الأحد، 23 أكتوبر، 2011

حتى لا يسرق أعداء الحرية ثورتنا الشامخة

حتى لا يسرق أعداء الحرية ثورتنا الشامخة
منقولة من مدونة كريم عامر


أخيرا نجحت ثورة الشعب المصرى فى إزاحة الطاغية مبارك بعد أن أفاق الشعب المصرى من السبات العميق الذى كان يغط فيه منذ ردح من الزمن ، عانينا خلال تلك الفترة من الظلم والفساد والاستبداد وغياب سيادة الشعب لصالح فئة بعينها تحكمنا وتتحكم فى مصائرنا ، انتهت هذه الفترة العصيبة من تاريخ مصر بثورة بيضاء أشعلها الجيل الصاعد من شباب مصر الذى استخدم قوة الإعلام الجديد المتمثل فى المدونات ومواقع التواصل الاجتماعى فى تحريك الشارع وإشعال الثورة ليسقط الطاغية بعد أيام قليلة من خروج الناس إلى الشارع للمطالبة برحيله ومحاكمة رموز الفساد المحيطين به .
لم يكن أشدنا تفاؤلا يتوقع أن تكون نهاية مبارك وزمرته الفاسدة بهذا الشكل ، صحيح أن النظام كان يترنح ، وكان العنف الغير مسبوق تجاه المحتجين يحمل دلالات بالغة على قرب ساعة السقوط ، ولكن لأن معظم أبناء جيلى من الشباب لم يعاصروا رئيسا آخر لمصر ، ولم يسبق لهم أن رأوا تغييرا سلميا يحدث فى المنطقة العربية ، فكانت توقعاتهم بإسقاط هذا النظام أشبه بالحلم الذى لا سبيل إلى تحقيقه ، ولكن هذا لم يمنعهم من العمل والنضال فى سبيل تحقيق هذا الحلم ولسان حالهم يقول " وعلى أن أسعى وليس على تحقيق النجاح " .
لكن الحلم تحقق بشكل غير مسبوق ، اجبر الرئيس على التخلى عن منصبه ، وأحيل الفاسدين إلى المحاكمة وجمدت أرصدتهم ، وفرحنا كثيرا عندما زفت لنا الأنباء خبر حبس وزير الداخلية السابق حبيب العادلى الذى يشغل الآن نصف زنزانة فى سجن مزرعة طره يشاطره مساحتها المتواضعة احد الوزراء الفاسدين السابقين ، وانتشينا عندما شاهدنا أمين تنظيم الحزب الوطنى السابق احمد عز وهو يقاد إلى محبسه فى سجن مزرعة طرة وينتظر فى قفص المحكمة مع زملائه الوزراء السابقين ، تماما كما كان يحدث مع ضحاياهم فى السابق ، وزادت فرحتنا عندما أمر السيد المستشار النائب العام بتجميد أرصدة الرئيس المخلوع وزوجته وولديه وزوجتى ولديه حتى يتم التحقيق فى مصادر ثرواتهم التى نهبوها من الشعب دون وجه حق ، شعر أبناء جيلى حينها أنهم يكتبون صفحة جديدة فى كتاب التاريخ ، كتبوها بدماء شهدائهم وجرحاهم ، والإصرار على البقاء فى ميدان التحرير رغم كل المخاطر التى كانت تهددهم هناك ، ورفض أى محاولة لإجهاض ثورتهم ومنع حلمهم من أن يرى النور .
وفى مساء الخميس الحادى عشر من فبراير الجارى ، كانوا على موعد مع النصر ، عندما أُعلن عن تخلى مبارك عن رئاسة البلاد بعد فترة عصيبة عانت فيها بلادنا الأمرين جراء حكمه الاستبدادى وفساده هو وزمرته ونهبهم للمال العام وإذلالهم لأبناء شعبهم وسعيه لتوريث حكم البلاد لنجله ، خرجوا جميعا يحتفلون بانتصارهم ، ويؤكدون للعالم أنهم قادرون على صنع التغيير مهما كانت العقبات التى تقف فى طريقهم ، اعترف العالم عن بكرة أبيه بانتصار هذه الثورة العظيمة ، وخرج الرئيس الأمريكى باراك أوباما يشيد بشباب ميدان التحرير ويؤكد أنهم أعطوا العالم درسا فى التغيير السلمى .
انه بعد أن نجح الشباب فى إزاحة مبارك وزمرته الفاسدة عليهم أن يدركوا أن المعركة لم تنته بعد ، فالتغيير الكامل نحو الحرية الكاملة والديمقراطية الحقيقية ينقصه بعض الخطوات اللازمة كى تنجح هذه الثورة ونمنع أعداء الحرية من الانقضاض عليها واغتصابها .
إن الحديث عن تعديل بعض مواد الدستور المصرى غير كاف على الإطلاق ، محمود بالطبع أن نعدل المواد التى كانت تضع قيودا على المواطنين فى ممارسة حقوقهم السياسية ، ومحمود أيضا أن نحد من سلطات الرئيس القادم وان نلغى العمل بقانون الطوارىء ، ولكن لا ينبغى أن نغفل المادة الثانية من الدستور التى تنص على الاسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية والشريعة الإسلامية المصدر الريسى للتشريع ، هذه المادة التى وضعها الرئيس الراحل أنور السادات كى يغازل بها الجماعات الإسلامية والتى غدرت به فيما بعد وأجهزت عليه .
الجماعات المتطرفة السلفية تعمل الآن فى الشوارع ، تنشر فكرها العفن وتستغل المناخ السائد حاليا فى الترويج لها و لتطرفها، هم يطالبون بعدم المساس بهذه المادة ويسعون أيضا إلى تفعيلها ، وهو الأمر الذى لن يحدث إلا بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية كما هو الحال فى السودان وإيران والسعودية وأفغانستان تحت حكم طالبان ، يقومون هذه الأيام بجمع توقيعات من المواطنين للضغط لتحقيق هذا المطلب الذى يتنافى مع المواطنة ويعيد مصر إلى العصور السحيقة ، ويصبغها بصبغة دينية إسلامية .
إننا عندما قمنا بهذه الثورة ودعمناها لم نكن نسعى لاستبدال حكم الطاغية المخلوع حسنى مبارك بحكم الوهابيين الذين يسعون لتحويل مصر إلى إمارة إسلامية لا تختلف كثيرا عن أفغانستان تحت حكم طالبان ، هؤلاء السلفيون لا يجب أن ننسى أنهم كانوا فى البداية ضد الثورة ، وهم من أصدروا البيانات بأوامر من جهاز مباحث أمن الدولة التى تحذر من الخروج على الحاكم ، وهم الذين كانوا فى السابق عملاء للنظام ولأجهزته الأمنية .
على شباب الثورة أن يتنبهوا لهذا المخطط الوهابى السلفى المدعوم بأموال الخليج النفطية ، داعمو هذا المخطط يحسدون شعب مصر ويحقدون عليه ويريدون لنا أن نرتد إلى الوراء مرة أخرى ، ولا يجب أن نسمح لهم بذلك ، ولن نسمح لهم .
إن دماء الشهداء التى سالت على ارض مصر خلال هذه الثورة المباركة تستغيث بنا لإفشال هذه المخططات السلفية القذرة ووضع هؤلاء المتطرفين فى حجمهم الطبيعى وعدم السماح لهم باستغلال تضحيات هؤلاء الشهداء والتسلق عليها لتحقيق أهدافهم .
إننى على استعداد أن ادفع حياتى ثمنا كى لا تتحول مصر إلى دولة إسلامية تحكم بشريعة غابرة أكل الزمان عليها وشرب ، ولا اعتقد أن الشرفاء من شباب الثورة العظيمة سيسمحون لهؤلاء المنافقين بتحقيق رغباتهم على حسابنا ، وهم على استعداد لبذل المزيد من الدماء حتى لا تتحول مصر إلى دولة دينية مليئة بالظلم والاستبداد المعتمد فى هذه الحالة على نصوصهم الدينية التى لا يجرؤ احد على معارضتها والوقوف فى وجهها وإلا عد مرتدا خارجا عن الاسلام حلال دمه .
وعلى أبناء الأقليات الدينية أن يدركوا أن هذه هى معركتهم الحقيقية ، وان عليهم أن يقفوا فى خندق واحد مع العلمانيين المصريين فى معركتهم ضد تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وتغيير الدستور إلى دستور مدنى كامل لا يضفى أى صبغة دينية على الدولة ولا يميز بين المواطنين على أساس المعتقد الدينى لأى منهم ، الأقليات الدينية من المسيحيين والبهائيين واليهود وغيرهم ينبغوا أن يدركوا جيدا أن وصول الإسلاميين للسلطة سيزيد الأمور تعقيدا وأنهم يجب أن يتصدوا معنا بكل قوة لهذه المخططات الخبيثة التى تسعى لتحويل بلادنا إلى معقل آخر من معاقل طالبان والقاعدة .
لا أريد أن يأتى على يوم اندم فيه على مشاركتى فى هذه الثورة التى أراها حتى الآن عظيمة وشامخة ، إننى حين شاركت فيها لم أكن أسعى لتغيير الحكم القمعى المستبد بآخر دينى أكثر قمعا وظلما واستبدادا ، سأبذل دمى إن كان هو الثمن الذى ينبغى أن ادفعه حتى أحول دون ذلك.