الأحد، 23 أكتوبر، 2011

لئلا يعود هارون الرشيد

لئلا يعود هارون الرشيد
خالد غزال
لا يزال الكاتب السعودي عبد الله القصيمي يثير جدلاً في مماته كما كان يثيره في حياته. فعلى رغم مرور عشر سنين على رحيله، فإن كتبه المعاد طبعها تقلق المؤسسات التي تصنّف نفسها وصيةً على الدين والفكر والأخلاق، فتمارس سلطتها المدنية والسياسية في منع هذه الكتب ومصادرتها، كما جرى العام الماضي مع كتابه "الكون يحاكم الإله". ندر أن اختلف جمهور حول كيفية قراءة كاتب كما اختلفوا حول القصيمي، منهم من استنكر كتاباته ووصفها بأنها "مقرفة" وألصق بمؤلفها أبشع الاتهامات، وحجّته في ذلك أن الرجل ارتدّ إلى الإلحاد منذ كتابه "هذي هي الأغلال" الذي نشره للمرة الأولى عام 1946، بعدما كان دبّج كتاباته بالتهكم والسخرية. ومنهم من اتهمه بالجنون والعصاب وشتى الأمراض النفسية، فيما انصفه كثيرون وقرأوه بإعجاب ونظروا إلى كتاباته باعتبارها ثورة على التقاليد والعادات البالية في وجه الخرافات، وثورة على المؤسسات والسلطات الدينية في الآن نفسه. منذ أعوام، تعيد "منشورات الجمل" إصدار كتاباته متحديةً الرقابة الرسمية واحتمالات مصادرة كتبه، فنشرت له "العرب ظاهرة صوتية" ثم "عاشق لعار التاريخ"، "وهذي هي الأغلال" و"الكون يحاكم الإله". وأصدرت حديثاً كتابه "لئلا يعود هارون الرشيد"، وهو مجموعة مقالات متفرقة تندرج في السياق الفكري والنقدي لكتاباته. وأضافت الدار على المقالات نصوصاً سجالية مع كتاباته وبعض ردود الكاتب عليها.

تتمحور كتابات القصيمي بشكل عام حول الإنسان العربي في كل أحواله، من الحاكم المستبد إلى رجل الدين، ومن الكتّاب والمفكرين الى رجال الأعمال، وصولاً إلى المواطن العادي، فتكشف "المستور" القبيح المتحكم في كينونة الإنسان العربي الذي يعيش فصاماً بين حياته الخارجية ذات المظهر الكاذب وداخله الحقيقي الممتلئ ضعفاً ونفاقاً وشعارات زائفة. يتصدى الكاتب الراحل لشعار الوحدة العربية ولحلم الدولة العربية الواحدة التي ينادي بها الحكام العرب ومعهم بعض الحركات السياسية ذات الطابع القومي. ينظر إلى هذه الوحدة بخوف، إذا ما تحققت، لأنها ستندمج بوجود القيصر الواحد. يعطف خوفه هذا على خلفية ايديولوجية عربية ذات طابع ديني، لان القضية الأساسية لدى العرب كانت دائماً "الإصرار على وحدانية الإله ووحدانية النبي والإمام والخليفة"، وكل خروج على هذه المبادئ يضع صاحبه في موقع الزندقة. لذلك يصرخ: "يا دولة العرب الواحدة، إني أخاف مجيئك لأني أخاف هارون الرشيد الجديد". يرمز هارون الرشيد، لدى الكاتب، إلى إنفاق المال على الجواري والشعراء والمغنّين، واستخدامه رجال الدين ومعهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في قهر الناس وإذلالهم. لا يرى في قيصر جديد آتٍ على رأس الدولة العربية الواحدة سوى تجديد لهارون الرشيد الذي سينفق الأموال هذه المرة على المغامرات والمؤامرات وأجهزة المخابرات والمباحث ورشوة الحكّام وشراء المذاهب الدينية والمواقف الفقهية. وهو ما سيؤدي إلى إبقاء العرب أسرى تخلّفهم وانقيادهم بالتالي إلى حكم الاستبداد، والى توافر ترسانة أيديولوجية يستخدمها الحاكم في ممارسة أبشع أنواع الاضطهاد.

يتوقف القصيمي أمام الصراع العربي - الاسرائيلي فيزيد من حدّة نقده للعرب في عجزهم عن مواجهة إسرائيل. يسخر من نظرة الحكّام العرب إلى إسرائيل ومن أبواقهم الدعائية، فتارة يعتبرونها ملغاة من الوجود فيرفضون الإشارة إلى اسمها، وطوراً، يزرع إعلامهم كل أنواع الخوف والرعب منها، بما يسمح للسلطات الحاكمة باستباحة الثروات العربية وتكديس الأموال استعداداً لتجهيز الجيوش المطلوبة لمواجهتها. لا يخفى على الكاتب أن استحضار الخوف من الكيان الاسرائيلي يصب في وظيفة أساسية لتشديد الرقابة على الفكر العربي والإنسان وحقّه في ممارسة التعبير عن الحرية، لمصلحة أبشع أنواع الاضطهاد عليه، تحت شعار "كل شيء من اجل استعادة فلسطين". لكن حصيلة المواجهات بين العرب وإسرائيل تجلّت في هزائم ساحقة للعرب، كانت صفعات مهينة لهذا الإنسان العربي الذي صدّق حكامه وأبواقهم الإعلامية في الاستعداد للمعركة القومية، وانخدع بهم لسنوات طويلة. لذلك يصرخ القصيمي في وجه العرب ويدعوهم، حكاماً وشعوباً، للخروج من لغة التحقير والهجاء الكلامي ضد إسرائيل، والإقلال من حديث التخويف والتيئيس، من اجل انخراط أوسع في ركاب التطور والتقدم وإطلاق الحريات السياسية والتوقف عن قمع الشعوب، باعتبارها وسائل ناجعة لمواجهة العدو الاسرائيلي.

يصبّ القصيمي غضبه على النفط في العالم العربي، وهو ابن بلد يزخر بثروة نفطية هائلة شهد الكاتب جيداً على كيفية استخدامها وعاين آثارها السلبية على بلاده والبلدان العربية. يصرخ "يا نفطنا الذي لم يبق نفطنا، بل نفط بعضنا"، منبّهاً إلى ما فعلته هذه الثروة التي وهبتها الطبيعة للعرب تعويضاً عن ضعف موارد أخرى. تحول النفط إلى أداة لنهب الثروات، ومدخلاً للسيطرة على العالم العربي. أما في الداخل العربي، فبدلاً من توظيف هذه الثروة في خدمة التطور العربي، تحولت أداة رهيبة في يد القوى المتخلفة التي لا تزال تحكم وفق منطق البداوة. اعتبره الحكّام ملكهم الخاص، وأمواله حق لهم يتصرفون بها كيفما يشاؤون، فوظفوا هذه الأموال في البذخ والفجور وإشباع الملذات الخاصة. هكذا تحول النفط نقمة بدل أن يكون نعمة، ويخاطبه القصيمي بلغة ملؤها السخرية والألم: "يا نفطنا، يا أتقى من كل أنبيائنا، يا أفجر من كل أبالستنا، يا أقوى من كل آلهتنا، يا أكرم من كل تاريخنا، يا أمجد من كل آبائنا".

يولي القصيمي مسألة حرية الفكر والتعبير حيزاً مهماً من كتاباته، وهو الذي عانى طويلاً من اضطهاد متعدد المشارب باسمها. يستغرب المنطق العربي الذي يؤكد حرية الفكر التي واكبت التاريخ الإسلامي والعربي منذ القديم، وادعاء حمايتها بصرف النظر عن جنسيات الكتاب والمفكرين أو أوطانهم. يؤلمه هذا الإصرار، فينفجر غاضباً في وجه مثقفين ومفكرين وهيئات دينية متهماً إياهم بالكذب والنفاق وممارسة منافية للادعاءات التي يتشدقون بها. فإذا كتب كاتبٌ ما آراء محددة حول الدين والثقافة العربية، مخالفة للأيديولوجيا السائدة، رأينا كيف تنقلب ادعاءات الحرية اتهامات بالكفر والزندقة والتآمر ومعاداة العروبة وتهديم القيم العربية المجيدة، بما يضع الكاتب في خانة المرذولين، فيصبح مصيره الشخصي معلّقاً بين السجن أو حبل المشنقة.

يدلل على ذلك في كيفية النظر إلى كتاباته المخالفة واتهامه بالشيوعية وإنكار الآلهة والهزء من النبوات ونشر بذور اليأس والتشاؤم، لان هذه الكتابات حاولت مخالفة السائد من التقاليد البالية، وتجرأت على دعوة العرب إلى الوقوف في وجه الإرهاب الفكري والمادي، وإلى الإفادة من دروس التاريخ لإعادة الثقة بأنفسهم سعياً إلى بناء مجتمعات متطورة.

سيظل القصيمي واحداً من الذين تمردوا باكراً على بنى متخلفة تحكمت ولا تزال بالعقل العربي، وهي بنى يعاد إحياؤها وإنتاجها اليوم عبر إثارة العصبيات القبلية والصراعات الطائفية والمذهبية وتحويلها نزاعات أهلية. لذلك تكتسب آراء القصيمي راهنية متجددة باعتبارها صرخة مدوية في كهف عربي عميق.