الأحد، 23 أكتوبر، 2011

العقوبات البدنية التى يريد السلفيون والإخوان تطبيقها بمصر تخالف حقوق الإنسان

العقوبات البدنيّة بقلم : المحامية /Najlaa El Khalifa (Lawyer)
 
ديسمبر 31, 2010,
العقوبات البدنيّة
شريط الفيديو الذي يظهر الجلد العلني لامرأة على أيدي اثنين من الشرطة في أم درمان يمثل عنصر تنبيه حي لممارسة العقوبات البدنية في السودان. ومع كل ما تحدثه مشاهدة الفيديو من ألم فإن ظهوره يمثل تطوّراً هاماً يسلط الضوء الشديد على وضع تملك فيه الشرطة في ما يبدو سلطات واسعة وتعسفيّة لإنزال العقاب والإهانة على المئات إن لم يكن الآلاف من النساء والرجال كل عام (لا توجد بيانات دقيقة حول حجم الجلد لكن الأدلة التي تروى توحي بأنها ممارسة معتادة). إن التشريعات التي تجاز وفرضها بشكل روتيني في عدد واسع من الجرائم ذات الصلة بـ (النظام العام) وتنفيذها التعسفي ظلت تثير المخاوف منذ فترة طويلة. ويقدم الفيديو كل هذه المخاوف في كبسولة مركزة؛ وقد حرّك احتجاجات في شوارع الخرطوم وغيرها. وانضمت المنظمات الشريكة في مشروع إصلاح القانون الجنائي في السودان إلى الدعوات الهادفة لإنهاء العقوبات البدنية ، والتي حددها المشروع كواحدة من الجوانب التي تحتاج للإصلاح. والعقوبات البدنية تتعارض مع المادة 27(3) من وثيقة الحقوق السودانيّة كما تتعرض مع المعايير الدولية الملزمة للسودان. وبالطبع هناك اتجاه متنامي لإلغاء هذا النوع من العقوبة في أفريقيا وغيرها. ومن الأمور الهامة أن السودان نفسه قد حرّم العقوبات البدنية على الأطفال في المدارس كعقوبة لجرائم في قانونه الخاص بالطفل الذي صدر مؤخراً.، لكنه لم يتخذ بعد الخطوة التالية بتوسيع هذا الحظر ليشمل العقوبات القضائية بالنسبة للبالغين.
بعد الاحتجاجات العامة والإدانة للجلد ذٌكر أن الرئيس البشير دافع عن الجلد وأدلى بملاحظات بأن السودان سيحكم بشكل كامل بقوانين الشريعة الإسلامية إذا صار الجنوب مستقلاً. إن هذا التصريح يثير المخاوف لأنّه إشارات من هذا النوع ظلّت تستخدم في أوقات عديدة في تاريخ السودان لتبرير فرض عقوبات بدنية متشددة كوسيلة للقمع. وهي مضرة بشكل خاص بأولئك الذين يصطدمون بتصورات الآداب العامة وبالتالي فإنهم يكونون الأكثر عرضة للجلد. وهذه التطورات تعكس مخاوف أوسع حول ما إذا كان سيتم الالتزام بحماية حقوق الإنسان التي توفرها وثيقة الحقوق في الترتيبات الدستورية المستقبلية وفي الممارسة، وهي الوثيقة التي تتضمن احترام السودان لالتزاماته الدوليّة.
ظلّت هيئات اتفاقيات حقوق الإنسان تسلط الضوء بشكل متكرّر على عدم مواءمة العقوبات البدنية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وتدعو السودان لإلغائها. وقد أصدرت مفوضية الاتحاد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب سلفاً حكماً في قضية تتعلق بجلد طلاب في الخرطوم بموجب المادة 152 من القانون الجنائي لعام 1991. ففي قضية كورتيس ضد السودان (360/00) قضت المفوضية عام 2003 بأنه" ليس هناك حق للأفراد وبشكل خاص لحكومة بلد أن تطبق عنفاً جسديّاً على فرد في جرائم. وقد يرقى مثل هذا الحق لمستوى معاقبة الدولة التي تمول التعذيب بموجب الميثاق(الإفريقي)، ويتعارض مع طبيعة هذه الاتفاقية الخاصة بحقوق الإنسان نفسها." وبعد أن وجدت المفوضية أن هناك انتهاكاً للمادة 5 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (حظر التعذيب) طلبت من" حكومة السودان أن : تعدل فوراً القانون الجنائي لعام 1991 ليتسق مع التزاماتها بموجب الميثاق الإفريقي وغيره من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة، وإلغاء عقوبة الجلد، واتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان تقديم تعويضات للضحايا."
عبرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في ملاحظاتها الختامية حول تقرير دولة السودان الطرف بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، عن قلقها عام 2007 تجاه" سلم القيم المطبق في ما يتعلق بالعقوبات في تشريعات الدولة الطرف. وتعتبر أن العقوبات البدنية، بما في ذلك الجلد وقطع الأطراف ممارسة غير إنسانية ومهينة." وبالتالي فإن اللجنة أوصت بأنه" يجب على الدولة الطرف أن تلغي كل أشكال العقاب التي تخالف المادة 7 والمادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية." وقد رفض السودان هذه التوصية في رده على لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2009 بـ " أنه (السودان) يرى أن عقوبة الجلد، والتي تنفذ بشرط ألا تتسبب في الم فظيع أو تترك أي علامة ، وألا تتم إلا بعد استشارة طبيب، تعتبر خياراً أفضل من العقوبة البديلة، عقوبة السجن تحديداً، والتي لها تبعات اجتماعية وتهدر فرص التوظيف. وفوق ذلك فإن عقوبة الجلد لا تنفّذ علناً."
يظهر شريط الفيديو التحديات المستقبلية التي ستعقب الاستفتاء ونهاية المرحلة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل في منتصف 2011. إن اتفاقية السلام الشامل، وبكل أشكال القصور الواضحة فيها، قدمت إطاراً هاماً يكمن فيه التعبير عن المخاوف الخاصة بحقوق الإنسان . وسيحتاج المجتمع المدني في الشمال والمجتمعات المحلية التي تطالب بحقوق متساوية والقوى السياسية المنفتحة نحو الإصلاح أن تبني على التقدم الذي تحقق في ظل ظروف سياسية صعبة. والتحدي المباشر الذي يطرحه الاستفتاء من منظور حقوق الإنسان هو منع العنف وحماية حقوق المواطنة بالنسبة للجنوبيين الذين يعيشون في الشمال. وفي حالة النتيجة المتوقعة بالتصويت لصالح الاستقلال فإن الجنوب سيواجه بمهمة في غاية الصعوبة ببناء أمة ودولة قادرة على أداء مهامها تكون حقوق الإنسان مصانة فيها. وسيكون الإصلاح القانوني والدستوري ، بما في ذلك المراجعة الدستورية المتوقعة، هاماً في هذا المضمار بشكل خاص.
أيّاً كانت المحصلة النهائية، فإن الاستفتاء يمثل حدثاً ذا أهمية كبيرة للسودان وللمنطقة. كما أنه يعتبر، في حد ذاته ، تمريناً هاماً في مجال حقوق الإنسان: الحق الجماعي في تقرير المصير. وهذا التمرين والتحديات العديدة التي ستليه تحتاج لمساندة قوية وحاسمة من الكيانات الوطنية والإقليمية والدولية تستند إلى معايير واضحة لحقوق الإنسان وتأخذ في الاعتبار تنوع الأصوات السودانية. ويلعب الاتحاد الإفريقي على وجه الخصوص دوراً حاسماً عند الانخراط في هذه العملية. وهذا يشمل الحاجة إلى العمل نحو تنفيذ توصيات لجنة الاتحاد الإفريقي العليا حول دارفور ولكفالة احترام الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وغيره من الصكوك ذات الصلة في كل أجزاء سودان (سودانات) المستقبل.
برنامج إصلاح التشريعات الجنائية-السودان ريدرس