعطى أحد بعدنا أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله وأنا أبوك ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو حمزة بن عبد المطلب وهو عم أبيك وعم بعلك ومنا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما يا فاطمة والذي بعثني بالحق إن منهما المهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرج ومرج وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم الصغير ولا صغير يوقر الكبير فيبعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا يهدمها هدما يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان يملا الدنيا عدلا كما ملئت جورا يا فاطمة لا تحزني ولا تبكي فإن الله أرحم بك وأرأف محمد عليك مني وذلك لمكانك مني وموقعك إلى من قلبي وزوجك الله زوجك وهو أشرف أهل بيتي حسبا وأكرمهم منصبا وأرحمهم بالرعية وأعدلهم بالسوية وأبصرهم بالقضية وقد سألت ربي أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي قال علي بن أبي طالب فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم لم تبق فاطمة بعده إلا خمسة وسبعين يوما حتى ألحقها الله به صلى الله عليه وسلم. لم يرو هذا الحديث عن علي بن علي إلا سفيان بن عيينة تفرد به الهيثم بن حبيب[46].

ـ وروى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن مجاهد عن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن وصيي وخليفتي وخير من أترك بعدي ينجز موعدي ويقضي ديني علي بن أبي طالب[47].

ـ وروى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( وأنذر عشيرتك الاقربين )) دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين ، فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أمرتهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمت عليها حتى جاء جبرئيل فقال : يا محمد إنك لئن لم تفعل ما أمرت به يعذبك الله بذلك فاصنع ما بدا لك . يا علي اصنع لنا صاعا من طعام واجعل فيه رجل شاة وأملا لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به - وساق الحديث إلى قوله : - ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحدا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على أمري هذا ، على أن يكون أخي ووصيي ووليي وخليفتي فيكم ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعا ، فقلت - وإني لأحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا - : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه . فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعلي[48].

ـ وقال ابن عدي في الكامل عن بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي وصي ووارث وان عليا وصيي ووارثي[49].

ـ وروى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن لكل نبي وصيا ووارثا وإن عليا وصيي ووارثي[50].

فهذه الأحاديث بتعدد أسانيدها تدل بما لا يقبل الشك باستحالة تواطيء رواتها جميعا على اختلاقها ، وهي تتضمن وصف الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأنه وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فهذا الوصف ليس من مختلقات عبد الله بن سبأ وهو أحقر وأذل من أن يغير في مذهب آل البيت (عليهم السلام) شيئاً.

ومن الملاحظ أن أحداً من علماء أهل السنة في القرون الثلاثة الأولى لم يتهم الشيعة بأخذ دينهم عن اللعين عبد الله بن سبأ المذكور لأن هذه الأكذوبة لم تكن قد انطلقت وشاعت بينهم في تلك الفترة.

أقوال علماء أهل السنة في سيف بن عمر مبتدع الشخصية الأسطورية:

من العجيب أن هناك إجماعاً عند علماء الجرح والتعديل من أهل السنة بتجريح سيف بن عمر وهو مخترع الشخصية الأسطورية الثلاثية لعبد الله بن سبأ ، أي انه هو الذي جمع الشخصيات الثلاثة لكل من: عبد الله بن سبأ وعبد الله السبئي والصحابي ابن السوداء في شخصية واحدة أطلق عليها اسم: "عبد الله بن سبأ ابن السوداء" ونسب لها دوراً أسطوريا في التأثير على كبار الصحابة والتابعين وإشعال نار الثورة ضد الخليفة عثمان بن عفان.

ومن الملاحظ أن هناك العديد من الألقاب التي أطلقوها على سيف بن عمر منها:

ـ التميمي البرجمي[51] الكوفي[52].

ـ الضبى[53] الاسيدى[54].

ـ الضبي[55].

ـ الضبي الكوفي[56].

ـ الضبى الاسيدى. ويقال التميمي البرجمى ، ويقال السعدى الكوفى[57].

ـ التميمي الاسيدي الكوفي[58].

ـ التميمي البرجمي ويقال السعدي ويقال الضبعي ويقال الاسدي الكوفي[59].

واختلاف اللقب لا يعني تعدد الأشخاص بل اتفق جميع علماء أهل السنة أن هناك "سيف بن عمر" واحد وإنْ تعددت ألقابه !!؟

وهناك لقب خطير ذُكِرَ مرة واحدة هو لقب: "الأموي" حيث قال ابن حبان في كتابه الثقات في معرض كلامه عن محمد بن الصامت: (محمد بن الصامت كوفى يروى عن عبد الله بن عمر بن على روى عنه سيف بن عمر الأموي)[60]. ، وهذا قد يكشف لنا عن أمر مهم في شخصية سيف بن عمر وهو انه من بني أمية نسباً أو ولاءاً. ولأنه عاش في بداية دولة بني العباس حيث انه توفي في عهد الخليفة العباسي هارون الفاسق المتلقب بالرشيد كما سنبين ولذلك اضطر إلى التلقب بألقاب كثيرة تدفع عنه الاضطهاد الذي أصاب الأمويين وأتباعهم في بداية دولة بني العباس وبطش أبي العباس السفاح بهم. وربما ان فكرة تغيير لقب الرجل مراراً هي التي أوحت له التلاعب بالشخصيات ودمجها في شخصية واحدة !

فمن أقوال علماء أهل السنة فيه:

ـ قال ابن حبان: (سيف بن عمر الضبى الاسيدى من أهل البصرة أتهم بالزندقة يروى عن عبيد الله ابن عمر روى عنه المحاربي [ والبصريون ] كان أصله من الكوفة يروى الموضوعات عن الإثبات ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام ببيروت سمعت جعفر بن أبان يقول سمعت ابن نمير يقول : سيف الضبى تميمي ، وكان جميع يقول : حدثنى رجل من بنى تميم وكان سيف يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة)[61].

ـ وقال يحيى بن معين: (سيف بن عمر يحدث عنه المحاربي وهو ضعيف)[62].

ـ وقال النسائي: (سيف بن عمر الضبي ضعيف)[63].

ـ وفي ضعفاء العقيلي: (سيف بن عمر الضبي كوفي حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا العباس بن محمد قال سمعت يحيى يقول سيف بن عمر الضبي يحدث عن البخاري هو ضعيف)[64].

ـ وقال أبو نعيم الاصبهاني: (سيف بن عمر الضبي الكوفي متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث لا شئ)[65].

ـ وقال ابن أبي حاتم الرازي: (عن يحيى بن معين انه قال : سيف بن عمر الضبى الذى يحدث عنه المحاربي ضعيف الحديث . حدثنا عبد الرحمن قال سئل أبى عن سيف بن عمر الضبى فقال : متروك الحديث ، يشبه حديثه حديث الواقدي)[66].
 وقال أيضاً: (قعقاع بن عمرو قال شهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه وسيف متروك الحديث فبطل الحديث وإنما كتبنا ذكر ذلك للمعرفة)[67].

ـ وقال ابن عدي الجرجاني: (سيف بن عمر الضبي كوفي سمعت بن حماد يقول ثنا العباس عن يحيى قال سيف بن عمر الضبي ضعيف وسمعت نعيم بن عبد الملك يقول سمعت أبا جعفر الحضرمي يقول سمعت يحيى بن معين وسئل عن سيف بن عمر فقال فليس خيرا منه أنا الحسن بن سفيان ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبيد بن إسحاق العطار الكوفي ثنا سيف بن عمر قال كنت عند سعد الإسكاف فجاء ابنه يبكي فقال ما لك قال ضربني المعلم قال أما لأخزينهم اليوم حدثني عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم معلمو صبيانكم أشراركم أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين قال الشيخ وهذا حديث منكر موضوع وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فرووه عبيد بن إسحاق الكوفي العطار يلقب عطار المطلقات ضعيف وسيف بن عمر الضبي كوفي وسعد الإسكاف كوفي ضعيف وهو أضعف الجماعة فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته)[68] ، إلى أن يقول: (ولسيف بن عمر أحاديث غير ما ذكرت وبعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق)[69].

ـ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: (سيف بن عمر [ ت ] الضبى الاسيدى. ويقال التميمي البرجمى ، ويقال السعدى الكوفى . مصنف الفتوح والردة وغير ذلك . هو كالواقدي . يروى عن هشام بن عروة ، وعبيد الله بن عمر ، وجابر الجعفي ، وخلق كثير من المجهولين . كان أخباريا عارفا . روى عنه جبارة بن المغلس ، وأبو معمر القطيعى ، والنضر ابن حماد العتكى ، وجماعة . قال عباس ، عن يحيى : ضعيف . وروى مطين ، عن يحيى : فلس خير منه . وقال أبو داود : ليس بشئ . وقال أبو حاتم : متروك . وقال ابن حبان : اتهم بالزندقة . وقال ابن عدى : عامة حديثه منكر . عبيد الله بن سعد الزهري ، عن عمه يعقوب ، حدثنا سيف بن عمر ، عن وائل أبى بكر ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، وعن عطية بن الحارث ، عن أبى أيوب ، عن علي ، وعن الضحاك ، عن ابن عباس ، قالا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة يعدهم الظهور ، فإذا قالوا : لمن الملك بعدك ؟ أمسك ، لأنه لم يؤمر في ذلك بشئ ، حتى نزلت: وإنه لذكر لك ولقومك . فكان بعد إذا سئل قال لقريش فلا يجيبونه حتى قبلته الانصار . مكحول البيروتى ، سمعت جعفر بن أبان ، سمعت ابن نمير يقول : سيف الضبى تميمي ، كان جميع يقول : حدثنى رجل من بنى تميم ، وكان سيف يضع الحديث . وقد اتهم بالزندقة . أنبأنا أحمد بن سلامة ، وأحمد بن عبد السلام ، عن ابن كليب ، أخبرنا المبارك ابن الحسين الغسال ، حدثنا الحسن بن محمد الحافظ ، حدثنا القطيعى ، حدثنا محمد ابن يونس ، أخبرنا النضر بن حماد العتكى ، حدثنا سيف بن عمر السعدى ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فالعنوهم . رواه الترمذي عن أبى بكر بن نافع ، عن العتكى . وقال : هذا منكر . مات سيف زمن الرشيد)[70].

وقال الذهبي أيضاً في صدد ذكره للشيوخ المجهولين الذين كان يروي سيف بن عمر عنهم: (عمرو بن دينار الكوفى ، شويخ لا يعرف . من شيوخ سيف بن عمر التميمي)[71].

وقال الذهبي ايضاً في كتابه (من له رواية في كتب الستة): (سيف بن عمر التميمي الاسيدي الكوفي صاحب التواليف عن مغيرة وهشام بن عروة وعنه محمد بن عيسى بن الطباع وأبو معمر إسماعيل الهذلي ضعفه بن معين وغيره ت)[72].
ـ وقال الحلبي في كتابه (الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث): (سيف بن عمر ت الضبي الأسيدي ويقال التميمي البرجمي ويقال السعدي الكوفي مصنف الفتوح والردة وغير ذلك هو كالواقدي تثبت البيروتي سمعت جعفر بن أبان سمعت بن نمير يقول سيف الضبي تميمي كان جميع يقول حدثني رجل من بني تميم وكان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة)[73].

ـ وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: (ت (الترمذي) . سيف بن عمر التميمي البرجمي ويقال السعدي ويقال الضبعي ويقال الاسدي الكوفي صاحب كتاب الردة والفتوح . روى عن عبدالله بن عمر العمري وأبي الزبير وابن جريح وإسماعيل بن أبي خالد وبكر بن وائل بن داود وداود بن أبي هند وهشام بن عروة وموسى بن عقبة ويحيى ابن سعيد الانصاري ومحمد بن إسحاق ومحمد بن السائب الكلبي وطلحة بن الاعلم وخلق وعنه النضر بن حماد العتكى ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ومحمد بن عيسى الطباع وجبارة بن المغلس وجماعة . قال ابن معين ضعيف الحديث وقال مرة فليس خير منه وقال أبو حاتم متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي وقال أبو داود ليس بشئ وقال النسائي والدارقطني ضعيف وقال ابن عدي بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها وقال ابن حبان يروي الموضوعات عن الاثبات . قال وقالوا أنه كان يضع الحديث . قلت : بقية كلام ابن حبان اتهم بالزندقة وقال البرقاني عن الدارقطني متروك وقال الحاكم اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط . قرأت : بخط الذهبي مات سيف زمن الرشيد)[74].

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: (سيف بن عمر التميمي صاحب كتاب الردة ويقال له الضبي ويقال غير ذلك الكوفي ضعيف الحديث عمدة في التاريخ افحش ابن حبان القول فيه من الثامنة مات في زمن الرشيد ت)[75]. وهذا النص يبين جانب مهم من الفكر السني المتبع في رؤيتهم التأريخية ، فأبن حجر رغم كل ما نقله عن أقوال العلماء في سيف بن عمر من انه: "ضعيف"
و"متروك"
و"ليس بشيء"
و"أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة"
و" يروي الموضوعات عن الإثبات"
و" كان يضع الحديث"
و"اتهم بالزندقة"
و"في الرواية ساقط"

ومع ذلك يقول ابن حجر عنه انه عمدة في التأريخ !!!!! فالويل للمسلمين من التأريخ الذي عمدته سيف بن عمر الوضّاع الزنديق …. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون …

نماذج من روايات سيف بن عمر الأموي:

ـ {{سيف بن عمر التيمي عن مطين بن فضل عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق مع عمار ما لم يغلب عليه دلهة الكبر وقد دلهه وخرف}}[76].

فسيف بن عمر الأموي ينتصر في حديثه هذا لأمويته فقوله (وقد دلهه وخرف) يتهم فيه الصحابي عمار بن ياسر بأنه أصابه الخرف وذلك إخفاءاً منه لحقيقة مقتله على يد الفئة الباغية وهي فئة معاوية بن أبي سفيان الأموي تصديقاً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخباره بأن عماراً تقتله الفئة الباغية. والعجب من أهل السنة انهم لا يأخذون على سيف بن عمر طعنه هذا في الصحابي عمار بن ياسر مع أنهم يزعمون أنهم يرفعون راية الدفاع عن الصحابة ، فيتضح أن دفاعهم هو عن أشخاص معينين من الصحابة وليس جميعهم !

ـ {{عبيد بن إسحاق قال حدثنا سيف بن عمر التيمى قال : كنت جالسا عند سعد بن طريف الإسكاف إذ جاء ابن له يبكى فقال يا بنى مالك ؟ فقال ضربني المعلم ، فقال والله لأخزينهم اليوم ، حدثنى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شراركم معلموكم أقله [ أقلهم ] رحمة على اليتيم وأغلظهم على المسكين " ورواه إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن عبيد بن إسحاق فقال فيه " معلمو صبيانكم شراركم " ورواه إسحاق بن الحسن الحربى عن عبيد فقال فيه " شرار أمتى معلموها " . هذا حديث موضوع بلا شك ، وفيه جماعة مجروحون ، وأشدهم في ذلك سيف وسعد فكلا [ فكلاهما ] متهم بوضع الحديث . وسعد هو في هذا الحديث أقوى تهمة . قال ابن حبان : كان يضع الحديث على الفور}}[77].

وأيضاً فقد قال ابن عدي بعد ذكره نفس الرواية: (وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فرووه عبيد بن إسحاق الكوفي العطار يلقب عطار المطلقات ضعيف وسيف بن عمر الضبي كوفي وسعد الإسكاف كوفي ضعيف وهو أضعف الجماعة فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته)[78].

وفي الحقيقة فإن سيف بن عمر هو المتهم في وضع هذا الحديث وليس سعد بن طريف وذلك أن عبيد بن إسحاق روى هذا الحديث الموضوع عن سيف وليس عن سعد ، فسيف هو من حدّث به وليس سعد.

ـ {{سيف بن عمر عن وائل بن داود عن يزيد البهى عن الزبير بن العوام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنك باركت لأمتي في صحابتي فلا تسلبهم البركة ، وباركت لأصحابي في أبى بكر فلا تسلبه البركة ، واجمعهم عليه ولا تثر أمره فإنه لم يزل يؤثر أمرك على أمره . اللهم وأعن عمر بن الخطاب ، وصبر عثمان بن عفان ، ووفق عليا ، واغفر لطلحة و - بنت - [ ابن ] الزبير ، وسلم سعدا ، ودثر عبد الرحمن ، وألحق السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان "}} . قال ابن الجوزي في الموضوعات: (هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه مجهولون وضعفاء وأقبحهم حالا سيف . قال يحيى : فلس خير منه . وقال ابن حبان : يروى الموضوعات عن الإثبات. قال وقالوا إنه كان يضع الحديث)[79].

ـ {{سيف بن عمر عن عطية عن أبي سيف أن ابن مسعود ترك عطاءه حين مات عمر . وفعل ذلك رجال من أهل الكوفة أغنياء ، واتخذ لنفسه ضيعة براذان فمات عن تسعين ألف مثقال ، سوى رقيق وعروض وماشية رضي الله عنه}}[80].
ويبدو أن سيف بن عمر الأموي يروي على ابن مسعود ما يطعن فيه بغض النظر عما إذا كان كان حقاً أم لا ! وذلك للخلاف الذي كان بين ابن مسعود (الهذلي) وعثمان بن عفان (الأموي) أيام خلافته ، فانتصر سيف بن عمر لأمويته متناسياً الثروة التي تركها عثمان بن عفان بعد مقتله !

ـ {{سيف بن عمر عن وائل أبي بكر عن الزهري عن عبيد الله وعطية بن الحارث عن أبي أيوب عن علي وعن الضحاك عن بن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور فإذا قالوا فلمن الملك بعدك أمسك فلم يخبرهم بشئ لأنه لم يؤمر في ذلك بشئ حتى أنزلت وإنه لذكر لك ولقومك شرف لك ولقومك فكان بعد إذا سئل قال لقريش فلا يجيبوه حتى قبلته الأنصار على ذلك}}[81].

وهذه الرواية المكذوبة على السيرة النبوية هدفها هو نفي أصالة اختيار الإمام علي بن أبي طالب كوصي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) منذ يوم الدار حينما نزل قوله تعالى: (( وانذر عشيرتك الاقربين )) ، حيث روى الطبري في تأريخه هذه الحادثة وهذا التنصيب فقال:

{(حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله ابن عباس عن علي بن أبى طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذر عشيرتك الاقربين دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى يا علي إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أنى متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رحل شاة وأملا لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بنى عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرنى به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذى صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحى الصفحة ثم قال خذوا بسم الله فأكل القوم حتى مالهم بشئ حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذى نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لقد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الغد يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلى * قال ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة ثم قال أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بنى عبد المطلب إنى والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إنى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرنى الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخى ووصيي وخليفتي فيكم قال فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإنى لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبى الله أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتى ثم قال إن هذا أخى ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع )}[82].
وفي لفظ رواية ابن عساكر في تاريخ دمشق: (وإن ربي أمرني أن أدعوكم فأيكم يوءازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيتي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعا وأني لأحدثهم سنا فقلت أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال هذا أخي ووصيتي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا)[83].

فكان هدف سيف بن عمر الأموي هو صرف أذهان المسلمين عن هذه الحقيقة فادعى أن ابن سبا هو من اختلق أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) !! وهذا النص الذي روي عن سيف بن عمر يوافق هدفه في الرواية التي رواها عنه الطبري أيضاً حيث قال: (فيما كتب به إلى السري عن شعيب عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسى قال كان عبد الله بن سبإ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشأم فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصى وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب علي وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدؤوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس)[84].
ويقول الشيخ الاميني في تعليقه على رواية سيف هذه التي رواها الطبري: (ونحن والدكتور طه حسين نصافق عند رأيه هاهنا حيث قال في كتابه " الفتنة الكبرى ص 134 : وأكبر الظن أن عبد الله بن سبأ هذا - إن كان كل ما يروى عنه صحيحا - إنما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها ، وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ، ليشككوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى ، فيردوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدا للمسلمين ، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة ؟ وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان ؟ فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط ، ولنكبر المسلمين في صدر الاسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديا وكانت أمه سوداء ، وكان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن مكرا وكيدا وخداعا ، ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي ، فحرض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعا وأحزابا)[85].

لقد عاش أهل السنة هذه القرون الطويلة وأذهانهم خاضعة لكذبة كبيرة اسمها عبد الله بن سبأ ذو الدور الأسطوري الذي جعل الصحابة لعبة بيده ، فهل يقبلون أن يكون الصحابة بهذا المستوى من السذاجة بحيث يحركهم شخص مغمور ويقودهم لقتل خليفتهم !! هل هؤلاء الصحابة المنقادين لابن سبأ هم خير القرون الذين يروون أن الحديث الشريف يصفهم بهذا الوصف.

فما أشد ابتعاد الفكر السني عن المنطق والتفكر والفهم الصحيح لمجريات التاريخ.






الهوامش:
[1]  تهذيب الكمال ـ ج2 ص274.
[2]  تاريخ دمشق ـ ج18 ص246.
[3]  الإصابة ـ ج3 ص211.
[4]  تهذيب الكمال ـ ج16 ص316 و التاريخ الكبير ـ ج6 ص495.
[5]  السنن الكبرى للنسائي ـ ج6 ص149 و سنن الترمذي ـ ج5 ص544 و تهذيب التهذيب ـ ج7 ص 366.
[6]  الإصابة ـ ج6 ص524.
[7]  الجرح والتعديل ـ ج8 ص217 و صحيح مسلم ـ ج2 ص299 و تهذيب التهذيب ـ ج10 ص22.
[8]  الجرح والتعديل ـ ج5 ص333.
[9]  الإصابة ـ ج6 ص445.
[10]  الإصابة ـ ج6 ص 470 و 503.
[11]  بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 34 ص 171
[12]  بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 44 ص 107
[13]  خلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي ج 3 ص 80
[14]  تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 01 ص 464 والغدير - الشيخ الأميني ج 8 ص 371
[15]  خلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي ج 3 ص 39
[16]  كتاب المحبر- محمد بن حبيب البغدادي ص 390
[17]  الأنساب - السمعاني ج 2 ص 404
[18]  الأعلام - خير الدين الزركلي ج 8 ص 78
[19]  الإصابة - ابن حجر ج 5 ص 477
[20]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 28  ص 318
[21]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 52 ص 286
[22]  رجال الطوسي- الشيخ الطوسي ص 75
[23]  خلاصة الأقوال- العلامة الحلي ص 372
[24]  نقد الرجال - التفرشي ج 3 ص 108
[25]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 52 ص 286
[26]  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 82 ص 336
[27]  خاتمة المستدرك - الميرزا النوري ج 4 ص 142
[28]  اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ج 1 ص 323
[29] اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ج 1 ص 324
[30]  عبد الله بن سبأ للسيد مرتضى العسكري ، ج 2 ص 313.
[31]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 23 ص 353
[32]  كتاب السنة- عمرو بن أبي عاصم ص 462 و مسند أبي يعلى - أبو يعلى الموصلي ج 1 ص 349 و كنى البخاري- البخاري ص 21
[33]  تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 92 ص 9
[34]  بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج 42 ص 152
[35]  الأنساب - السمعاني ج 3 ص 209
[36]  تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي ج 8 ص 490 وتاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 81 ص 444
[37]  يقول الشيخ المظفر وهو يتحدث عن الأحداث التي تلت وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرةً: (ولكن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله ذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم ؛ إذ طلع صارخا مهددا « وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم » وراح يهتف بهم : « ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله . وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجف بموته . لا اسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي » .
أتراك « لو خلوت بنفسك وأنت هادئ الأفكار » تقتنع بوحي هذه الفكرة من هذا الذي لا يقعقع له بالشنان ، وأنت لا تدري لماذا رسول الله يقطع أيدي وأرجل من أرجف بموته ، أو بالأصح من قال بموته ؟ ولأي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل ؟ ومن أين علم أن رسول الله لا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله ؟ وما هو هذا الرجوع ؟ أرجوع بعد الموت أو بعد غيبة « كغيبة موسى بن عمران كما يدعيها عمر بن الخطاب في بعض الحديث » ولكنها أية غيبة هذه وهو مسجى بين أهله لا حراك فيه ؟
إلا أني اعتقد انك لو كنت ممن ضمه هذا الاجتماع لذهبت بتياره ولتأثرت بهذا القول إلى أبعد حد كسائر من معك ما دام الاجتماع بتلك الحال التي وصفناها ، والخطيب هو عمر بن الخطاب ، وقد جاء بتلك الدعوة الثائرة ، في صرامة إرادة ورأي بلغا أقصى درجات الصرامة ، وقد استعمل المغريات الخلابة للجماعات : فمن أمل بحياة الرسول وبإظهار دينه على الدين كله ـ إلى توعيد بقطع رسول الله أيدي وأرجل المرجفين بموته ، وتهديد منه ( اعني عمر ) بقتل من يقول مات رسول الله .
انهما الخوف والأمل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والإرادة الصارمة لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على أفكار الجماعة الاجتماعية وأي تخدير بهما لأعصاب المجتمعين . ومن وراء ذلك أن شأن المحبين يتعللون في موت حبيبهم إذا نعي بالأوهام ولا يرضون لأنفسهم التصديق بموته لا سيما مثل فقيدهم هذا العظيم الذي يجوز عليه ما لا يجوز على البشر)…..
إلى أن يقول: (وفيما عندي أن الطرفين لم يعرفاه حق عرفانه ولم يصلا إلى غوره وتدبيره في هذا الحادث المدهش . فان من يعتقد أن النبي قد غاب فيحلف لا يقنعه مثل حجة أبي بكر فيرتدع . ومن خبل بالمصيبة فهو عند اليقين بها أدهش وأدهش. ويكفي المتدبر في مجموع نقاط هذه الحادثة أن يفهم هذا الذي لا يختل بالحرش ، فيعرف أن وراء الأكمة ما وراءها ، ولا يضعه حيث وضعه الناس . ألا تعتقد معي انه كان يخشى أن يحدث القوم ما لا يريد ، وقد اشرأبت الأعناق ـ بطبيعة الحال ـ إلى من سيخلف النبي ، وهذه ساعة طائشة ، وأبو بكر بالسنح غائب ، وهو خدنه وساعده ، وهما أينما كانا هما . ولعلهما وحدهما وقد تفاهما في هذا الأمر . . . فأراد أن يصرف القوم عما هم فيه ، ويحول تفكيرهم إلى ناحية أخرى ، إن لم يجعلهم يعتقدون غياب النبي . حتى لا يحدثوا بيعة لأحد من الناس قبل وصول صاحبه . وليس هناك من تحوم حوله الأفكار إلا عليا للنص عليه كما نعتقد أو لأنه أولى الناس ، ما شئت فقل « حتى كان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله »). انظر السقيفة للشيخ محمد رضا المظفر ـ ص111 وما بعدها.
[38]  كتاب المحبر- محمد بن حبيب البغدادي ص 390
[39]  الأنساب - السمعاني ج 2 ص 404
[40]  الأعلام - خير الدين الزركلي ج 8 ص 78
[41]  الإصابة - ابن حجر ج 5 ص 477
[42]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 25 ص 247
[43]  المعجم الكبير - الطبراني ج 6 ص 221
[44]  تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي ج 41 ص 379 و أيضاً: تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 03 ص 395
[45]  سنن الدارمى - عبد الله بن بهرام الدارمي ج 2 ص 403
[46]  المعجم الأوسط - الطبراني ج 6 ص 327 وأيضاً: المعجم الكبير - الطبراني ج 3 ص 57
[47]  شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ج 1 ص 98
[48]  شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ج 1 ص 486
[49]  الكامل - عبد الله بن عدي ج 4 ص 14
[50]  تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 24 ص 392
[51]  البرجمي بضم الباء والجيم نسبة إلى البراجم بطن من تميم.
[52]  تهذيب الكمال - المزي ج 21 ص 619
[53]  الضبي نسبة إلى ضبة بن أد وهم بنو عم قبيلة تميم بن مر بن أد.
[54]  كتاب المجروحين - ابن حبان ج 1 ص 345
[55]  كتاب الضعفاء والمتروكين- النسائي ص 187
[56]  كتاب الضعفاء- أبو نعيم الأصبهاني ص 91
[57]  ميزان الاعتدال - الذهبي ج 2 ص 255
[58]  من له رواية في كتب الستة - الذهبي ج 1 ص 476
[59]  تهذيب التهذيب - ابن حجر ج 4 ص 259
[60]  الثقات - ابن حبان ج 9 ص 45
[61]  كتاب المجروحين - ابن حبان ج 1 ص 345
[62]  تاريخ ابن معين ، الدوري - يحيى بن معين ج 1 ص 336
[63]  كتاب الضعفاء والمتروكين- النسائي ص 187
[64]  ضعفاء العقيلي - العقيلي ج 2 ص 175
[65]  كتاب الضعفاء- أبو نعيم الأصبهاني ص 91
[66]  الجرح والتعديل - الرازي ج 4 ص 278
[67]  الجرح والتعديل - الرازي ج 7 ص 136
[68]  الكامل في ضعفاء الرجال - عبد الله بن عدي ج 3 ص 435
[69]  الكامل في ضعفاء الرجال - عبد الله بن عدي ج 3 ص 436
[70]  ميزان الاعتدال - الذهبي ج 2 ص 255
[71]  ميزان الاعتدال - الذهبي ج 3 ص 259
[72]  من له رواية في كتب الستة - الذهبي ج 1 ص 476
[73]  الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث – برهان الدين الحلبي ص 131
[74]  تهذيب التهذيب - ابن حجر ج 4 ص 259
[75]  تقريب التهذيب - ابن حجر ج 1 ص 408
[76]  طبقات المحدثين باصبهان – أبو محمد بن حيان المعروف بالشيخ الأنصاري ج 2 ص 419
[77]  الموضوعات - ابن الجوزي ج 1 ص 222
[78]  الكامل في ضعفاء الرجال - عبد الله بن عدي ج 3 ص 435
[79]  الموضوعات - ابن الجوزي ج 2 ص 30
[80]  سير أعلام النبلاء - الذهبي ج 1 ص 497
[81]  الكامل - عبد الله بن عدي ج 3 ص 436
[82]  تاريخ الطبري - الطبري ج 2 ص 62
[83]  تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ج 24 ص 48
[84]  تاريخ الطبري - الطبري ج 3 ص 378
[85]  الغدير - الشيخ الأميني ج 9 ص 220




*****
 



القائلون بأسطورة أبن سبأ : يقف على رأسهم طه حسين فهو في مقدمة من شككوا بوجود أبن سبأ , حيث يقول : " لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمة التي تصف الخلاف على عثمان " وفي حديث طه حسين عن الفتنة يقول : " إن أبن السوداء لم يكن ألا وهم إن وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذي صوره المؤرخون , وصوروا نشاطه أيام عثمان , وفي العام الأول من خلافة علي , وأما هو شخص أدخره خصوم الشيعة للشيعة وحدهم ولم يدخروه للخوارج " .

ويأتي بعد طه حسين من القائلين بأسطورة ابن سبأ يأتي علي سامي النشار والذي تجاوز الشك بإعلانه أن ابن سبأ شخصية وهمية .

ومن ثم يأتي علي الوردي والذي يقول : " يخيل إليَ أن حكاية أبن سبأ من أولها إلى أخرها , كانت حكاية متقنة الحبكة رائعة التصوير " , وقد بين الوردي أكثر من مره في كتبه بأن الإسلام في عهد عثمان لم يعد كما كان في أول الدعوة, فقد أصبح الإسلام قوياً متينا في هذا العهد ومن التسفيه أن يقال بأن شخص طارئ حديث الإسلام قد استطاع أن يؤثر على المسلمين ويحقق أهدافه .

ويعد الوردي أول من ذهب إلى القول بأن ابن السوداء هو عمار بن ياسر الذي ثار على الأغنياء هو وأبو ذر الغفاري .
أما حجج النافين لوجود أبن سبأ فهي :

أكثر النافين لوجوده يستندون على أن الأغلب في الروايات التي نقلها الطبري في تاريخه والذهبي في تاريخ الإسلام تنتهي إلى سيف بن عمر التميمي الذي كان متهما بالكذب عند رواة الحديث كما أن مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى) ينقل جملة من الروايات الخرافية التي تناقض العقل والتي نقلها الطبري عن سيف بن عمر وأحدها حديث سعد بن أبي وقاص مع قطيع من الثيران. قال الطبري: ((كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم أيام عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام)). أما أبي زهرة وفي كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية قال: ((عبد الله بن سبأ كان يهوديا من أهل الحيرة، أظهر الإسلام)). فهو في هذه الروايات تارة من أهل الحيرة وأخرى من أهل صنعاء، وهو عند ابن حزم والشهرستاني وغيرهما ابن السوداء، الإختلاف في وقت ظهوره فالطبري وجماعة يصرحون بأنه ظهر أيام عثمان بينما يذهب جماعة آخرون إلى أنه ظهر أيام علي أو بعد موته ومن هؤلاء سعد بن عبد الله الأشعري في كتابه المقالات وابن طاهر في الفرق بين الفرق وغيرهما كثير وقد استعرض الدكتور طه حسين الصورة التي رسمت لابن سبأ وانتهى إلى أن ابن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة ودعم رأيه بالأمور التالية :

أولا: إن كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا.

ثانيا: إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب، ومقطوع بأنه وضاع.

ثالثا: إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض : في منتهى البلاهة والسخف .

 

****



عبد الله بن سبأ في شمال أفريقيا دراسة تحليلية لنظرية المؤامرة


محمد انعيسى

الحوار المتمدن - العدد: 1721 - 2006 / 11 / 1




1ـ مقدمة عامة

لعل أول سؤال سيتبادر إلى ذهن القارىء بمجرد وقوف عينيه على العنوان هو: كيف يمكن أن يكون عبد الله بن سبأ حيا يرزق في شمال أفريقيا، علما أن هذه الشخصية المعروفة في التاريخ الإسلامي قد ماتت خلال القرن الأول للهجرة ؟ أهذا افتراء جديد من افتراءات بعض الصحف ؟ أم أن هذا العنوان مقتبس من عناوين إحدى أفلام الخيال العلمي ؟ أو ربما نظرية الإنسان المتفوق قد تحققت وصدق نيتشه في تكهناته ؟ أم أن هذا العنوان يحيل إلى مسألة أخرى غير المعنى المباشر ؟
والحقيقة أن كل هذه الأسئلة مشروعة منطقيا لتماسكها المنطقي ، فكل إنسان فان ، عبد الله بن سبا إنسان، إذن فعبد الله بن سبا فان .هذا من جهة ومن جهة أخرى فمعرفتنا المتواضعة للتاريخ الإسلامي تؤكد أن عبد الله بن سبأ قد مات في القرن الأول للهجرة ، فمن منا لا يتذكر ذلك الإنسان اليهودي الذي كان وراء تدبير جميع الفتن التي أصابت المسلمين كما علمونا في المدرسة والمسجد ؟

ونحن إذ نهدف من خلال هذه الدراسة إلى كشف وتحليل حقيقة هذه الشخصية خاصة وان الدارسين للتاريخ الإسلامي قد وقفوا مواقف متعارضة من حيث حقيقة هذه الشخصية ،فقد انقسموا إلى قسمين ، القسم الأول يؤكد على حقيقة وجود هذه الشخصية وأنها كانت فعلا وراء تدبير الفتن والقسم الآخر ذهب إلى عكس ذلك واعتبر أن عبد الله بن سبأ ما هو إلا شخصية خرافية كان وراء ابتداعها مصالح معينة.لا يسعنا إلا أن نحلل الآراء والمواقف بربطها بالواقع الموضوعي للتاريخ الإسلامي ، بعيدا عن الأحكام المسبقة والأفكار المنمطة حتى لا نسقط في فخ الذاتية ،والمهم من خلال دراستنا هاته هو محاولة الوقوف عند ما وراء هذه الشخصية والوقوف عند نظرية المؤامرة عند المسلمين سواء كانت هذه الشخصية شخصية حقيقية أو خرافية .

ما نريد أن نؤكد ونركز عليه بالدرس والتحليل هو مكانة هذه الشخصية على المستوى الرمزي ، ويمكن أن نقول أن هذه الشخصية قد تركت آثارا عظيمة في العقلية العربية الإسلامية .فغالبا ما يتم استحضار هذه الشخصية بأشكال مختلفة عندما يعجز المسلمون عن مواجهة التحديات المفروضة عليهم وهكذا يتم خلق الآخر الشرير الذي يدبر المؤامرات والفتن ضدهم ، إذن فعبد الله بن سبأ حاضر في اللا شعور الجمعي وهو حي يرزق على المستوى الرمزي حتى وان مر على وفاته أكثر من 14 قرنا من الزمن وللإشارات وفقط فنحن لا ننفي بعض المؤامرات التي تحاك ضد المسلمين أو العكس فهذا من طبيعة البشر وقانون من قوانين الاجتماع البشري، لكن تعتبر جميع الأخطاء التي سقط فيها المسلمون كانت من تدبير الآخر العدو فهذا ضرب من الأوهام التي لا يقبلها المنطق .

إذن فعبد الله بن سبأ هو رمز الشر المطلق عبر الزمن وكلما واجه المسلمون شرا إلا وكان عبد الله بن سبأ وراء تدبيره، وعبد الله بن سبأ بما هو رمز الشر يتم استحضاره في حلل متعددة باختلاف الشر الذي يصيبهم ومن بين هذه الاستحضارات نجد : الصليبية، اليهودية ، الماسونية ، الصهيونية، الشيوعية ، الغرب ...وهذه الرموز الأخيرة ما هي إلا الأوجه المتعددة لمتعدد الوجه في فضاء التاريخ عبد الله بن سبأ ، وخلاصة القول أن نظرية المؤامرة عند المسلمين دائما حاضرة ويعتبر عبد الله بن سبأ وثيقة الميلاد الشرعية لهذه النظرية

2 ـــ من هو عبد الله بن سبأ ؟

يقول احمد عباس صالح : ( وهنا يتردد اسم عبد الله بن سبأ وهو شخص كان يهوديا وأسلم ، تصوره لنا كتب التاريخ على انه كان الشيطان وراء الفتنة التي قتل فيها عثمان ، بل وراء جميع الأحداث ... وقد وقف منه الكتاب مواقف متعارضة، فمنهم من ينكر وجوده أصلا ، ومنهم من يعتبره أساس كل الفتن وكل ما جرى ، بل أساس ما دخل في الاسلام من مذاهب غريبة منحرفة )

من خلال هذا النص نجد في البداية أن غالبا ما يتم ذكر عبد الله بن سبأ بصفته يهوديا وأسلم وهذا يعني أن الهوية الدينية لعبد الله بن سبأ لم تتغير رغم اعتناقه لدين جديد، وهذا ما يتعارض مع منطق المسلمين ، إذ أن أي إنسان كيفما كانت هويته الثقافية والدينية عندما يعتنق الدين الإسلامي يتم نسيان ماضيه ليبدأ حياة جديدة مبنية أساسا على الدين الجديد فهذه هند زوجة أبو سفيان تأكل كبد حمزة بن عبد المطلب لكن عندما أسلمت تم ضرب ماضيها عرض الحائط وهذا نفس الشيء بالنسبة للذين كانوا أعداءً للمسلمين بل قتلوا المسلمين في معارك يذكرها التاريخ لكن بمجرد إسلامهم ودخولهم في الدين الجديد بدأوا صفحة بيضاء ونسي ماضيهم ، وهنا يطرح السؤال: لماذا يوصف عبد الله بن سبأ في كتابات المسلمين بصفته يهوديا وأسلم؟ طبعا فالكلمات غير بريئة واغلب الظن أن ذكر اسم عبد الله بن سبأ بتاريخه قبل الاسلام يفتح مجالا ويضفي شرعية لما سيلحق لهذه الشخصية من اتهامات فيما بعد .وهكذا يتخلص المسلمون تاريخهم في جانبه الأسود بإلحاق ما أصابهم من مصائب بالمنافق عبد الله بن سبأ الذي كان دخوله في الاسلام لغرض تشويه الاسلام وتدبير الفتن لغاية القضاء على الدين الجديد.إذن رغم اعتناق عبد الله بن سبأ للإسلام فهو مشكوك في أمره لأنه يهودي لكن في نفس الوقت هناك يهود آخرين دخلوا في الاسلام ولم يك فيهم احد بل الأكثر من هذا يذهب المسلمين إلى اليهود ليعرضوا عليهم الدين الجديد وهذا تناقض صارخ وواضح...إذن فكما قلنا سواء كانت شخصية عبد الله بن سبأ خرافية أم حقيقية فإنها شخصية أسطورية لما ألحقت من أثار على العقلية العربية الإسلامية ، والمهم عندنا هو تفكيك الأفكار التي أنتجت حول هذه الشخصية ، فكتب التاريخ تروي لنا قصصا بوليسية رائعة بطلها هو عبد الله بن سبأ فهو المسؤول عن الثورة ضد عثمان بن عفان ومعركة كربلاء وجميع المواجهات الدامية بين المسلمين ، وما يمكن أن نتوصل إليه هو أن عبد الله بن سبأ يعتبر شخصية أسطورية حقا إذ في جميع الأحوال يعتبر بطلا فإذا كانت شخصيته خرافية فهذا دليل واضح على عجز عقول المسلمين على التحليل العلمي للتحديات المفروضة عليهم ، وفي نفس الوقت يعتبر ابتداع شخصية خرافية للتغطية على الواقع قمة الإبداع، أما إذا كانت شخصية عبد الله بن سبأ حقيقية فهذه قمة الأسطورة ، إذ كيف يعقل أن يدبر شخص واحد جميع المؤامرات في العصر الذهبي للإسلام؟ والأكثر من هذا فهذه المؤامرات تم تدبيرها للإطاحة بأقوى المؤمنين بالإسلام (العشرة المبشرين بالجنة نموذجا) صحابة رسول الله؟

إذن خلاصة القول والأرجح أن شخصية عبد الله بن سبأ شخصية خرافية ابتدعها المسلمون الأوائل تغطية لعجزهم لما لحقهم من أذى داخلي أفقي وهكذا يتم رسم دولة نموذجية فاضلة تسمى بالدولة الإسلامية التي ستعتبر المرجع الأسمى لكل حركة سياسية هدفها الوصول إلى السلطة السياسية وفي هذا الصدد بالذات يقول احمد عباس صالح: ( وعبد الله بن سبأ شخص خرافي بغير شك ، فأين هو من هذه الأحداث جميعا ؟ وأين هو من الصراعات الناشبة في هذا العالم الكبير المتعدد... وماذا يستطيع شخص مهما كانت قيمته أن يلعب بمفرده بين هذه التيارات المتطاحنة ).ربما لان المسلمين الأوائل لا يؤمنون بالصراع حول السلطة في مجتمع سموه بالعصر الذهبي للإسلام وهذا المجتمع الذي تكون في تلك الحقبة كان مجتمعا مثاليا افلاطونيا لا تنطبق عليه مبادىء المجتمعات الأخرى .

3ـ عبد الله بن سبأ والمدينة الفاضلة

يقول علي الوردي: ( يقول المغفلون أن المحرك الأكبر للثورة على عثمان هو ابن سبأ ، وأنا أعجب من عقول هؤلاء إذ ينسبون تلك الثورة الكبرى إلى تحريض رجل لا نعرف عنه شيئا كثيرا .وهل من الممكن أن يثير هذا الرجل الناس على عثمان ولا يعرف عثمان عنه شيئا ؟)

الغريب في الأمر تنسب جميع الشرور لعبد الله بن سبأ ولا تنسب لشخص آخر عربي مثلا كان يعيش معهم أيام الجاهلية وهذا دليل واضح على أن الآخر عند المسلمين العرب هو الشر المطلق وهو المؤامرة في حد ذاته، هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد اختلقت شخصية عبد الله بن سبأ من أجل إضفاء صفة التنزيه على المجتمع الإسلامي خلال العصر الذهبي كما يدعون وبالتالي فان جميع ما عرفته الدولة الإسلامية من نزاعات داخلية واغتيالات سياسية للخلفاء من تدبير يد شريرة خفية هدفها الإطاحة بنظام الحكم الإسلامي ، فدولة الاسلام آنذاك كانت دولة كاملة مثالية منزهة عن صراعات الحكم والسلطة إذ أن الوازع الديني هو المتحكم في الرعايا الأوفياء لخليفتهم الذي يحكم بما أنزل الله وهم يعتبرون أن أي خطأ ارتكبه احد الصحابة أو أزواج النبي (ص) فكأنما الاسلام هو الذي ارتكب هذا الخطاء وهذا فهم خاطىء للدين وهكذا أضفيت صفة القداسة على مرحلة من مراحل التاريخ ، وهذا منطق مغلوط وملغوم في نفس الوقت ، فإذا كانت الخلافة أسلوبا من أساليب الحكم فطبيعي أن تكون هناك أخطاء مرتكبة إذ أن السياسة كما يقال ما هي إلا فن الخطأ والصواب ، ويمكن لحاكم أيا كان أن يرتكب أخطاء قد تكون قاتلة أحيانا كما حدث للخلفاء الراشدين إذ أن ثلاثة منهم ثبت أنهم قد اغتيلوا وهناك من يعتبر أن أبا بكر الصديق قد قتل مسموما ، لكن العقل المنمط لا يستطيع أن يتقبل أفكارا مثل هذه الأفكار التي يصدقها العقل البسيط وهكذا ينفون الأخطاء على صحابة رسول الله (ص) إذن خلاصة القول أن شخصية عبد الله بن سبأ ابتدعت من أجل إقامة الجنة على الأرض، والدعوة إليها من طرف الحركة الإسلامية التي بنت كل مرجعيتها على نظرية المؤامرة.

4 ـ العقلية الاسقاطية وعبد الله بن سبأ

لفهم العقلية الاسقاطية لابد في البداية أن نعرف العقلية الاسقاطية في علم النفس فما المقصود بالإسقاط ؟

(الإسقاط عملية عصبية ونفسية يميل المتعضي من خلالها إلى تحويل كل ما يزعجه إلى الخارج ، على شكل نبذ .بالمعنى التحليلي النفسي، الإسقاط هو آلية يطرد الشخص من خلالها صفات ، أو مشاعر ، أو رغبات أو نزوات ، أو أفكار لا يعترف بها ولا يستطيع أن يتقبلها كجزء من ذاته .انه يطردها كي يركزها في الخارج في الأشخاص والظواهر المادية والعلاقات ملصقا إياها بهم ، ونافيا للتهمة عن ذاته ، وحيث إن ما يسقط عادة يثير مشاعر ذنب أو خجل أو عار إذا وعاه الشخص كجزء من ذاته .فهو يتهرب منه بإلصاقه بالغير أو اتهام الغير به في نوع من تبرئة الذات .الإسقاط هو آلية نفسية بدائية جدا.. انه عبارة عن تخلص من كل ما هو سيء باتهام الآخرين به)

إذن فالعقلية الاسقاطية هي العقلية التي تحاول دائما اتهام الغير وتبرئة الذات من كل الشرور وهذا هو حال المسلمين وبعض الشعوب الأخرى ، والعقلية الاسقاطية ناشئة أساسا من وهم اعتقاد المسلمين أنهم خير أمة أخرجت للناس وهذه الأمة لا يمكن أن تصنع الشر حسب هذا الاعتقاد البدائي .وهكذا عندما يواجه المسلمون أسئلة حرجة من قبيل كيف حدثت الفتنة الكبرى وكيف اغتيل الخلفاء الراشدون ؟ فيكون الجواب وفق العقلية الاسقاطية أن جميع الفتن دبرها اليهود أو المنافقين بقيادة عبد الله بن سبأ. ويجب الإشارة إلى أننا لا نقصد طبعا جميع المسلمين ، بل نريد أن نؤكد على أن العقلية الاسقاطية ناشئة من التكوين النفسي والاجتماعي للفرد خاصة من طرف وسائل التنشئة الاجتماعية التقليدية (مساجد عتيقة، مدارس دينية......)، وطبيعي أن تكون عقلية العامة لدينا عقلية اسقاطية ، ويمكن أن نجزم وفق هذا أن التربية الحديثة تقلص من حدة العقلية الاسقاطية ، كما أن شيوع ثقافة الإتباع والنقل على ثقافة الإبداع وحرية التفكير تساهم بشكل كبير في نمو العقلية الاسقاطية.

إذن فالعقلية الاسقاطية تعتبر مجالا خصبا لنمو نظرية المؤامرة .

5 ـ تطور رمزية عبد الله بن سبأ

عبد الله بن سبأ حاضر في عقول المسلمين، في لا شعورهم الجمعي ، فكلما واجهوا منطقا غير مقبول لديهم يتم اختلاق يد خفية وراء ذلك ، وهذا راجع إلى تكون العقلية الاسقاطية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق وهكذا يمكن أن نتحدث عن الأيديولوجية الاسقاطية التي تعتبر الذات خيرا مطلقا والآخر شرا مطلقا وفق ثنائية المنطق الارسطي الذي كان له دور كبير في نمو العقلية الاسقاطية. وفي هذا الصدد يمكن ان نقول أننا نعيش في عصر انفتحت فيه عيون الناس وأخذت عقولهم تجول في الآفاق شرقا وغربا ، فليس من السهل أن يتستر قوم على معايبهم ويتظاهرون بالكمال ، ففكرة أو نظرية المؤامرة أصبحت فكرة قديمة لا تفسر شيئا بالمقارنة مع التبريرات العلمية المتقدمة ، ويمكن أن نشير إلى أن رمزية عبد الله بن سبأ سافرت في الزمن مع عقول المسلمين لاعتبار التكون التاريخي للعقل وهكذا أصبحت نظرية المؤامرة التبرير الوحيد لكل المصائب التي تصيب المسلمين فتارة يتم الالتجاء إلى الصليبية باعتبارها الشر المطلق ضد المسلمين ، وتارة أخرى إلى اليهود أو الصهيونية ،وهكذا يمكن القول أن عبد الله بن سبأ سافر مع الزمن رمزيا لأنه اليهودي الذي كان وراء تدبير كل الفتن ، وما المؤامرات التي تحاك ضد المسلمين ما هي إلا تعبير جديد لأفكار عبد الله بن سبأ اليهودي المنافق.

6ـ عبد الله بن سبأ في شمال أفريقيا

قلنا أن العقلية الاسقاطية شديدة الارتباط بنظرية المؤامرة بل إنها الوقود الذي يزود هذه الأخيرة بالطاقة لاستمرارها عبر التاريخ، فلا عجب أن نجد هذه العقلية في القرن العشرين أو الواحد والعشرين ، فمعظم مثقفينا ذووا عقلية اسقاطية حتى المتبجحين منهم بالتحليل الموضوعي العلمي للأمور،فعبد الله بن سبا قد تسلل الى عقول هؤلاء دون أن يحسوا بذلك .فمثلا عندما تبرز فكرة جديدة أو حركة جديدة في المجتمع فغالبا ما تتهم هذه الحركة بالعمالة للعدو أو تلقيها لدعم من الصهيونية على أقل تقدير ولتعزيز فكرتنا أكثر نعطي أمثلة في هذا الشأن، فمثلا عندما ظهرت الحركة الإسلامية بالمغرب أو في بلدان العالم الإسلامي ذهب الماركسيون مباشرة إلى اعتبار أن هذه الحركة يجب محاربتها لأنها عميلة للإمبريالية العالمية ولم يكلف هؤلاء أنفسهم عناء البحث والتنقيب عن أسباب ظهور الحركة ، وبعد أن أصبحت هذه الحركة الإسلامية واقعا لا مفر منه دخل اليساريون والإسلاميون في مواجهات دامية لالتقاء عقليتين اسقاطيتين تعتبر كل واحدة منهما الآخر الشر الذي لابد من اجتثاثه من الجذور، وهكذا تجد نظرية المؤامرة مجالا خصبا للنمو في العقليات الاطلاقية الاسقاطية ، وهكذا نجح عبد الله بن سبأ في تمثيل دور التوأمين في فيلم بوليسي بطله عبد الله بن سبأ وشريره عبد الله بن سبأ نفسه ، فعبد الله بن سبأ عند اليسار هو الاسلامويون وعبد الله بن سبأ عند الاسلامويون هو اليسار فكل واحد يعتقد أن الآخر شيطانا خلق من أجل القضاء على الخير .

هذا عن الحركة اليسارية بالمغرب وموقفها من الحركة الإسلامية ، لكن ما أن ظهرت حركة أخرى إلى الوجود حتى انقض عليها السبئيون (نسبة لعبد الله بن سبأ) واتهموها بشتى النعوتات، فقد اعتبرت الحركة الأمازيغية حركة شوفينية ومدعمة من أيادي خفية هدفها تشتيت الوحدة الوطنية ويعتبر( الظهير البربري)

احد أوجه عبد الله بن سبأ إذ أن أي حديث عن القضية الأمازيغية يربط بهذا الظهير علما انه (أي الظهير) كانت له أهداف أخرى قانونية وتنظيمية بالدرجة الأولى.

ورد الفعل ضد الحركة الأمازيغية لم يكن مبنيا على أسس موضوعية إذ أن أية حركة تظهر في المجتمع لا بد أن يكون لها جذور اجتماعية وثقافية وسياسية كما يقر بذلك علم الاجتماع الحديث.

عدم تقبل الآخر وعدم الاعتراف بالأفكار الجديدة، وجه من أوجه العقلية الاسقاطية التي دائما تتركز حول الذات وتعتبر الذات الخير المطلق في مواجهة الأخر الذي يمثل الشر المطلق. هذا شأن الحركات التي تحدثنا عنها ، والغريب في الأمر أن نظرية المؤامرة أصبحت عامة لدى الشعوب المتخلفة والشعوب الإسلامية خاصة إذ أن أي هزيمة تصيب الذات كان وراءها مؤامرة، فيكفي أن تسمعوا لتصريحات لأحد المختصين في رياضة معينة عندما ينهزم فريقه ضد فريق أخر ، فإما أن يلام حكم المباراة باعتباره حكما منحازا للفريق الخصم ، أو تلام أرضية الملعب التي لم تكن صالحة لعدم تأقلم لاعبي الفريق معها وكأن الفريق الفائز لم يلعب فوق تلك الأرضية، أو اضعف الإيمان بنظرية المؤامرة أن يلام المناخ الذي كان في صالح الفريق الخصم.هذا مثال وفقط من التحليلات اليومية لعقلية المؤامرة من بين مئات من الأمثلة.

7ـــ الحركة الأمازيغية في مواجهة عقليات المؤامرة

برزت الحركة الامازيغية كحركة مناضلة من أجل القضية الأمازيغية ، وتشكلت مجموعة من الجمعيات الثقافية إلى جانب الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعات المغربية ، إلى جانب فعاليات أخرى تناضل في نفس الإطار. وبالطبع فكما هو معلوم ظهرت الحركة الأمازيغية بعد الحركة الماركسية والحركة الاسلاموية فكان من الطبيعي أن يكون هناك رد فعل إزاء هذه الحركة التي تدعو إلى إعادة كتابة التاريخ، وتدعوا إلى أيديولوجية مناقضة تماما لأيديولوجية الحركات السابقة عنها. فإذا كانت الحركة الماركسية بالمغرب بكل تلاوينها والحركة الاسلاموية كذلك تنبني أيديولوجيتهما على أساس واحد يتجلى في الانتماء إلى نفس المنظومة الفكرية، أي منظومة الفكر القومي العربي.فماذا كان رد هاتين الحركتين ضد الحركة الأمازيغية التي قلنا أنها تبنت لخطاب جديد مناقض تماما لخطاب الحركتين؟

الحقيقة أن كل من الحركتين لم تكلف نفسها عناء البحث عن أسباب ظهور الحركة الأمازيغية ، فلم تجد هاتين الحركتين إلا نظرية المؤامرة لتحتمي بها ضد عبد الله بن سبأ الذي عاد من جديد وفي حلة جديدة سميت بالحركة الأمازيغية.

الحركة الماركسية مثلا وكعادتها اعتبرت الحركة الأمازيغية وجه من أوجه الحركات البرجوازية المدعمة من طرف الإمبريالية العالمية لغاية تحريف الصراع الحقيقي (الصراع الطبقي) بالمغرب وقد ربط هؤلاء ظهور الحركة الأمازيغية بظهير 16 مايو 1930 (الظهير البربري)الذي كان هدفه نشر الفتنة بين الأمازيغ والعرب كما يدعون طبعا.أما الحركة الاسلاموية فلم تخرج بدورها عن هذا التفسير البدائي فقد ذهبت إلى أن الحركة الأمازيغية مسخرة من طرف أمريكا واليهود لغاية القضاء على اللغة العربية وتشتيت كلمة المسلمين .

الخلاصة أن العقلية الاسقاطية متجذرة في أوساط مثقفينا الكسلاء الذين لا يشغل بالهم إلا قضايا الشعوب العربية وكأنما كلفهم الله بالدفاع عن هذه القضايا علما أن قضاياهم الحقيقية لا يتمادون في نسبها إلى أياد خفية ، فعندما تقرأ مثلا مقالا لأحد الأساتذة الجامعيين الذين تحدثنا عنهم فانك ستحيي مما كتبه ويمكن أن تعتبر هذا الأستاذ أميا في علم الاجتماع علما أنه متخصص في نفس الميدان .لا يسع المجال لذكر جميع هؤلاء فلكم أن تتصفحوا بعض الجرائد اليومية وبعض الكتب المعروفة ، أو أن تطلبوا هذا من العلامة الحاج جوجل على مواقع الإنترنيت، لتكتشفوا بنفسكم العقلية الاسقاطية التي تحكم معظم تحاليل مثقفينا ، خاصة لدى الاسلامويين، فقد تكاد النظرية الوحيدة لديهم لتفسير التحديات المفروضة عليهم لارتباط هذه النظرية بعبد الله بن سبأ اليهودي الذي خدع أسلافهم.

8 ـ خلاصة عامة

لا يمكن في النهاية إلا أن نعتبر عبد الله بن سبأ حيا يرزق على المستوى الرمزي ويتم استحضاره من حين لآخر لأنه الوحيد الذي يشفي غليل العقليات الاسقاطية، وبالتالي تبرير كل الأمور بإرجاعها إلى نظرية المؤامرة التي تحاك ضد الذات. رغم محاولات لاغتيال عبد الله بن سبأ من طرف الفكر العقلاني النقدي فإنها باءت بالفشل ، فإذا كان أحد المفكرين قد قال: عندما تبدوا الدولة كجحيم فغالبا ما يكون هناك أناس يريدون إقامة الجنة على الأرض.فإننا نعكس المقولة ونقول:عندما يبدوا الآخر كجحيم، فغالبا ما تعتبر الذات نفسها كجنة، لا يمكن أن تكون مصدرا للشر.


المراجع المعتمدة في هذا البحث:

مهزلة العقل البشري: علي الوردي

اليمين واليسار في الاسلام : أحمد عباس صالح

سيكولوجية الإنسان المقهور: مصطفى حجازي

معارك فكرية حول الأمازيغية : مجموعة من الباحثين

 

****



بمناسبة القبض علي الجاسوس الاسرائيلي .. عبد الله بن سبأ حفظه الله لنا :)


عمرو إسماعيل

الحوار المتمدن - العدد: 3397 - 2011 / 6 / 15




بمناسبة القبض علي الجاسوس الاسرائيلي الذي لا أنكر انه قد يكون جاسوسا ولو انه بلا شك جاسوس عبيط .. وتناول بعض وسائل الإعلام الموجهة من صحف و قنوات فضائية قضيته بسذاجة متناهية للإيحاء انه له يد وبالتالي إسرائيل في إشعال الثورة وإشعال الفتنة الطائفية والوقيعة بين الجيش والشعب ..تذكرت ما كتبته في مقال قديم عن عبد الله بن سبأ..رغم أن الجميع يعرف من هو العميل لإسرائيل الذي كان يصدر الغاز لإسرائيل بأسعار متدنية وما زال والذي كان يحمي حدود إسرائيل أكثر مما يحمي حدود مصر ومن ارهب المصريين حماية لسفارة إسرائيل .. انه ذلك المخلوع الساكن في مدينة شرم الشيخ المستقلة وتابعه حسين سالم الذي ترك ليهرب من مصر وهو الصندوق الأسود لمبارك والكثير ممن مازالوا للأسف وزراء حتي الآن رغم ولائهم السابق والمعلن للمخلوع مبارك ..

تذكرت عبد الله بن سبأ الذي يمثل عصب نظرية المؤامرة في تراثنا والتي نهرب من خلالها من كل مشاكلنا وفشلنا ..
وهذا ما قلته:

أنا طبعا لا اقصد تسفيه حال العرب بل أحاول نقد الذات وعندي الشجاعة لقول الحقيقة .. لأننا (وأضم نفسي باعتباري عربيا مصريا ) من نقوم بتسفيه حالنا بأنفسنا .. ونستسهل اتهام كل الآخرين ومخابراتهم ودولهم بالتآمر علينا وأنهم سبب تخلفنا وضعفنا وهواننا .. اتهمناهم أنهم من قاموا بعملية 11 سبتمبر رغم اعتراف بن لادن بها مرارا وتكرارا .. واتهمناهم أنهم من يقومون بعمليات الخطف والنحر البشعة التي تحدث في العراق والتي نخجل داخلنا منها رغم تهليل أنصار الظلام علي المواقع السلفية الجهادية الظلامية للزرقاوي بطل النحر القومي ومطالبته بالمزيد ..واتهمنا إسرائيل أنها من قتلت سياحها في طابا مع المصريين الغلابة العاملين في الفندق لأننا نخجل داخليا من تلك العملية وموت مصريين غلابة لا ذنب لهم فيها ..

نفس العقلية المريضة التي لم تخجل وتملأ الصفحات في الكتب عن اتهام شخص واحد هو عبد الله بن سبأ بأنه استطاع بمفرده ولا أعرف كيف ومن أين أتي بهذه القدرة أن يتلاعب بالصحابة كلهم وفيهم من نعتبرهم من المبشرين بالجنة وعلي رأسهم أم المؤمنين عائشة وان يجعلهم يتقاتلون فيما بينهم ويهدرون أرواح الآلاف من المسلمين في هذا القتال .. اتهمنا شخصا واحدا انه السبب في قتل عثمان وفي أحداث الفتنة الكبرى وفي موقعة الجمل والقتال بين أنصار سيدنا علي عليه السلام وكرم الله وجهه وبين أنصار معاوية زعيم الطلقاء وأنه السبب في انتهاء الخلافة الراشدة وتحولها إلى ملك عضوض لا يتخلى فيه الحاكم عن كرسيه منذ تلك اللحظة وحتى الآن عن حكمه إلا أن قبض عزرائيل روحه أو جاء مغامرا فقطع رأسه بالسيف أو بعث له الله هولاكو العصر القديم أو الحديث ليدمر ملكه .

اتهمنا رجلا واحدا بهذه القدرات الخارقة لأننا لا نستطيع نقد أنفسنا ونقد تاريخنا ودراسته لنعرف لماذا تقاتل الصحابة فيما بينهم ومن كان المخطيء ومن كان المصيب ..لأننا أجبن من أن نعترف أن سيدنا عثمان قتل لأنه لم يعرف كيف يدير شئون الدولة وتغلب عليه بنو أمية مثل كل كهنة المعبد الآن الذين يلتفون حول كل حاكم ليسلبوا الشعب ثرواته وحقوقه .. لا نريد أن نعترف أن سيدنا عثمان قتل لأن الشعب ثار عليه وهو رفض أن يتخلى عن الحكم طواعية وأطلق صيحته الخالدة التي أصبحت دستورا لكل حكامنا منذ تلك اللحظة وحتى الآن .. هذا قميص ألبسينه الله فلا أخلعه .. ومنذ تلك اللحظة لم يتغير أي حاكم في عالمنا التعيس إلا علي يد عزرائيل .. فهل أنا من أسفه حال العرب أم أن حالنا هو فعلا سفيه بما فيه الكفاية منذ اللحظة التي عرفنا فيها الهروب من الحقائق وعدم مواجهتها بالكذب على أنفسنا واتهام الآخرين أنهم السبب في مصائبنا .. وادعاء أننا ملئنا العالم عدلا وأننا لم نغزو البلاد الأخرى بل فتحناها وأنهم استقبلونا بالورود مثلما كان يعتقد الأمريكيون تماما في غزوهم للعراق ..هذا رغم أننا نعرف تماما وفي عقلنا الباطن أننا أهدرنا أرواحا وأرقنا دماءا أكثر مما أهدرها كل طغاة التاريخ .. وانه لم يكن هناك أي فرق بين أي جيش عربي غازي وبين جيش الإسكندر أو حتي جيش هولاكو .. لأننا لا نريد أن نعترف أن هذه هي الحرب وان جميع الأمم في تلك الحقبة كانت تتقاتل بنفس الطريقة وتغزو بعضها لا فرق بين الإغريقي والروماني والفارسي والعربي .. من حقنا أن نفخر بتاريخنا دون أن نضطر إلى الكذب وإضفاء إنسانية كاذبة علي عصر كانت روح الإنسان ليس لها أي قيمة فيه والتغلب كان فيه للأقوى و الأقسى .. لقد تخلص العالم كله من قيم هذا العصر ولكن لأننا نصر علي الكذب فحالنا يزداد سوءا .

هذه حالنا الحقيقية ولن نخرج منها إلا إذا اعترفنا بها أولا .. اعترفنا أننا أكثر شعوب الأرض تخلفا وفقرا وتعرضا للقهر والاستبداد علي يد حكامنا ومحتلينا علي يد سواء .

ثرواتنا تستمتع بها قلة قليلة والأغلبية تعاني شظف العيش وتعاني البطالة وتستجدي الحرية .

فهل تعرفون من هو السبب في كل ذلك انه عبد الله بن سبأ .. فليحفظ الله لنا عبد الله ابن سبأ .. فله الفضل فيما تبقي لنا من قوانا العقلية .
 


****


عبد الله بن سبأ ... بين الأسطورة والواقع


تيسير خروب

الحوار المتمدن - العدد: 1958 - 2007 / 6 / 26




لم يواجه المسلمون معضلة في تاريخهم الديني والسياسي مثلما واجهتهم مشكلة اختيار الخليفة أو الإمام بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه .فقد أصبح المسلمون يوم مقتل عثمان بدون خليفة أو إمام يدبر لهم شؤونهم اليومية سواء كانت الدينية منها أو السياسية وإقرار النظام ونشر العدل والمساواة وإحقاق الحقوق بين المسلمين.وقد انشغل المسلمون بهذه المسألة اشد انشغال وانقسموا فيها اشد ما يكون الانقسام والفرقة.فكل طرف منهم كان يرى الحق إلى جانبه ويخطيء غيره مهما كانت مكانته من الدين وصحبته للرسول صلى الله عليه وسلم وبلاءه في الاسلام والذود والدفاع عنه.

فأما كثرتهم فكانت ترى وتستهجن باستغراب ما آلت إليه أمور المسلمين وتهم بالإصلاح ونبذ الفرقة فلا تجد لذلك سبيلا .وفريق منهم اختلطت عليه الأمور فلم يعد يميز الحق من الباطل فالتزموا الحياد واعتزلوا الفتنة مترقبين ما تؤول إليه الحال.وفريق ثالث لم تصرفه الأحداث ولم تزيده إلا انشغالا بهذا الأمر والسعي للمشاركة بهذا الحدث العظيم الذي سيجر على الأمة البلاء والفرقة وإراقة الدماء المسلمة بأيدي مسلمة أيضا.

فهذا علي بن أبي طالب الصحابي الجليل وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشارك في وقائع المسلمين كلها ضد الشرك وأعداء الله والسابق إلى طاعة الحق والإخلاص في عقيدته ودينه الناصح للمسلمين نراه يقف من هذه الفتنة التي حلت بالمسلمين موقف المصلح المشفق على حال الأمة ويسعى باجتهاد إلى احتواء الأزمة ونبذ الفرقة ولم الشمل ويحاول التوسط بين الثائرين على عثمان لأشياء يرونها خروج عن الشرع وأولوها حسب ما فهموها ويعتقدونها وبين عثمان الذي طالت سنوات حكمه حتى مله الناس ومل منهم حسب ما نقلته لنا كتب المؤرخين.وحاول رد الثائرين وتهدئتهم وان يقف إلى جانب خليفته ويدافع عنه فلم يستطع لذلك سبيلا.فقد كانت الثورة قد أفرخت وعم البلاء أهم الأمصار الإسلامية ونقصد بها الكوفة والبصرة ومصر حيث كان لكبار الصحابة مصالح وتجارة مع أهلها وبالتالي لهم فيها عزوة ومناصرين لهم ينتظرون إشارة منهم أمثال الزبير وطلحة وعمر بن العاص .

وفي ظل هذه الخطوب تم اختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين وبايعه بالخلافة والسمع والطاعة عامة المسلمين في معظم الأمصار الإسلامية الشام والذي كان واليها زمن عمر بن الخطاب وعثمان وهو معاوية بن أبي سفيان المطالب بدم عثمان المقتول من قبل الثائرين به والناقمين على سياسته.

ولكن أشخاصا بعينهم أبوا مبايعة الخليفة الجديد : أمثال سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام .فترك الخليفة اثنين بعد أن تعهدا أمامه أن لا بأس عليه منهما فخلا بينهم وبين ما أرادوا واقر إجبار الاثنين الآخرين طلحة والزبير على البيعة لأنه كان يخشى سعيهم لإفساد الأمر.

وهنا ظهرت مشكلة القصاص من قتلة الخليفة عثمان التي أراد علي حلها بالتروي والتثبت من الأمر والتحقق من قتلته بعينهم والأسباب التي آلت إليه الأمور.لكن معاوية بن أبي سفيان والي الشام وولي عثمان والمطالب بدمه لم يرضيه هذا الإبطاء أو التأجيل وطالب الخليفة بسرعة تسليمه قاتلي عثمان على عجل لينزل بهم القصاص فكان هذا استفزاز وخروج على أمر الإمام يضاف إلى أمر آخر ومهم وهو رفض معاوية مبايعة علي بالخلافة واخذ البيعة له من عامة أهل الشام.

هنا تبرز مشكلة شرعية الإمامة وعدم الاعتراف بالخليفة ومن ثم الخروج عليه ومحاولة تدبير خلعه. ومن هنا نرى أن طائفة من المسلمين خرجت من دائرة الدين وجزاء الآخرة وتطلعت إلى الدنيا والمصالح الشخصية.بمعنى آخر الخروج من حلقة الدين والعقيدة وتعاليم الاسلام إلى النظام السياسي المتأثر بالأهواء والمصالح وإبرام الصفقات المنفعية و المبنية على الوعود والإغراءات الدنيوية.

كان مقتل عثمان إذن نتيجة ثورة جامحة وفتنة أفرخت قلبت نظام الدولة الإسلامية رأسا على عقب وشبه على الرعية أمورهم حتى أصبح فيهم الحليم حيران وانتشر الخوف وعم البلاء المدينة كلها أياما طويلة ثم انتشر منها إلى بقية الأمصار الإسلامية والثغور فاضطربت النفوس اشد الاضطراب وجهز الثائرون الجنود والمقاتلين لا ليرسلوها إلى الجهاد ونشر الاسلام وتوسعة الدولة الإسلامية كما كان ينبغي لهم أن يفعلوا ولكن ليرسلوها هذه المرة إلى عاصمة الدولة الإسلامية الدينية والسياسية ظنا منهم أنهم بذلك يرفعون الخوف والبلاء عن أهلها ويردوا الحق إلى أصحابه ليتفرغ الخليفة الجديد لحكمه والسير بهم من حيث انقطعت سيرة عمر وأبا بكر.لكن الحالة لم تجري على هذا المنوال فكلما مضى يوم على هذه الفتنة كلما ظهرت خطوب أخرى وتمرد طائفة أخرى وخروج رمزا آخر من رموز الدولة الإسلامية على الخليفة نفسه ومخالفته والتصدي لحربه بالسيف آخر الأمر كما جرى من خروج طلحة والزبير وعائشة إلى مكة ومحاولة تجهيز معارضة عسكرية ضد الخليفة وبالتالي حدوث الصدام الدموي بينهم وبين علي بعد أن انضم وانحاز إلى كل طرف جماعة من المسلمين يرون هذا الحق مع هذا فيتبعونه ويرون غيرهم على الباطل يبغضونه ويحاربونه ويكفر بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا وهم جميعا مسلمين مثلما حدث في معركة صفين والجمل والتي قتل فيها من المسلمين الألوف بما فيهم المبشرون بالجنة أمثال طلحة والزبير وعمار بن ياسر وغيرهم إلى أن قتل الخليفة علي نفسه على يد ابن ملجم لتفتح بذلك صفحة جديدة في التاريخ الإسلامي لم تستطع كل الصفحات التي تلتها أن تزين السواد الذي لحق بهذه الأمة أيام الفتنة.

ما يهمنا هنا هو موضوع مقالتنا هذه وهو شخصية ابن سبأ أو ابن السوداء أو اليهودي كما يحلوا للبعض أن يسميه سواء كان المؤرخين القدماء والذين نقلوا لنا سيرته والأحداث التي شارك فيها ووقعت نتائجها على الأمة الإسلامية أو المحدثين الذين أسرفوا في إرجاع أسباب الفتنة والفرقة وإراقة دماء المسلمين بأيدي مسلمة إلى هذا السوبرمان الخارق الذي بيده مفاتيح كل باب مغلق.......

تكاد تجمع كل الروايات التاريخية التي نقلها لنا المؤرخين المسلمين أن بذور الفتنة والسبب الرئيسي لها هو رجل يقال له عبد الله بن سبأ وشهرته ابن السوداء لان أمه كانت سوداء من بلاد الحبشة وهو من صنعاء أو حمير وكان يهوديا من يهود اليمن اظهر الاسلام وباطنه الكفر بالإسلام والسعي للكيد له والتقليل من أثره في البلاد.ثم سلك في مذهبه مبدأ التشيع لعلي وهو الذي تنسب إليه فرقة السبئية الذين قالوا بألوهية علي وإحراقه لطائفة منهم بعد أن غالوا في أقوالهم وهذا ما نقلته معظم الروايات التاريخية في كتب الصحاح والسنن والمساند مثل تاريخ الطبري وتاريخ دمشق لابن عساكر وخبر إحراقهم عند أبو داوود في سننه والنسائي والحاكم في المستدرك .

وتسهب الروايات في القول أن هذا اليهودي لما رأى أمر الاسلام ينتشر ويقوى بهذه الصورة رأى أن يكيد له من داخله فأول ما بدأ بمدينة الرسول ومركز الخلافة الإسلامية وعمود الحكم فيها فأظهر القول بالرجعة أي رجعة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الموت مثلما سيرجع عيسى عليه السلام ليصل آخر الأمر إلى القول برجعة علي اثر مقتله وانه سيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما.ثم نراه يتستر بمحبته لآل البيت ونصرته وتأييده لخلافة علي وان من سبقه من الخلفاء قد اغتصب حقه وهو الأولى بولاية المسلمين وحكمهم وقد سلك في ذلك مسالك وعرة محاولا إثبات أحقية علي في الإمامة وخلافة المسلمين وهو أثناء ذلك يكسب الأتباع والمؤيدين له ولقضيته سرا وعلانية.ثم نراه لا يرضى بهذا العمل اليسير غير مكتفيا بمن سلك مسلكه ولا من رأى رأيه فنراه يترك المدينة إلى الشام محاولا زيادة أتباعه ونشر مذهبه ثم عندما لم يجد ضالته هناك من كسب الأتباع توجه إلى الكوفة ومن ثم البصرة... وهناك نراه يجد ضآلته ويرى في هذين المصرين تربة خصبة لتعاليمه وبث سمومه فيكسب إلى جانبه ما لم يكسبه في المدينة والشام من الأتباع إلى أن يصل به الترحال إلى مصر ليستكمل هناك ما بدأه في المدينة فيزيد في أتباعه حيث بلغ عدد من تبعه سواء في البصرة أو الكوفة أو مصر ستمائة إلى الألف في كل مصر من الأمصار الثلاث (ما مجموعه 1800 في المقل و3000 في المكثر)

بعد ذلك اتجه ابن سبأ إلى هدفه المرسوم وهو خروج الناس على الخليفة عثمان فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم بعد أن حسن لهم حق علي في الخلافة وانه مهضوم الحق وجعل عثمان مغتصبا لحذا الحق ومعتد عليه ثم جرت المراسلات بين أتباعه في كل مصر والاتفاق في الشخوص إلى المدينة والقيام بما عزم عليه القوم وهو التخلص من عثمان نهائيا بعد تصفيته جسديا بقتله0 وهذا ما تم فعلا وجر على الأمة البلاء العظيم.

وفي أثناء هذه الخطوب كلها بدءا من قتل عثمان وتولية علي وخروج والي الشام معاوية مطالبا بدم عثمان وعدم اعترافه بشرعية استخلاف علي ومحاولة رأب الصدع بين الفريقين والتوفيق فيما بينهم لحقن دماء المسلمين وإرجاع الأمر إلى ما كان عليه أيام دولة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلافة عمر وأبا بكر والنصف الأول من خلافة عثمان من الأمن والاستقرار ورغد العيش ونشر الاسلام وإرساء قواعد الدولة الإسلامية الفتية وتثبيت أركانها نرى ابن سبأ يكيده هذا كله ويقض مضجعه فلا يثنيه ذلك إلا الكيد للإسلام والنيل من أصحاب النبي عليه السلام مدركا أن الصلح والعافية بين الفريقين علي ومعاوية لا يتفق وأهدافهم وسيجعل علي يقوى بانضمام المسلمين حوله فيجعله في النهاية قادرا على النيل منهم وإقامة الحد عليهم وإنزال القصاص بهم باعتبارهم قتلة عثمان ولذا نرى زعيمهم عبد الله بن سبأ والموجود في معسكر علي غصبا عنه مع أتباعه المشاركين له في سياسته وتخطيطه فلا يجد علي قوة ولا حيلة لاستبعادهم واتقاء شرهم أو النيل منهم لقوة نفوذهم وعصبية قبائلهم مما اضعف من صلابة وتماسك جيش علي ووحدته وتجانسه وأثار الفرقة والانقسام فيما بعد. فأي عصبية كان يشكلها ابن سبأ؟ وهو لا يعرف عنه إلا انه من اليمن كان يهوديا اعتنق الاسلام زمن خلافة عثمان ولا ندري في أي سنة من خلافة عثمان الطويلة اسلم وكيف كان إسلامه وسلوكه الديني بين المسلمين وهل ظهر في حياته الإسلامية ما يثير الشكوك قبل الفتنة والخروج على الخليفة؟ وهل كان اتصاله فقط مع المارقين والمنافقين والمشكوك في إسلامهم ؟ وإذا كان الأمر كذلك هل خفي أمرهم على الخليفة وأعوانه ومستشاريه وكبار الصحابة وأبنائهم؟. الذين لا يقلون عنهم حرصا وخوفا على الدين والدفاع عنه حيث راح ضحية هذه الفتنة الغامضة في معركة الجمل قرابة ال20 ألفا من المسلمين بمن فيهم صحابيان مبشران بالجنة : طلحة والزبير الذين كانا في مواجهة خليفة مبشر أيضا بالجنة بالإضافة إلى (عمار بن ياسر الذي قتل في هذه الفتنة) وخروج عائشة أم المؤمنين مع الجيش الثائر ضد علي! فإذا كان عبد الله بن سبأ تستر بالإسلام على يهوديته وكاد للمسلمين. فما الذي دعا ودفع كبار الصحابة مع أبنائهم للخروج والاقتتال فيما بينهم؟ حتى راح ضحية هذا القتال الآلاف من المسلمين والأبرياء أمثال طلحة والزبير وعائشة وابن عباس وعلي والحسن والحسين ومحمد بن أبي بكر وغيرهم كثير.

لنعود إلى شخصية ابن سبأ وتعدد الروايات في أصله ونسبه. قلنا سابقا انه من اليمن سواء كان من سبأ أو حمير كما جاء في تاريخ الأمم والملوك للطبري أو في تاريخ دمشق لابن عساكر.لكن البلاذري يقول لنا في انساب الأشراف أن ابن سبأ من قبيلة همدان وهم بطن من كهلان من القحطانية . ثم ينسب عبد القادر البغدادي في روايته عن ابن سبأ في الفرق بين الفرق أن ابن سبأ من أهل الحيرة.

ويروي ابن كثير في البداية والنهاية أن اصل ابن سبأ من الروم فيقول: وكان أصله روميا فأظهر الاسلام وأحدث بدعا قولية وفعلية قبحه الله.

نلاحظ مما سبق اختلاف الرواة والمؤرخين في اصل ونسب ابن سبأ هل هو عن غفلة وعدم دراية به وبأصله ونسبه وموطنه من قبل المؤرخين؟ لطول الفترة التي انقضت على تلك الفتنة وتأخر التدوين وكتابة التاريخ الإسلامي الذي بداء تقريبا في العصر العباسي الأول والذي لم يخلوا أيضا من التحريف والتزييف والأهواء وكتابة ما يريده السلطان.أم عن قصد وتعمد لإلصاق تهمة ما حدث إلى شخصية أسطورية. تارة يقودنا الحدث والنتيجة إلى تصديقها. وتارة يبعدنا الخيال والتشتت إلى استبعادها وفي النهاية إسقاطها من حساباتنا.فما هو الهدف من الاختلاف في اصل ونسب شخصية كان لها اكبر الأثر في إحداث شق واسع في جسم الدولة الإسلامية وانقسامها وإحداث أحداث جسيمة طالت الدين نفسه والعقيدة نفسها والثوابت التي قام عليها الاسلام.كيف لا وقد انقسم المسلمون وحارب بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا وسفك بعضهم دماء بعض بدون تثبت أو تحقيق اللهم إلا مقولة علي بن أبي طالب التي قال فيها ردا على سؤال احد أتباعه: ما مصير من قتل من الطرفين المتقاتلين. فكان جواب علي أن من قاتل فقتل وهو لا يريد بقتاله إلا الحق ولا يبتغي به إلا رضا الله فهو شهيد!!!؟. وهناك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر حيث يقول له: تقتلك الفئة الباغية. فيدرك عمار الفتنة وينحاز إلى جيش علي ونصرته ويقتله جيش معاوية فيقوم احد أتباع معاوية مروعا لمقتل عمار فيقول لمعاوية انحن إذا الفئة الباغية التي عناها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فيرد عليه معاوية بكل هدوء واطمئنان: الفئة الباغية هي من أتت به إلى ساحة القتال وتسببت في قتله(يعني علي).فيسكت الرجل مقتنعا ويقتنع معه من كان ينتظر ويترقب جواب معاوية. فأين ذهب الدم المسفوك؟ وما مصير من قتل...وأين هو الظالم ومن هو المظلوم؟ ومن هي الفئة الباغية؟. وأين هي فئة الحق والنور؟. أسئلة كثيرة لا نقدر على الإجابة عليها .ببساطة لان من كان يعرف إجابتها وشارك في مجريات أحداثها واكتوى بنارها هو من أخفى عنا الإجابة وصرفنا عن الخوض فيها حتى لا نستنتج إجابات من عندنا ونحكم على الأفراد كأفراد مثلما كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض كأفراد لا قداسة لهم ولا تعظيم. تجمعهم وتفرقهم اجتهاداتهم وتوجههم مصالحهم وأهوائهم محاولين التوفيق بين الدين والدنيا... وفقوا في بعضها وفشلوا في بعضها الآخر .

ومن خلال تلك الروايات التاريخية والإشارات أو الوقوف عند الحد الفاصل بين الحق والباطل وبين ما جرى حقيقة وبين ما لم يجري حقيقة نستطيع أن نقول أن المعلومات التي وصلتنا عن تلك الفتنة الكبرى قليلة جدا ومقتضبة جدا ومحيرة جدا لا تهدي إلى سبيل ولا تشفي غليل ولا تغني عن جوع وتعطش لمعرفة الواقع الذي حدث. خصوصا تلك المصادر الإسلامية التي لم تبين أو تذكر حقائق وافية عن نشأة ابن سبأ.و سبب تلك الفتنة ومحركها ومن أشعل شرارة نارها المؤججة فعلا؟ وما هو استعداده لإشعال وهيجها ؟ ومتى بداء ذلك؟ قبل إشهار إسلامه أم بعد ! وما هي تحضيراته للمضي في فعلته تلك؟ ومن هي الفئة الباغية التي أيدت طروحاته وسلكت الطريق التي سلكها هذا اليهودي الدخيل؟ أو من هي الرموز المعروفة والمشهورة التي ساندته سواء في العلن أو الخفاء ؟ فالمعلومات التي بين أيدينا لا تكاد تخبرنا عن ماضي حياة ابن سبأ قبل نشوب الفتنة فهناك صمت مطبق على كل شيء يخص هذه الشخصية وما يتعلق بها سوى إلصاق تبعة ما حدث على هذا المتمرد الباغي على الاسلام وأهله... وكأنه جسم من السماء هبط فجأة لينشر الفساد والفتنة في جسم الدولة الإسلامية التي بناها الرسول صلى الله عليه وسلم بوحي من الله فكان القران دستورها وصحابته القائمين عليها يحمونها ويذودون عنها بالغالي والنفيس بذلوا أرواحهم وضحوا بفلذات أكبادهم وباعوا الدنيا بثواب الآخرة ابتغاء الجنة أمثال أبا بكر وعمر وأبو عبيدة وأبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وشرحبيل بن حسنة وجعفر بن أبي طالب وآل ياسر وغيرهم وغيرهم كثير...فكيف يعقل أن يأتي فرد واحد مشكوك في إسلامه وإخلاصه للمسلمين فيثير فتنة كبيرة راح ضحيتها الألوف من المسلمين بأيدي مسلمة تعطل خلالها الجهاد والفتح وحماية الثغور واطمع فيهم الروم لولا أن اشترى معاوية بن أبي سفيان حيادهم بالمال ليتفرغ لمحاربة علي بن أبي طالب وأنصاره . فأي خطب عظيم أصاب هذه الأمة بفعل تحريض ودسائس شخص واحد! وهل يغفل المسلمون عن هكذا أمر ويتركوا استفحال أمره ليصير إلى ما وصلت إليه الأمور ويفتن المسلم في دينه حتى ركب بعضهم اللبس والتشكك في كل حياتهم :حاضرها ومستقبلها وبقيت آثار هذه الفتنة حاضرة بيننا نحن المسلمون لغاية الآن يتحرج فيها العاقل والحليم المبصر أن يخوض فيها خوفا من اتهامه بالخروج عن الجماعة والزندقة ويخشى العامة مثل ذلك خوفا من التهلكة والانجراف في إطلاق الأحكام على صحابة رسول الله وتخطأتهم وفيهم المبشرون بالجنة (مغفور لهم ما تقدم وما تأخر من ذنوبهم بإذن الله).

والغريب أن المؤرخين أكثروا من ذكر وتعظيم عبد الله بن سبأ وأصحابه المجهولين أيام حياة عثمان وعند مقتله وبعده ثم زادوا وأكثروا من ذكرهم إياه أثناء المراسلات التي جرت بين الخليفة علي بن أبي طالب وخصومه الذين التفوا حول أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير قبل معركة الجمل ثم زعم هؤلاء الرواة انه وفي الوقت الذي كاد الطرفان يتوصلون فيه إلى الصلح والسلم وحقن الدماء المسلمة التي حرم الله سفكها إلا بالحق. نرى ابن سبأ وصحبه يأتمرون على حين غفلة من علي وأصحابه (ابن سبأ وصحبه كانوا في معسكر علي يحاربون إلى جانبه) فينشبون القتال بين الطرفين (علي جهة وأم المؤمنين وطلحة والزبير من جهة أخرى) فجأة حين التقى الجمعان عند البصرة وورطوا المسلمين في شر عظيم.في حين ينتهي دور ابن سبأ وصحبه عند هذا الحد ولا نكاد نسمع لهم أثرا بعد ذلك خصوصا في المعركة الثانية التي خاضها المسلمين في صفين.

واقل ما يدل على إعراض المؤرخين عن ابن سبأ والسبئية في حرب صفين وانتهاء دوره عند معركة الجمل وانشاب الفتنة إنما مرد ذلك هو تبرئة الصحابة من تبعة ما جرى وعدم البت فيمن هي الفئة الباغية وخروج جميع الأطراف المتصارعة براء مما حصل وإلقاء تبعة ما حصل كله على شخصية ابن سبأ الأسطورية التي أكثر وزاد فيها جل الرواة والمؤرخين المسلمين وحملوا الرجل مسؤولية ما حصل كونه كان يهوديا واليهود يكيدون للمسلمين في كل ما يجري لهم . وأقول هنا أن جميع ما ذكر قد ذكر وكتب في زمن متأخر حين كان الجدال بين الشيعة والسنة وغيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى أراد كل خصم أن يطعن في خصمه ويدخل في مذهبه ما ينقص من مكانته ويضعف مركزه فكان هذا العنصر اليهودي الذي أقحم إقحاما وزج به للتخلص من تبعة الفتنة التي جرت في ذاك الزمن . واستخدام هذا العنصر نفسه بعد ذلك في الطعن والتشهير بالفرق الأخرى التي ظهرت في أواخر العصر الأموي واستفحل أمرها وعظم خطرها في العصر العباسي والتي راح ضحيتها عبر السنين الألوف من المسلمين الأبرياء بأيدي مسلمة أيضا .فالكل يكفر بعضه بعضا والكل يقتل بعضه بعضا ويكيد له ويغتنم الفرصة للنيل منه والحط من قدره.

وأخيرا لا أقول أن ابن سبأ كان أسطورة خيالية ولا شخصية وهمية وإنما كان رجلا من عامة المسلمين ( أمره عند الله) .لم يكن له دور ذو شأن فيما حدث هناك ولم يكن ذا خطر كالذي صوره ونقله لنا المؤرخون وصوروا حركاته وعظموا خطره إنما هو شخص ادخره خصوم المعارضين وكانوا يشكلون عامة المسلمين فاتخذت هذه الخصومة ألوانا وأشكالا من الجدل والاجتهاد والفتوى كثر في بعضها المكر والكيد والتحاسد والبغض والاختراع. فنرى أهل الشام يكذبون أهل العراق وأهل العراق يكيدون لهم ويتربصون لهم للإيقاع بهم . وبقيت هذه الخصومة مع مضي الزمان وبعد العهد ليصبح التحقق من الوقائع بات عسيرا. فالذين استباحوا لأنفسهم أن يضعوا الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحرجون من أن يستبيحوا لأنفسهم وضع الأخبار على أهل العراق وأهل الشام ونيل كل طرف من الطرف الآخر ما ينقص من مكانته ويضعف شأنه ويجعله الفئة الباغية التي تحدث عنها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واخبر عنها أصحابه من حوله.

وقد أسهب القصاص والحكواتية في الأماكن العامة والخاصة وفي مجالس سمرهم يتحدثون عن الفتنة فيطلقون العنان لخيالهم ويتركون ألسنتهم على سجيتها ويتعصبون لقبائلهم من العرب ولعلهم كانوا يبيعون الرضا بالمال فيأخذونه من أولئك وهؤلاء ليحسنوا ذكرهم ويعظموا شأنهم ويزيدوا لهم من المآثر ما كان وما لم يكن ويرووا في هذه المآثر من الشعر ما قيل وما لم يقل.

ومن ناحية أخرى ما كان أصحاب الجدل يستندون إليه من أخبار الوقائع السابقة يؤيدون بها مذاهبهم وآراءهم فيزداد الأمر تعقيدا وعسرا لأنه يتصل بالدين والعقيدة فالجدل بين الفرق لم يكن عند القدماء جدالا في أمور الدنيا وإنما كان جدالا في أصول الدين وفيما ينبني عليه من الفروع فكان من اليسير والهين أن يتهم المجادلون خصومهم بالكفر والفسق والزندقة والإلحاد وان يشنوا عليهم ما شاء الله مما يتوفر لهم من أحاديث وابتكار ما يخدم قضيتهم وجدالهم.