الأحد، 23 أكتوبر، 2011

الإبداع والعلمانية فى عهد عبد الناصر

الإبداع والعلمانية فى عهد عبد الناصر
فى عام 1962م قال عبد الناصر لزائر أجنبي أن ويلتون واين ( مراسل مجلة التايم الأمريكية فى الشرق الأوسط وقتها ) يفهمني " .. وقد قام الزائر بنقل الرسالة إلى ويلتون واين الذى اعتبرها أعظم شهادة يمكن أن يمنحها عبد الناصر لصحفي .. وكان مراسل التايم قد نشر دراسة فى عام 1959م عنوانها : " ناصر مصر : البحث عن الكرامة " Wilton Wynn. Nasser of Egypt: The Search for Dignity... لقد وافق عبد الناصر إذن على تحليل واين له والذى توصل فيه أن القوة الذاتية المحركة لعبد الناصر هى بحثه الحثيث عن الكرامة ... له ولوطنه .
وعلى إثر وفاة عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970م ، ذهب ويلتون واين مرة أخرى إلى القاهرة ليغطى الحدث الجلل لمجلة التايم ، وفى العدد الذى حمل صورة عبد الناصر وعنوانه " العالم العربى بعد ناصر " ( 12 أكتوبر 1970م ) كتب واين فى إيجاز شديد يلخص ما يمثله عبد الناصر فى كلمة بعنوان " من صبى القرية إلى بطل المرحلة " ويقول فى مقطع منها :
" لقد جسد ناصر البحث عن الكرامة على طول العالم الأفريقي الآسيوي ، لقد صعد من الطبقة الشعبية ، من طمي وادي النيل ، وكان مصمما على أن يمنح قومه فرصة الشعور بالعزة والفخر بكونهم مصريين وليس كما كان يفعل علية القوم من الباشاوات وقتها صورا ممسوخة تحاول تقليد الفرنسيين أو أى أجانب آخرين " .
ويكمل واين قائلا: " يجب على أن أقول بلا خجل أننى قد أعجبت بناصر وملت إليه أكثر بكثير من أى شخصية عامة عرفتها فى حياتى الصحفية .. وبالرغم من أنه كان قد يبدو للبعض ديماجوجيا مثيرا للعامة فى خطبه ، إلا انه فى أحاديثه الخاصة كان دائما نموذجا صافيا للإخلاص والتعقل " هكذا رآه الصحفي الأمريكى الشهير.

كان البحث عن الكرامة للإنسان المصرى هو دافع عبد الناصر لتحقيق الجلاء ، ولبناء السد العالى الذى كان مشروعا اقتصاديا ونفسيا فى نفس الوقت .. يحمل من قوة الرمز والدلالة على القدرة والتصميم والإرادة المصرية المصممة على البناء بقدر ما يحمل من فوائد زراعية وصناعية لشعب مصر ، وكان لهذا التصميم الحميم على طرد الأجنبي وتحرير البلاد من العبودية الخارجية والداخلية والعزم على البناء الاقتصادي .. كان لهذا فعل السحر فى أعين الملايين من المتابعين لتجربة مصر ، مانحة لهم القدوة التى أولدت فى أنفسهم الثقة فى إمكانية تحقيق الحلم ، فراحوا ينتفضون على مدى القارتين فى حركة استيقاظ بالغة الإثارة .
الثورة الاجتماعية
ولأن عبد الناصر كان يبحث عن الكرامة التى طال إهدارها ولم يكن مجرد ضابط يريد الوصول إلى السلطة عن طريق انقلاب مسلح ، نجده لم يهنأ ويسترح بوصوله إلى مركز رئيس الجمهورية فى 1954م .. وبتوقيع الإنجليز على معاهدة الجلاء فى نفس العام .. وإنما نجده يبدأ على الفور فى اتخاذ خطوات تحدث فى مصر ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفنية هائلة .. ويحدث هذا كله فى سرعة وتسلسل مذهل ليس له مثيل فى أية فترة أخرى فى تاريخ مصر والمنطقة منذ عصر محمد على . ويكفى كدلالة سريعة على ما أقول تذكر أن الانقلاب العسكرى قام يوم 23 يوليه 1952م ، وأن الجلاء تم بعد هذا بعامين فقط ، وان التخطيط لبناء السد العالى وطلب التمويل الدولى كان مواكبا لهذا إلى قرار تأميم القناة بعد رفض التمويل الدولى عام 1956م ، والعدوان الثلاثى فى نفس العام وانسحاب الدول المعتدية فى مطلع العام التالي 1957م .. وتحقيق الوحدة مع سوريا فى 1958م ، مرورا بتأسيس حركة دول عدم الانحياز ، ودول التضامن الآسيوي الأفريقي فى نفس هذه السنوات القليلة .
أى أن عبد الناصر حقق الوحدة العربية بعد أربع سنوات فقط من رئاسته لجمهورية مصر وتحريرها من الإنجليز .. ولا شك أن هذا إنجاز مذهل بأى وكافة المقاييس . و صاحب هذا كله عدد من الإنجازات الجانبية على مستوى العالم العربى والعالم كله .. من دور مصر فى تأييد ثورة الجزائر إلى صراعها وإسقاطها لمحاولات الغرب جر المنطقة إلى نفوذ فى شبكة من الأحلاف التى لم تفلح جميعها لأن عبد الناصر هاجمها بضراوة ..

ولو أن عبد الناصر اكتفى بهذه التحولات والإنجازات السياسية الهائلة على مستوى العالم لكان إنجازه ودوره عظيما بلا شك ، ولكنه أضاف إلى هذه الإنجازات السياسية الخارجية الكبيرة صنعه لتحولات هائلة بالداخل ، حيث أحدث ثورة اجتماعية لم يعرف الشعب المصرى لها مثيلا منذ ألفين وخمسمائة عام .
ولم يكن تحديد ملكية الأراضي الزراعية بمائتي فدان وتوزيع ما يزيد على الفلاحين المعدومين فقط هو المحرك الأساسي لهذه التحولات الاجتماعية ، وقد وصف هذا بالإصلاح الزراعي والقضاء على الإقطاع ، ونزع الملكية من اللصوص الكبار عنوة هو أمر قانونى وأخلاقي وعادل فى نفس الوقت ، فقد آلت هذه الملكية إلى الباشاوات وأصحاب الأراضي بطرق غير مشروعة وبتأثير النفوذ الملكى والأجنبي . كما كان بعضهم ممن امتلك هذه الإقطاعيات زورا وعدوانا . وقد نزع محمد ملكية الفلاحين ومنح أراضيهم للباشاوات من الأتراك.
لكن الثورة الاجتماعية التى شهدتها مصر منذ بداية الثورة وحتى نكسة 1967م كانت لها أبعاد وجوانب أخرى متعددة ... ولاشك أن مشروعات كهربة الريف وبناء المدارس وفتح الجامعات وإنشاء المصانع وبناء المساكن الشعبية والطرق فى كافة أنحاء مصر ، مع الاهتمام بالإعلام والصحف والمجلات والإذاعة وإدخال التلفزيون .. لا شك أن هذه كلها ساعدت وكانت مكملة للتحولات الاجتماعية الهائلة التى بدأت تحدث فى مصر وقتها .. فلا شك أن نبرة المساواة والعزة والكرامة قد بدأت تأخذ مجراها فى عقول وقلوب الجميع تدريجياً.. ولم يعد الفلاح هو ذلك الإنسان الذليل المهمل " عبد المأمور " الذى يولد ويموت على ارض صاحب العزبة أو الإقطاعية .. بل أصبح يرسل أولاده وبناته إلى المدارس الحكومية التى فتحت أبوابها فى القرى والنجوع .. فرأينا جيلا جديدا من الأولاد والبنات المتعلمين .. وراح الكثيرون منهم ينزحون الى القاهرة والإسكندرية ثم أسيوط وبنها لدخول الجامعات .. وبدأت البنات " الخدامات" اللائي كن يحضرن من القرى للعمل فى بيوت عائلات الطبقة العليا والوسطى بالقاهرة والإسكندرية يرفضن الحضور لهذا العمل الذى كان مهينا بالفعل وغير إنساني بالمرة ، إذ كان أقرب إلى نظام العبودية حيث كانت الفتاة تؤخذ من بيت أبيها وأمها وإخوتها ربما وهى تحت العاشرة وتسكن مع عائلة "أسيادها" بالقاهرة .. تعمل لديهم من الفجر للمساء بلا تعليم ولا مستقبل .. وتحولت "الخدامة" تدريجيا إلى "شغالة" مع تحسن كبير فى المرتب وأوقات العمل وأسلوب المعاملة .. إن هذا مثال واحد ولكنه مثال دال فى حد ذاته على التحولات الاجتماعية الكبيرة والعميقة التى أحدثتها الثورة ..
الثورة الفنية الإبداعية
لقد أججت الثورة روح أكبر وأجمل حركة ثقافية فنية إبداعية عرفتها مصر منذ أن خمد لهيب الحضارة المصرية القديمة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام ... بالطبع يمكنك أن تقول انه قبل الثورة كان يوجد طه حسين والحكيم والعقاد وعبد الوهاب وأم كلثوم .. نعم ولكن هؤلاء أنفسهم استمروا فى الإبداع مع الثورة ، وبعضهم أبدع أعظم أعماله فى عصر الثورة ، كما فعل عبد الوهاب وأم كلثوم .. ولكن الثورة أطلقت روحا إبداعية عظيمة فى مصر كيفا وكما معا .. فظهر عدد كبير من المبدعين فى كافة المجالات .. فى الموسيقى والأغنية التى استمر يبدع فيها السنباطى ولكن ظهر ليثرى ويشغف الأذن العربية موسيقيون جدد مثل كمال الطويل والموجي ومنير مراد وبليغ حمدى وسيد مكاوي.. وراح يغنى لهم عبد الحليم حافظ أغنيات عاطفية ساعدت على الإسراع فى إيقاع التحول الاجتماعي والتحرر فى تقاليد العلاقات بين الجنسين ، فلم يعد مقبولا بعد الحليم وأغنياته الجريئة عن الحب أن تتزوج الفتاة المصرية بدون موافقتها وإعجابها ورضاها بالعريس.
كما قد لا أبالغ عندما أقول أن فنانا مثل صلاح جاهين كان يشكل بمفرده حركة إبداعية فنية متكاملة شاملة ، من كلمات فى أناشيده الوطنية كانت هى المعبر الأصدق عن مشاعر الشعب المصرى إلى أشعار بالعامية تضارع فى فلسفتها وعمقها الفكري والجمالي أعظم الأشعار بالعربية الفصحى ، إلى رسومه الكاريكاتورية اليومية فى الأهرام التى كانت تغنى كل منها عن مقالة سياسية أو اجتماعية كاملة . إلى أوبريتاته الشعبية التى كانت على كل لسان مثل " الليلة الكبيرة" .
أما الحركة الثقافية والأدبية فقد كانت فى أزهى عصورها ، فالرواية على يد نجيب محفوظ تفتح فضاءات متجددة من " أولاد حارتنا" إلى " اللص والكلاب" إلى " ميرامار" .. والمسرح يتألق بعدد كبير من أجمل مبدعيه، من عبد الرحمن الشرقاوى والحكيم ويوسف إدريس إلى سعد الدين وهبة ونعمان عاشور وألفريد فرج وغيرهم .. والشعر الجديد يقدم لنا روائع مثل "أحلام الفارس القديم" .. ولويس عوض وغالى شكري ورجاء النقاش يقودون معارك نقدية وأدبية حامية ومثيرة .. ومجلة شابة فنية مثل " صباح الخير" تساهم فى فتح عقول وقلوب جيل كامل من الشباب المتوثب المتطلع للحياة .. والسينما المصرية فى أوج تألقها تحول روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس إلى أفلام ناجحة فنيا وجماهيريا .. وتظهر فرقة رضا وبعدها الفرقة القومية للفنون الشعبية ليصبح الرقص فنا راقيا محترما مرة أخرى فى مصر منذ اندثاره مع الفراعنة ..
إن الظاهرة الإبداعية التى بدأت فى الخمسينات وبلغت أوجها فى الستينات ، هى ظاهرة تستحق دراسة منفصلة .. لكن من المهم هنا أن نقول أن هذه الصحوة كانت مرتبطة بالثورة وبعبد الناصر ، وما كانت لتحدث لولا الثورة الاجتماعية التى كانت تواكبها وتغذيها ، ولولا أن عبد الناصر نفسه كان شغوفا بالثقافة والأدب والفكر والفن .. ولا شك أن هذه الاهتمام اللافت بالثقافة بشكل عام من قائد الثورة نفسه هو أمر فريد لا تجده إلا نادرا فى الزعماء الكبار ، وخاصة الثوار منهم .. ولا نجد له مثيلاً فى البلاد العربية أو فى مصر فى العهد الحديث ... وتدخل فى هذا الإطار أيضاً تلك العلاقة الفريدة المميزة بين عبد الناصر وكاتب صحفي مفكر فى ثقل محمد حسنين هيكل.
إن دور عبد الناصر فى خلق المناخ الملائم لظهور هذه الحركة الإبداعية الثقافية هو دور لا شك فيه ، وليس مصادفة أن حدثت فى عهده النهضة الثقافية الفنية الكبرى .. ولكنها نتيجة تفاعل مع شخصية البطل القومى ومع دراما الحلم التى يمثلها هذا البطل والتى توقظ فى من له موهبة الرغبة فى التوهج والتحليق .
وللذين يقولون إن هذه التطورات الاجتماعية والثقافية كان مقدرا لها أن تحدث كأمر من طبيعة الأشياء حتى لو لم تقم الثورة وحتى تحت الحكم الملكى .. لهؤلاء أقول إن هذا حكم متعسف يرفض الاعتراف بالشمس رغم سطوعها فى وضح النهار .. فالتطور الاجتماعي أو الفنى ليس أمرا مفروغا منه ينتظر أن يحدث طبيعيا مع الزمن .. ولنا أن ننظر إلى ما أصاب الثقافة المصرية والفن المصرى فى الثلاثين عاما الأخيرة .. فيكاد يجمع كتاب مصر ومثقفوها على أن الفن والثقافة والإعلام فى مصر حاليا فى أسوأ حالاتهم.. الثورة وحدها إذن هى صاحبة الفضل فى إطلاق تلك الحركة الفنية والثقافية العريضة والعميقة وليس الصدفة التاريخية ولا التطور الطبيعى..
العلمانية
ومن مآثر الوضع الاجتماعي المتحرر والمتقدم الذى صنعته الثورة أن مصر على مدى عهد الثورة كله لم تتلفح فى وشاح الدين ولا رفع احد الدين كشعار سياسي ولا كان للجماعات السياسية المتأسلمة صوت أو نفوذ . ليس معنى هذا أن عبد الناصر لم يكن مسلما خالصا يمارس صحيح الدين .. بالعكس .. إن حياة عبد الناصر وتصرفاته الشخصية هى أقرب إلى صحيح الدين فى ابتعادها عن اللهث وراء الأموال والمظاهر المادية من ملبس وشراب ومسكن وفخامة وابتذال من تصرفات آخرين قد يتشدقون بالدين ولا يعيشونه .. وقد كتب فضيلة الشيخ الباقورى شيخ الأزهر وقتها انه كان مع عبد الناصر فى مؤتمر باندونج بإندونيسيا فى شهر رمضان ، وانه حين أشار على عبد الناصر بان السفر والجهد المبذول فى المؤتمر يسمح لهم بالإفطار وان هذا مقبول شرعا رفض عبد الناصر أن يفطر وأصر على الصيام رغم المجهود الهائل الذى كان يقوم به فى المؤتمر .. ومع هذا فلم يحاول عبد الناصر أن يستخدم إسلامه وتدينه فى أى أغراض سياسية ، وكان عهد الثورة الذى نشأت فيه وقتها بالمدارس والجامعة كقبطي ، عهدا لم ينظر فيه أحد ، ولا أعلن فيه أحد فى التلفزيون أو من على منبر المساجد ، أن الأقباط المسيحيين كفار .. كما حدث بعد ذلك بشكل متزايد فى عهد السادات .. ولم تقع فيه أى حوادث عنف وإراقة دماء ضد الأقباط – كما حدث فى رئاسة الرئيس "المؤمن" محمد أنور السادات- و منذ حرق كنيسة الخانكة عام 1972م ، وإلى أحداث الكشح المروعة فى مطلع الألفية.. وفى الوقت نفسه كان تحول بعض الأفراد من المسيحية للإسلام يمر مرور الكرام دون مظاهرات باباوية وقسسية ومسيحية غاضبة ومثيرة للفتنة وملقية للاتهامات وضاغطة على الدولة المباركية الهزيلة والضعيفة .. أيضا لم تظهر نعرات تكفير الصوفية وتكفير الشيعة ولم تظهر قنوات عصابات الملتحين والمنقبات من أمثال الرحمة والناس والعفاسى إلخ .. نجحت الثورة إذن فى تأمين السلام الاجتماعي والأمن والنسيج الداخلى إلى أبلغ حد ، وعمل كافة المصريين معا فى الحرب والسلام يدا واحدة ، كما كانوا أيام سعد زغلول وثورة 1919م .. ولكن هذا الإنجاز الاجتماعي الهام بدأ مثل معظم الإنجازات الأخرى الاجتماعية والثقافية والفنية على الأخص – فى التدهور والانهيار من لحظة رحيل عبد الناصر . ويثبت هذا مرة أخرى أن التقدم الاجتماعي والنهضة الثقافية والفنية كانت من صنع عبد الناصر ، ومن إحدى سمات الناصرية المميزة والفريدة .
فلننظر إلى الاهتمامات الشخصية لعبد الناصر بالأدب والفكر منذ بداية ترعرعه .. فنجد أن قراءاته فى المرحلة الثانوية قد شملت "عودة الروح لتوفيق الحكيم "والأيام" لطه حسين وسير حياة صناع التاريخ من عمر بن الخطاب ومحمد على إلى نابليون وبسمارك وفولتير .. وفى صورة من صفحة من مجلة "مدارس النهضة المصرية" عام 1934م تقرأ اسم جمال عبد الناصر فى قائمة المحررين لمجلة المدرسة التى حصل منها على " البكالوريا – أدبي" عام 1936م .. وفى هذه المجلة نشر عبد الناصر – الطالب ذو الستة عشر عاما – مقالا بعنوان "فولتير – نجم الحرية فى سماء القرن الـ 18 " .. كما تشي رسائل عبد الناصر الخاصة إلى أصدقائه وخلال تكوينه حركة الضباط الأحرار بوعيه الفكري والسياسي الناضج والمتمرد على الأوضاع المذلة لوطنه وأبناء أمته .. إن دارسي فن القيادة والزعامة يعرفون أن شخصية القائد وأسلوبه وفكره واهتماماته لها تأثير كبير على أتباعه سواء كان ذلك على مستوى مؤسسة صغيرة أو كبيرة أو على مستوى امة كاملة .. ولهذا لم يكن غريبا أن تحدث فى عهد عبد الناصر المهتم بالأدب والفكر والفن أعظم نهضة ثقافية فى مصر منذ قرون عديدة .. وقد أنشأ عبد الناصر "عيد العلم" لتكريم العلماء والأدباء والفنانين. وفى ديسمبر 1958 أقيم أول عيد ، وكانت أول جائزة تقديرية من عبد الناصر هى لعميد الأدب العربى دكتور طه حسين – تبعه عباس العقاد عام 1959م ، ثم توفيق الحكيم عام 1960م تقديرا من عبد الناصر للكاتب الذى اثر فيه بكتابه "عودة الروح" .. ومن الطريف أن توفيق الحكيم هو الذى كتب بعد نكسة 1967م عن "غيبة الوعي" يبرر فيه انسياقه مع غيره من المثقفين وراء سحر الثورة .. وهو عذر أقبح من ذنب ، فما معنى أن يعتذر مفكر مثقف بفقدانه الوعي على مدى سنوات طويلة رغم انه – كمفكر – لا عمل ولا هم له سوى التأمل والتفكير والوعي ؟!
أما علاقة عبد الناصر الحميمة برموز الفن المصرى الأصيل فى عهده ، أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، فكانت علاقة فريدة ، وقد كان تقليدا وطنيا جميلا أن يقدم عبد الحليم أغنية وطنية مميزة فى كل عيد ثورة ، يغنيها وعبد الناصر يستمع له فى الصف الأول .. وكانت هذه الأغنية تعد حدثا فنيا كبيرا .. استمعنا منها إلى أعمال فنية متكاملة ومميزة فى الكلمة واللحن والأداء ، منها ما تضمن تلخيصا لتاريخ مصر الوطنى ، مثل أغنية "ذكريات" .. ومنها ما كان يلهب المشاعر مثل " يا أهلا بالمعارك" ...أما عبد الوهاب فقد كان ينشد للثورة منذ أول حملاتها العامة لتسليح الجيش .. عندما أنشد "زود جيش أوطانك .. واتبرع لسلاحه" وبلغت وطنيات عبد الوهاب وحدها ما يزيد عن الأربعين أغنية تؤرخ لأحداث الثورة مثل "الله ثالثنا" و "الروابى الخضر" و "والله وعرفنا الحب" و "بطل الثورة" و "ناصر كلنا بنحبك" و "الشهيد" و "أغنية عربية" ، "حى على الفلاح" ، "أصبح عندى الآن بندقية" ، "يا إلهى" ، "الصبر والإيمان" ، "يا مصر تم الهنا" ، "قولوا لمصر" وغيرها كثير .. وأنشدت فايدة كامل أيضا أغان وطنية مميزة مثل "دع سمائى" و "ع الوحدة ما شاء الله" وقد كان ذلك زمنا يحاول فيه القائد مع الشعب تمويل جيشهم من أموالهم الخاصة أو من محصول القطن . وهكذا كانت مشاعر العزة والكرامة والاستقلال هى المحركة لكافة المواقف والمشروعات والمبادرات ...
ويقال أن عبد الوهاب وأم كلثوم لم يجتمعا فى أول عمل فني لهما – انت عمرى – إلا استجابة لرغبة عبد الناصر. ومما يزيد أن أم كلثوم هى الوحيدة التى كرمها عبد الناصر مرتين : بوسام الدولة للفنون عام 1965م . ثم بجائزة الدولة التقديرية عام 1968م .. وعندما فجعها نبأ وفاة عبد الناصر وهى فى موسكو فى رحلة فنية فى سبتمبر 1970 م قطعت رحلتها عائدة إلى مصر حيث لزمت غرفتها فى فترة حزن طويلة ، وألغت موسمها الغنائي لعام 1970-1971 م .
ليس غريبا إذن أن تظل بقلوب المثقفين جميعا حسرة مريرة وهم يعايشون بعده زمنا ساد فيه فقر ثقافى مدقع وتراجعت فيه كافة مظاهر الفن والأدب فى مصر تراجعا موجعا هو هزيمة حضارية لا تليق بمصر الحضارة ، كان سببها هو التنكر لروح ثورة يوليو والتسربل بالأردية الدينية السلفية الوهابية السعودية المصدر وبالأردية المباركية والساداتية والرأسمالية المعادية للاشتراكية. فمع مثل هذا التوجه تخمد كل حركة ثقافية وفنية وإبداعية ، وهو حالنا عبر ثلث القرن الأخير . بينما دولة ناصرية التوجه واشتراكية مثل سوريا بلغت الذرى فى التقدم فى مجال المسلسلات التاريخية والمجال الثقافى وكذا فعلت لبنان والجزائر وليبيا .


وفيما يلى قائمة ببعض الكتب الأجنبية القيمة عن ناصر :




Gamal Abdel-Nasser
Head of State (15-Jan-1918 — 28-Sep-1970)
SUBJECT OF BOOKS
Anouar Abdel-Malek. Egypt: Military Society: The Army Regime, the Left, and Social Change Under Nasser. Random House. 1968. 458pp. Translated from Égypte, société militaire, 1962.
Saïd K. Aburish. Nasser: The Last Arab. Macmillan. 2004. 355pp.
Shaheen Ayubi. Nasser and Sadat: Decision Making and Foreign Policy, 1970-1972. University Press of America. 1994. 276pp.
Raymond William Baker. Egypt's Uncertain Revolution Under Nasser and Sadat. Harvard University Press. 1978. 290pp.
Kirk J. Beattie. Egypt During the Nasser Years: Ideology, Politics, and Civil Society. Westview Press. 1994. 260pp.
Shirley Graham Du Bois. Gamal Abdel Nasser, Son of the Nile: A Biography. The Third Press. 1972. 250pp.
Abdel Magid Farid. Nasser: The Final Years. Garnet & Ithaca Press. 1996. 234pp.
Tawfig Y. Hasou. The Struggle for the Arab World: Egypt's Nasser and the Arab League. Routledge & Kegan Paul. 1985. 228pp.
Muhammad Hasanayn Haykal. The Cairo Documents: The Inside Story of Nasser and His Relationship with World Leaders, Rebels, and Statesmen. Doubleday. 1973. 360pp.
Tareq Y. Ismael. The U.A.R. in Africa: Egypt's Policy Under Nasser. Northwestern University Press. 1971. 258pp.
Nejla M. Abu Izzeddin. Nasser of the Arabs: An Arab Assessment. Third World Centre for Research and Publishing. 1981. 467pp.
Laura James. Nasser at War: Arab Images of the Enemy. Palgrave Macmillan. 2006. 240pp.
James P. Jankowski. Nasser's Egypt, Arab nationalism, and the United Arab Republic. Lynne Rienner Publishers. 2002. 235pp.
Joachim Joesten. Nasser: The Rise to Power. Greenwood Press. 1974. 224pp.
Robert St. John. The Boss: The Story of Gamal Abdel Nasser. McGraw-Hill. 1960. 325pp.
Jean Lacouture. Nasser: A Biography. Alfred A. Knopf. 1973. 399pp.
Robert McNamara. Britain, Nasser and the Balance of Power in the Middle East, 1952-1967: From the Egyptian Revolution to the Six-Day War. Routledge. 2003. 308pp.
Faysal Mikdadi. Gamal Abdel Nasser: A Bibliography. Greenwood Press. 1991. 148pp.
Anthony Nutting. Nasser. E. P. Dutton. 1972. 493pp.
Ivor Powell. Disillusion by the Nile: What Nasser Has Done to Egypt. Solstice Productions. 1967. 137pp.
Owen L Sirrs. Nasser and the Missile Age in the Middle East. Routledge. 2006. 264pp.
Gerald Sparrow. The Sphinx Awakes: The Nasser Regime in Egypt and the Arab Nationalist Movement. R. Hale. 1956. 217pp.
Robert Henry Stephens. Nasser: A Political Biography. Simon and Schuster. 1971. 631pp.
P. J. Vatikiotis. Nasser and His Generation. Palgrave Macmillan. 1978. 375pp.
John Waterbury. The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes. Princeton University Press. 1983. 475pp.
Peter Woodward. Nasser. Longman. 1992. 167pp.
Wilton Wynn. Nasser of Egypt: The Search for Dignity. Arlington Books. 1959. 213pp.