الأحد، 23 أكتوبر، 2011

إلى المنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية فى مصر وتحويلها لدولة دينية

مفاهيم خاطئة تؤخر المسلمين: تطبيق الحدود الآن في دول تحكم بالإسلام... باطل

في هذا المقال المأخوذ من مجلة "روز اليوسف"، يعتبر أحمد شوقي الفنجري أن تطبيق نظام العقوبات التي ينص عليها الحكم الإسلامي أمر غير ممكن في الآونة الراهنة لأن لها شروطا ملزمة إذا لم تتوفر في الحاكم لا يحق له العمل بها ولأن ذلك يتطلب مراعاة أحوال الناس. لكنه يرى أن الإصلاح الجذري المطلوب في المجتمعات الإسلامية ينبغي أن يبدأ بإزالة أسباب الانحراف. ويقدم الفنجري كذلك قراءته لبعض فقهاء الشريعة المعاصرين ويفضح استحداثهم وإضافتهم لبعض العقوبات "غير السماوية".

الفكرة السائدة عند الكثير من الجماعات الإسلامية والدعاة الإسلاميين الذين يطالبون بشدة وحماس لتطبيق الحكم بالإسلام هي أن الذي ينقصنا هو العمل بنظام العقوبات. وهم يتصورون أن أي زعيم إسلامي مخلص لدينه وعقيدته يصل إلى الحكم في أي دولة إسلامية ما عليه إلا أن يعلن من اللحظة الأولى لحكمه عن تطبيق نظام العقوبات والحدود الإسلامية، ومعنى ذلك تكوين فرق خاصة مدربة تدريبا عاليا.. ويكون عملها قطع الأيدي في جميع قضايا السرقة.. وقطع الأرجل والأيدي في تهمة قطع الطريق.. والرجم بالحجارة حتى الموت في جريمة الزنا.أو الجلد حتى مائة جلدة في الجرائم الأخرى. وهذا خطأ كبير. وفيه أكبر إساءة إلى الإسلام. فنظام العقوبات في الإسلام له شروط ملزمة للحاكم قبل أن يقدم على تطبيقها. ولا يحق لأي حاكم مسلم، مهما كان حسن النية ويريد الإصلاح والخير، أن يطبق نظام العقوبات فورا ودون تحقيق جميع الشروط التي تنص عليها الشريعة ويأمر بها القرآن والسنة. وبغير توفير هذه الظروف لا يعتبر الحكم شرعيا ولا يحق لهذا الحاكم أن يطبق هذه العقوبات والحدود.

فالإسلام ليس مجرد نظام عقوبات وهو أعظم من أن نحصره في العقوبات. وقد كانت العقوبات آخر ما نزل من الإسلام وآخر ما طبقه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المدينة بعد كفاح طويل لإصلاح أحوال الأمة ونشر العدل والمساواة وتحسين أحوال المعيشة والكسب والرزق الحلال. فلا يضطر أحد إلى قطع الطريق لأنه يجد غيره من أصحاب السلطة والنفوذ ينهبون ويسرقون ولا أحد يحاسبهم. ومن حكمة الله وعظمة التشريع أن الله تعالى لم ينزل أمره إلى النبي بتطبيق العقوبات على المخالفين إلا بعد أن أزال من المجتمع الإسلامي جميع أسباب الانحراف... فعندما نزل الأمر بجلد من يشرب الخمر لم يكن هناك أحد من المسلمين يشربها. وعندما نزل الأمر بقطع يد السارق كان الأمن مستتبا بين الرعية. حيث لم يتم قطع اليد في ظل حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) كله إلا مرة واحدة. ونفس الشيء في عقوبة الرجم بالحجارة. فلنقارن هذا بما يحدث اليوم. والدول التي أعلنت رسميا أنها تحكم باسم الإسلام في عصرنا الحاضر هي 5 دول. وهي إيران وأفغانستان والسعودية. والسودان. وباكستان. ومعروف أنها جميعا منذ اللحظة الأولى لإعلان الحكم بالإسلام قد طبقت نظام العقوبات قبل أن يتم أي إصلاح في أحوال الأمة. أو علاج للمشاكل الاقتصادية، ودون أن يتم تطبيق نظام الشورى التي هي أساس الحكم بالإسلام.

وبغير الشورى لا يمكن أن تتحقق الرقابة والحساب ويحصل كل فرد على حقوقه كاملة. وجميع هذه الدول (ما عدا السعودية) تعيش في خط الفقر وخاصة السودان وأفغانستان وباكستان، حيث يصل دخل الفرد إلى أقل من حاجته للحياة. وإلى جانب هذا الفقر فهناك سوء توزيع الثروة والثراء الفاحش للقلة على حساب الأكثرية المطحونة. ورغم ذلك فلم تطبق هذه الدول من الإسلام إلا نظام العقوبات لأنه يتناول الفئة الضعيفة والمطحونة. حدث هذا في عهد النميري في السودان، والخميني في إيران، والملا عمر في أفغانستان، وضياء الحق في باكستان ، وآل سعود في السعودية. وقد ذهب هؤلاء جميعا إلى يوم الحساب فماذا تركوا للإسلام؟ كل ما تركوه هو كم كبير من العجزة والمعوقين والأيدي المقطوعة والأرجل المبتورة ومن قتلوا رجما بالحجارة ومن جلدوا بالسياط... ومن هنا ترى الشريعة الإسلامية أنه لا يجوز شرعا تطبيق نظام الحدود في الإسلام في أي دولة إلا بعد تحقيق حد الكفاية.

وحد الكفاية في الإسلام معناه أن يحصل أفقر رجل في الدولة على ما يسد حاجته فلا يضطر إلى التسول أو الانحراف أو السرقة. ويكون له مصدر رزق من كسب يده ومن خبرته وعمله، والدولة مسؤولة عن إيجاد فرص العمل لأفقر ضعيف. فإذا كان هذا المواطن عاجزا عن العمل أو معوقا، فالدولة مسؤولة عن كفالته من أموال الزكاة لقوله تعالى : «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم»، وقد بلغ الحسم من القرآن على من يهملون ضعفاء الأمة أن يتهمهم الله تعالى بالتكذيب بالدين فيقول : «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين» وحد الكفاية لا يقتصر على الطعام والشراب، بل يجب أن يكون له بيت يحميه من البرد والحر والمطر وتدخله الشمس والهواء... وأن تيسر له الدولة حق الزواج والأسرة حتى لا يزني أو يغتصب، وحق العلاج والدواء... كل هذه الحقوق هي مسؤولة الدولة نحو الفقراء والضعفاء. ولهذا أطلق عليه فقهاء الشريعة (حد الغنى) بدلا من حد الكفاية. ومعناه أن يكون في غنى عن السؤال.

ويوم يتحقق هذا فلن يكون هناك ظلم في قطع يد السارق وفي رجم الزاني. ولن تعتبر هذه العقوبات الشديدة ظالمة مع من ينحرف بعد هذا العطاء السخي. وقد يعترض بعض المتشددين والمتحمسين ويقول إن تحقيق هذا المجتمع الغني والمثالي الناهض أمر صعب المنال ويحتاج إلى سنين من التخطيط والصبر والانتظار. ومعنى ذلك أننا لن نستطيع تطبيق نظام العقوبات إلا بعد عمر طويل. وقد لا نستطيع تطبيقه أبدا ونقول لهم: علام الاستعجال؟ العقوبة ليست هدفا لذاتها. وليست هي الإصلاح المطلوب للقضاء على الانحرافات بأنواعها. ولكن العلاج الحقيقي والجذري يكون بإزالة أسباب الانحراف أولا.

وأي دولة لا تستطيع أن توفر حد الكفاية، بل حد الغنى لمواطنيها، لا يجوز أن تطبق عليهم نظام العقوبات في الإسلام. وللأسف الشديد أن بعض من أعلنوا الحكم بالإسلام وخاصة من الحكام العسكريين لم يفعلوا ذلك اقتناعا بالإسلام وبالعقيدة الدينية. ولكنهم أرادوا أن يستغلوا الدين وأن يكسبوا تأييد الجماعات الإسلامية المتطرفة لنظام حكمهم. وأرادوا تحت عباءة الدين أن يقضوا على خصومهم فأعلنوا على الفور عن تطبيق العقوبات وأخذوا ينفذون طوابير الإعدام في المعارضة بحجة أن هؤلاء أعداء الدين. وليس هذا مجال إحصاء هذه الجرائم. ولكن يكفي أن نقول أن هيئة حقوق الإنسان العالمية قد أصدرت عدة بيانات وإحصاءات بأن عدد من أعدمهم الخميني في فترة حكمه بتهمة الكفر أو العداء للإسلام 2444 شهيدا. أما النميري فقد أعدم عددا من زعماء المعارضة وعلى رأسهم الزعيم محمود محمد طه البالغ من العمر 76 عاما.

وفي باكستان قام الدكتاتور الدموي ضياء الحق بإعدام زعماء المعارضة وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السابق علي بوتو. وفي أفغانستان أطلق الملا عمر على نفسه لقب أمير المؤمنين وأخذ يعدم خصومه بالجملة ويطلق عليهم مدافعه الرشاشة. وبموجب هذا التشريع غير السماوي، إذا كان الرجل يصطحب معه زوجته ينقضون عليه ويطلبون قسيمة الزواج فإذا لم تكن معه فالويل له. إذ يؤخذ إلى السجن حتى تثبت براءته وإلا عوقب بـ 35 جلدة، أما إن كان الرجل يسير بمفرده في الطريق فالويل له إذا ظهرت امرأة غريبة بجواره أو أمامه. لأنه لو نظر إليها أو سألته سؤالا ورد عليها، فهذا (شروع في الزنا) وعقوبته عشرون جلدة.

وهذا هو كشف العقوبات كما أورده القاضي الدكتور الكباشي في كتابه ص 25 وينص على الآتي: 1- إذا وجدا وهما في الطريق وهو يكلمها وتكلمه ضربوهما عشرين سوطا. 2- وإن وجدوه يشير إليها وتشير إليه بغير كلام ضربوهما عشرة أسواط. 3- وإن وجدوهما غير متباشرين ضربوهما أربعين سوطا. 4- وإن وجدوهما جالسين في بيت واحد وعليهما ثيابهما ضربوهما أربعين سوطا. 5- أما إذا ضبط وهو يقبلها فقط فالحد خمسة وسبعون سوطا.

ومعنى ذلك أن أي إنسان يسير في الطريق بكل براءة وسلامة نية يمكن أن يعتبر زانيا أو (شروع في الزنا). وهكذا في غياب الحكم العادل المصلح وفي غياب الإصلاحات الداخلية حتى يصل المواطن الفقير إلى (حد الغنى) فلا يجوز تطبيق نظام العقوبات في الإسلام ومن يطبقه يكون ظالما وباطلا وعليه إثم كبير. ومن الطرائف التي تروى عن النميري أنه كان يطبق حد الزنا أو ما يسميه الشروع في الزنا على خصومه السياسيين ويجلدهم بالسياط. فقد عارضه أحد وزرائه المقربين. فتربص به وعند خروجه بسيارته من عمله كان يصطحب السكرتيرة ليوصلها إلى بيتها، فانقضت الشرطة الإسلامية عليه. واعتبروا ذلك خلوة محرمة وشروع في الزنا. ونفذوا فيه حكم الجلد أمام الجمهور.

وقد ألف أحد القضاة المسؤولين عن تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان وهو الدكتور المكاشفي طه الكياشي كتابا بعنوان «الشريعة الإسلامية في السودان بين الحقيقة والإثارة» وفيه يذكر المؤلف الدكتور المكاشفي كيف كانت العقوبات التي تطبق باسم الإسلام من قطع الأيدي والأرجل بالجملة من نصيب الفقراء والمعدمين وحدهم.. وفي أصغر المبالغ بينما كان هناك الأغنياء الذين يرتشون وينهبون أموال الشعب بالملايين ويهربونها إلى الخارج ولا يستطيع أحد أن يحاسبهم لأن شركاءهم الذين في الحكم يحمونهم. وعندما أراد أن يطبق عقوبة السرقة وقطع اليد على أحدهم وصل الأمر أن يفصل من عمله في الحال. ومن أغرب العقوبات التي استحدثها الإسلاميون في السودان ما أطلق عليه (حد الشروع في الزنا) وهو تعبير غريب ومبتكر ولم يرد في نظام الحدود في الإسلام ولا في كتب الفقه. وبمقتضاه يمكن توجيه تهمة الشروع في الزنا لأي رجل أو امرأة دون الحاجة إلى الأدلة الشرعية المعروفة وذلك تسهيلا للاتهام.

إن الكثير من المسلمين المتنورين وغير المسلمين وخاصة المفكرين الأوروبيين يرون أن نظام العقوبات في الإسلام قاس وغير رحيم، ومنهم من يقولون إن العقوبات البدنية قد انتهى عصرها ولم تعد أي دولة متحضرة في العصر الحاضر تعمل بها، فلم تعد هناك دولة عصرية تطبق نظام الضرب بالعصي أو الجلد بالسياط، أو الضرب بالحجارة. ولا توجد دولة واحدة تقضي بقطع اليد أو الرجل. وحتى عقوبة الإعدام هناك دول أوقفتها نهائيا حتى مع أعتى حوادث الإجرام. ويقول هؤلاء إن السارق والزاني... لا يقدمون على هذه الجريمة في أي مجتمع إلا بسبب الظروف والحاجة. وإن قطع اليد أو الرجم بالحجارة أو الجلد بالسياط يحول هؤلاء إلى معوقين بدنيا ونفسيا ويصبحون عالة على المجتمع أكثر مما كانوا.. وإن العلاج الحقيقي والعصري والمتبع في أوربا اليوم هو سد حاجاتهم أولا. ثم التوعية بأخطائهم والعلاج النفسي.. ويصاحب هذا تعليمهم حرفة جديدة يرتزقون منها حتى وهم في السجن. وبذلك يصبحون أعضاء ناجحين بدلا من تحطيمهم.

وقد أرسلت منظمة حقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة رجاء إلى الدول التي تحكم باسم الإسلام وتطبق نظام العقوبات الإسلامي بأن توقف هذه العقوبات البدنية. كما ناشدت أطباء هذه الدول بعدم المساهمة في قطع الأيدي والأرجل وأن يلتزموا بالقسم الطبي. وفي الواقع أن العالم كله شرقه وغربه يحكمون على الإسلام بما يرونه من هذه الدول من سوء التطبيق.. فما أن يصل الزعيم أو الرئيس إلى الحكم، ولكي يثبت لرعاياه أنه خليفة مخلص ومؤمن حتى يبدأ بتطبيق نظام العقوبات دون مراعاة لظروف الناس ودون تطبيق الجزء الأهم من الإسلام ألا وهو القضاء على الفقر وعلى الظلم وعلى الإهمال وخلق مجتمع الكفاية والغنى الذي تطلبه الشريعة. والرد على هذا بالآتي :

أولا : أن الإسلام لا يمنع الطرق الحديثة في العلاج ومن تنصلح أحواله بها ويتوب فإن الله غفور رحيم.. وتسقط عنه العقوبة البدنية لقوله تعالى : «فمن تاب عن ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه»

ثانيا : إن نظام العقوبات في الإسلام لا يهدف إلى إذلال المخطئ بل في إصلاح بدليل أنه إذا أقر بذنبه قبل أن تقدر السلطة عليه فلا عقاب له ويعفو عنه، وذلك لقوله تعالى: « إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم»

ثالثا : إن شروط توقيع الحد في الإسلام صعبة ودقيقة جدا، وهي من الصعوبة بحيث يصعب توجيه التهمة إلى المذنب إلا بالاعتراف الطوعي.. ففي أي اتهام لابد من أربعة شهود، وهذا ليس بالأمر الهين. إلى حد أن كل شاهد يجب أن يقر في حالة تهمة الزنا أنه رأى بعينه المرود وهو يدخل في المكحل وهذا مستحيل عمليا.

رابعا : ويبقى أن هذه الحدود الشديدة ليس الهدف منها التـــنكيل والتعذيب ولكن الهدف هو التـــخويف والردع، وهذا أمر مطلوب لذاته. والخلاصة أنني أرى الجمع بين النظامين بالتدريج. فيطبق النظام العلمي والتربوي أولا.

فإذا لم يصلح وعاد المتهم إلى الإجرام بعد قضاء مدته يكون العقاب هو الحدود الإسلامية الرادعة.