الأحد، 23 أكتوبر، 2011

23 ديسمبر وأشياء نسيناها !

اليوم 23 ديسمبر .أعرف هذا اليوم جيدا وأتذكره جيدا ولكن لا يمكن أن يكون هو. مؤكد هناك شىء خطأ. فقد قرأت جرائد الصباح ولم أجد أى إشارة إلى ذلك اليوم. وتابعت وسائل الإعلام المصرية والعربية ولم أجد أى إشارة إليه ولو من بعيد.

مؤكد أن الذاكرة خانتنى أو أن اليوم هو اليوم ولكن الوطن لم يعد هو الوطن.

وعدت إلى أوراقى وشعرت بغصة كبيرة ومرارة فشلت كل وسائلى فى محوها.

شعرت بالغضب والغربة فى وطن ينسى يوم 23 ديسمبر ذكرى عيد النصر ويوم 18 يونيو ذكرى عيد الجلاء .

واسمحوا لى أن أتذكر فى رحابكم القصة ربما تتفهمون أسباب غضبى وتدركون أسباب غربتى.

فهذا اليوم كتبه الرجال بدمائهم فى تاريخنا.

هذا اليوم حفره الشهداء بأرواحهم على صفحات التاريخ ..تاريخنا.
عيشوه معى من البداية لتدركوا ما أعانيه.
الزمان: 26 يوليو عام 1956.

المكان: ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية.

الحدث: الرئيس المصرى جمال عبد الناصر يعلن تأميم شركة قناة السويس البحرية لتسترد مصر قناتها وتستفيد من دخلها فى بناء السد العالى.

وكرد على رفض أمريكا تمويل مشروع السد رغم معرفتها بمدى أهميته لمصر وإجبارها للبنك الدولى على رفض تمويل المشروع وقد احتوى الرد الأمريكى على بعض العبارات التى اعتبرها جمال عبد الناصر محاولة لإهانة مشاعر العزة والكرامة القومية لمصر وانه يجب أن يكون هناك رد قوى يستعيد لمصر هيبتها ويحافظ على عزتها وكرامتها فكان قراره بتأميم قناة السويس ( لا تندهشوا فقد كان لنا كرامة وعزة قومية نفتديها بالدم ).
وتتآمر انجلترا وفرنسا وإسرائيل ويتفقون على مهاجمة مصر لتعيد انجلترا احتلالها لمصر وتستعيد فرنسا سيطرتها على قناة السويس وتستولى إسرائيل على سيناء كخطوة جديدة على طريق إنشاء إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
ويبدأ العدوان الإسرائيلى على سيناء يوم 29 أكتوبر عام 1956.

ويبدأ القصف الجوى من طائرات فرنسا وانجلترا على مصر يوم 30 أكتوبر وبدأ الإنزال الجوى للقوات الإنجليزية والفرنسية على مدينة بور سعيد المصرية يوم 5 نوفمبر 1956.
ومن على منبر الجامع الأزهر بالقاهرة يعلن الزعيم جمال عبد الناصر انه إذا كان قد فرض علينا القتال فلن يفرض علينا الاستسلام. سنقاتل .. سنقاتل .. سنقاتل.

وتهب مصر كلها لتجاوب نداء ابنها.

وتشتعل مدينة بورسعيد بعدما أضاء أبنائها أنفسهم شموعا تحترق لتنير لوطنهم الطريق إلى الحرية والكرامة والشرف.

كانوا يقاتلون والشعب كله يصرخ :
الله أكبر
يا هذه الدنيا أطلى واسمعي
جيش الأعادى جاء يبغى مصرعى
بالحق سوف أصده وبمدفعى
فإذا فنيت فسوف أفنيه معى
وتقوم طائرات الدول المعتدية بتدمير مقر الإذاعة المصرية للقضاء على صوت العرب وبعد اقل من عشر دقائق وبدون أى تخطيط مسبق تعلن إذاعة بيروت هنا صوت العرب من بيروت وتعلن إذاعة عمان هنا صوت العرب من عمان.
ويقوم أبطال سوريا بتدمير خط نقل البترول إلى أوروبا ويشتعل العالم العربى كله بالغضب.

ويختلط الدم المصرى بالدم السورى عندما يستشهد البطل الملازم السورى جول جمال مع زملاؤه المصريين بقيادة البطل جلال الدسوقى وهم يتصدون للبحرية الفرنسية والإنجليزية بلنشاتهم أمام سواحل بورسعيد.
ويعلن العمال العرب فى كل الموانئ العربية الإضراب وعدم التعامل مع سفن الدول المعتدية.
وينطلق الأحرار فى العالم كله ليتظاهروا تأييدا لمصر فى قتالها ضد المستعمر.

وتصدر حكومة الاتحاد السوفيتى إنذارها الشهير بتدمير لندن وباريس إذا لم تنسحب القوات المعتدية.
ويفشل العدوان وتجبر الدول الثلاثة على الانسحاب بعدما انتصرت إرادة مصر وتنسحب جيوش الدول المعتدية تجر أذيال الخيبة والعار.

وتتخذ مصر يوم 23 ديسمبر عيدا للنصر الذى دفع الرجال ثمنه بدمائهم وأرواحهم ومن الواضح أننا تناسينا كل ذلك.

ترى

هل أصبحنا نخجل من ذكرى انتصارنا ؟؟؟

هل توجد أمة غيرنا تخجل من انتصاراتها ؟؟؟

هل تناسى الإعلام المصرى عمدا ذكرى عيد النصر حفاظا على مشاعر انجلترا وفرنسا وإسرائيل ؟؟ أم تناسها عمدا حتى لا تدرك الشعوب العربية أن فى تاريخها انتصارات تستحق أن تحتفل بها ؟؟؟
تحية إلى الرجال أينما كانوا

واسمحوا لى أن أحيى بعضهم
البطل محمد مهران : والذى اشترك فى العديد من العمليات الفدائية فى بور سعيد وأسره الإنجليز ونقلوه إلى قبرص وخيروه أن يوجه رسالة إلى المصريين عبر الإذاعة يسب فيها جمال عبد الناصر ويطالب المصريين بالاستسلام أو يفقدونه بصره.ورفض البطل وفضل أن يعود إلى مصر فاقد البصر وكانت عملية من اكبر الدلائل على خسة ونذالة الاستعمار وتخليه عن أى مشاعر إنسانية.
البطل سيد عسران: قام بالعديد من العمليات الفدائية واشهرها قتله لضابط المخابرات الإنجليزى جيمس ماكدونالد وليامز والذى ذاق المصريين العذاب على يديه.
البطل محمد حمد الله : اشترك فى العديد من العمليات الفدائية وكان أشهرها اختطافه للضابط الإنجليزى مورهاوس والذى أحدث ضجة عالمية حيث أنه كان يمت بصلة القرابة لملكة انجلترا.
إنهم نماذج من الرجال الذين نسيناهم ضمن أشياء كثيرة نسيناها.

ترى هل هناك من يتذكر أن الشعوب لها كرامة ومشاعر عزة قومية يجب الحفاظ عليها ولو افتديناها بالأرواح كما فعل الرجال أم هى أيضا أشياء قابلة للنسيان ؟؟؟؟
فى هذه اللحظة أستمع إلى نشيد دع سمائى الذى شدت به الفنانة فايدة كامل من كلمات الأستاذ كمال عبد الحليم وتلحين الفنان على إسماعيل:
دع سمائى فسمائى محرقة
دع قنالى فمياهى مغرقة
واحذر الأرض فأرضى صاعقة
هذه أرضى أنا
وأبى ضحى هنا
وأبى قال لنا
مزقوا أعداءنا

دع سمائى فسمائى محرقة
دع قنالى فمياهى مغرقة
واحذر الأرض فأرضى صاعقة
أنا شعب وفدائى وثورة
ودم يصنع للإنسان فجره
ترتوى أرضى به من كل قطرة
وستبقى مصر حرة
دع سمائى فسمائى محرقة
دع قنالى فمياهى مغرقة
واحذر الأرض فأرضى صاعقة
أنا عملاق قواه كل ثائر
فى فلسطين وفى أرض الجزائر
والملايو وشعوب كالبشائر
تنبت الأزهار من بين المجازر
دع سمائى فسمائى محرقة
دع قنالى فمياهى مغرقة
واحذر الأرض فأرضى صاعقة


عدت مع ذلك النشيد إلى أيام عزيزة فى تاريخنا.

عشت فى رحابه ذكرى النصر الذى كتبه الرجال بأرواحهم ودمائهم.

ربما تدرك الأجيال الجديدة قيمة الأغنية الوطنية فقد كانت هى أقوى ما يحفز الشعب على مواجهة العدوان.

عندما كان الفن واحدا من أقوى أسلحة مصر لمواجهة العدو. كانت كلمات الأغانى طلقات رصاص فى صدر العدو. كان الشعب يرددها بإصرار وعناد يعبر عما فعلته الأغنية به. كانت الأغانى من أقوى ما يعبر عن الإحساس بالانتماء للوطن. كانت تنقل الإنسان إلى جو الحرب والتحفز الذى تقتضيه مواجهة العدو. كنا نشعر ونحن نسمعها أن كل شىء فى مصر يشارك فى القتال حتى الهواء المصرى والأرض المصرية والشمس المصرية . كل ذلك كان يتحول إلى جنود مصريين يشاركون فى القتال. كانت السماء تقاتل.وكانت الأرض تقاتل. وكانت القناة تقاتل.

كانت الأغنية الوطنية تحول مصر كلها بكل من وما عليها إلى مقاتل شرس يقف متحفزا ليفتدى وطنه بروحه. كانت للفن رسالة نسيناها ضمن أشياء كثيرة نسيناها.
نشيد والله زمان يا سلاحى .. كتب هذا النشيد الشاعر الراحل صلاح جاهين لتغنيه كوكب الشرق سيدة الغناء العربي أم كلثوم وذلك عام 1956 ثم اتخذ هذا النشيد كنشيد وطنى لمصر فى الفترة ما بين عام 1960 حتى عام 1979 ويذكر أن هذا النشيد أيضا كان نشيدا وطنيا للعراق فى الفترة مابين عام 1965 حتى عام 1981.
و الله زمان يا سلاحي
اشتقت لك فى كفاحى
انطق و قول أنا صاحى
يا حــرب و الله زمان
و الله زمان ع الجنود
زاحفة بترعد رعود
حالفة تروح لم تعود
إلا بنصر الزمان
هموا وضموا الصفوف
شيلوا الحياة على الكفوف
ياما العدو راح يشوف
منكم فى نار الميدان
يا مجدنا يا مجدنا
يا اللى اتبنيت عندنا
بشقانا و كدنـــا
عمرك ما تبقى هوان
الشعب بيزحف زى النور
الشعب جبال الشعب بحور
بركان غضب بركان بيفور
زلزال بيشق لهم فى قبور
اسمحوا لى اليوم أن نعيش فى رحاب أحد أسلحة مصر فى مواجهة العدوان الثلاثى عام 1956 وهو نشيد الله أكبر. فتحت قصف الطائرات الإنجليزية والفرنسية. وتحت قصف البوارج والمدمرات الإنجليزية والفرنسية. وقف أبناء مصر جميعا يصرخون بهذه الكلمات التى كانت تجسد روح مصر :
الله أكبر ..الله أكبر
الله أكبر فوق كيد المعتدي
والله للمظلوم خير مؤيد
أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي
بلدي ونور الحق يسطع في يدي
قولوا معي قولوا معي
الله الله الله أكبر
الله فوق المعتدي
يا هذه الدنيا أطلى واسمعى
جيش الأعادى جاء يبغى مصرعى
بالحق سوف أصده وبمدفعى
فإذا فنيت فسوف أفنيه معى
قولوا معى ..قولوا معى
الله الله الله أكبر
الله فوق المعتدى
قولوا معى الويل للمستعمر
والله فوق الغادر المتكبر
الله أكبر يا بلادى كبرى
وخذى بناصية المغير ودمرى
قولوا معى ..قولوا معى
الله ..الله اكبر
الله فوق المعتدى
هكذا صمد أبناء مصر فى مواجهة دول العدوان. وأصبح ذلك النشيد هو النشيد القومى لمصر يبدأ به التلاميذ فى كل أنحاء مصر يومهم المدرسى.

كان صراخ التلاميذ به فى كل أرجاء مصر فى صباح كل يوم رسالة إلى العالم أجمع أن شعب مصر يضحى بحياته فداءا لوطنه. كان ذلك النشيد يرسخ الإحساس بالولاء والانتماء للوطن فى قلوب أبناء مصر وهم يصرخون فى مواجهة أعدائها
:

فإذا فنيت فسوف أفنيه معى.

من يستطيع أن يواجه شعب هذه روحه.

وأدرك الغرب الرسالة وفعلوا كل ما يستطيعون لقتل هذه الروح التى يدركون جيدا أنه بوجودها لا مكان لهم بالعالم العربى .
إحياء تلك الروح هو الأمل الوحيد لهذه الأمة.

جمال النجار
مواطن عربى لا يريد أن ينسى


****

رسالة جندي في جبهة السويس
نزار قباني
الرسالة الأولى 29/10/1956
يا والدي!
هذي الحروفُ الثائرة
تأتي إليكَ من السويسْ
تأتي إليكَ من السويسِ الصابرة
إني أراها يا أبي، من خندقي، سفنُ اللصوصْ
محشودةٌ عندَ المضيقْ
هل عادَ قطّاعُ الطريقْ؟
يتسلّقونَ جدارنا..
ويهدّدون بقاءنا..
فبلادُ آبائي حريقْ
إني أراهم، يا أبي، زرقَ العيونْ
سودَ الضمائرِ، يا أبي، زُرقَ العيونْ
قرصانهم، عينٌ من البللورِ، جامدةُ الجفونْ
والجندُ في سطحِ السفينةِ.. يشتمونَ.. ويسكرونْ
فرغتْ براميلُ النبيذِ.. ولا يزالُ الساقطونْ..
يتوعّدونْ
الرسالة الثانية 30/10/1956
هذي الرسالةُ، يا أبي، من بورسعيدْ
أمرٌ جديدْ..
لكتيبتي الأولى ببدءِ المعركة
هبطَ المظليّونَ خلفَ خطوطنا..
أمرٌ جديدْ..
هبطوا كأرتالِ الجرادِ.. كسربِ غربانٍ مُبيدْ
النصفُ بعدَ الواحدةْ..
وعليَّ أن أُنهي الرسالةْ
أنا ذاهبٌ لمهمّتي
لأرُدَّ قطّاعَ الطريقِ.. وسارقي حرّيتي
لكَ.. للجميعِ تحيّتي.
الرسالة الثالثة 31/10/1956
الآنَ أفنَينا فلولَ الهابطينْ
أبتاهُ، لو شاهدتَهم يتساقطونْ
كثمارِ مشمشةٍ عجوزْ
يتساقطونْ..
يتأرجحونْ
تحتَ المظلاتِ الطعينةِ
مثلَ مشنوقٍ تدلّى في سكونْ
وبنادقُ الشعبِ العظيمِ.. تصيدُهم
زُرقَ العيونْ
لم يبقَ فلاحٌ على محراثهِ.. إلا وجاءْ
لم يبقَ طفلٌ، يا أبي، إلا وجاءْ
لم تبقَ سكّينٌ.. ولا فأسٌ..
ولا حجرٌ على كتفِ الطريقْ..
إلا وجاءْ
ليرُدَّ قطّاعَ الطريقْ
ليخُطَّ حرفاً واحداً..
حرفاً بمعركةِ البقاءْ
الرسالة الرابعة 1/11/1956
ماتَ الجرادْ
أبتاهُ، ماتتْ كلُّ أسرابِ الجرادْ
لم تبقَ سيّدةٌ، ولا طفلٌ، ولا شيخٌ قعيدْ
في الريفِ، في المدنِ الكبيرةِ، في الصعيدْ
إلا وشاركَ، يا أبي
في حرقِ أسرابِ الجرادْ
في سحقهِ.. في ذبحهِ حتّى الوريدْ
هذي الرسالةُ، يا أبي، من بورسعيدْ
من حيثُ تمتزجُ البطولةُ بالجراحِ وبالحديدْ
من مصنعِ الأبطالِ، أكتبُ يا أبي
من بورسعيدْ..