الأحد، 23 أكتوبر، 2011

مقالات فى حب الحجاز .. متى يعود اسم الحجاز ؟

الحجاز المخيف والمخيفة

منذ أن صدرنا ونحن نواجه بانتقادات لاذعة لا تصيب محتوى المجلة بالضرورة، ولكنها تصبّ في اتجاهات مختلفة.

انتقدنا كثيرون لأن اسم المجلة لم يعجبهم، فكلمة (الحجاز) تؤذي بعض الآذان المناطقية والطائفية الصمّاء.. لا تؤذيها كلمة (الرياض) و (اليمامة) مثلاً وهما جريدة يومية ومجلة أسبوعية، ولا تشعر آذانهم بغير السعادة البالغة من إطلاق اسم (نجد) على إحدى مجلاتهم. أنى اتجهت ـ حتى في الديار الحجازية المقدسة ـ ستجد اسم نجد يتكرر بالأضواء واللافتات العريضة: فندق نجد، ومطعم نجد، وشوارع عديدة في كبرى المدن الحجازية سميت بأسماء القرى النجدية، وشخصيات نجد الدينية والسياسية. كل هذا مقبول، أما اسم الحجاز فهو مزعج لإحساس المناطقيين القابضين على السلطة، والذين اخترعوا اسماً جديداً للحجاز: المنطقة الغربية، حتى ننسى اسم بلادنا وجغرافيتها لصالح الأسمى والأعلى (نجد)!

(الحجاز) مزعجة لا شك، لأنها تذكّرهم بدولة الحجاز التي اختطفوها وجعلوا أهلها أذلّة ومواطني درجة ثانية.

و(الحجاز) مزعجة لأنها تنطوي على محاولة للفكاك من الاستعباد المناطقي والطائفي الذي يتخفّى وراء مزاعم وحدوية وفرية (العقيدة الصحيحة).

و(الحجاز) مزعجة لأنها تدعو إلى الصلاح والإصلاح والمساواة والحرية، وهم يرون في هذه المفردات نهايتهم أو نهاية لاستبدادهم واحتكارهم للسلطة السياسية والاقتصادية والدينية والعسكرية.

هم لا يريدون أن يتذكروا بأن هناك تاريخاً حجازياً مستقلاً عنهم. وشخصيات حجازية غير شخصياتهم، ورموزاً دينية استعصت على القتل، وتراثاً متنوعاً ومتميزاً ضارباً في عرض التاريخ يختلف عمّا يدرسوننا إياه ويربون أجيالنا عليه.

و(الحجاز) مزعجة، لأنها تعيد إلى أذهان الطغاة والمستبدين منهم، أن دولة ابتلعت بين ليلة وضحاها لا تزال تسبب مغصاً شديداً لا تستطيع المعدة المناطقية الطائفية أن تهضمه بآليات القرون الوسطى.

حين يقرؤون (الحجاز)، فإنما يقرؤون فشلهم في بناء دولة حديثة. لا تعنيهم التحليلات العميقة التي تحتويها شيئاً بحيث تردهم عن طغيانهم ويستفيدون من الأفكار التي تحتويها في إصلاح شأنهم.

هم لا يقرؤون إلاّ أنها مجلة لا تعبّر عن رأيهم، رأي الأقلية المهيمن على مقدرات شعب يختلف معظمه عنهم طباعاً وفكراً ومنهجاً وطموحاً وإرادة.

هم لا يريدون الإصلاح، وبذا تكون (الحجاز) خطيرة، لأنها تفتح الملف التالي الناجم عن فشلهم، وهو أن دولتهم هم لا يمكن أن تستمر إلى الأبد بدون إعادة هيكلتها.

وفشلهم هذا يجعل الطريق إلى تفكيك ملكهم العضوض أمراً حتمياً.

هم لا يقبلون بأنصاف حلول.. لا يقبلون بالمواطنة والمساواة وحرية التعدد والإختيار. إنهم لا يؤمنون إلا بالفرض، وإلا بالأثرة، وإلاّ بالتمايز عن الآخر، وإلاّ باعتبار الدولة ملكاً خصهم الله به، وإلا بالنظر إلى بقية الشعب كأجير يخدم استبدادهم ويذلّ رأسهم له.

(الحجاز) تقول لهم .. لا!

ليس هذا طريق الوحدة، وليس هذا طريق المحافظة على الدولة الموحدة، وليس هذا ما يمنع الانهيار والتقسيم.

(الحجاز) تقول لهم.. إن لم يستطع الضحايا أن يغيّروا المعادلة كلّها، فهم قادرون على قلب الطاولة على رؤوس الجميع. وأن الزمن الذي تغير والذي لا يريد الاعتراف به دعاة الطائفية والمناطقية والهيمنة، لن يجعل منا أن نتخلّى عن هويتنا الحجازية لصالح أي هويّة أخرى غير هويّة وطنيّة نتساوى فيها مع الآخرين. وإذا لم يقبلوا بالهوية الوطنية واستحقاقاتها، فلن يجدوا منّا إلاّ دفاعاً عن هويتنا الحجازيّة نتمترس بها دفاعاً عن أنفسنا وأهلينا ومصالحنا ومستقبل أجيالنا.

بها نتحصّن من جور المستبدين، وبها نواجه المناطقيين، وبها نرفض هوية الطائفيين وإن كانوا في مرحلة سابقة منتصرين.

مجلة الحجاز تثير شجونهم وألمهم، وهي تثير شجون الكثير من الضحايا أيضاً. إن لم يجدوا فيها إلاّ لحناً إنفصالياً فهذا قدرهم، وما جنته أيديهم.. وإن وجدوا فيها توقاً للمساواة الوطنية فهذا يشكل بداية لصلاحهم وصلاح مجتمعهم الذي نحن منه.


****
«وصمة» الأراضي الحجازية

الأربعاء, 24 نوفمبر 2010
عبد الرحمن الخطيب *

أخي القارئ! صدق أو لا تصدق، هذا عنوان مقال كتبته جهير المساعد في صحيفة «عكاظ» يوم 22/11/2010، تقول فيه: «هل من المعقول ألا يعرف بعض الصحافيين العرب أن عبارة «الأراضي الحجازية» ليست عبارة صحيحة ولا تصلح للاستعمال في الوقت الحاضر؟! وترديدها دليل جهل إعلامي مخجل لا ينبغي الوقوع فيه! لقد أثار انتباهي المنشور في بعض الصحف العربية عن عودة الحجاج الكرام، حيث يرد ذكر عبارة «عاد إلى أرض الوطن من الأراضي الحجازية حجاج بيت الله»، أو «غادر الحجاج الأراضي الحجازية وعادوا بسلامة الله إلى أرض الوطن»، عبارة الأراضي الحجازية تدين ثقافة أصحابها من الصحافيين المعتبرين، وتضعهم في مأزق الجهل والسطحية، وعدم القدرة على توعية الذات بالحقائق التاريخية، بل وتقرر عدم صلاحيتهم أو كفاءتهم للمهنة الإعلامية، القائمة على أسس من الاحترافية المهنية الداعية إلى الصدقية والشفافية والإلمام بالواقع المعاش! فإذا كانت الثقافة العامة لهؤلاء الصحافيين المتمسكين بذهنية مقيدة بمعلومات طواها الزمان، ولم تعد صحيحة وغير لائقة بالعصر الذي يعيشون فيه، إذا كانت ثقافتهم قد توقفت عند الماضي السحيق وما قبل قرن من الزمان، كيف يصلحون للعمل الإعلامي في العصر الحالي! إن الثقافة العامة للإنسان في كل مكان زاد تتغذى منه شخصيته في نموها ولياقتها للحياة، وهي للصحافي ضرورة، بل هي من مستلزمات المهنة وأدبياتها الأساسية، ولا يستقيم نجاح لصحافي إذا كانت ثقافته العامة صفرية لا تتجاوز حد ما يقع تحت قدميه فقط»، هذا ما نصّ عليه مقال الكاتبة.

إن ما طرحته الكاتبة ينم عن عنصرية مضادة بغيضة، خصوصاً أنها عدّت كلمة «حجاز» وصمة، ففي «تاج العروس من جواهر القاموس» للزبيدي قوله: «يُقَالُ: مَا فِي فُلانٍ وَصْمَةٌ، أَيْ: عِيْبٌ. وَرَجُلٌ مَوْصُومُ الحَسَبِ: إِذَا كَانَ مَعِيباً». وفي الصحاح في اللغة «الوَصْمُ: العيبُ والعار. يقال: ما في فلان وَصْمَةٌ. وقال الشاعر: فإنْ تَكُ جَرْمٌ ذاتَ وَصْمٍ فإنَّما... دَلَفْنا إلى جَرْمٍ بأَلأَمَ من جَرْم. وفي المحكم والمحيط الأعظم: «الوَصْمُ العَيْبُ في الحَسَبِ وجمعُه وُصُوم. قال الشاعر:

أرَى المالَ يَغْشَى ذَا الوُصُومِ فلا تُرَى... ويُدْعَى من الأَشرافِ أنْ كان غانِيا

والوَصْمةُ العَيْبُ في الكلامِ ومنه قول خالدِ بن صَفْوانَ لِرَجُلٍ رَحِمَ اللهُ أباك فما رأيتُ رجلاً أَسْكَنَ فَوْراً ولا أبْعدَ غَوْراً ولا آخَذَ بذَنَبِ حُجَّةٍ ولا أعْلَمَ بِوَصْمَةٍ ولا أُبْنَةٍ في كلامٍ منه الأُبْنَةُ العَيْبُ في الكلامِ كالوَصْمَة»

إن المصطلحات التي اعتاد عليها الناس لا تُمحى أو تنسى على مر الزمان، فحين يعود شخص ما من مدينة دمشق، يُقال: عاد فلان من الشام، أو ذهب فلان إلى الشام. ومن المعروف أن بلاد الشام كانت تشمل سورية ولبنان وفلسطين والأردن قبل قرن، ولكن ذاكرة الناس ظلت مرتبطة في أن دمشق هي الشام. ثم إن الإسبان، على رغم مرور أكثر من 550 عاماً على خروج العرب من أراضيهم، ما زالوا يفتخرون بكلمة «الأندلس»، إذ يقول واحدهم: أنا أندلسي، أو جئت من الأندلس.

إن أرض الحجاز التي عدّتها الكاتبة من مخلفات الماضي، هي أرض الحرمين الشريفين التي يفتخر ولاة أمور هذه البلاد بتسميتها «بلاد الحرمين». ثم إن الحاج عندما يأتي إلى السعودية إنما يأتي للمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، فهو لا يستطيع زيارة الرياض وتبوك وغيرهما من المدن. واعتاد الناس في الخارج أن يقولوا عاد الحاج الفلاني من الحجاز، كناية عن المدينتين المقدستين.

ثم إن كلمة الحجاز ليست نقيصة أو عيباً كما تفترض الكاتبة. وإلا لما كانت ذُكرت في الأحاديث الشريفة، وفي الأثر، وفي كتب الجغرافيين العرب كافة. في الصحاح ورد ذكر كلمة أرض الحجاز مرات عدة، اذكر منها قوله، صلى الله عليه وسلم: «اخرجوا اليهود والنصارى من أرض الحجاز». وعن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لاََ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى». وفي الحديث أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي».

واستعمل الخلفاء من بعده، صلى الله عليه وسلم، كلمة الحجاز ففي فتح الباري عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز. وبقي هذا المصطلح قائماً إلى الآن.

لو أن الكاتبة اطلعت على بعض كتب الحديث، والتاريخ الإسلامي والفقه، لوجدت أن عبارة «أهل الحجاز» كانت محل مفخرة لا نقيصة. يقول مكحول: «كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لاِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِى هُذَيْلٍ فَأَعْتَقَتْنِى فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِجَازَ فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْه»ِ. بل إن فقه أهل الحجاز مقدم على أهل العلم مجتمعين. ففي «فتح الباري»: «فَإِذَا قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ، أَوْ إِشَارَةٍ، أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ فَهْوَ كَالْمُتَكَلِّمِ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَجَازَ الإِشَارَةَ فِي الْفَرَائِضِ وَهْوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ». وكيف لا وأهل الحجاز هم مالك بن أنس وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب داود بن علي بن محمد الأصفهاني؟ وكانت أسانيد محدِّثي الحرمين الحجازيين، هي الأعلى والأثبت، كما وصفها المباركفوري قائلاً: «كانت طريقة أهل الحجاز في الأسانيد، أعلى ممن سواهم وأمتن في الصحة، لاشتدادهم في شروط النقل من العدالة والضبط».

لقد تغنى الكثير من الشعراء بأرض الحجاز، أذكر قول أحدهم:

كفى حزنا أنّي ببغداد نازل/ وقلبي بأكناف الحجاز رهين.
إذا عنّ ركب للحجاز استفزّني/ إلى من بأكناف الحجاز حنين.
وتاللّه ما فارقتهم قاليا لهم/ ولكنّ ما يقضى فسوف يكون.

وقال آخر:

بأكناف الحجاز هوى دفين/ يؤرّقني وقد هدت العيون.
أحنّ إلى الحجاز وساكنيه حنين الإلف فارقه القرين.

* باحث في الشؤون الإسلامية.