الأحد، 23 أكتوبر 2011

دعوة حرب دينية في ليلة زفاف

دعوة حرب دينية في ليلة زفاف
كتب حمادة حسين العدد 4311

السبت الموافق - 22 يناير 2011
الإسكندرية بعد سبع سنوات من الغياب، تبدو أجمل وأبهى مما هي عليه بالفعل.. الشوق والحنين رسموها كقطعة من أوروبا أو الجنة، رغم أنني كنت مهموماً بمعايشة عروس البحر بعد حادث القديسين. أولي المفاجآت غير السارة كانت أني تورطت في حضور عقد قران عروسين لا أعرفهما في الحي الأكثر دفئا، محرم بك ولأنها المرة الأولي التي أحضر فيها عقد القران، فقد صدمني اختلاف الطقوس عما هو معروف حتي في الأفلام والمسلسلات، وأهمها غياب بزيه المشهور وعمامته الأشهر أو حتي ببذلته التي تناسب الأحياء الراقية.
شابان.. أحدهما في بداية الأربعينيات والثاني يقترب منها، بجلباب قصير ولحية منطلقة بلا رعاية أو اهتمام .. الأول سيقوم بدور المأذون والثاني هو السنيد أو لعله مأذون تحت التمرين.. البيت يضيق بأهله والعدد محدود جدا من المدعوين، اثنتان من صديقات العروس وأربعة من أصدقاء العريس أحدهم هو الذي ورطني.
اخيرا.. المأذون بدأ المراسم، مجرد دقائق وتنتهي الورطة المزعجة، هكذا تمنيت.. لكن المأذون أنهي عقد القران وبدأ خطبة طويلة وعجيبة.. حتي إن أحد أقارب العروس قال يائسا: لو طلبنا مأذونا عاديا سيكلفنا دم قلبنا،ولو استعنا بمأذون من السلفيين سيحول المناسبة المبهجة إلي دعوة لفتح إسلامي جديد بإعلان الحرب المقدسة علي أي شيء وكل شيء يراه عدوا، وعداوته مفتوحة علي البحري، وبالتحديد مع كل ما هو غير سلفي.
--
بدأ المأذون باستدعاء كل الأحاديث التي تعلي من قيمة النكاح في الإسلام باعتباره الطريقة الأسرع للإنجاب ودعم الأمة الإسلامية من حيث العدد، لاسيما أنها تعاني الضعف والتفكك والترهل نتيجة ابتعادها عن القرآن والسنة والرؤية السلفية.. يا إخواني.. كلكم تلمسون الحرب التي يشنها الأعداء علي الإسلام ونبيه الكريم وأمته المضطهدة حتي من أغلب أبنائها.. وإنك عندما تحدد النسل أو تنظمه، فأنت تساعد الأعداء وتخالف الشرع وأحد أهم حدود الله.
--
يا إخواني: يقولون لك إن الظروف الاقتصادية قاسية وإنجاب أكثر من طفلين أشبه بعملية تعذيب تحول البراءة إلي نقمة أو لعنة.. ومثل هذا القول يمثل نوعا من الحرب التي تقصم ظهر الأمة الإسلامية، وخطورتها أنها داخلية.. أي تجيء من ناس «مفترض» أنهم مسلمون.
البنات يأتين إلي حيث يجلس المأذون مشدودات إلي النبرة التحريضية العنيفة التي يتكلم بها.. العروس خرجت من الأجواء الاحتفالية وركزت في المسئولية التي يلقيها عليها المأذون، والدور الذي يتعين عليها أن تلعبه لدعم أمة الإسلام.. والدة العروس انزوت في غرفة جانبية، يدها علي خدها ودموع الخوف أقرب إليها من دموع الفرح.. الصالون الذي يخطب منه المأذون ضاق بالمعازيم الذين غلبهم التململ والانزعاج والإحساس بالأسر.. ولا أحد قادر علي لفت اهتمام المأذون إلي أنه علي فرض وجود منطق في كلامه فإن المناسبة لا تحتمل.. الكل يخاف أن يتهمه المأذون في دينه، أو يضمه في لمحة بصر إلي معسكر الأعداء .. خاصة أنه فعل ذلك مع الذين أدانوا الحادث المأساوي الأخير.. حتي إنه شبههم بقوم «بلقيس» وتوعدهم بنفس المصير.
أحد أقارب العروس همس في أذني: كيف ستنتظر أمة الاسلام تسعة شهور في هذا الترهل والضعف إلي أن ينجب العروسان.. وماذا لو كان مكتوباً لهما تأخر الإنجاب، أو الحرمان منه لا قدر الله؟!! المأذون مستمر في دعوته للجهاد والتي تعدت 45 دقيقة، خرج بعدها المعازيم يتندرون: إلي الجهاد يا أمة الإسلام.
لم تنطلق زغرودة واحدة.. والخطبة هي الشيء الوحيد الذي جعلني أصدق أن حادث تفجير الكنيسة كان هنا.. في الإسكندرية.