الأحد، 23 أكتوبر، 2011

التجديد على الطريقة السلفية !

التجديد على الطريقة السلفية !

منقولة من مدونة كريم عامر

يلجأ بعض أصحاب التوجهات الليبرالية ممن ينتمون إلى أصول إسلامية إلى محاولات يائسة – أحيانا - للموازنة بين موروثاتهم العقائدية واتجاهاتهم الفكرية ، ورغم استحالة الجمع بين هذين التوجهين بالغى التناقض ، إلا أنهم لا يألون جهدا فى السعى إلى " تجديد " الخطاب الدينى لجعله مناسبا للعصر الذى يعيشون فيه ، ربما ليأسهم من تحقيق الفصل التام بين الدين والحياة بعد أن استفحل التطرف الدينى وانتشر بشكل مخيف ، وربما أيضا ليأسهم من إقناع الضعفاء عقليا والذين يشكلون الغالبية العظمى من مواطنيهم المؤمنين بالخرافات الغيبية والذين يجدون فى الإجابات الخرافية الخالية من المنطق والتى يوفرها لهم الدين ردا على تساؤلاتهم الملحة عن نشأة الكون وما فيه راحة من عناء التفكير والبحث لإيجاد إجابات منطقية لتساؤلاتهم الفطرية .
وقد نلتمس العذر لهؤلاء الذين يريدون أن يتعايشوا داخل مجتمعاتهم المنغلقة التفكير والتى تعتبر الدين خطا احمر لا يسمح لأحد بالاقتراب منه ، فمحاولاتهم الدؤوبة لتجديد الخطاب الدينى ، بالرغم من أن الدين يتضمن أحكاما مطلقة لا تقبل الاجتهاد أو التأويل العصرى ، يمكننا أن نقبلها على مضض كخطوة على الطريق نحو علمنة الدولة و المجتمع بشكل كامل .
على الجانب المقابل ، نصادف على الساحة نوعا آخر من الاجتهاد والتجديد ، ولكن فى الفكر الإسلامى المتطرف ، فعلى الرغم من أن رسالة الإسلام قد ختمت بانقطاع الوحى ووفاة نبى الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ، إلا أننا نفاجأ أحيانا بالمتطرفين يجددون فكرهم هم أيضا ، بل ويجددون الأساليب التى يطبقون بها هذا الفكر ويوصلونه من خلالها إلى الناس حتى لا تبور بضاعتهم وتدخل إلى متحف التاريخ أسوة بالمعتقدات والأديان القديمة ! .
بحكم نشأتى داخل أسرة ينتمى كل أفرادها إلى التيار السلفى ، أزعم أننى عاصرت كل مراحل تطور أساليب وتكتيكات السلفيين للوصول إلى الناس والسيطرة على عقولهم وتدميرها ، بل أزعم أيضا أننى كنت ولا أزال شاهدا على الكثير من المتناقضات فى التفكير والسلوك التى شابت أسلوب عمل هؤلاء المتطرفين فى طريقهم نحو تطبيق خططهم المدعومة من تحالف ال الشيخ وال سعود الذين يكنون إرثا من الحقد التاريخى تجاه المصريين الذين أجبروهم على إحناء رقابهم لهم عندما غزت قوات طوسون وإبراهيم باشا ولدى محمد على الدرعية وقضت على الحركة الوهابية والدولة السعودية الأولى خلال العقد الثانى من القرن التاسع عشر ، فعلى الرغم من أن جميع جماعات التطرف الإسلامية الموجودة على الساحة المصرية حاليا خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين ، إلا أن " الدعوة السلفية " على وجه خاص تختلف عن بقية هذه الجماعات بكونها مدعومة بشكل مباشر من السلطات السعودية ، كما أن علاقات قياداتها بالأجهزة الأمنية كانت ولا تزال مفضوحة ومكشوفة للجميع ، على عكس معظم الجماعات الإسلامية الأخرى التى كانت دائما تقف فى موضع خصومة مع الدولة وأجهزتها الأمنية .
فمن بين هذه التناقضات الجسيمة تحريمهم للدش والتلفاز والموسيقى والغناء والفيديو ، إضافة إلى الصور الفوتوغرافية إلا للضرورة التى حددوها فى التصوير من أجل استخراج الأوراق الرسمية ، وقد كنت أعانى فى طفولتى من هذا التشدد فى التحريم حيث كان التلفاز محرما دخوله إلى منزلنا ، ولا أزال اذكر تمزيق والدتى لكل الصور الفوتوغرافية التى تؤرخ لمرحلة طفولتنا ( اعتنقت أسرتى الفكر السلفى منتصف الثمانينيات وقبل ذالك لم يكن لها أدنى علاقة بالتطرف الدينى ) ، ومنع سماع الموسيقى والاغانى تماما ، وكل هذه المحرمات كانوا يجدون لها أدلة فى القران والسنة ، ولم يكن أحد يجرؤ على معارضتهم بعد ذكر الدليل ، فبعد النص لا اجتهاد ، ولا أزال أذكر محاضرة الدكتور محمد إسماعيل المقدم أحد أقطاب السلفيين المعنونة بـ" الإجهاز على الفيديو والتلفاز " وهى متوفرة حتى الآن على بعض المواقع السلفية رغم تغير تفكيرهم حيال الأمر تماما !!.
تغير تفكير السلفيين تماما مع مطلع الألفية ، وأصبحوا أكثر تسامحا مع الفيديو والتلفاز والدش وقليل من الموسيقى المصاحبة للأناشيد " الإسلامية " ، وما تيسر من الصور الإلكترونية والفوتوغرافية لعلمائهم ومشايخهم التى باتت تزين أجهزة المحمول الخاصة ببعض مريديهم ، وتنافس فى مبيعاتها على الأرصفة مبيعات صور الفنانين والفنانات ولاعبى الكرة ورؤساء الدول ، ولم يكن هذا التغير يحدث لولا أنهم شعروا بالخطر الذى يهدد دعوتهم إن لم يستخدموا وسائل التكنولوجيا الحديثة أسوة بغيرهم وإلا ستبور فى السوق بضاعتهم بعد أن دخلت المطبوعات الورقية وأشرطة الكاسيت متحف التاريخ ، تغير هؤلاء فى الأسلوب فقط ولم تتغير طريقة تفكيرهم ، استوردوا من الغرب أحدث الأجهزة التكنولوجية ليستخدموها فى نشر أفكار لم تقبل أى تجديد على مدار أربعة عشر قرنا ، كل ما فعلوه هو أنهم أخرجوا جثة دفنت فى التراب قبل أربعة عشر قرنا وألبسوها حلة أنيقة موضة 2011 !!! .
ومن بين تناقضاتهم الأخرى أنهم كانوا يعلنون بصرامة دائما رفضهم المشاركة فى العمل السياسى ، فهم يرون أن الحكم لا يجب أن يكون لغير " الله " ، كانوا دائما ما يتحدثون عن دولة الخلافة الإسلامية التى يجب إعادة إحيائها ، وكانوا يرون أن الديمقراطية تخالف تعاليم الإسلام تماما ، بل كانوا يرون فيمن ينادى بها انه يدعو للكفر، ويعتبرون ذالك رفضا لأحكام القران والسنة ، بل كانت أحكامهم تصل إلى تكفير من يدعو إليها كآلية لتداول السلطة وخروجه من الملة !! .
أما الآن وتبعا لاختلاف الظروف والأحداث ، اختلفت طريقة تفكيرهم ، وأصبحت الديمقراطية التى كانت تساوى عندهم الكفر والانحلال الأخلاقى والخروج من الملة – فى الماضى - مشروعة ، وتسابقوا فى دعوة الناس إلى الإدلاء بأصواتهم فى الاستفتاء لتغليب كفة الموافقة على تعديل بعض مواد الدستور ، بل وأبدى بعضهم نيته الترشح للبرلمان والرئاسة ، وسعى البعض الآخر لإنشاء حزب يمثل الجناح السياسى للجماعة التى كانت ترى السياسة المعاصرة فيما مضى رجس من عمل الشيطان ، فقد رأوا أن الظروف قد تغيرت وأن الآلية الوحيدة التى قد تساعدهم على الوصول إلى مقاعد السلطة وتطبيق رؤاهم المتعصبة وتحقيق أحلام تحالف ال الشيخ وال سعود الحاقدين على الشعب المصرى الذى أذلهم وأجبرهم على الانحناء أمامه بالسيطرة على مصر وتدمير مكتسباتها الحضارية الغائبة عن بلاد الجهل والتخلف فى قلب الجزيرة العربية تكمن فى قبول لعبة الديمقراطية وممارستها كتكتيك مرحلى يمكنهم أن ينقلبوا عليه فيما بعد !!! .
الطريف والمحزن فى الأمر ذاته أن التجديد السلفى لم يطل فقط الأساليب والتكتيكات المتبعة ، بل إن بعض الحمقى المحسوبين على التيار السلفى لجأوا إلى التجديد حتى فى أساليب تطبيق الحدود عندما تتبعوا مواطنا قبطيا من أهل قنا وجدعوا أذنه بشكل وحشى وأحرقوا سيارته بزعم أنه أجر شقته لفتاتين مسلمتين شككوا - كعادتهم مع كل الفتيات المستقلات اللائى يسكن بمفردهن - فى سلوكهما !! ، وعلى حسب دراستى للفقه الإسلامى فإن جدع الأذن ليس حدا من الحدود وإنما قد يحكم به القاضى قصاصا ، وحتى إن صحت شكوكهم فى هاتين الفتاتين مع توفر علم المالك بذالك فعقوبته لا تتجاوز التعذير بالحبس أو التغريم بالشكل الذى يراه القاضى ، هكذا تنص أحكام الشريعة حسب دراستى لها ، لكنهم لجأوا إلى استحداث نوع جديد من الحدود وقاموا بتطبيقه على مواطن قبطى لبث الرعب والفزع فى قلوب الناس وإرسال رسالة مفادها أنهم قادمون بالقتل والعنف وسفك الدماء ولن يرحموا أحدا من جرائمهم التى سيكون الدين شماعتهم التى يعلقونها عليها ، وبالطبع سيضمنون عدم معارضة المواطنين الذين عارضوا النظام القمعى السابق وأسقطوه لهم فللدين سحره لدى البسطاء وهم يعلمون جيدا كيف يمكنهم توظيفه لخدمة أهدافهم الدنيئة .
إننى أرى أن القضاء على هذه التيارات الرجعية أصبحت ضرورة حتمية لا تقبل الجدل ، الأمر يتعلق بمستقبل هذه البلاد التى يريدونها أن تعود إلى الوراء تنفيذا لأجندة الحاقدين من رعاة الإبل والغنم ، هم أعلنوا الحرب على حضارتنا وحريتنا ومن حقنا أن ندافع عن مكتسباتنا الحضارية بكل ما أوتينا من قوة ولا نلام على ذالك فهو دفاع مشروع عما غامرنا بأنفسنا وأرواحنا من أجله بينما كانوا يصدرون البيانات التى تحرم الثورة والخروج على الحاكم ... سحقا لهم ! .