الأحد، 23 أكتوبر، 2011

إلا السيناريو السلفى

إلا السيناريو السلفي
مصطفى مجدي الجمال

الحوار المتمدن - العدد: 3360 - 2011 / 5 / 9

المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
صديق العمر الأديب الكبير محمد المخزنجي، زميل جامعة المنصورة في أوائل السبعينيات وطالب الطب وقتذاك، كان يبهرنا بحبه للحياة رغم قسوة الحياة عليه وعلينا.. وكان يتعامل مع السياسة بأسلوب حياة مختلف تمامًا عن أسلوبنا..
كنا منغمسين في المناقشات الأيديولوجية عن تحليل طبيعة نظام السادات، وعن طبيعة المرحلة الثورية.. إلى آخر تلك الإشغالات التي كانت تحتل أذهاننا الغضة وأرواحنا المتوثبة.. أما هو فكان يمقت هذه السياسة الكئيبة، ويتحدث دوما عن سياسة جميلة تجعل الإنسان مقبلاً على الحياة وراغبًا في البناء.. وكان يرى أن الثوري الحقيقي هو الذي لا يكتفي بالتحليلات السياسية الغارقة في الاقتصاد والطبقات وما إلى ذلك.. وكم كان يزعجه غياب الثقافة عن كتاباتنا ومناقشاتنا.

وإذا كان هذا هو حال المخزنجي معنا.. فما بالكم بالحوارات التي كان يجريها مع زملائه الطلاب من التيارات الإسلامية.. ومن الطريف أن بعض هؤلاء يقودون الآن جماعات كبيرة وسط الإسلام السياسي.. بما فيها التنظيمات الشيعية الجديدة.. كان محمد المخزنجي قوي الشكيمة في حواراته معهم، وغير هياب لاتهامات التكفير وحتى الشتائم.. ولم يقبل المخزنجي بأقل من التصدي الشامل والكامل لهم دون القبول بأي أطروحات عن التكتيك.. فقد رآهم خطرًا ماحقًا لا بد من استئصاله قبل أن يستفحل.. ولكم كان بعيد النظر في هذا.
كنا في الحقيقة نشفق على زملائنا الطلاب المنجذبين إلى تلك الجماعات، بقدر ما كنا نتضايق من اختياراتهم السياسية.. وخاصة تحالفهم مع السادات وأجهزته الأمنية، أو على الأقل تغاضيهم عن العوار الكبير في سياساته.. أما الشفقة فمبعثها أن هؤلاء الطلاب كانوا في الغالب من الريفيين الأنقياء، وبعضهم من المتفوقين دراسيًا، الذين صدمتهم المدنية وعانوا من حرمان مادي كبير، فعالجوه بالتسامي على مباهج الدنيا التي لا يطولونها وهم في ريعان الشباب.. فكانت حياتهم شظفًا في شظف.
غير أن شبكات الخدمات المتبادلة التي أنشأتها تلك الجماعات، قد ساعدتهم فيما بعد على حل كثير من مشكلاتهم المادية بدءًا من توفير عمل في الداخل أو الخارج، وانتهاءً بالمساعدة حتى في التزويج المبكر.. وفوق هذا وذاك أصبح الواحد منهم زعيما لجماعة صغيرة تأتمر بأمره وتطيع كلماته.. وبهذا تكتمل شخصيته وتتحقق ذاته.
كل هذا لا بأس منه في حد ذاته طالما ظل اختيارًا فرديًا.. ولكنه يتحول إلى كارثة عندما يبدأ الواحد منهم في التهجم على مسلك الآخرين خارج جماعته.. ويستخدم معهم آليات مختلفة للابتزاز وربما التشهير كي ينصاع لمنطق وأسلوب حياة الجماعة..
*******
وللترويح عن القارئ أذكر واقعة طريفة حينما كنت طالبًا وقادني الفضول إلى معسكر للجماعة الإسلامية بالجامعة.. وحدث أن جاء وقت الطعام فنهرني أحدهم لأنني كنت آكل واقفًا وأمرني بالجلوس فجلست.. وحينما بدأت في تناول العنب.. قال لي جاري الطالب، ولكن بتهذيب هذه المرة: المأثور أن يؤكل العنب هكذا.. ورفع العنقود في الهواء وأخذ يلتهم الحبات دون استخدام أصابعه.. وتعجبت وقتها.. من أين أتوا بهذه المعلومة الشاذة، وما الضرر من تفريط العنب.. بل ما الداعي لهذه الشكليات والرمزيات.. اللهم إلا إذا كانت الرغبة في أن تطيع دومًا الأمير.. فإذا كنت ستأكل العنب كما يأمرك، فما بالك لو طلب منك ما هو أعظم وزنًا من أكل العنب.
والطرفة بالطرفة تذكر.. حدث في أبريل 1989 أن تم اعتقالي في قضية أمن دولة وأرسلت مع رجل لم أصادفه من قبل في حياتي .. وكان صاحب مكتبة قيل إنه عضو في لجنة الشئون الدينية بالحزب الوطني في المنصورة، وكان يراد منه أن يكون شاهد زور علي ليدعي أنني أعطيته 4 آلاف جنيه مقابل طبع منشورات.. ولكن الرجل لم ينفذ رغبتهم فوضعوه في القضية معي كي يتحول من شاهد زور إلى شاهد ملك، ولكنه لم يستطع أيضًا أن يحقق لهم طلبهم وتعرض لتعذيب بشع بعد هذا.
ووصلنا إلى سجن الاستقبال الرهيب في طرة.. ووضعونا في زنزانة غريبة لا تزيد مساحتها عن متر في متر ونصف أرضها مبللة وبدون أي غطاء أو طعام أو زيارات.. وكانت كل علاقتنا بالعالم هي نافذة صغيرة جدًا.. تأتينا منها أصوات المسجونين من الجماعة الإسلامية.. وحينما استمعت إلى تلاوة أحدهم للقرآن الكريم بكيت بحرقة للمرة الأولى في هذه الحبسة لأن صوت الشاب القارئ كان جميلاً بشكل لا يصدق.. كان الوقت شهر رمضان.
ولكن التعذيب الحقيقي الذي عشناه هو أننا كنا نشم روائح نفاذة وجميلة لقلي البطاطس وسلق اللحم بينما نحن نتضور جوعًا.. وأنا لا أفعل شيئًا سوى التدخين بشراهة.. وعرفنا فيما بعد أن إدارة السجن تسمح لأعضاء الجماعة بمطبخ كامل في زنازينهم.. وحينما فتح الشاويش الباب ذات مرة ليتمم علينا رأيت أكثر من مسجون ملتحٍ يحمل أحدهم على ظهره جوال بطاطس وآخر جوال أرز وكميات مهولة من الطماطم والخيار والمكرونة.
عرف مسجونو الجماعة الإسلامية أن هناك رجلين في هذه الزنزانة الفظيعة في الدور الأرضي.. وربما كانت تحت الأرض لأنني لم أتبين موقعها بالضبط.. فأخذوا يأتون إلينا في كل فسحة ويعطوننا من بين قضبان شباك في أعلى الجدار: حلاوة طحينية وعجوة وبسكويت للإفطار.
وفي يوم تسبب زميلي في الزنزانة في خسارة كل هذا الدعم "الرفاقي".. حينما سأله أحدهم : عايزين حاجة تانية يا شيخ؟ فرد العبقري: أيوه عايز ماكينة حلاقة!! ومن لحظتها فقدنا هذا الشريان الهام في الحياة.
هكذا تكون أهمية اللحية عندهم.. حتى أنها تمنعهم عن واجب إنساني.. بينما الدين يأمرهم بالرفق بالحيوان، بل وحتى بالأسرى الكفار.
أما الواقعة الثالثة التي أذكرها للقارئ فقد وقعت لطالبة في كلية الطب أعرفها شخصيًا، قادها حظها العاثر لامتحان شفوي على يد أستاذ مخضرم معروف باتجاهاته السلفية.. ورغم أن البنت قد أجابت عن أسئلة الممتحن كلها فإنه فاجأها بعتاب خشن بقوله: ولما أنت مذاكرة كويس كده مانتيش محجبة ليه؟ وكانت الطامة التي صدمت الطالبة أن منحها درجة منخفضة رغم أنها من المتفوقات.. ذلك لأن الأستاذ رأى أن درجة الامتحان الشفوي تتضمن أيضًا تقييمه للسلوك والمظهر الشخصي للطلبة.. وبالأحرى تقييمه العقيدي.

فإلى أين يقودنا هؤلاء..
******
ربما كان الإخوان قد انضموا للثورة بعد جمعة الغضب حينما لاحت أمامهم بوادر نجاحها.. ولكن من المسجل تاريخيًا أن السلفيين لم يظهروا في الصورة إلا مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية.. أي أنهم لم يسهموا في الثورة بشروى نقير.. بل من الثابت على شيوخهم المنتشرين على الفضائيات وفي المساجد أنهم رفضوا صراحة الخروج على الحاكم.. وها هم الآن يفعلون كل ما في وسعهم لحرف الثورة عن مسارها الطبيعي وإدخال المجتمع المصري في دهاليز المناكفات والقضايا الجزئية والشكلية، بل وفي جحيم الفتنة الطائفية، والفتن المذهبية داخل المعسكر الإسلامي نفسه.
وإذا كان لي أن أتحدث بصراحة أكثر. فإن الشعب المصري من أكثر شعوب العالم ميلاً إلى التدين، والدين يحتل مساحة كبيرة في حياته اليومية.. إلا أنه من العيوب التي يجب أن نعترف بها في الشخصية المصرية المتدينة ميلها إلى تغليب الشكليات والطقوس والرموز، ومن ثم كانت الشخصية المصرية سهلة التعرض للابتزاز من جانب التيارات الوهابية البدوية.. فأحالت كل شيء في الحياة إلى حرام أصلاً، حتى كاد الحلال أن يكون هو الاستثناء.
بالطبع أسهم في هذا جملة كبيرة من العوامل الاجتماعية.. غير أن أهم العوامل ارتبط بفترة الإدارة الأمريكية في عهد ريجان التي ارتأت الاستفادة بالتيارات "الإسلامية" بكافة فرقها في الصراع مع الشيوعية وحركات التحرر القومي. ودخل السادات والسعودية وباكستان بقوة على هذا الخط.
وحينما بدأت الإدارة الأمريكية والنظم التابعة لها تتصدى- بعد انهيار المعسكر الشرقي- للخطر الذي خلقته بنفسها.. كان الكثير قد تراكم على ساحة الثقافة المجتمعية، فيما يحتاج إلى أكثر من جيل لعلاجه.. إذ إن الردة التي حدثت على قيم التنوير والحداثة بلغت مستويات رهيبة وأحدثت تراكمًا من طبقات الجهالة والتعصب يتطلب معالجة شاملة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وحتى نفسيًا.
إن القنوات الدينية والبرامج الدينية المتخمة بجيش من الدعاة غير المؤهلين أحيانًا.. قد أحالوا حياتنا إلى حالة من الهوس.. وليس هناك أي تسمية علمية غير هذه.. فقبل كل عمل وتصرف مهما كان صغيرًا هناك دعاء لا بد أن تتلوه، أو صلاة استخارة لا بد أن تقوم بها.. وكل شيء لا بد أن تعرضه على الداعية الذي تقتدي به.. والمصيبة الأعظم ستكون اختلاف "اجتهادات" هؤلاء الدعاة.. وقد يرى البعض أن اختلافهم رحمة. لكن يؤسفني القول إن الحال ليست هكذا.. لأن الجو المحتقن في ما يسمى مجال الدعوة في مصر الآن يدفع بالخلاف في أبسط المسائل إلى درجة التكفير.
المهم أن السلفيين يتحركون الآن كقوة سياسية حتى لو أنكروا.. ومن ثم سيدخلون في مساجلات وصدامات مع المجتمع ككل.. وبالطبع مع الإخوان المسلمين والجهاديين والوسطيين والأزهريين والصوفية.. فأي سيناريو هذا الذي ينتظر مصر؟

إن الشباب الذين تلقوا الرصاص في صدورهم وفوق رؤوسهم لم يخطر ببالهم قط أن تضحيتهم ستكون هذه نتيجتها.. الارتداد بمصر إلى عصور الفتن والجهالة.
قد يرى بعض الليبراليين أن هذه هي الديمقراطية وعلينا أن ندفع ضريبتها.. لكن أي ديمقراطية هذه التي تسمح بالافتئات على حقوق الآخرين.. خاصة الفئات المستضعفة والمخالفة مثل المرأة والأقليات والقوى العلمانية.
وقد يتصرف الإخوان المسلمون وغيرهم من تيارات "إسلامية" بانتهازية ونفعية فجة تحاول الاستفادة من "المد الإسلامي" العام في المجتمع، على أمل أن تقع الثمرة أخيرًا في حجرهم. ولكنها انتهازية سيدفع المجتمع المصري ثمنها غاليًا من حريته ووحدته.. وساعتها سيندم الجميع.
أخيرًا.. كان الصديق محمد المخزنجي- وهو طبيب نفسي- وآخرون غيره يرون أن هؤلاء الذين يريدون إعادة الماضي بحذافيره قد يحتاجون إلى معالجة علم النفس الاجتماعي، مثلما نحتاج في مقاومتهم إلى جهد ثقافي تنويري هائل.. فنحن لسنا إزاء جماعات محدودة العدد، وإنما أمام جحافل تزايدت أعداهم في مناخ الاستبداد والإرهاب البوليسي، والتواطؤ الأمني أيضًا. ونحن أيضًا أمام تخرصات مزيفة تعتدي على سماحة الدين نفسه وليس من اليسير القضاء عليها بعدما تحولت إلى ما يشبه التضاريس الجغرافية في أفهام البعض.
غير أنني أرى أيضًا أن على القوى السياسية الديمقراطية مسئولية تاريخية كي تتوحد فيما بينها دفاعًا عن مشروع الدولة الديمقراطية المدنية.. أن تتوحد على برنامج عام لقيام هذه الدولة، وأن تتوحد أيضًا في مواجهة كافة السيناريوهات الأصولية، وأخطرها السيناريو السلفي.. سيناريو مضمونه أن يتحكم في حياتهم أناس لا يحبون الحياة.. ولا يستمتعون بالفن والأدب.. وليس لديهم الشغف الإنساني الطبيعي بالتعرف على الثقافات الأخرى والتفاعل معها.
وهو سيناريو لا تستحقه مصر بالمرة.. فماذا نحن فاعلون؟