الثلاثاء، 30 أغسطس 2011

بقية ملاحظات على مسلسل الحسن والحسين

المقالات الأولى لمسلسل الحسن والحسين هنا : 

http://dianadoll80.blogspot.com/2011/08/9_21.html



ملاحظات على مسلسل الحسن والحسين (7)

فى الحلقة 21 من مسلسل معاوية والحسن والحسين .. تأليفة سلفية آل إيه الحسن والحسين سافروا إلى الشام لزيارة معاوية بعد الصلح ورحب بهما وأكلوا معا .. وعجبى .. زيارة لم تحدث أبدا ولم ترد بكتب التاريخ أبدا ..

وبما أن معاوية هو مؤسس الملك العضوض ومعه معاونه ومساعده وحبيبه عمرو بن العاص .. وبما أنه من بدأ التوريث والملكية الهرقلية الكسراوية فإذن لكيلا يخدعكم السلفيون فان فتوحات معاوية وعمرو لم تكن لوجه الله ولا لنشر الاسلام بقدر ما كانا يهدفان منها إلى توسيع رقعة إمبراطورية معاوية ومملكته وسلطته وزيادة الخراج والمكاسب الدنيوية .. تلك هى الحقيقة .... والمسلسل يخيرنا فى تفسيره لوفاة الحسن بين أنه مات بالسم أو بداء الكبد وألصقوها بالخوارج والسبئية واليهود لتبرئة معاوية وجعدة ووالى المدينة آنذاك الأموى مروان بن الحكم

وكى نكون منصفين فان هذا المسلسل الكويتى المغربى الأردنى فيه حسنتان وحيدتان أولا أغنية المقدمة بكلمتها ولحنها وموسيقى الخاتمة .. والمؤثرات الجميلة فى تصوير الشخصيات كأنها مرسومة على رقعة صفراء فى تتر المقدمة


كلمات أغنية مقدمة مسلسل معاوية والحسن والحسين (اسمه الأسباط سابقا)
غناء : محمد الحسيان
كلمات : عبد الرحمن العوضى


أنوار أحمد قد . . شعت من القمرين
ضاءت من الحسن . . ومن الشهيد حسين
بيت النبوة كم . . يزدان بالسبطين
...أنوار أحمد قد . . شعت من القمرين
طوبى لمن نهلوا . . من ذينك النهرين
ما كان للإنسان . . فى الجوف من قلبين
لكن حبهما . . نسكنه فى العينين
صلى عليك الله . . يا سيد الثقلين
أنوار أحمد قد . . شعت من القمرين
ضاءت من الحسن . . ومن الشهيد حسين
بيت النبوة كم . . يزدان بالسبطين
أنوار أحمد قد . . شعت من القمرين
وكذا على الحسن . . من وحد الصفين
وعلى الحسين لواء . . الحق فى الثقلين
وعلى الصحابة من . . قد وقروا الحسنين
تعداد من صلوا . . لله فى الحرمين

أنوار أحمد قد . . شعت من القمرين
ضاءت من الحسن . . ومن الشهيد حسين




فى الحلقة 22 من مسلسل معاوية والحسن والحسين : تم تجاهل منع مروان بن الحكم وعائشة رض ، دفن الحسن فى حجرة جده الرسول ص

و كان سبب وفاته أن معاوية سمه سبعين مرة فلم يعمل فيه السم فأرسل إلى امرأته جعدة بنت محمد الأشعث بن قيس الكندي و بذل لها عشرين ألف دينار و أقطاع عشر ضياع من شعب سواد و سواد الكوفة و ضمن لها أن يزوجها يزيد ابنه .

فسقت الحسن السم في برادة من الذهب في السويق المقند فلما استحكم فيه السم قاء كبده .

و دخل عليه أخوه الحسين فقال له : كيف أنت يا أخي ?

قال : كيف يكون من قلب كبده في الطست ?

فقال : من فعل بك لأنتقم .

قال : إذن لا أعلمك ; و لما حضرته الوفاة قال لأخيه : إذا مت فغسلني و حنطني و كفني و صل علي و احملني إلى قبر جدي حتى تلحدني إلى جانبه فإن منعت من ذلك فبحق جدك رسول الله و أبيك أمير المؤمنين و أمك فاطمة و بحقي عليك إن خاصمك أحد ردني إلى البقيع فادفني فيه و لا تهرق في محجمة دم.

فلما فرغ من أمره و صلى عليه و سار بنعشه يريد قبر جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلحده معه .

بلغ ذلك مروان بن الحكم طريد رسول الله فذهب مسرعا على بغل حتى دخل على عائشة و قال يا أم المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن عند جده و و الله لئن دفنه ليذهبن فخر أبيك و صاحبه عمر إلى يوم القيامة .

قالت : فما أصنع ?

قال : الحقي و امنعيه من الدخول إليه .

قالت : فكيف ألحقه ?

قال : هذا بغلي فاركبيه و الحقي القوم قبل الدخول .

فنزل عن بغلة و ركبته و أسرعت إلى القوم و كانت أول امرأة ركبت السروج و لحقتهم و قد صاروا إلى حرم قبر جدهم رسول الله فرمت بنفسها بين
[62]
القبر و القوم و قالت :

و الله لا يدفن الحسن هاهنا أو تحلق هذه ; و أخرجت ناصيتها بيدها .

و كان مروان لما ركبت بغلة جمع من كان من بني أمية و حرضهم على المنع و أقبل بهم و هو يقول :

يا رب هيجا هي خير من دعة

أ يدفن عثمان في أقصى البقيع و يدفن الحسن مع رسول الله و الله لا يكون هذا أبدا و أنا أحمل السيف .

و كانت عائشة تقول و الله لا أدخل داري من أكرهه .

و كادت الفتنة أن تقع , فقال الحسين : هذه دار رسول الله و أنت حشية من تسع حشيات خلفهن رسول الله فإنما نصيبك من الدار موضع قدميك .

فأرادت بنو هاشم الكلام و حملوا السلاح , فمنعهم الحسين ; و قال : الله الله أن تفعلوا و تضيعوا وصية أخي .

و قال لعائشة : و الله لو لا أن أبا محمد أوصى إلي أن لا أهريق محجمة دم لدفنته هاهنا و لو رغم أنفك ; و عدل فيه إلى البقيع فدفنه فيه مع الغرباء .

و قال ابن عباس يا حميراء كم لنا منك ? يوم على جمل و يوم على بغل .

فقالت له : إن تشأ فيوم على جمل و يوم على بغل و الله لا يدخل الحسن داري

****

عائشة وجنازة الحسن (ع)

وصف خبر اعتراض عائشة جنازة الحسن سيد شباب أهل الجنة (ع) ومنعها من أن يدفن بجانب جده رسول الله (ص) قائلة لا تدخلوا بيتي من لا أحب بأنها حكاية من بحر الأكاذيب .

نقول : بل هذه الحكاية من كتب ومصادر التاريخ عند أهل السنة فقد روى ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : " عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : سمعت عائشة تقول يومئذ : هذا الأمر لا يكون أبدا يدفن ببقيع الغرقد ولا يكون لهم رابعا ، والله إنه لبيتي أعطانيه رسول الله (ص) في حياته وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلا بأمري وما آثر علي عندنا بحسن " (1) .

وقال البلاذري في ( أنساب الأشراف ) : "… فلما رأت عائشة السلاح والرجال ، وخافت أن يعظم الشر بينهم وتسفك الدماء ، قالت : البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه أحد " (2) .

ونقل أبو الفرج الأصفهاني في ( مقاتل الطالبيين ) : " قال يحيى بن الحسن : وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول : لما أرادوا دفنه ركبت عائشة بغلا واستنفرت بني أمية مروان بن الحكم ومن كان هناك منهم ومن حشمهم وهو القائل : " فيوما على بغل ويوما على جمل " (3) .



ونقل أبو الفداء في تاريخه :

" … وكان الحسن قد أوصى أن يدفن عند جده رسول الله (ص) فلما توفي أرادوا ذلك ، وكان على المدينة مروان بن الحكم من قبل معاوية فمنع من ذلك وكاد يقع بين بني أمية وبين بني هاشم بسبب ذلك فتنة ، فقالت عائشة (رض) : البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه ، فدفن بالبقيع ، ولما بلغ معاوية موت الحسن خر ساجدا … " (1) .

ونقل اليعقوبي في تاريخه : " وقيل أن عائشة ركبت بغلة شهباء وقالت : بيتي لا آذن فيه لأحد فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر فقال لها : يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء ؟ فرجعت " (2) .


****


أيضا أغفل المسلسل مصير مالك الاشتر حيث قتله معاوية بالسم كما ذكرنا .. واغفل مصير والى مصر من قبل على وهو محمد بن أبى بكر وهو تابعى جليل وربيب الإمام على ومسجده لليوم فى مصر القديمة ... فقد قتله عمرو بن العاص ظلما ..


محمد بن أبي بكر

ومن ضحايا ملك معاوية العضوض، وذبايح حكومته الغاشمة، وليد حرم أمن الله، وربيب بيت العصمة والقداسة: محمد بن أبي بكر.

بعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في ستة آلاف رجل، ومحمد بن أبي بكر عامل أمير المؤمنين عليها، فخرج عمرو وسار حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبي بكر:

أما بعد: فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك، وندموا على إتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها فإني لك من الناصحين، والسلام.
وبعث إليه عمرو بكتاب كتبه معاوية إليه أيضا وفيه:

أما بعد: فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا، ولا أسوأ له عيبا، ولا أشد عليه خلافا منك، سعيت عليه في الساعين ، وسفكت دمه في السافكين، ثم أنت تظن أني عنك نائم أو ناس لك، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت فيها جاري، وجل أهلها أنصاري، يرون رأيي، ويرقبون قولي، ويستصرخوني عليك، وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك تستسقون دمك، ويتقربون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثل بقرشي، ولن يسلمك الله من القصاص أبدا أينما كنت والسلام.

فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى علي، وكتب إلى معاوية جواب كتابه:

أما بعد: فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا اعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفني المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقيعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، ومن مؤمن قد قتلتم ومثلتم به؟ وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مرد الأمور وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون، والسلام.

وكتب إلى عمرو بن العاص:

أما بعد: فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا ابن العاص! زعمت أنك تكره أن يصيبني منك طفر وأشهد أنك من المبطلين، وتزعم أنك لي نصيح وأقسم أنك عندي ظنين، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري وندموا على اتباعي فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبنا الله رب العالمين، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم والسلام.

فأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال:
أما بعد: معاشر المسلمين والمؤمنين! فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، وينعشون الضلالة، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود، عباد الله! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله، انتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله مع كنانة بن بشر.

فانتدب مع كنانة نحو من ألفي رجل وخرج محمد في ألفي رجل، واستقبل عمرو ابن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا من كنانة شرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقر بها بعمرو بن العاص، ففعل ذلك مرارا فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني فأتاه في مثل الدهم (1) فأحاط بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين، فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله.

وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل
____________

(1) الدهم: العدد الكثير. وجيش دهم. أي: كثير.

كنانة حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهي إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله إلا أني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس. فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة. فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو فسطاط مصر، ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرا؟ ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه. فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر؟ هيهات أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر؟ فقال لهم محمد:

أسقوني من الماء؟ قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق. قال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله، وإني لأرجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها الله علي بردا وسلاما كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه، إن الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعني معاوية وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا.

قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان. قال له محمد: وما أنت وعثمان؟ إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله. قال: فغضب معاوية فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو (1).

وفي النجوم الزاهرة 1: 110: وقيل: إنه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به وهو أول رأس طيف به في الاسلام.

صورة أخرى

وجه معاوية عمرو بن العاص في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر في أربعة آلاف، ومعه معاوية بن حديج، وأبو الأعور السلمي، واستعمل عمرا عليها حياته فالتقوا هم ومحمد بن أبي بكر وكان عامل علي عليها بالموضع المعروف بالمسناة فاقتتلوا حتى قتل كنانة بن بشر، وهرب عند ذلك محمد لإسلام أصحابه إياه وتركهم له، فاختبأ عند رجل يقال له: جبلة بن مسروق، فدل عليه، فجاء معاوية بن حديج وأصحابه فأحاطوا به، فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل، فأخذه معاوية بن حديج وعمرو بن العاص فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر يقال له: كوم شريك.
وقيل: إنه فعل به ذلك وبه شئ من الحياة، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه فأظهر الفرح والسرور. وبلغ عليا قتل محمد وسرور معاوية فقال: جزعنا عليه على قدر سرورهم، فما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه، كان لي ربيبا وكنت أعده ولدا، كان بي برا، وكان ابن أخي (2) فعلى مثل هذا نحزن وعند الله نحتسبه (3).

قدم عبد الرحمن الفزاري على علي عليه السلام من الشام وكان عينه بها وحدثه: إنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد وحتى أذن بقتله على المنبر، وقال: يا أمير المؤمنين! قلما رأيت
____________
(1) تاريخ الطبري 6: 58 - 61، الكامل لابن الأثير 3: 154، تاريخ ابن كثير 7: 313، 314، النجوم الزاهرة 1: 110.
(2) كان محمد بن أبي بكر أخا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأمه.
(3) مروج الذهب 2: 39، تاريخ ابن كثير 7: 314.


قوما قط أسر، ولا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر فقال علي: أما إن حزننا عليه قدر سرورهم به بل يزيد أضعافا، وحزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رؤي ذلك في وجهه وتبين فيه، وقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه، أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن. الخطبة (1) وقال أبو عمر: يقال: إن محمد بن أبي بكر أتي به عمرو بن العاص فقتله صبرا.

وروى شعبة وابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرا فقال: هل معك عهد؟! هل معك عقد من أحد؟! قال: لا فأمر به فقتل، وكان علي بن أبي طالب يثني على محمد بن أبي بكر ويفضله لأنه كانت له عبادة واجتهاد (2).

وقال ابن حجر: قيل: إنه اختفى في بيت امرأة من غافق آواه فيه أخوها، وكان الذي يطلبه معاوية بن حديج، فلقيتهم أخت الرجل الذي كان آواه وكانت ناقصة العقل فظنت إنهم يطلبون أخاها فقالت: أدلكم على محمد بن أبي بكر على أن لا تقتلوا أخي؟ قالوا: نعم. فدلتهم عليه، فقال: احفظوني لأبي بكر. فقال معاوية: قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان وأتركك وأنت صاحبه؟! تهذيب التهذيب 9: 80.

قال الأميني: إن أمثال هذه الفظايع والفجايع لبمقربة من مغازي ابن العاصي وأذنابه، ومن مرضات ابن آكلة الأكباد الذين لم يبالوا بإراقة الدماء الزاكية منذ بلغوا أشدهم، ولا سيما من لدن مباشرتهم الحرب في صفين إلى أن اصطلوا نار الحطمة فلم يفتأوا والغين في دماء الأخيار الأبرار دون شهواتهم المخزية.

وهب أن محمدا نال من عثمان ما حسبوه، فعجيب أن ينهض بثاره مثل معاوية

____________

(1) تاريخ الطبري 6: 62، كامل ابن الأثير 3: 155.
(2) الاستيعاب 2: 235، تهذيب التهذيب 9: 81.


المتثبط عنه يوم استنهضه عثمان حتى قتل، وعمرو بن العاصي القائل المبتهج بقتله بقوله: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع. وقوله: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها. وقوله: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار.

وكان يألب عليه حتى الراعي في غنمه في رأس الجبل (1) وهلا ساق معاوية ذلك الحشد اللهام إلى عائشة الرافعة عقيرتها بين جماهير الصحابة: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر. وأمثالها من الكلم القارصة (2) وإلى طلحة والزبير وكانا أشد الناس عليه، وطلحة هو الذي منع عنه الماء في حصاره، ومنع الناس عن تجهيزه، ومنعه أن يدفن إلا في حش كوكب جبانة اليهود. إلى فظايع مر تفصيلها في الجزء التاسع 92 - 111، وقال الشهرستاني في الملل والنحل ص 25: كان أمراء جنوده: معاوية عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن أبي سرح عامل مصر، وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه.

نعم: هؤلاء قتلوه لكن معاوية لا يريد المقاصة إلا من أولياء علي عليه السلام فيستأصل شأفتهم تحت كل حجر ومدر، ويستسهل فيهم كل شقوة وقسوة، وليس له مع أضداد علي عليه السلام أي مقصد صحيح، وإلا فأي حرمة لدم أجمعت الصحابة على سفكه؟

واحتجت عليه بآي الذكر الحكيم كما مر تفصيله في الجزء التاسع ص 164 - 168، 205 لو لم يكن اتباع القوم بالصحابة والاحتجاج بما قالوا وعملوا واعتبارهم فيهم العدالة جميعا تسري مع الميول والشهوات، فيحتجون بدعوى إجماعهم على خلافة أبي بكر (ولم يكن هنالك إجماع) ولا يحتجون به في قتل عثمان (وقد ثبت فيه الإجماع).

وهب أن محمد بن أبي بكر هو قاتل عثمان الوحيد من دون أي حجة ولا مبرر له وهو المحكوم عليه بالقصاص، وفي القصاص حياة، فهل جاء في شريعة الاسلام قصاص

____________
(1) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 136 - 140.
(2) راجع ما مر في الجزء التاسع ص 78 - 86.


كهذا بأن يلقى المقتص به في جيفة حمار ثم يحرق بالنار، ويطاف برأسه في البلاد؟ هل هذا دين الله الذي كان يدين به محمد بن أبي بكر؟ أو دين هبل إله معاوية وإله آباءه الشجرة المنعوتة في القرآن؟

نحن نقص عليك نبأهم بالحق، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين.
كم من الجرائم ارتكبها معاوية وخلفاؤه باسم الثأر لعثمان رض .. حقا إنه قميص عثمان رض .


****



من الكامل فى التاريخ لابن الأثير


ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

ذكر ملك عمرو بن العاص مصر وقتل محمد بن أبي بكر الصديق

في هذه السنة قتل محمد بن أبي بكر الصديق بمصر وهو عامل علي عليها ، وقد ذكرنا سبب تولية علي إياه مصر وعزل قيس بن سعد [ عنها ] ودخوله مصر وإنفاذه ابن مضاهم الكلبي إلى أهل خرنبا ، فلما مضى ابن مضاهم إليهم قتلوه ، وخرج معاوية بن حديج السكوني ، وطلب بدم عثمان ودعا إليه ، فأجابه ناس ، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر ، فبلغ ذلك عليا فقال : ما لمصر إلا أحد الرجلين ، صاحبنا الذي عزلنا - يعني قيسا ، أو الأشتر - ، وكان الأشتر قد عاد بعد صفين إلى عمله بالجزيرة ، وقال علي لقيس : أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة ، ثم تسير إلى أذربيجان . فلما بلغ عليا أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه ، فحضر عنده ، فأخبره خبر أهل مصر وقال : ليس لها غيرك فاخرج إليها ، فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك ، واستعن بالله ، واخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، وتشدد حين لا يغني إلا الشدة .

فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك ، فعظم عليه ، وكان قد طمع في مصر ، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم ، وقال له : إن الأشتر قد ولي مصر ، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت . فخرج الحابسات حتى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر ، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل ، [ ص: 705 ] فعرض عليه النزول ، فنزل عنده ، فأتاه بطعام ، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه ، فلما شربه مات .

وأقبل معاوية يقول لأهل الشام : إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر ، فادعوا الله عليه ، فكانوا يدعون الله عليه كل يوم ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية ، فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية خطيبا ثم قال : أما بعد ، فإنه كانت لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين - يعني عمار بن ياسر - ، وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر .

فلما بلغ عليا موته قال : لليدين وللفم ! وكان قد ثقل عليه لأشياء نقلت عنه . وقيل : إنه لما بلغه قتله قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! مالك وما مالك ، وهل موجود مثل ذلك ؟ لو كان من حديد ، لكان قيدا أو من حجر ، لكان صلدا ! على مثله فلتبك البواكي ! وهذا أصح ; لأنه لو كان كارها له لم يوله مصر .

وكان الأشتر قد روى الحديث عن عمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي ذر . [ ص: 706 ] وروى عنه جماعة . وقال أحمد بن صالح : كان ثقة .

قيل : ولما بلغ محمد بن أبي بكر إنفاذ الأشتر شق عليه ، فكتب إليه علي : أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك ، وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازديادا مني لك في الجد ، ولو نزعت ما تحت يدك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة منه وأعجب إليك ولاية ، إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا نصيحا ، وعلى عدونا شديدا ، وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضي الله عنه ، وضاعف له الثواب ، اصبر لعدوك وشمر للحرب و ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) . وأكثر ذكر الله ، والاستعانة به ، والخوف منه ، يكفك ما أهمك ، ويعنك على ما ولاك .

وكتب إليه محمد : أما بعد فقد انتهى إلي كتابك وفهمته ، وليس أحد من الناس أرضى برأي أمير المؤمنين ، ولا أجهد على عدوه ، ولا أرأف بوليه مني ، وقد خرجت فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا ، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه . والسلام .

وقيل : إنما تولى الأشتر مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر .

وكان أهل الشام ينتظرون بعد صفين أمر الحكمين ، فلما تفرقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة ، ولم يزدد إلا قوة ، واختلف الناس بالعراق على علي ، فما كان لمعاوية هم إلا مصر ، وكان يهاب أهلها لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأي عثمان ، وكان يرجو أنه إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي لعظم خراجها ، فدعا معاوية عمرو بن العاص ، وحبيب بن مسلمة ، وبسر بن أبي أرطاة ، والضحاك بن قيس ، وعبد الرحمن بن خالد ، وأبا الأعور السلمي ، وشرحبيل بن السمط الكندي ، فقال لهم : أتدرون لم جمعتكم ؟ فإني جمعتكم لأمر لي مهم ! فقالوا : لم يطلع الله على الغيب أحدا ، وما نعلم ما تريد . فقال عمرو بن العاص : دعوتنا لتسألنا عن رأينا في مصر ، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر ، فنعم الرأي رأيت في افتتاحها ! فإن فيه عزك وعز أصحابك ، وكبت [ ص: 707 ] عدوك ، وذل أهل الشقاق عليك . فقال معاوية : أهمك يا ابن العاص ما أهمك ! وذلك أن عمرا كان صالح معاوية على قتال علي على أن له مصر طعمة ما بقي . وأقبل معاوية على أصحابه وقال : أصاب أبو عبد الله ، فما ترون ؟ فقالوا : ما نرى إلا ما رأى عمرو . قال : ( فكيف أصنع ) ؟ ( فإن عمرا لم يفسر كيف أصنع ) . فقال عمرو : أرى أن تبعث جيشا كثيفا ، عليهم رجل حازم صابر صارم ، تأمنه وتثق به ، فيأتي مصر ، فإنه سيأتيه من كان على مثل رأينا فيظاهره على عدونا ، فإن اجتمع جندك ومن بها على رأينا رجوت أن ينصرك الله .

قال معاوية : أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا ، فنمنيهم ونأمرهم بالثبات ، ونكاتب من بها من عدونا ، فندعوهم إلى صلحنا ، ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا ، فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا ، وإلا كان حربهم من بعد ذلك . إنك يا ابن العاص بورك لك في الشدة والعجلة ، وأنا بورك لي في التؤدة . قال عمرو : افعل ما ترى فما أرى أمرنا يصير إلا إلى الحرب .

فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد ، ومعاوية بن حديج السكوني ، وكانا قد خالفا عليا ، يشكرهما على ذلك ويحثهما على الطلب بدم عثمان ، ويعدهما المواساة في سلطانه ، وبعثه مع مولاه سبيع .

فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج : أما بعد ، فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا وابتعنا به أمر الله أمر نرجو به ثواب ربنا ، والنصر على من خالفنا ، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا ، وأما ما ذكرت من المواساة في سلطانك ، فتالله إن ذلك أمر ما له نهضنا ، ولا إياه أردنا ، فعجل إلينا بخيلك ورجلك ، فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين ، فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك . والسلام .

فجاءه الكتاب وهو بفلسطين ، فدعا أولئك النفر وقال لهم : ما ترون ؟ قالوا : نرى أن تبعث جندا .

فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها ، وبعث معه ستة آلاف رجل ، ووصاه بالتؤدة [ ص: 708 ] وترك العجلة . وسار عمرو فنزل أداني أرض مصر ، فاجتمعت إليه العثمانية ، فأقام بهم ، وكتب إلى محمد بن أبي بكر : أما بعد ، فتنح عني بدمك يا بن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر ، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ، وهم مسلموك ، فاخرج منها إني لك من الناصحين . وبعث معه كتاب معاوية في المعنى أيضا ، ويتهدده بقصده حصار عثمان .

فأرسل محمد الكتابين إلى علي ، ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر ، وأنه رأى التثاقل ممن عنده ويستمده . فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه ، ويعده إنفاذ الجيوش إليه ، ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله . وقام محمد بن أبي بكر في الناس ، وندبهم إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر ، فانتدب معه ألفين ، وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين وكنانة على مقدمته ، وأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا منه سرح الكتائب ، كتيبة بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلا حمل عليها ، فألحقها بعمرو بن العاص ، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية بن حديج ، فأتاه في مثل الدهم ، فأحاطوا بكنانة وأصحابه ، ( واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فلما رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه ، ونزل معه أصحابه ) ، فضاربهم بسيفه حتى استشهد .

وبلغ قتله محمد بن أبي بكر ، فتفرق عنه أصحابه ، وأقبل نحوه عمرو ، وما بقي معه أحد ، فخرج محمد يمشي في الطريق ، فانتهى إلى خربة في ناحية الطريق ، فأوى إليها ، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر ، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق ، فسألهم عنه ، فقال أحدهم : دخلت تلك الخربة ، فرأيت فيها رجلا جالسا . فقال ابن حديج : هو هو . فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا ، وأقبلوا به نحو الفسطاط ، فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص ، وكان في جنده ، وقال : أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه . فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد ، فقال : قتلتم كنانة بن بشر ، وأخلي أنا محمدا ؟ ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) . هيهات هيهات ! فقال لهم محمد بن أبي بكر : اسقوني ماء . فقال له معاوية بن حديج : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا ، إنكم منعتم عثمان شرب الماء ، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من [ ص: 709 ] الحميم والغساق ! فقال له محمد : يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك ، إنما ذلك إلى الله ، يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك ، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا . ثم قال له : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف حمار ، ثم أحرقه عليك بالنار . فقال محمد : إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء الله ، وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارا تلظى ، كلما خبت زادها الله سعيرا . فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ، ثم أحرقه بالنار .

فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا ، وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، وأخذت عيال محمد إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم ، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت .

وقد قيل : إن محمدا قاتل عمرا ومن معه قتالا شديدا فقتل كنانة ، وانهزم محمد ، واختبأ عند جبلة بن مسروق ، فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به ، فخرج محمد فقاتل حتى قتل .

وأما علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد ، قام في الناس خطيبا ، وأخبرهم خبر مصر ، وقصد عمرو إياها ، وندبهم إلى إنجادهم ، وحثهم على ذلك ، وقال : اخرجوا بنا إلى الجرعة ، وهي بين الكوفة والحيرة ، فلما كان الغد خرج إلى الجرعة ، فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار ، فلم يأته أحد ، فرجع ، فلما كان العشي استدعى أشراف الناس وهو كئيب فقال : الحمد لله على ما قضى من أمره ، وقدر من فعله ، وابتلاني بكم ، أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت ، ولا تجيب إذا دعوت ، لا أبا لغيركم ! ما تنتظرون بمصركم والجهاد على حقكم ؟ فوالله لئن جاء الموت ، وليأتيني ، ليفرقن بيني وبينكم ، وأنا لصحبتكم قال ، وبكم غير كثير ، لله أنتم ! أما دين يجمعكم ، ولا محمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم ، ويشن الغارة عليكم ؟ أوليس عجيبا أن معاوية ( يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ) في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء ، وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى ، وبقية الناس على العطاء والمعونة ، فتتفرقون عني تعصونني وتختلفون علي !

فقام كعب بن مالك الأرحبي وقال : يا أمير المؤمنين اندب الناس ، لهذا اليوم كنت [ ص: 710 ] أدخر نفسي . ثم قال : أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه ، وأنا أسير إليه . فخرج معه ألفان . فقال له : سر ، فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم . فسار بهم خمسا .

ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر ، فأخبره بقتل محمد بن أبي بكر ، وكان معه ، وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام ، وكان عينه هناك ، فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر ، وسرور أهل الشام بقتله . فقال علي : أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافا ! فأرسل علي ، فأعاد الجيش الذي أنفذه وقام في الناس خطيبا وقال :

ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور ، والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا ! ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد ، فعند الله نحتسبه ! أما والله ، إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحب هدي المؤمن ، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير ، وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير ، وإني لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم ، وأقوم فيكم بالرأي المصيب ، وأستصرخكم معلنا ، وأناديكم نداء المستغيث ، فلا تسمعون لي قولا ، ولا تطيعون لي أمرا ، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة ، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ، ولا تنقض بكم الأوتار ، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة ، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب ، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ، فأف لكم ! ثم نزل .
 .
 

****


ثم دخلت سنة تسع وثلاثين

ذكر سرايا أهل الشام إلى بلاد أمير المؤمنين - عليه السلام -

وفي هذه السنة فرق معاوية جيوشه في العراق في أطراف علي ، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر ، وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف رجل ، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة ، ولم يبق معه إلا مائة رجل ، فلما سمع بالنعمان كتب إلى أمير المؤمنين يخبره ويستمده ، فخطب علي الناس وأمرهم بالخروج إليه ، فتثاقلوا ، وواقع مالك النعمان ، وجعل جدار القرية في ظهور أصحابه ، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستعينه ، وهو قريب منه ، واقتتل مالك والنعمان أشد قتال ، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا ، فانتهوا إلى مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا ، فلما رآهم أهل الشام انهزموا عند المساء ، وظنوا أن لهم مددا ، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر .

ولما تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلى مالك صعد علي المنبر فخطبهم ، ثم قال : يا أهل الكوفة ، كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته ، وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه ، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، لا أحرار عند النداء ، ولا إخوان عند النجاء ! وإنا لله وإنا إليه راجعون ! ماذا منيت به منكم ؟ عمي لا يبصرون ، وبكم لا ينطقون ، وصم لا يسمعون ! إنا لله وإنا إليه راجعون .

[ ص: 725 ] ووجه معاوية في هذه السنة أيضا سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل ، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها ، ثم يأتي الأنبار ، ( والمدائن فيوقع بأهلها . فأتى هيت فلم يجد بها أحدا ، ثم أتى الأنبار ) وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل ، وقد تفرقوا ولم يبق منهم إلا مائتا رجل ، وكان سبب تفرقهم أنه كان عليهم كميل بن زياد ، فبلغه أن قوما بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت ، فسار إليهم بغير أمر علي ، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب عنها ، فأغضب ذلك عليا على كميل ، فأتى إليه ينكر ذلك عليه ، وطمع سفيان في أصحاب علي لقلتهم فقاتلهم ، فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم ، وهو أشرس بن حسان البكري ، وثلاثون رجلا ، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ، ورجعوا إلى معاوية ، وبلغ الخبر عليا فأرسل في طلبهم فلم يدركوا .

وفيها أيضا وجه معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء ، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع ، ففعل ذلك ، وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك ، واجتمع إليه بشر كثير من قومه ، وبلغ ذلك عليا فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل ، فلحق عبد الله بتيماء ، فاقتتلوا حتى زالت الشمس قتالا شديدا ، وحمل المسيب على ابن مسعدة ، فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله ، ويقول له : النجاء النجاء ! فدخل ابن مسعدة وجماعة معه الحصن ، وهرب الباقون نحو الشام ، وانتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة ، وحصره ومن معه ثلاثة أيام ، ثم ألقى الحطب في الباب وحرقه ، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا : يا مسيب قومك ، فرق لهم ، وأمر بالنار فأطفئت ، وقال لأصحابه : قد جاءتني عيوني فأخبروني أن جندا قد أتاكم من الشام . فقال له عبد الرحمن بن شبيب : سرحني في طلبهم ، فأبى ذلك عليه ، فقال : غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم .

وفيها أيضا وجه معاوية الضحاك بن قيس ، وأمره أن يمر بأسفل واقصة ، ويغير [ ص: 726 ] على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب ، ( وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه ، فسار الناس ، وأخذ الأموال ومضى إلى الثعلبية ، وقتل وأغار على مسلحة علي ، وانتهى إلى القطقطانة . فلما بلغ ذلك عليا ) أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف ، وأعطاهم خمسين درهما خمسين درهما ، فلحق الضحاك بتدمر ، فقتل منهم تسعة عشر رجلا ، وقتل من أصحابه رجلان ، وحجز بينهما الليل ، فهرب الضحاك وأصحابه ، ورجع حجر ومن معه .

وفي هذه السنة سار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم نكص راجعا .

واختلف فيمن حج [ بالناس ] هذه السنة ، فقيل : حج بالناس عبيد الله بن عباس من قبل علي ، وقيل : بل حج عبد الله أخوه ، وذلك باطل ، فإن عبد الله بن عباس لم يحج في خلافة علي ، وإنما كان على هذه السنة على الحج عبيد الله بن عباس ، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ، فاختلف عبيد الله ويزيد بن شجرة واتفقا على أن يحج بالناس شيبة بن عثمان ، وقيل : إن الذي حج من جانب علي قثم بن العباس ، وكان عمال علي على البلاد من تقدم ذكرهم .

ذكر مسير يزيد بن شجرة إلى مكة

وفي هذه السنة دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي - وهو من أصحابه - فقال له : إني أريد أن أوجهك إلى مكة لتقيم للناس الحج ، وتأخذ لي البيعة بمكة ، وتنفي عنها عامل علي .

[ ص: 727 ] فأجابه إلى ذلك ، وسار إلى مكة في ثلاثة آلاف فارس ، وبها قثم بن العباس عامل علي ، فلما سمع به قثم خطب أهل مكة ، وأعلمهم بمسير الشاميين ، ودعاهم إلى حربهم ، فلم يجيبوه بشيء ، وأجابه شيبة بن عثمان العبدري بالسمع والطاعة ، فعزم قثم على مفارقة مكة واللحاق ببعض شعابها ، ومكاتبة أمير المؤمنين بالخبر ، فإن أمده بالجيوش قاتل الشاميين ، فنهاه أبو سعيد الخدري عن مفارقة مكة وقال له : أقم ، فإن رأيت منهم القتال وبك قوة فاعمل برأيك ، وإلا فالمسير عنها أمامك . فأقام وقدم الشاميون ولم يعرضوا لقتال أحد ، وأرسل قثم إلى أمير المؤمنين يخبره ، فسير جيشا فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي الحنفي ، وأبو الطفيل أول ذي الحجة . وكان قدوم ابن شجرة قبل التروية بيومين ، فنادى في الناس : أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا . واستدعى أبا سعيد الخدري وقال له : إني أريد الإلحاد في الحرم ، ولو شئت لفعلت لما فيه أميركم من الضعف ، فقل له يعتزل الصلاة بالناس ، وأعتزلها أنا ، ويختار الناس رجلا يصلي بهم . فقال أبو سعيد لقثم ذلك ، فاعتزل الصلاة ، واختار الناس شيبة بن عثمان فصلى بهم وحج بهم . فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام ، وأقبل خيل علي فأخبروا بعود أهل الشام ، فتبعوهم ، وعليهم معقل بن قيس ، فأدركوهم وقد رحلوا عن وادي القرى ، فظفروا بنفر منهم ، فأخذوهم أسارى ، وأخذوا ما معهم ورجعوا بهم إلى أمير المؤمنين ، ففادى بهم أسارى كانت له عند معاوية .

( الرهاوي منسوب إلى الرهاء قبيلة من العرب ، وقد ضبطه عبد الغني ابن سعيد بفتح الراء : قبيلة مشهورة ، وأما المدينة فبضم الراء ) .

ذكر غارة أهل الشام على أهل الجزيرة

وفيها سير معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة ، وفيها شبيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان ، وكان شبيب بنصيبين ، فكتب إلى كميل بن [ ص: 728 ] زياد ، وهو بهيت ، يعلمه الخبر ، فسار كميل إليه نجدة له في ستمائة فارس ، فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي ، فقاتلهما كميل وهزمهما ، فغلب على عسكرهما وأكثر القتل في أهل الشام ، وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ، وقتل من أصحاب كميل رجلان ، وكتب إلى علي بالفتح فجزاه خيرا ، وأجابه جوابا حسنا - رضي الله عنه - ، وكان ساخطا عليه لما تقدم ذكره .

وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين ، فرأى كميلا قد أوقع بالقوم ، فهنأه بالظفر ، واتبع الشاميين ، فلم يلحقهم ، فعبر الفرات ، وبث خيله فأغارت على أهل الشام حتى بلغ بعلبك ، فوجه معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه ، ورجع شبيب فأغار على نواحي الرقة فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها ، ولا خيلا ولا سلاحا إلا أخذه ، وعاد إلى نصيبين ، وكتب إلى علي ، فكتب إليه علي ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به ، وقال : رحم الله شبيبا ، لقد أبعد الغارة وعجل الانتصار .

ذكر غارة الحارث بن نمر التنوخي

ولما قدم يزيد بن شجرة على معاوية وجه الحارث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي ، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب ، وكان جماعة من بني تغلب قد فارقوا عليا إلى معاوية ، فسألوه في إطلاق أصحابهم فلم يفعل ، فاعتزلوه أيضا . وكتب معاوية إلى علي ليفاديه بمن أسر معقل بن قيس من أصحاب يزيد بن شجرة ، فسيرهم علي إلى معاوية ، وأطلق معاوية هؤلاء ، وبعث علي رجلا من خثعم يقال له عبد الرحمن إلى ناحية الموصل ليسكن الناس ، فلقيه أولئك التغلبيون الذين اعتزلوا معاوية ، وعليهم قريع بن الحارث التغلبي ، فتشاتموا ثم اقتتلوا فقتلوه ، فأراد علي أن يوجه إليهم جيشا ، فكلمته ربيعة وقالوا : هم معتزلون لعدوك داخلون في طاعتك ، وإنما قتلوه خطأ . فأمسك عنهم .

[ ص: 729 ] ذكر أمر ابن العشبة

بعث معاوية زهير بن مكحول العامري - من عامر الأجدار - إلى السماوة وأمره أن يأخذ صدقات الناس ، وبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة نفر : جعفر بن عبد الله الأشجعي ، وعروة بن العشبة ، والجلاس بن عمير الكلبيين ، ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر بن وائل ، فوافوا زهيرا فاقتتلوا ، فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله ، ولحق ابن العشبة بعلي ، فعنفه وعلاه بالدرة ، فغضب ولحق بمعاوية ، وكان زهير قد حمل ابن العشبة على فرس ، فلذلك اتهمه . وأما الجلاس فإنه مر براع ، فأخذ جبته ، وأعطاه جبة خز ، فأدركته الخيل ، فقالوا : أين أخذ هؤلاء الترابيون ؟ فأشار إليهم : أخذوا هاهنا ، ثم أقبل إلى الكوفة

ذكر أمر مسلم بن عقبة بدومة الجندل

وبعث معاوية مسلم بن عقبة المري إلى دومة الجندل ، وكان أهلها قد امتنعوا من بيعة علي ومعاوية جميعا ، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته ، فامتنعوا ، وبلغ ذلك عليا فسير مالك بن كعب الهمداني في جمع إلى دومة الجندل ، فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه مالك ، فاقتتلوا يوما ثم انصرف مسلم منهزما ، وأقام مالك أياما يدعو أهل دومة الجندل إلى البيعة لعلي فلم يفعلوا ، وقالوا : لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام ، فانصرف وتركهم .

وفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند ( غازيا متطوعا بأمر أمير المؤمنين علي ، فغنم وأصاب غنائم وسبيا كثيرا ، وقسم في يوم واحد ألف رأس وبقي غازيا ) إلى أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه ، إلا قليلا سنة اثنتين وأربعين أيام معاوية .

[ ص: 730 ] ذكر ولاية زياد بن أبيه بلاد فارس

وفي هذه السنة ولى علي زيادا كرمان وفارس .

وسبب ذلك أنه لما قتل ابن الحضرمي ، واختلف الناس على علي ، طمع أهل فارس وكرمان في كسر الخراج ، فطمع أهل كل ناحية وأخرجوا عاملهم ، وأخرج أهل فارس سهل بن حنيف ، فاستشار علي الناس فقال له جارية بن قدامة : ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صلب الرأي عالم بالسياسة ، كاف لما ولي ؟ قال : من هو ؟ قال : زياد . فأمر علي ابن عباس أن يولي زيادا ، فسيره إليها في جمع كثير ، فوطئ بهم أهل فارس ، وكانت قد اضطرمت ، فلم يزل يبعث إلى رؤوسهم يعد من ينصره ويمنيه ، ويخوف من امتنع عليه ، وضرب بعضهم ببعض ، فدل بعضهم على عورة بعض ، وهربت طائفة ، وأقامت طائفة ، فقتل بعضهم بعضا ، وصفت له فارس ولم يلق منهم جمعا ولا حربا ، وفعل مثل ذلك بكرمان . ثم رجع إلى فارس وسكن الناس واستقامت له ، ونزل إصطخر ، وحصن قلعة تسمى قلعة زياد قريب إصطخر ، ( ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري ، فهي تسمى قلعة منصور ) . ( وقيل إن [ ابن ] عباس أشار بولايته ، وقد تقدم ذكره ) .


ثم دخلت سنة أربعين

ذكر سرية بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن

في هذه السنة بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة ، وهو من عامر بن لؤي ، في ثلاثة آلاف ، فسار حتى قدم المدينة ، وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها ، فهرب أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة ، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد ، فصعد منبرها فنادى عليه : يا دينار ، يا نجار ، يا زريق ! وهذه بطون من الأنصار ، شيخي شيخي ، عهدته هاهنا بالأمس ، فأين هو ؟ يعني عثمان . ثم قال : والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما . فأرسل إلى بني سلمة فقال : والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله ! فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها : ماذا ترين ؟ إن هذه بيعة ضلالة ، وقد خشيت أن أقتل . قالت : أرى أن تبايع ، فإني قد أمرت ابني عمر وختني ابن زمعة أن يبايعا ، وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعة ، فأتاه جابر فبايعه .

وهدم بالمدينة دورا ثم سار إلى مكة ، فخاف أبو موسى الأشعري أن يقتله ، فهرب منه ، وأكره الناس على البيعة . ثم سار إلى اليمن ، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملا لعلي ، فهرب منه إلى علي بالكوفة . واستخلف علي [ على ] اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي ، فأتاه بسر فقتله ، وقتل ابنه ، وأخذ ابنين لعبيد الله بن عباس صغيرين هما : عبد الرحمن وقثم فقتلهما ، وكانا عند رجل من كنانة بالبادية ، فلما أراد قتلهما قال [ ص: 733 ] له الكناني : لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما ! فقتله وقتلهما بعده . وقيل إن الكناني أخذ سيفه وقاتل عن الغلامين وهو يقول :



الليث من يمنع حافات الدار ولا يزال مصلتا دون الجار


وقاتل حتى قتل . وأخذ الغلامين فدفنهما . فخرج نسوة من بني كنانة ، فقالت امرأة منهن : يا هذا ! قتلت الرجال فعلام تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام ! والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير ، والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة ، وعقوق الأرحام لسلطان سوء !

وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة علي باليمن ، وبلغ عليا الخبر ، فأرسل جارية بن قدامة السعدي في ألفين ، ووهب بن مسعود في ألفين ، فسار جارية حتى أتى نجران ، فقتل بها ناسا من شيعة عثمان ، وهرب بسر وأصحابه منه ، واتبعه جارية حتى أتى مكة فقال : بايعوا أمير المؤمنين . فقالوا : قد هلك فلمن نبايع ؟ قال : لمن بايع له أصحاب علي . فبايعوا خوفا منه .

ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بالناس ، فهرب منه ، فقال جارية : لو وجدت أبا سنور لقتلته . ثم قال لأهل المدينة : بايعوا الحسن بن علي فبايعوه ، وأقام يومه ، ثم عاد إلى الكوفة ورجع أبو هريرة يصلي بهم .

وكانت أم ابني عبيد الله أم الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ ، ( وقيل : عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان ) . فلما قتل ولداها ولهت عليهما ، فكانت لا تعقل ولا تصفي ، ولا تزال تنشدهما في المواسم فتقول :

[ ص: 734 ]

يا من أحس بنيي اللذين هما     كالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بنيي اللذين هما     مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
يا من أحس بنيي اللذين هما     قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
من ذل والهة حيرى مدلهة     على صبيين ذلا إذ غدا السلف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا     من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا
أحنى على ودجي إبني مرهفة     من الشفار ، كذاك الإثم يقترف



وهي أبيات مشهورة ، فلما سمع أمير المؤمنين بقتلهما جزع جزعا شديدا ودعا على بسر فقال : اللهم اسلبه دينه وعقله ! فأصابه ذلك وفقد عقله ، فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ، ويجعل بين يديه زق منفوخ ، فلا يزال يضربه ، ولم يزل كذلك حتى مات .

[ ص: 735 ] ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه عبيد الله بن عباس ، وعنده بسر ، فقال لبسر : وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين قتلت ولدي . فقال بسر : هاك سيفي . فأهوى عبيد الله ليتناوله فأخذه معاوية وقال لبسر : أخزاك الله شيخا قد خرفت ! والله لو تمكن منه لبدأ بي ! قال عبيد الله : أجل ، ثم ثنيت به .

( سلمة : بكسر اللام ، بطن من الأنصار ) .

وقيل : إن مسير بسر إلى الحجاز كان سنة اثنتين وأربعين ، فأقام بالمدينة شهرا يستعرض الناس ، لا يقال له عن أحد إنه شرك في دم عثمان إلا قتله .

وفيها جرت مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب ، ويكون لعلي العراق ، ولمعاوية الشام ، لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة .


****

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين :

ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية

كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام ، فبينما هو يتجهز للمسير قتل ، عليه السلام ، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له . فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه ، فتجهز هو والجيش الذي كانوا بايعوا عليا وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية ، وكان قد نزل مسكن ، فوصل الحسن إلى المدائن ، وجعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفا ، ( وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس ، فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة ) . فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد في العسكر : ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا . فنفروا بسرادق الحسن ، فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطا كان تحته ، فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا ، ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن ، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد ، فقال له المختار ، وهو شاب : هل لك في الغنى والشرف ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية :

فقال له عمه : عليك لعنة الله ! أثب على ابن بنت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأوثقه ؟ بئس الرجل أنت !

فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطا وقال له : إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به . وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر :

[ ص: 6 ] إنني قد راسلت معاوية في الصلح :

فقال له الحسين :

( أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ! فقال له الحسن ) : اسكت ، أنا أعلم بالأمر منك .

فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه ، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها ، وكتب إليه : أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك .

فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده ، فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية ، فأبى ذلك معاوية وقال له : قد أعطيتك ما كنت تطلب .

فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال : يا أهل العراق إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث : قتلكم أبي ، وطعنكم إياي ، وانتهابكم متاعي .

وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ، ومبلغه خمسة آلاف ألف ، وخراج دارابجرد من فارس ، وأن لا يشتم عليا ، فلم يجبه عن الكف عن شتم علي ، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع ، فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به أيضا ، وأما خراج دارابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا : هو فيئنا لا نعطيه أحدا ، وكان منعهم بأمر معاوية أيضا .

وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة ، وقيل : في ربيع الآخر ، وقيل : في جمادى الأولى ، وقيل : إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : [ ص: 7 ] إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة ، والصبر بالجزع ، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم ، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره ، وأما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر ، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله ، عز وجل ، بظبى السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى .

فناداه الناس من كل جانب : البقية البقية ! وأمضى الصلح .

ولما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال : أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه ( فلما ساروا إلى معاوية في الصلح اصطلحا على ما ذكرناه ) وسلم إليه الحسن الأمر .

وكانت خلافة الحسن ، على قول من يقول : إنه سلم الأمر في ربيع الأول ، خمسة أشهر ونحو نصف شهر ، وعلى قول من يقول : في ربيع الآخر ، يكون ستة أشهر وشيئا ، وعلى قول من يقول : في جمادى الأولى ، يكون سبعة أشهر وشيئا ، والله تعالى أعلم .

ولما اصطلحا وبايع الحسن معاوية دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس ، وكتب الحسن إلى قيس بن سعد ، وهو على مقدمته في اثني عشر ألفا ، يأمره بالدخول في طاعة معاوية ، فقام قيس في الناس فقال : أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام . فقال بعضهم : بل نختار الدخول في طاعة إمام ضلالة . فبايعوا معاوية أيضا . فانصرف قيس فيمن تبعه ، على ما نذكره .

ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه . فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن يخطبهم . فقام فحمد الله بديهة ثم قال : أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا ، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول ، وإن الله ، عز وجل ، قال لنبيه : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين . فلما قاله قال له معاوية : اجلس ، وحقدها على عمرو وقال : هذا من رأيك .

[ ص: 8 ] ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمهم ، وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة .

قيل للحسن : ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم أحد أبدا إلا غلب ، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى ، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر ، لقد لقي أبي منهم أمورا عظاما ، فليت شعري لمن يصلحون بعدي ، وهي أسرع البلاد خرابا !

ولما سار الحسن من الكوفة عرض له رجل فقال له : يا مسود وجوه المسلمين ! فقال : لا تعذلني فإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك فأنزل الله عز وجل : إنا أعطيناك الكوثر ، وهو نهر في الجنة ، و إنا أنزلناه في ليلة القدر إلى قوله تعالى : خير من ألف شهر ، يملكها بعدك بنو أمية .



ذكر صلح معاوية وقيس بن سعد

( وفيها جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد ، وكان قيس امتنع من ذلك وسبب امتناعه ) أن عبيد الله بن عباس لما علم بما يريده الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية كتب إلى معاوية يسأله الأمان لنفسه على ما أصاب من مال وغيره ، فأجابه على ذلك ، وأرسل عبد الله بن عامر في جيش كثيف ، فخرج إليهم عبيد الله ليلا وترك جنده الذين هو عليهم بغير أمير وفيهم قيس بن سعد ، فأمر ذلك الجند عليهم قيس بن سعد وتعاقدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشرط لشيعة علي ولمن كان معه على دمائهم وأموالهم . وقيل : إن قيسا كان هو الأمير على ذلك الجيش ( في المقدمة ، على ما ذكرناه ، وكان شديد الكراهة لإمارة معاوية بن أبي سفيان ، فلما بلغه أن الحسن بن علي صالح معاوية اجتمع معه جمع كثير وبايعوه على قتال معاوية حتى يشترط [ ص: 9 ] لشيعة علي على دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة ، فراسله معاوية يدعوه إلى طاعته ، وأرسل إليه بسجل ، وختم على أسفله وقال له : اكتب في هذا ما شئت فهو لك . فقال عمرو لمعاوية : لا تعطه هذا وقاتله . فقال معاوية : على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فإني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا .

فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال ، ولم يسأل في سجله ذلك مالا ، وأعطاه معاوية ما سأل ، ودخل قيس ومن معه في طاعته .

وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة يقال إنهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم : معاوية ، وعمرو ، والمغيرة بن شعبة ، وقيس بن سعد ، وعبد الله بن بديل الخزاعي ، وكان قيس وابن بديل مع علي ، وكان المغيرة معتزلا بالطائف ، ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه سعد بن أبي وقاص فقال : السلام عليك أيها الملك ! فضحك معاوية وقال : ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت : يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أتقولها جذلان ضاحكا ؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به .

ثم دخلت سنة أربع وأربعين

ذكر استلحاق معاوية زيادا

وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن سمية فزعموا أن رجلا من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية ، فقال لزياد : إن لابن عامر عندي يدا فإذا أذنت لي أتيته . قال : على أن تحدثني بما يجري بينك وبينه . قال : نعم . فأذن له فأتاه ، فقال له ابن عامر : هيه هيه ! وابن سمية يقبح آثاري ويعرض بعمالي ! لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش ( يحلفون بالله ) أن أبا سفيان لم ير سمية .

فلما رجع سأله زياد فلم يخبره ، فألح عليه حتى أخبره ، فأخبر زياد بذلك معاوية . فقال معاوية لحاجبه : إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب . ففعل ذلك به . فأتى ابن عامر يزيد فشكا ذلك إليه ، فركب معه حتى أدخله ، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل ، فقال يزيد لابن عامر : اجلس ، فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه ! فلما أطالا خرج معاوية وهو يتمثل :



لنا سباق ولكم سباق قد علمت ذلكم الرفاق


[ ص: 40 ] ثم قعد فقال يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت ؟ أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية وأن الإسلام لم يزدني إلا عزا ، وأني لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة ، ولكن عرفت حقا له فوضعته موضعه . فقال : يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب زياد . قال : إذا نرجع إلى ما تحب . فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه .

فلما قدم زياد الكوفة قال : قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم . قالوا : ما تشاء ؟ قال : تلحقون نسبي بمعاوية :

قالوا : أما بشهادة الزور فلا . فأتى البصرة فشهد له رجل .

هذا جميع ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد ، ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك ، إنما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه ، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيته ، فإنه من الأمور المشهورة في الإسلام لا ينبغي إهمالها .

وكان ابتداء حاله أن سمية أم زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر ، فمرض الدهقان ، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي ، فعالجه فبرأ ، فوهبه سمية ، فولدت عند الحارث أبا بكرة ، واسمه نفيع ، فلم يقر به ، ثم ولدت نافعا ، فلم يقر به أيضا ، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حصر الطائف ، قال الحارث لنافع : أنت ولدي . وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه عبيد ، وهو رومي ، فولدت له زيادا .

وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي ، وأسلم أبو مريم بعد ذلك وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو سفيان لأبي مريم : قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغيا . فقال له : هل لك في سمية ؟ فقال : هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها ، فأتاه بها ، فوقع عليها ، فعلقت بزياد ، ثم وضعته في السنة الأولى من الهجرة فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري لما ولي البصرة ، ثم إن عمر بن الخطاب استكفى زيادا أمرا فقام فيه مقاما مرضيا ، فلما عاد إليه حضر ، وعند عمر المهاجرون والأنصار ، فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها . فقال عمرو بن العاص : لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه ! فقال أبو سفيان ، وهو حاضر : والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه . فقال علي : يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا .

[ ص: 41 ] فلما ولي علي الخلافة استعمل زيادا على فارس ، فضبطها وحمى قلاعها ، واتصل الخبر بمعاوية ، فساءه ذلك وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه ، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال : العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد ، ورأس النفاق ! يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابنا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار ؟ أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمز مخشيا ضرابا بالسيف .

وبلغ ذلك عليا فكتب إليه : إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا ، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب له ميراثا ولا تحل ( له نسبا ) ، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فاحذر ثم احذر ، والسلام .

فلما قتل علي ، وكان من أمر زياد ومصالحته معاوية ما ذكرناه ، واضع زياد مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية : إن زيادا قد أكل فارس برا وبحرا وصالحك على ألفي ألف درهم ، والله ما أرى الذي يقال إلا حقا ، فإذا قال لك : وما يقال ؟ فقل : يقال إنه ابن أبي سفيان . ففعل مصقلة ذلك ، ورأى معاوية أن يستميل زيادا ، واستصفى مودته باستلحاقه ، فاتفقا على ذلك ، وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد ، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي ، فقال له معاوية : ( بم ) تشهد يا أبا مريم ؟ فقال : أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيا فقلت له : ليس عندي إلا سمية ، فقال : ائتني بها على قذرها ووضرها ، فأتيته بها ، فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها لتقطران منيا . فقال له زياد : مهلا أبا مريم ! إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما .

فاستلحقه معاوية ، وكان استلحاقه أول ما ردت أحكام الشريعة علانية ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر .

وكتب زياد إلى عائشة : ( من زياد بن أبي سفيان ، وهو يريد أن تكتب له : إلى زياد بن أبي سفيان ، فيحتج بذلك ، فكتبت : من عائشة ) أم المؤمنين إلى ابنها زياد :

[ ص: 42 ] وعظم ذلك على المسلمين عامة وعلى بني أمية خاصة ، وجرى ( أقاصيص يطول بذكرها الكتاب فأضربنا عنها . ومن اعتذر لمعاوية قال : إنما ) استلحق معاوية زيادا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعا ، لا حاجة إلى ذكر جميعها ، وكان منها أن الجماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه ، فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح ، إلا أنه أقر كل ولد كان ينسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه ولم يفرق بين شيء منها ، فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والإسلام ، ( وهذا مردود لاتفاق المسلمين على إنكاره ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة ) .

قيل : أراد زياد أن يحج بعد أن استلحقه معاوية ، فسمع أخوه أبو بكرة ، وكان مهاجرا له من حين خالفه في الشهادة ( بالزنا ) على المغيرة بن شعبة ، فلما سمع بحجه جاء إلى بيته وأخذ ابنا له وقال له : يا بني قل لأبيك إنني سمعت أنك تريد الحج ولا بد من قدومك إلى المدينة ولا شك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أذنت لك فأعظم به خزيا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن منعتك فأعظم به فضيحة في الدنيا وتكذيبا لأعدائك .

فترك زياد الحج وقال : جزاك الله خيرا فقد أبلغت في النصح .
ثم دخلت سنة ست وأربعين
وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد من بلاد الروم إلى حمص ومات
ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه ، فخافه معاوية وخشي منه وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه [ جباية ] خراج حمص ، فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه ، فشربها ، فمات بحمص ، فوفى له معاوية بما ضمن له .


ثم دخلت سنة سبع وأربعين

ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حديج

وفيها عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج وكان عثمانيا ، فمر به عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال له : يا معاوية قد أخذت جزاءك من معاوية ، قد قتلت أخي محمد بن أبي بكر لتلي مصر فقد وليتها . فقال : ما قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان . فقال عبد الرحمن : فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان لما شاركت معاوية فيما صنع حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل فوثبت أول الناس فبايعته

ثم دخلت سنة خمسين

ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة

وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحمل من المدينة إلى الشام ، وقال : لا يترك هو وعصا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بالمدينة وهم قتلة عثمان ، وطلب العصا ، وهو عند سعد القرظ ، فحرك المنبر فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية ، فأعظم الناس ذلك ، فتركه . وقيل أتاه جابر وأبو هريرة وقالا له : يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من موضع وضعه ، ولا تنقل عصاه إلى الشام ، فانقل المسجد ، فتركه ، وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع .

فلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر ، فقال له قبيصة بن ذؤيب : أذكرك الله أن تفعل ! إن معاوية حركه فكسفت الشمس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من حلف على منبري [ آثما ] فليتبوأ مقعده من النار ، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق عندهم بالمدينة ! فتركه عبد الملك .

فلما كان الوليد ابنه وحج هم بذلك ، فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد [ ص: 62 ] العزيز فقال : كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له ، فكلمه عمر فتركه .

ولما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد ، فقال سليمان : ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا ولا عن الوليد ، ما لنا ولهذا ! أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله إلى ما قبلنا ! هذا ما لا يصلح !

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين

وفيها كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم ، وغزوة بسر بن أبي أرطاة الصائفة .

ذكر مقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما

في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه .

وسبب ذلك أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين ، فلما أمره عليها دعاه وقال له : أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك ، ولست تاركا إيصاءك بخصلة : لا تترك شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم ، والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم ، فقال له المغيرة : قد جربت وجربت ، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني ، وستبلو فتحمد أو تذم . فقال : بل نحمد إن شاء الله .

فأقام المغيرة عاملا على الكوفة وهو أحسن شيء سيرة ، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له ، فإذا سمع ذلك حجر بن عدي قال : بل إياكم ذم الله ولعن ! ثم قام وقال : أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ، ومن تزكون أولى بالذم . فيقول له المغيرة : يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته ، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك ، ثم يكف عنه ويصفح .

فلما كان آخر إمارته قال في علي وعثمان ما كان يقوله ، فقام حجر فصاح صيحة [ ص: 70 ] بالمغيرة سمعها كل من بالمسجد وقال له : مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك ، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين .

فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون : صدق حجر وبر ، مر لنا بأرزاقنا فإن ما أنت عليه لا يجدي علينا نفعا ! وأكثروا من هذا القول وأمثاله . فنزل المغيرة فاستأذن عليه قومه ودخلوا وقالوا : علام تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك ويقول لك هذه المقالة فيوهن سلطانك ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية ؟ فقال لهم المغيرة : إني قد قتلته ، سيأتي من بعدي أمير يحسبه مثلي فيصنع به ما ترونه يصنع بي فيأخذه ويقتله ! إني قد قرب أجلي ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى ويعز في الدنيا معاوية ويشقى في الآخرة المغيرة .

ثم توفي المغيرة وولي زياد ، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه . فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة . ورجع زياد إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث ، فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم حصبوا عمرو بن حريث ، فشخص زياد إلى الكوفة حتى دخلها فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وحجر جالس ، ثم قال : أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم ، إن هؤلاء جموا فأشروا ، وأمنوني فاجترءوا على الله ، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم ، ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر ، وأدعه نكالا لمن بعده ، ويل أمك يا حجر ، سقط العشاء بك على سرحان .

وأرسل إلى حجر يدعوه وهو بالمسجد ، فلما أتاه رسول زياد يدعوه قال أصحابه : لا تأته ولا كرامة . فرجع الرسول فأخبر زيادا ، فأمر صاحب شرطته ، وهو شداد بن الهيثم الهلالي ، أن يبعث إليه جماعة ففعل ، فسبهم أصحاب حجر ، فرجعوا وأخبروا زيادا ، فجمع أهل الكوفة وقال : تشجون بيد وتأسون بأخرى ! أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق ! هذا والله من دحسكم ! والله ليظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم ! فقالوا : معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك ، قال : [ ص: 71 ] فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله . ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه . وقال زياد لصاحب شرطته : انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به .

فأتاه صاحب الشرطة يدعوه ، فمنعه أصحابه من إجابته ، فحمل عليهم ، فقال أبو العمرطة الكندي لحجر : إنه ليس معك من معه سيف غيري وما يغني عنك سيفي ، قم فالحق بأهلك يمنعك قومك :

وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر ، وغشيهم أصحاب زياد ، وضرب رجل من الحمراء رأس عمرو بن الحمق بعموده فوقع ، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى خرج ، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة ، وضرب بعض الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة ، وأتى حجر بغلته ، فقال له أبو العمرطة : اركب فقد قتلتنا ونفسك . وحمله حتى أركبه ، وركب أبو العمرطة فرسه ، ولحقه يزيد بن طريف المسلي فضرب أبا العمرطة على فخذه بالعمود ، وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب به رأسه فسقط ، ثم برأ ، وله يقول عبد الله بن همام السلولي :



ألؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا إلى بطل ذي جرأة وشكيم     معاود ضرب الدارعين بسيفه
على الهام عند الروع غير لئيم     إلى فارس الغارين يوم تلاقيا
بصفين قرم خير نجل قروم     حسبت ابن برصاء الحتار قتاله
قتالك زيدا يوم دار حكيم


وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في اختلاف بين الناس .

ومضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير ، ولم يأته من كندة كثير أحد :

فأرسل زياد ، وهو على المنبر ، مذحجا وهمدان إلى جبانة كندة ، وأمرهم أن يأتوه بحجر ، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبانة الصائدين ، وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حجر فيأتوه به ، ففعلوا ، فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا ، فأثنى عليهم زياد .

فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم : لا طاقة لكم بمن قد [ ص: 72 ] اجتمع عليكم وما أحب أن تهلكوا . فخرجوا ، فأدركهم مذحج وهمدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون ، فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد ، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل ، فبكت بناته ، فقال حجر : بئس ما أدخلت على بناتك إذا ! قال : والله لا تؤخذ من داري أسيرا ولا قتيلا وأنا حي :

فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر ، فأحسن لقاءه .

فبينما هو عنده إذ قيل له : إن الشرط تسأل عنك في النخع . وسبب ذلك أن أمة سوداء لقيتهم فقالت : من تطلبون ؟ فقالوا : حجر بن عدي . فقالت : هو في النخع .

فخرج حجر من عنده فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجد .

فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له : والله لتأتيني به أو لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا .

فاستمهله ، فأمهله ثلاثا وأحضر قيس بن يزيد أسيرا ، فقال له زياد : لا بأس عليك ، قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وأنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكن ائتني بأخيك عمير . فاستأمن له منه على ماله ودمه ، فأمنه ، فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا ، وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ، ففعلوا به ذلك مرارا ، فقال قيس بن يزيد لزياد : ألم تؤمنه ؟ قال : بلى قد أمنته على دمه ولست أهريق له دما . ثم ضمنه وخلى سبيله .

ومكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة ، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية . فجمع محمد جماعة ، منهم : جرير بن عبد الله ، وحجر بن يزيد ، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر ، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية ، فأجابهم فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد ، فلما رآه قال : مرحبا بك أبا عبد الرحمن ، حرب أيام الحرب ، وحرب وقد سالم الناس ، على أهلها تجني براقش ، فقال حجر : ما خلعت طاعة ، ولا فارقت جماعة ، وإني على بيعتي . فأمر به إلى السجن . فلما ولى قال زياد : والله لأحرصن على قطع خيط رقبته :

وطلب أصحابه ، فخرج عمرو بن الحمق حتى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شداد فاختفيا بجبل هناك ، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل ، فسار إليهما :

[ ص: 73 ] فخرجا إليه ، فأما عمرو فكان قد استسقى بطنه ولم يكن عنده امتناع ، وأما رفاعة فكان شابا قويا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو ، فقال له عمرو : ما ينفعني قتالك عني ؟ انج بنفسك ! فحمل عليهم ، فأفرجوا له ، فنجا ، وأخذ عمرو أسيرا ، فسألوه : من أنت ؟ فقال : من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضر عليكم ، ولم يخبرهم . فبعثوه إلى عامل الموصل ، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي الذي يعرف بابن أم الحكم ، وهو ابن أخت معاوية ، فعرفه فكتب فيه إلى معاوية . فكتب إليه :

إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه ، فاطعنه كما طعن عثمان :

فأخرج وطعن ، فمات في الأولى منهن أو الثانية .

وجد زياد في طلب أصحاب حجر فهربوا ، وأخذ من قدر عليه منهم . فأتي بقبيصة بن ضبيعة العبسي بأمان فحبسه ، وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له : إن امرأ منا يقال له صيفي من رءوس أصحاب حجر . فبعث زياد فأتي به ، فقال : يا عدو الله ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب :

فقال : ما أعرفك به ! أتعرف علي بن أبي طالب ؟ قال : نعم . قال : فذاك أبو تراب :

قال : كلا ، ذاك أبو الحسن والحسين :

فقال له صاحب الشرطة : يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا ! قال : فإن كذب الأمير أكذب أنا ، وأشهد على باطل كما شهد ؟ فقال له زياد : وهذا أيضا ، علي بالعصا ، فأتي بها ، فقال : ما تقول في علي ؟ قال : أحسن قول :

قال : اضربوه ، حتى لصق بالأرض ، ثم قال : أقلعوا عنه ، ما قولك في علي ؟ قال : والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت فيه إلا ما سمعت مني :

قال : لتلعننه أو لأضربن عنقك ! قال : لا أفعل . فأوثقوه حديدا وحبسوه .

قيل : وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه . ثم دخل الكوفة فجلس في بيته ، فقال حوشب للحجاج : إن هنا امرأ صاحب فتن لم تكن فتنة بالعراق إلا وثب فيها ، وهو ترابي يلعن عثمان ، وقد خرج مع ابن الأشعث حتى هلك ، وقد جاء فجلس في بيته . فبعث إليه الحجاج فقتله ، فقال بنو أبيه لآل حوشب : سعيتم بصاحبنا ! فقالوا : وأنتم أيضا سعيتم بصاحبنا ، يعني صيفيا الشيباني .

وأرسل زياد إلى عبد الله بن خليفة الطائي ، فتوارى ، فبعث إليه الشرط فأخذوه ، [ ص: 74 ] فخرجت أخته النوار فحرضت طيئا ، فثاروا بالشرط وخلصوه :

فرجعوا إلى زياد فأخبروه ، فأخذ عدي بن حاتم وهو في المسجد فقال : ائتني بعبد الله ! قال : وما حاله ؟ فأخبره ، فقال : لا علم لي بهذا ! قال : لتأتيني به :

قال : لا آتيك به أبدا ، آتيك بابن عمي تقتله ! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ! فأمر به إلى السجن ، فلم يبق بالكوفة يمني ولا ربعي إلا كلم زيادا وقالوا : تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : فإني أخرجه على شرط أن يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي سلطان :

فأجابوه إلى ذلك ، وأرسل عدي إلى عبد الله يعرفه ما كان وأمره أن يلحق بجبلي طيئ ، فخرج إليهما ، وكان يكتب إلى عدي ليشفع فيه ليعود إلى الكوفة ، وعدي يمنيه ، فمما كتب إليه يعاتبه ويرثي حجرا وأصحابه قوله :



تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا     وذكر الصبا برح على من تذكرا
وولى الشباب فافتقدت غصونه     فيا لك من وجد به حين أدبرا
فدع عنك تذكار الشباب وفقده     وأسبابه إذ بان عنك فأجمرا
وبك على الخلان لما تخرموا     ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا
دعتهم مناياهم ومن حان يومه     من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا
أولئك كانوا شيعة لي وموئلا     إذا اليوم ألفي ذا احتدام مذكرا
وما كنت أهوى بعدهم متعللا     بشيء من الدنيا ولا أن أعمرا
أقول ولا والله أنسى ادكارهم     سجيس الليالي أو أموت فأقبرا
على أهل عذراء السلام مضاعفا     من الله وليسق الغمام الكنهورا
ولاقى بها حجر من الله رحمة     فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا
ولا زال تهطال ملث وديمة     على قبر حجر أو ينادى فيحشرا
فيا حجر من للخيل تدمى نحورها     وللملك المغزي إذا ما تغشمرا


[ ص: 75 ] ومن صادع بالحق بعدك ناطق     بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا
فنعم أخو الإسلام كنت وإنني     لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا
وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه     وتعرف معروفا وتنكر منكرا
فيا أخوينا من هميم عصمتما     ويسرتما للصالحات فأبشرا
ويا أخوي الخندفيين أبشرا     بما معنا حييتما أن تتبرا
ويا إخوتا من حضرموت وغالب     وشيبان لقيتم حسابا ميسرا
سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم     حجاجا لدى الموت الجليل وأصبرا
سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال     حمام ببطن الواديين وقرقرا
فقلت ولم أظلم : أغوث بن طيئ     متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا
هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم     وقد دث حتى مال ثم تجورا
تفرجتم عني فغودرت مسلما     كأني غريب من إياد وأعصرا
فمن لكم مثلي لدى كل غارة     ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا
ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت     وأوضع فيها المستميت وشمرا
فها أنا ذا آوي بأجبال طيئ     طريدا فلو شاء الإله لغيرا


[ ص: 76 ] نفاني عدوي ظالما عن مهاجري     رضيت بما شاء الإله وقدرا
وأسلمني قومي بغير جناية     كأن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا
فإن ألف في دار بأجبال طيئ     وكان معانا من عصير ومحضرا
فما كنت أخشى أن أرى متغربا     لحى الله من لاحى عليه وكثرا
لحى الله قيل الحضرميين وائلا     ولاقى القناني بالسنان المؤمرا
ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا     علينا وقالوا قول زور ومنكرا
فلا يدعني قوم لغوث بن طيئ     لئن دهرهم أشفى بهم وتغيرا
فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر     عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا
فبلغ خليلي إن رحلت مشرقا     جديلة والحيين معنا وبحترا
ونبهان والأفناء من جذم طيئ     ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا
ألم تذكروا يوم العذيب أليتي     أمامكم أن لا أرى الدهر مدبرا
وكري على مهران والجمع حابس     وقتلي الهمام المستميت المسورا
ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم     ويوم نهاوند الفتوح وتسترا
وتنسونني يوم الشريعة والقنا     بصفين في أكتافهم قد تكسرا


[ ص: 77 ] جزى ربه عني عدي بن حاتم     برفضي وخذلاني جزاء موفرا
أتنسى بلائي سادرا يا ابن حاتم     عشية ما أغنت عديك حزمرا
فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا     وكنت أنا الخصم الألد العذورا
تولوا وما قاموا مقامي كأنما     رأوني ليثا بالأباءة مخدرا
نصرتك إذ خان القريب وأبعط ال     بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا
فكان جزائي أن أجرر بينكم     سحيبا وأن أولى الهوان وأوسرا
وكم عدة لي منك أنك راجعي     فلم تغن بالميعاد عني حبترا
فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة     أهرهر إن راعي الشويهات هرهرا
كأني لم أركب جوادا لغارة     ولم أترك القرن الكمي مقطرا
ولم أعترض بالسيف منكم مغيرة     إذ النكس مشى القهقرى ثم جرجرا
ولم أستحث الركض في إثر عصبة     ميممة عليا سجاس وأبهرا
ولم أذعر الأبلام مني بغارة     كورد القطا ثم انحدرت مظفرا
ولم أر في خيل تطاعن مثلها     بقزوين أو شروين أو أغر كيدرا
فذلك دهر زال عني حميده     وأصبح لي معروفه قد تنكرا


[ ص: 78 ] فلا يبعدن قومي وإن كنت عاتبا     وكنت المضاع فيهم والمكفرا
ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم     وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا



وقد تقدم ما فعله عبد الله مع عدي في وقعة صفين ، فلهذا لم نذكره هاهنا .

فمات عبد الله بالجبلين قبل موت زياد ، ثم أتي زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر بن عدي ، فقال : ما اسمك ؟ قال : كريم بن عفيف :

قال : ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ عملك ورأيك ! فقال له : أما والله إن عهدك برأيي منذ قريب .

قال : وجمع زياد من أصحاب عدي اثني عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ ، وهم : عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة ، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان ، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة ، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد ، فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين ، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب ، ووثب بالمصر ، وأخرج عامل أمير المؤمنين ، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه ، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رءوس أصحابه على مثل رأيه وأمره .

ونظر زياد في شهادة الشهود وقال : إني لأحب أن يكونوا أكثر من أربعة ، فدعا الناس ليشهدوا عليه ، فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله ، والمنذر بن الزبير ، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن سعد بن أبي وقاص ، وغيرهم ، وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ ، فأما شريح بن هانئ فكان يقول : ما شهدت وقد لمته .

ثم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب ، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام ، فخرجوا عشية ، فلما بلغوا الغريين لحقهم [ ص: 79 ] شريح بن هانئ وأعطى وائلا كتابا وقال : أبلغه أمير المؤمنين ، فأخذه ، وساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق ، وكانوا : حجر بن عدي الكندي ، والأرقم بن عبد الله الكندي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، وصيفي بن فسيل الشيباني ، وقبيصة بن ضبيعة العبسي ، وكريم بن عفيف الخثعمي ، وعاصم بن عوف البجلي ، وورقاء بن سمعي البجلي ، وكدام بن حيان ، وعبد الرحمن بن حسان العنزيين ، ومحرز بن شهاب التميمي ، وعبد الله بن حوية السعدي التميمي ، فهؤلاء اثنا عشر رجلا ، وأتبعهم زياد برجلين ، هما : عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر ، وسعد بن نمران الهمداني ، فتموا أربعة عشر رجلا .

فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب ، فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه ، ودفع إليه وائل كتاب شريح بن هانئ ، فإذا فيه :

بلغني أن زيادا كتب شهادتي ، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه :

فقال معاوية : ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج عذراء . فوصل إليهم الرجلان اللذان ألحقهما زياد بحجر وأصحابه ، فلما وصلا سار عامر بن الأسود العجلي إلى معاوية ليعلمه بهما ، فقام إليه حجر بن عدي في قيوده فقال له : أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام ، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه وصالحنا ، وأنا لم نقتل أحدا من أهل القبلة فيحل له دماؤنا .

فدخل عامر على معاوية فأخبره بالرجلين ، فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهبه ابني عمه ، وهما : عاصم وورقاء ، وكان جرير بن عبد الله البجلي قد كتب فيهما يزكيهما ويشهد لهما بالبراءة مما شهد عليهما ، فأطلقهما معاوية ، وشفع وائل بن حجر في الأرقم [ ص: 80 ] فتركه له وشفع أبو الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فتركه ، وشفع حمرة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له ، ( وشفع حبيب بن مسلمة في ابن حوية فتركه له ) ، وقام مالك بن هبيرة السكوني فقال : دع لي ابن عمي حجرا . فقال له : هو رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصره فنحتاج أن نشخصك إليه بالعراق :

فقال : والله ما أنصفتني يا معاوية ! قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت ، وعلا كعبك ولم تخف الدوائر ، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني ! ثم انصرف فجلس في بيته .

فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي ، والحصين بن عبد الله الكلابي ، وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم ، فأتوهم عند المساء :

فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال : يقتل نصفنا ويترك نصفنا ، فتركوا ستة وقتلوا ثمانية ، وقالوا لهم قبل القتل : إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له ، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم :

فقالوا : لسنا فاعلي ذلك . فأمر فحفرت القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر وأصحابه يصلون عامة الليل :

فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر بن عدي : اتركوني أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت إلا صليت ، فتركوه ، فصلى ثم انصرف منها وقال : والله ما صليت صلاة قط أخف منها ، ولولا أن تظنوا في جزعا من الموت لاستكثرت منها :

ثم قال : اللهم إنا نستعديك على أمتنا ! فإن أهل الكوفة شهدوا علينا ، وإن أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها فإني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها ! ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف فارتعد ، فقالوا له : زعمت أنك لا تجزع من الموت ، فابرأ من صاحبك وندعك :

فقال : وما لي لا أجزع وأرى قبرا محفورا ، وكفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ! وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب . فقتلوه وقتلوا ستة .

فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم الخثعمي : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته :

فاستأذنوا معاوية فيهما ، فأذن [ ص: 81 ] بإحضارهما :

فلما دخلا عليه قال الخثعمي : الله الله يا معاوية ! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا ! فقال له : ما تقول في علي ؟ قال : أقول فيه قولك : قال : أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به ؟ فسكت ، وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة ( بن خثعم ) فاستوهبه ، فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة ، فاختار الموصل ، فكان يقول : لو مات معاوية قدمت الكوفة ، فمات قبل معاوية بشهر :

ثم قال لعبد الرحمن بن حسان : يا أخا ربيعة ما تقول في علي ؟ قال دعني ولا تسألني فهو خير لك :

قال : والله لا أدعك :

قال : أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالى كثيرا ، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس :

قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : هو أول من فتح أبواب الظلم ، وأغلق أبواب الحق :

قال : قتلت نفسك ! قال : بل إياك قتلت ، ولا ربيعة بالوادي ، يعني ليشفعوا فيه ، فرده معاوية إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة ، فدفنه حيا .

فكان الذين قتلوا : حجر بن عدي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، وصيفي بن فسيل الشيباني ، وقبيصة بن ضبيعة العبسي ، ومحرز بن شهاب السعدي التميمي ، وكدام بن حيان العنزي ، وعبد الرحمن بن حسان العنزي الذي دفنه زياد حيا ، فهؤلاء السبعة قتلوا ودفنوا وصلي عليهم .

قيل : ولما بلغ الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال : صلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة ؟ قالوا نعم .

قال حجوهم ورب الكعبة !

وأما مالك بن هبيرة السكوني فحين لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ليخلص حجرا وأصحابه ، فلقيته قتلتهم ، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلص حجرا ، فقال لهم : ما وراءكم ؟

قالوا : قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين :

فسكت وسار إلى عذراء ، فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم ، فأرسل الخيل في إثر قتلتهم فلم يدركوهم ، ودخلوا على معاوية فأخبروه ، فقال لهم : إنما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنها طفئت ، وعاد مالك إلى بيته ولم يأت معاوية ، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم وقال : ما منعني أن أشفعك إلا خوفا أن يعيدوا لنا حربا ، فيكون [ ص: 82 ] في ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر . فأخذها وطابت نفسه .

ولما بلغ خبر حجر عائشة أرسلت عبد الرحمن بن الحارث إلى معاوية فيه وفي أصحابه ، فقدم عليه وقد قتلهم ، فقال له عبد الرحمن : أين غاب عنك حلم أبي سفيان ؟ قال : حين غاب عني مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت .

وقالت عائشة : لولا أنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر ، أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا .

وقال الحسن البصري : أربع خصال كن في معاوية ، لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا ، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر ! ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر !

قيل : وكان الناس يقولون : أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي ، وقتل حجر ، ودعوة زياد ، وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حجرا ، وكانت تتشيع :



ترفع أيها القمر المنير     تبصر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب     ليقتله كما زعم الأمير
تجبرت الجبابر بعد حجر     وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولا     كأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بني عدي     تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديا     وشيخا في دمشق له زئير
فإن تهلك فكل زعيم قوم     من الدنيا إلى هلك يصير



[ ص: 83 ] وقد قيل في قتله غير ما تقدم : وهو أن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة ، فقال له حجر بن عدي : الصلاة . فمضى في خطبته .

فقال له : الصلاة :

فمضى في خطبته . فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى وقام إلى الصلاة وقام الناس معه :

فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس وكتب إلى معاوية وكثر عليه ، فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه . فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه ، فقال حجر : لا ولكن سمعا وطاعة :

فشد في الحديد وحمل إلى معاوية :

فلما دخل عليه قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ! فقال معاوية : أأمير المؤمنين أنا ؟ والله لا أقيلك ولا أستقيلك ! أخرجوه فاضربوا عنقه ! فقال حجر للذين يلون أمره : دعوني حتى أصلي ركعتين :

فقالوا : صل ، فصلى ركعتين خفف فيهما ، ثم قال : لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتها ، وقال لمن حضره من قومه : لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما ، فإني لاق معاوية غدا على الجادة ، وضربت عنقه :

قال : فلقيت عائشة معاوية فقالت له : أين كان حلمك عن حجر ؟ فقال : لم يحضرني رشيد :

قال ابن سيرين : بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول : يومي منك يا حجر طويل !


ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين

وفي هذه السنة توفي زياد بن أبيه ( بالكوفة في شهر رمضان ) .

وكان سبب موته أنه كتب إلى معاوية : إني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة فاشغلها بالحجاز . فكتب له عهده على الحجاز ، فبلغ أهل الحجاز فأتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك ، فقال : أدعو الله عليه ثم استقبل [ ص: 88 ] القبلة ودعا ودعوا معه ، ( وكان من دعائه أن قال : اللهم اكفنا شر زياد ) . فخرجت طاعونة على أصبع يمينه فمات منها . فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضي فقال له : قد حدث ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر علي : فقال له شريح : إني أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم وقد قطعت يدك كراهية لقائه ، أو أن يكون في الأجل تأخير فتعيش أجذم وتعير ولدك : فقال : لا أبيت والطاعون في لحاف واحد ، فخرج شريح من عنده ، فسأله الناس ، فأخبرهم ، فلاموه وقالوا : هلا أشرت بقطعها ؟ فقال : المستشار مؤتمن .

وأراد زياد قطعها ، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه ، وقيل : بل تركه لما أشار عليه شريح بتركه ، ولما حضرته الوفاة قال له ابنه : قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها . فقال له : يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من لباسه هذا أو سلب سريع ! فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة .

فلما بلغ موته ابن عمر قال : اذهب ابن سمية ، لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك .

ثم دخلت سنة أربع وخمسين

ذكر عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان

وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان .

[ ص: 92 ] وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافية ويقبض منه فدك ، وكان وهبها له ، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك ، فأعاد معاوية الكتاب بذلك ، فلم يفعل سعيد ووضع الكتابين عنده ، فعزله معاوية ، وولى مروان وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره ، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها ، فقال له سعيد : يا أبا عبد الملك أتهدم داري ؟ قال : نعم ، كتب إلي أمير المؤمنين ، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت :

فقال : ما كنت لأفعل :

قال : بلى والله :

قال : كلا :

وقال لغلامه : ائتني بكتاب معاوية ، فجاءه بالكتابين ، فلما رآهما مروان قال : كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني ؟ فقال سعيد : ما كنت لأمن عليك ، وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا :

فقال مروان : أنت والله خير مني . وعاد ولم يهدم دار سعيد ، وكتب سعيد إلى معاوية : العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا ! إنه يضغن بعضنا على بعض ، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين ، وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء ، وتوارث الأولاد ذلك ، فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم ، واجتماع كلمتنا ، لكان حقا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك .

فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده .

وقدم سعيد على معاوية فسأله عن مروان فأثنى عليه خيرا ، فقال له معاوية : ما باعد بينه وبينك ؟ قال : خافني على شرفه وخفته على شرفي :

قال : فماذا له عندك ؟ قال : أسره شاهدا وغائبا .


****


ثم دخلت سنة ست وخمسين

فيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم ، وقيل : عبد الرحمن بن مسعود .

وقيل : غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة ، وفي البر عياض بن الحارث : واعتمر معاوية فيها في رجب ، وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان .

ذكر البيعة ليزيد بولاية العهد

وفي هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية بولاية عهد أبيه .

وكان ابتداء ذلك وأوله من المغيرة بن شعبة ، فإن معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة ويستعمل عوضه سعيد بن العاص ، فبلغه ذلك فقال : الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية :

فسار إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه : إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدا :

ومضى حتى دخل على يزيد وقال [ ص: 98 ] له : إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وكبراء قريش وذوو أسنانهم ، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم ( بالسنة ) والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة :

قال : أوترى ذلك يتم ؟ قال نعم .

فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة ، فأحضر المغيرة وقال له ما يقول يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف ، فاعقد له ، فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك ، ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة :

قال : ومن لي بهذا ؟

قيل : أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك :

قال : فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى :

فودعه ورجع إلى أصحابه :

فقالوا : مه ؟ قال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا ، وتمثل :



بمثلي شاهدي النجوى وغالي بي الأعداء والخصم الغضابا
وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية أمر يزيد ، فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ، ويقال أكثر من عشرة ، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة ، وقدموا على معاوية فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها :

فقال معاوية : لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم . ثم قال لموسى : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بثلاثين ألفا :

قال : لقد هان عليهم دينهم .

وقيل : أرسل أربعين رجلا وجعل عليهم ابنه عروة ، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا : إنما أشخصهم إليه النظر لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : يا أمير المؤمنين كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل ، فانصب لنا علما وحد لنا حدا ننتهي إليه :

فقال : أشيروا علي :

فقالوا : نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين . فقال : أوقد رضيتموه ؟ قالوا : نعم :

قال : وذلك رأيكم ؟

قالوا نعم ، ورأي من وراءنا :

فقال معاوية لعروة سرا عنهم : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بأربعمائة دينار :

قال : لقد وجد دينهم عندهم رخيصا :

وقال لهم : ننظر ما قدمتم له ، ويقضي الله ما أراد ، والأناة خير من العجلة . فرجعوا .

[ ص: 99 ] وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد ، فأرسل إلى زياد يستشيره ، فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقيل له : إن لكل مستشير ثقة ، ولكل سر مستودعا ، وإن الناس قد أبدع بهم خصلتان : إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضع السر إلا أحد رجلين : رجل آخرة يرجو ثوابها ، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه ، وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف ، إن أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا ، وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعتهم ، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد ، ( فالق أمير المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له رويدك بالأمر ، فأحرى أن يتم لك [ ما تريد ] ، لا تعجل فإن دركا في تأخير خير من فوت في عجلة ) .

فقال له عبيد : أفلا غير هذا ؟ قال : وما هو ؟ قال : لا تفسد على معاوية رأيه ، ولا تبغض إليه ابنه وألقى أنا يزيد فأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له ، وأنك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه ، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجة على الناس ويتم ما تريد ، فتكون قد نصحت أمير المؤمنين وسلمت مما تخاف من أمر الأمة فقال زياد : لقد رميت الأمر بحجره ، اشخص على بركة الله ، فإن أصبت فما لا ينكر ، وإن يكن خطأ فغير مستغش ، وتقول بما ترى ، ويقضي الله بغيب ما يعلم .

فقدم على يزيد فذكر ذلك له ، فكف عن كثير مما كان يصنع ، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتؤدة وأن لا يعجل ، فقبل منه .

فلما مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد ، فأرسل إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم ، فقبلها ، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر : هذا أراد أن ديني عندي إذن لرخيص . وامتنع .

ثم كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن الحكم : إني قد كبرت سني ، ودق عظمي ، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي ، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي ، وكرهت أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك ، فاعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي [ ص: 100 ] يردون عليك :

فقام مروان في الناس فأخبرهم به ، فقال الناس : أصاب ووفق ، وقد أحببنا أن يتخير لنا فلا يألو .

فكتب مروان إلى معاوية بذلك ، فأعاد إليه الجواب يذكر يزيد ، فقام مروان فيهم وقال : إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل ، وقد استخلف ابنه يزيد بعده .

فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال : كذبت والله يا مروان وكذب معاوية ! ما الخيار أردتما لأمة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل :

فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما الآية .

فسمعت عائشة مقالته فقامت من وراء الحجاب وقالت : يا مروان يا مروان !

فأنصت مروان وأقبل مروان بوجهه :

فقالت : أنت القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن ؟ كذبت ! والله ما هو به ولكنه فلان بن فلان ، ولكنك أنت فضض من لعنة نبي الله .

وقام الحسين بن علي فأنكر ذلك ، وفعل مثله ابن عمر وابن الزبير ، فكتب مروان بذلك إلى معاوية ، وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار ، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة ، والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة ، فقال محمد بن عمرو لمعاوية : إن كل راع مسئول عن رعيته ، فانظر من تولي أمر أمة محمد :

فأخذ معاوية بهر حتى جعل يتنفس في يوم شات ثم وصله وصرفه ، وأمر الأحنف أن يدخل على يزيد ، فدخل عليه ، فلما خرج من عنده قال له : كيف رأيت ابن أخيك ؟ قيل : رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا .

ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري ، لما اجتمع الوفود عنده : إني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها :

فلما جلس معاوية للناس تكلم ، فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها وما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر :

[ ص: 101 ] ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة وعرض ببيعته ، فعارضه الضحاك فحمد الله وأثنى عليه ثم قيل : يا أمير المؤمنين إنه لا بد للناس من وال بعدك ، وقد بلونا الجماعة والألفة ، فوجدناهما أحقن للدماء ، وأصلح للدهماء ، وآمن للسبل ، وخيرا في العاقبة ، والأيام عوج رواجع ، والله كل يوم في شأن ، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت ، وهو من أفضلنا علما وحلما ، وأبعدنا رأيا ، فوله عهدك واجعله لنا علما بعدك ومفزعا نلجأ إليه ونسكن في ظله .

وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك :

ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال : هذا أمير المؤمنين ، وأشار إلى معاوية ، فإن هلك فهذا ، وأشار إلى يزيد ، ومن أبى فهذا ، وأشار إلى سيفه :

فقال معاوية : اجلس فأنت سيد الخطباء . وتكلم من حضر من الوفود .

فقال معاوية للأحنف : ما تقول يا أبا بحر ؟ فقال : نخافكم إن صدقنا ، ونخاف الله إن كذبنا ، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضى فلا تشاور [ الناس ] فيه ، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده وأنت صائر إلى الآخرة ، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا . وقام رجل من أهل الشام فقال : ما ندري ما تقول هذه المعدية العراقية وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف .

فتفرق الناس يحكون قول الأحنف ، وكان معاوية يعطي المقارب ويداري المباعد ويلطف به حتى استوثق له أكثر الناس وبايعه . فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز في ألف فارس ، لما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي أول الناس ، فلما نظر إليه قال : لا مرحبا ولا أهلا ! بدنة يترقرق دمها والله مهريقه ! قال : مهلا فإني والله لست بأهل لهذه المقالة ! قال : بلى ولشر منها :

ولقيه ابن الزبير فقال : لا مرحبا ولا أهلا خب ضب تلعة ، يدخل رأسه ويضرب بذنبه ، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ، ويدق ظهره ، نحياه عني ، فضرب وجه راحلته :

ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال له معاوية : لا [ ص: 102 ] أهلا ولا مرحبا ! شيخ قد خرف وذهب عقله ، ثم أمر فضرب وجه راحلته :

ثم فعل بابن عمر نحو ذلك ، فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتى دخل المدينة ، فحضروا بابه ، فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما يحبون ، فخرجوا إلى مكة فأقاموا بها ، وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه وقال : من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه ؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى تصيبهم بوائق تجتث أصولهم ، وقد أنذرت إن أغنت النذر ، ثم أنشد متمثلا :



قد كنت حذرتك آل المصطلق     وقلت يا عمرو أطعني وانطلق
إنك إن كلفتني ما لم أطق     ساءك ما سرك مني من خلق



دونك ما استسقيته فاحس وذق

ثم دخل على عائشة ، وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه ، فقال : لأقتلنهم إن لم يبايعوا ، فشكاهم إليها ، فوعظته وقالت له : بلغني أنك تتهدهم بالقتل ، فقال : يا أم المؤمنين هم أعز من ذلك ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم ، أفترين أن أنقض بيعة قد تمت ؟ قالت : فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله :

قال : أفعل .

وكان في قولها له : ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخي ما فعلت ؟ تعني أخاها محمدا .

فقال لها : كلا يا أم المؤمنين ، إني في بيت أمن . قالت : أجل .

ومكث بالمدينة ما شاء الله ثم خرج إلى مكة فلقيه الناس ، فقال أولئك النفر : نتلقاه فلعله قد ندم على ما كان منه ، فلقوه ببطن مر ، فكان أول من لقيه الحسين ، فقال له معاوية : مرحبا وأهلا يا ابن رسول الله وسيد شباب المسلمين ، فأمر له بدابة فركب وسايره ، ثم فعل بالباقين مثل ذلك وأقبل يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة ، فكانوا أول داخل وآخر خارج ، ولا يمضي يوم إلا ولهم صلة ولا يذكر لهم شيئا ، حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره فقال بعض أولئك النفر لبعض : لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبكم وما صنعه إلا لما يريد :

فأعدوا له جوابا فاتفقوا على أن يكون المخاطب له ابن الزبير .

فأحضرهم معاوية وقال : قد علمتم سيرتي وصلتي لأرحامكم وحملي ما [ ص: 103 ] كان منكم ، ويزيد أخوكم وابن عمكم وأردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه لا يعارضكم في شيء من ذلك .

فسكتوا . فقال : ألا تجيبون ؟ مرتين .

ثم أقبل على ابن الزبير ، فقال : هات لعمرك إنك خطيبهم . فقال : نعم ، نخيرك بين ثلاث خصال :

قال : اعرضهن :

قال : تصنع كما صنع رسول - صلى الله عليه وسلم - أو كما صنع أبو بكر أو كما صنع عمر :

قال معاوية : ما صنعوا ؟ قال : قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يستخلف أحدا فارتضى الناس أبا بكر :

قال : ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف :

قالوا : صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه ، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر ، جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه :

قال معاوية : هل عندك غير هذا ؟ قال : لا .

ثم قال : فأنتم ؟ قالوا : قولنا قوله .

قال : فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم ، إنه قد أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رءوس الناس فأحمل ذلك وأصفح ، وإني قائم بمقالة ، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلا على نفسه .

ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف ، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما .

ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبت أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله ! فبايع الناس ، وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر ، ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة ، فلقي الناس أولئك النفر فقالوا لهم : زعمتم أنكم لا تبايعون فلم ؟ أرضيتم وأعطيتم وبايعتم ؟ قالوا : والله ما فعلنا :

فقالوا : ما منعكم أن تردوا على الرجل ؟ قالوا : كادنا وخفنا القتل .

وبايعه أهل المدينة ، ثم انصرف إلى الشام وجفا بني هاشم ، فأتاه ابن عباس فقال

[ ص: 104 ] له : ما بالك جفوتنا ؟ قال : إن صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه فقال : يا معاوية إني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به ثم أنطلق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك :

قال : يا أبا العباس تعطون وترضون وترادون .

وقيل : إن ابن عمر قال لمعاوية : أبايعك على أني أدخل فيما تجتمع عليه الأمة ، فوالله لو اجتمعت على حبشي لدخلت معها ثم عاد إلى منزله فأغلق بابه ولم يأذن لأحد .


****