الأحد، 23 أكتوبر، 2011

عودة مواسم الهجوم على الثورة

عودة مواسم الهجوم على الثورة
بقلم : د. عاصم الدسوقي
ما قاله أسامة الغزالى حرب فى الهجوم على الثورة لا يعدو أكثر من عبارات منزوعة من سياق ظروفها الموضوعية وإطلاق أحكام أخلاقية مثالية على وقائع التاريخ وصراعاته خارج شروط المنهج العلمى وأحكامه »محمد نجيب هو الذى قدم استقالته فى 22 فبراير54 ليحرج مجلس قيادة الثورة لكن الاستقالة قبلت فى 25 فبراير وتولى ناصر رئاسة الوزارة وتجمع مختلف الروايات على أن خالد محيى الدين اعترض على قبول الاستقالة لأنه كان يرى فى تمسك نجيب بعودة الحياة الحزبية فرصة لليسار المنتمى إليه .

منذ بدأ الحديث يزداد ضراوة وحدّة عن التغيير السياسى فى مصر وخاصة فيما يتعلق بالمادتين 76 و77 من الدستور منعا للتوريث أو التمديد، تكونت جماعات هنا وهناك ترفع شعار التغيير وتتجمع فيما بينها فى محاولة لتكوين جبهة أو ائتلاف من أى نوع وبأى درجة.
وسرعان ما تختلف ويعود كل منها إلى حالته الأولي. وليس فى هذا ما يعيب بل إنه يعبر عن حيوية الشخصية المصرية، ولكن العيب كل العيب أن كل طامح أو طامع فى التغيير وتولى رئاسة البلاد لا يجد مشروعية لتقديم نفسه لجماهيره إلا الهجوم على ثورة يوليو،وإهانة قائدها جمال عبد الناصر ووصفه بالدكتاتورية والشمولية والانفراد بالسلطة إلى آخر هذه الأوصاف التى تطلق هكذا دون دراية بالظروف المصاحبة للحركة السياسية.

وهؤلاء المهاجمون والهجاءون ينتهزون أية مناسبة لإخراج ما فى جعبتهم من كراهية لتبرير تطلعاتهم السياسية نحو النفوذ والسيطرة. وآخر هؤلاء وليس آخرهم الدكتور أسامة الغزالى حرب الذى كان عضو لجنة السياسات ثم تركها لأسباب خاصة لينضم لدعاة التغيير على مبادئ سب ثورة يوليو، فقد كتب فى جريدة "المصرى اليوم" بتاريخ 28 مارس الماضى "فى ذكرى الخطيئة الأولي" وهى أزمة مارس 1954 وكأنه فى برنامج "شاهد على العصر" على قناة الجزيرة وأتوقع أن يستضيفه أحمد منصور فى القريب العاجل لاستكمال "سلسلة أحاديث الإفك".

أزمة مارس:

وما قاله أسامة الغزالى حرب فى أزمة مارس لا يختلف عما يقوله خصوم عبد الناصر وأعداء ثورة يوليو من أبناء وأحفاد النظام الملكى والأحزاب السياسية التى كانت تسيطر على الحياة السياسية فى مصر ومن سايرهم من أجيال لاحقة تبحث عن الشهرة بأى ثمن. ولهذا فإنه يكرر عبارات مثل: حركة الجيش.. إلغاء الدستور.. أزمة مارس التى انتصرت فيها القوى المعادية للديمقراطية.. محمد نجيب المدافع عن الديمقراطية.. إهانة عبد الرازق السنهورى رئيس مجلس الدولة فى يوم 29 مارس 1954، وغير ذلك من عبارات منزوعة من سياق ظروفها الموضوعية، وإطلاق أحكام أخلاقية مثالية على وقائع التاريخ وصراعاته خارج شروط المنهج العلمى وأحكامه.

فمثلا يقف كثيرا عند حادثة الاعتداء على الدكتور عبد الرازق السنهورى ويعتبرها نهاية الديمقراطية دون أن يعرض الإطار الموضوعى للحادثة واعتبر أن ما حدث للرجل كان نهاية طبيعية لاعتراضه على قانون تنظيم الأحزاب الذى صدر فى 9 سبتمبر 1952. ولو كان لهذا الاعتراض قيمة سلبية عند جمال عبد الناصر فلماذا اختاره عبد الناصر فى 13 يناير 1953 ضمن لجنة الخمسين عضوا لوضع مشروع دستور جديد يتفق وأهداف الثورة وتقدمت بمشروعها فى أغسطس 1954؟!

والحال كذلك هل كان من اللائق أن يؤيد السنهورى ومعه رشاد مهنا عضو مجلس الوصاية مظاهرة بقيادة الإخوان المسلمين فى مارس 1953 تطالب بعودة الجيش للثكنات؟!

والمدهش فى هذه القضية أن يقول الغزالى إن الاعتداء على السنهورى أدى إلى إضعاف دور مجلس الدولة وتحجيمه "ليكون فى خدمة السلطة وليس رقيبا عليها"، وهذا القول يؤكد عدم فهم طبيعة مجلس الدولة ودوره، فلقد نقلت فكرة هذا المجلس من فرنسا فى عام 1946، ومهمته القضايا التى يرفعها المتظلمون من قرارات الدولة، وليس الرقابة التى هى من شأن الجهاز المركزى للمحاسبات.. وتلك نقطة أخري.

ثم قال إن "الجبهة الوطنية الديمقراطية" تشكلت من جميع القوى الوطنية فيما عدا الإخوان المسلمين، وردت الثورة عليها بتشكيل محكمة الثورة فى سبتمبر 1953 التى أشاعت جوا من الخوف والإرهاب. ولكنه لم يذكر لنا تاريخ تكوين هذه الجبهة وأسماء قياداتها وما إذا كانت سرية أو علنية حتى نفهم الربط بينها وبين تشكيل محكمة الثورة!!.

أما قوله إن "أحمد حمروش أفضل وأهم من أرخوا للثورة على الإطلاق" فقول يجافى العلم الذى لا يعترف بالمطلق وأفعل التفضيل. ومن الواضح أن كلام حمروش عن أزمة مارس صادف هوى فى نفس الغزالى ولأننا تعلمنا من المنهج العلمى أن فهم النص الذى يكتبه أى كاتب يتصل بتكوينه واتجاهاته ومصالحه منعا لابتزاز العواطف، فعلينا أن نعلم أن أحمد حمروش وقع فى أزمة وجدانية مع الثورة فى يناير 1953 حين وجد نفسه فى سجن الأجانب مع رشاد مهنا لمدة خمسين يوما حتى أفرج عنه بعد أن تبين للذين اعتقلوه أنه اليسارى الوحيد وسط مجموعة يمينية وهى ذات المظاهرة التى أيدها السنهورى كما سبقت الإشارة من قبل.

تناقضات وافتراءات:

لكل هذه التناقضات والافتراءات التى أوردها الغزالى من داخل عباءة ديمقراطية مصطنعة يتعين أن نعرض لأزمة مارس 1954 فى إطار الظروف الموضوعية تاركين الأحكام الأخلاقية للقارئ.

عندما أصدر مجلس قيادة الثورة بيانا فى 25 فبراير 1954 بقبول استقالة اللواء محمد نجيب من جميع الوظائف التى يشغلها (رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزارة ومجلس قيادة الثورة) تأكد ما كان يتردد فى الدوائر الخاصة من أن ثمة خلافا قائما بين نجيب وعبد الناصر منذ مطلع يناير 1953 حول إدارة الأمور وخاصة بعد إلغاء الأحزاب السياسية، وهو خلاف بدأ صامتا دون مواجهة مباشرة وإن كان كل طرف يرقب الآخر ويرتب للأمر عدته حتى انفجر الموقف بقبول الاستقالة بعد ثلاثة أيام من تقديمها انقضت فى التشاور بين الفرقاء حول كيفية التصرف وكيفية إعلانها للناس.

وبينما كان البيان الرسمى بقبول الاستقالة يؤكد أن سبب الخلاف يرجع إلى رغبة نجيب فى الانفراد بالسلطة كانت أحاديث الصالونات التى انتقلت إلى الشارع تقول إن نجيب يطالب بترك الحكم لرجال السياسة وعودة الحياة النيابية، فأصبح نجيب رمزا للديمقراطية وناصر رمزا للدكتاتورية. وشاع بين جمهرة المثقفين أن أزمة مارس 1954 هى أزمة الديمقراطية بدلا من أن تكون أزمة الصراع على السلطة.

أما طرفا الأزمة الرئيسيان فإنهما محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنصار كل منهما، لكن الإخوان المسلمين كانوا قاسما مشتركا بينهما فكل من الطرفين أراد أن يستخدم الجماعة لصالحه فى المعركة نظرا لما تمثله من قاعدة شعبية هائلة، والجماعة نفسها أرادت أن تلعب بهما حتى يصفى كل منهما الآخر ويخلص لها الحكم وعلى هذا فمن الممكن اكتشاف حقائق الموقف من خلال متابعة سيناريو علاقة الإخوان المسلمين بتنظيم الضباط الأحرار ثم موقفهم من الثورة بعد 23 يوليو ووضع محمد نجيب فى الأزمة..

كانت علاقة التنظيم بالإخوان أقوى من علاقته بالتجمعات السياسية الأخرى إذ كان عدد كبير من الضباط أعضاء فى الجماعة أو ينتمون إلى فكرها على أقل تقدير، ومن هنا قام جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين بإبلاغ كل من حسن العشماوى وصالح أبو رقيق (عضوا مكتب الإرشاد) بموعد الثورة. ورغم هذه العلاقة الخاصة إلا أن عبد الناصر رفض أن يكون التنظيم تابعا للجماعة. ولهذا تم فصل عبد المنعم عبد الرءوف من التنظيم فى مطلع 1952 لأنه كان يعمل على تجنيد ضباط الجيش للجماعة وليس للضباط الأحرار.

وفى صباح 23 يوليو تم استدعاء حسن العشماوى إلى مقر قيادة الثورة فى كوبرى القبة وطلب منه أن يصدر المرشد العام بيانا بتأييد الثورة لكن المرشد بقى بالإسكندرية فى مصيفه ولم يحضر للقاهرة إلا بعد مغادرة الملك البلاد وأصدر بيانا مقتضبا طلب بعده أن يقابل أحد رجال الثورة فقابله عبد الناصر فى منزل صالح أبو رقيق. وفى اللقاء طلب المرشد تطبيق أحكام القرآن فقال ناصر إن الثورة قامت حربا على الظلم الاجتماعى والاستبداد السياسى وهى بذلك ليست إلا تطبيقا لتعاليم القرآن فانتقل المرشد إلى مشروع الإصلاح الزراعى وكان مطروحا للمناقشة فى الصحف وقال إن رأيه أن يكون الحد الأقصى للملكية الزراعية 500 فدان فرد عبد الناصر بأن مجلس قيادة الثورة مصمم على الـ200 فدان كحد أقصي. وهنا انتقل المرشد لنقطة أخرى يبدو أنها بيت القصيد من اللقاء إذ اشترط لتأييد الثورة أن يعرض الضباط على الجماعة أى قرار قبل أن يصدر، فما كان من عبد الناصر إلا أن قال إن الثورة قامت دون وصاية ولا تقبل بحال أن توضع تحت وصاية أحد. فكان هذا اللقاء بداية تجمع السحب السوداء فى أفق العلاقة بين الطرفين.

ضغوط الجماعة:

ولما تقرر أن يؤلف محمد نجيب الوزارة فى 7 سبتمبر 1952 بعد استقالة على ماهر لعدم موافقته على الإصلاح الزراعى تقرر رغم الموقف السابق إشراك الإخوان المسلمين فى الوزارة بثلاثة أعضاء. غير أن الجماعة اختلفت فيما بينها حول الترشيح وترددت بين أسماء أحمد حسنى وكيل وزارة العدل ومحمد كمال الديب محافظ الإسكندرية (ترشيح المرشد شخصيا)، ومنير الدله وحسن العشماوى (ترشيح مكتب الإرشاد). غير أن مجلس قيادة الثورة اختار الشيخ الباقورى فأقدم المرشد العام على فصله من الجماعة فازدادت النار تحت الرماد.

ورغم هذا فلما ألغيت الأحزاب السياسية (17 يناير 1953) تم استثناء جماعة الإخوان المسلمين ربما لأنها لم تكن حزبا سياسيا برلمانيا بالمعنى المصطلح عليه فى مصر منذ دستور 1923، وربما اكتسابا لشعبيتهم. وفى اليوم التالى طلب صلاح شادى (ضابط شرطة إخواني) ومنير الدله من جمال عبد الناصر إشراك الإخوان فى الوزارة أو تكوين لجنة إخوانية تعرض عليها القوانين قبل صدورها، وهو نفس العرض الذى سبق أن قدمه المرشد قبل ذلك، فرفض جمال مرة أخرى لذات السبب.

ولم تيأس الجماعة فتقدمت لوزارة الداخلية بطلب لإعادة تكوينها حزبا سياسيا فرفض الطلب لأنه لا يستقيم مع إلغاء الأحزاب السياسية. فلما علم المرشد العام بنية الثورة نحو تكوين هيئة التحرير لملء الفراغ السياسى الناجم عن حل الأحزاب حاول إثناء جمال عبد الناصر عن هذه الخطوة قائلا إن الجماعة كفيلة بملء الفراغ، فقال جمال إن فى البلاد من لا يرغب فى الانضمام للجماعة، وهى إشارة غير مباشرة إلى المسيحيين، فبدأ المرشد فى محاربة التنظيم السياسى الجديد بل وفى التحرك ضد الثورة حتى ولو كان هذا على حساب المصالح الاستراتيجية الكبرى للبلاد.

كانت حكومة الثورة قد شرعت فى التفاوض مع الإنجليز لتحقيق الجلاء، ورأت الإدارة البريطانية الاتصال بالجماعة لعجم عود الثورة فى المفاوضات، وتم الاتصال بوساطة محمد سالم الموظف بشركة النقل والهندسة وفى منزله بحضور منير الدله وصالح أبو رقيق والمستشار الشرقى للسفارة (إيفانز). وتكرر الاتصال يوم 10 يناير 1954 فى منزل الوزير المفوض بالسفارة (كريزويل) وبحضور حسن العشماوى وشقيق حرم منير الدله. وفيما بعد قال أنتونى إيدن "إن حسن الهضيبى كان حريصا على حسن العلاقات معنا".

وفى أوائل يونيه 1953 بدأ الإخوان خطة تشكيل تنظيم سرى إخوانى بين ضباط الجيش والبوليس فاتصل عبد الناصر بالمرشد العام معاتبا لعله يدرك أن نشاطه تحت المراقبة لكن المرشد لم يتراجع.

وفى ذلك المنعطف من مأزق العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر أواخر 1953 كان محمد نجيب يدخل هو الآخر فى مأزق علاقته مع عبد الناصر بعد تراكم مجموعة مواقف فالتقى الطرفان فى العداء لعبد الناصر وإن اختلفت الأسباب.
اتصالات ومفاوضات:

والحاصل أنه فى اليوم التالى لتنازل الملك فاروق عن العرش ومغادرته البلاد (27 يوليه) قدم جمال عبد الناصر استقالته من رئاسة اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار على أساس أن التنظيم انتهى دوره بالاستيلاء على السلطة، لكن أعيد انتخابه رئيسا وعرفت اللجنة منذ ذلك الحين بمجلس قيادة الثورة. فلما انضم محمد نجيب إلى المجلس يوم 25 أغسطس تنازل عبد الناصر له عن رئاسته باعتباره القائد الذى أعلنت الثورة باسمه للجماهير. وعندما أصبح رئيسا للوزارة (7 سبتمبر) احتفظ لنفسه بوزارة الحربية وبالقيادة العامة للقوات المسلحة فضلا عن رئاسة مجلس قيادة الثورة (منتهى الديمقراطية؟). ورغم هذا كان يشعر بأنه لا يسيطر على الموقف وأن مقاليد الأمور فى النهاية فى يد عبد الناصر الذى يحرك مجلس القيادة، ومن ثم طلب أن يكون له حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه المجلس (شوف الديمقراطية..) فلم يتمكن لأن لائحة المجلس تقضى أخذ القرار بالأغلبية.. أى أنه كان يطلب سلطة فردية مطلقة تتجاوز المجلس الذى لم ينضم إليه إلا متأخرا!!. وللخلاص من هذا المأزق أوحى له المقربون وقد أصبح رئيسا للجمهورية (28 يونيه 1953) أن يتصل بالإخوان المسلمين للتخلص من ناصر. وكان وسيطه فى هذا الاتصال قائد حرسه الخاص اليوزباشى محمد رياض الذى قابل حسن العشماوى ومنير الدله عدة مرات فى ديسمبر 1953. والحال كذلك لا بد وأن يشعر الإخوان بأهميتهم..
فعبد الناصر حريص على خطب ودهم، والإنجليز يتصلون بهم، وهاهو محمد نجيب يتصل بهم أيضا، ومن ثم لخص الإخوان طلباتهم للوسيط (محمد رياض) وتتمثل فى تشكيل وزارة يرضى عنها الإخوان وعدم عودة الأحزاب السياسية. لكن نجيب لم يكن يملك القوة التى تمكنه من تنفيذ هذه الشروط حتى ولو كانت على هواه.

واستمر الصراع قائما وانقضى عام 1953 وفى 12 يناير 1954 احتفل طلاب جامعتى القاهرة والإسكندرية بذكرى شهداء الحركة الفدائية فى مدن قناة السويس فانتهز الإخوان الفرصة وأحضروا معهم زعيم حركة فدائيان إسلام الإيرانية (نواب صفوي) وسيطروا على الميكروفون واشتبكوا مع الطلاب بالكرابيج والعصي، فتقرر حل الجماعة بعد ذلك بيومين (14 يناير). وهنا لجأ الإخوان إلى محمد نجيب لإلغاء القرار فلم يستطع شيئا بل لقد اضطر للتوقيع على قرار الحل باعتباره رئيسا للجمهورية. وبادر جمال عبد الناصر فى خطوة محسوبة بزيارة قبر حسن البنا ومعه صلاح سالم والشيخ الباقورى بمناسبة الذكرى الخامسة لاستشهاد البنا (12 فبراير 1954).

بعد حل جماعة الإخوان المسلمين تدهورت العلاقة بين نجيب وناصر بشكل حاد وأراد نجيب أن يستخدم سلطاته الرئاسية لحسم الصراع فلم ينجح نظرا لتكتل الغالبية العظمى من مجلس قيادة الثورة وراء ناصر وربما لأن الجميع يعلمون أن ناصر هو قائد الثورة وليس محمد نجيب. وأخذ نجيب يقلل من حضوره لمكتبه ومن لقاءاته المباشرة مع ناصر ويعتكف بمنزله أياما متتالية. وفكر عبد الناصر كما يقول أنتونى ناتنج فى أن يقدم المجلس استقالة جماعية بهدف إحراج محمد نجيب لكن اقتراحه لم يلق قبولا لأن المجلس لا يتمتع بالشعبية التى تمكنه من القيام بمغامرة من هذا النوع.
والحاصل أن نجيب هو الذى قدم استقالته فى 22 فبراير ربما ليحرج المجلس لكن الاستقالة قبلت فى 25 فبراير وتولى ناصر رئاسة الوزارة وظل منصب رئاسة الجمهورية شاغرا. وتجمع مختلف الروايات على أن خالد محيى الدين اعترض على قبول الاستقالة لأنه كان يرى فى تمسك نجيب بعودة الحياة الحزبية فرصة لليسار المنتمى إليه. وقد اعترض معه جمال سالم فى رواية ناتنج، وعبد اللطيف البغدادى فى رواية أحمد حمروش.

على كل حال فبين إعلان قبول الاستقالة (25 فبراير) وإعلان عودة نجيب فى مساء 27 فبراير كان الصراع على أشده بين فصائل الثوار، وتفنن كل منهم فى اصطناع أساليب المواجهة والمناورة، وعاش الجميع بأعصاب مشدودة طوال ثلاثة أيام ليل نهار.

ردود فعل:

جاء أقوى رد فعل لاستقالة نجيب من سلاح الفرسان حيث خالد محيى الدين القريب من نجيب ورغم أن اليوم التالى للاستقالة كان يوم جمعة (26 فبراير) إلا أن اجتماعا تم فى سلاح الفرسان بناء على دعوة لا تفصح المراجع عن صاحبها. ولم يحضر الاجتماع خالد محيى الدين وحضره حسين الشافعى فطالبه الضباط بعودة نجيب وإقرار الديمقراطية وتحديد موعد لعودة الجيش للثكنات، وهى نفس مطالب نجيب ـ خالد. ثم حضر عبد الناصر جزءا من المناقشات التى طالت التصرفات الشخصية لبعض الضباط فطلب من المجتمعين الانتظار حتى يعرض الأمر على مجلس قيادة الثورة.

وفى مبنى القيادة حضر خالد محيى الدين بعد خروجه من حفلة سواريه بالسينما وهذا وحده يفسر موقفه من البداية حيث لم يحضر الاجتماع وذهب إلى السينما فى المساء حتى لا تنصرف إليه الشبهات. واقترح ناصر الذى أدرك مرامى محور نجيب ـ خالد أن يتولى خالد محيى الدين رئاسة الوزارة وأن يعمل بسرعة على عودة الحياة الدستورية. لكن خالد اعترض ليس على المبدأ وإنما لأنه بهذا سيكون وحيدا فى الساحة، فأقنعه المجلس بأن عبد الحكيم عامر سوف يكون معه لبعض الوقت فوافق خالد، وحذره كمال الدين حسين من العمل على تحويل البلد إلى الشيوعية.

وعلى هذا عاد جمال مصطحبا خالد إلى سلاح الفرسان وكانت الساعة قد بلغت الثالثة صباحا من فجر يوم السبت 27 فبراير وأعلن لهم أن الموافقة تمت على حل مجلس القيادة، وعلى عودة نجيب رئيسا للجمهورية، وعلى تكليف خالد بتشكيل حكومة انتقالية لمدة ستة أشهر تجرى انتخابات لجمعية تأسيسية لوضع دستور دائم، وعودة أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى الثكنات.. وهنا ضجت القاعة بالتصفيق وتوجه خالد مغتبطا إلى نجيب لإبلاغه بالقرار فرحب ترحيبا شديدا.

ولكن لما عاد خالد لمبنى القيادة بعد إبلاغ نجيب وجد أن معالم الصورة تتغير فقد لعب الآخرون دورهم فنجد أن ضباط الصف الثانى المحيطين بمبنى مجلس القيادة يرفضون الاستجابة لقرارات العودة إلى الثكنات وحاولوا ضرب خالد محيى الدين، وحالوا دون تسليم بيان القرارات الجديدة إلى مندوب الإذاعة الذى كان قد حضر الساعة السابعة والنصف صباحا. كما رفض ضباط المدفعية القرارات وحركوا المدفعية المضادة للدبابات وحاصروا سلاح الفرسان، وأخرج سلاح الطيران بتوجيه على صبرى ووجيه أباظة طائرات حلقت فوق سلاح الفرسان، وطالب آخرون باعتقال خالد ومحاكمته، وقام كمال رفعت باعتقال محمد نجيب ووضعه فى ميس المدفعية بألماظة فغضب عبد الحكيم عامر وأعاده إلى منزله، وتم اعتقال ضباط الفرسان أنصار نجيب وتقررت محاكمتهم.

وهكذا أصبح الموقف ينذر بمعارك طاحنة بين الفصائل العسكرية: الفرسان مع نجيب فيما عدا حسين الشافعي، والمدفعية والمشاة والطيران مع ناصر. وفى الساعة الثالثة بعد ظهر يوم السبت (27 فبراير) كان الإرهاق قد استبد بالجميع فرأوا رفع الجلسة للراحة أربع ساعات وانصرف الجميع إلى منازلهم وبقى عبد الناصر مفوضا بالتصرف إذا ساءت الأمور لحين عودتهم. وفى تلك الأثناء انطلقت مظاهرات فى الشوارع تهتف: لا ثورة بلا نجيب.. إلى السجن يا جمال.. إلى السجن يا صلاح.
وشهد صلاح سالم المتظاهرين أثناء عودته إلى مبنى القيادة قبل انتهاء وقت الراحة وأخبر عبد الناصر الذى تصرف بسرعة بمقتضى التفويض وقرر عودة نجيب لامتصاص الغضب وتفويت الفرصة على مخطط تصفية الثورة والإطاحة برجالها.
 وفوجئ أعضاء المجلس وهم فى منازلهم للراحة بإذاعة نبأ عودة نجيب فى الساعة السادسة.

جولة جديدة:

ولم تكن عودة نجيب نهاية للتوتر بل كانت بداية لجولة أخرى من الصراع والضرب تحت الحزام بين الطرفين. ففى اليوم التالى لعودته (28 فبراير) تدفقت المظاهرات إلى قصر عابدين من جامعة القاهرة تردد هتافات عدائية ضد الثورة تزعمها الإخوان المسلمون واصطدمت بالبوليس وخرج نجيب إلى الشرفة واستدعى عبد القادر عودة من زعماء الإخوان إلى الشرفة بجواره لتهدئة المتظاهرين.

وفى أول مارس ذهب نجيب إلى السودان للمشاركة فى افتتاح البرلمان السودانى فأسرع ناصر باعتباره رئيسا للوزارة باعتقال الذين اشتركوا فى مظاهرات عابدين (بلغ عددهم 118 أغلبهم من الإخوان) يليهم جماعة أحمد حسين (الحزب الاشتراكي) ثم الوفد والشيوعيين. وعندما عاد نجيب من السودان غضب من قيام ناصر بحملة الاعتقالات وطلب أن يتولى رئاسة الوزارة مرة أخرى فاضطر ناصر للموافقة وعاد نائبا لرئيس الوزراء.

وتسارعت الحوادث.. وأخذ نجيب يطالب بتطبيق الشروط التى قبل العودة على أساسها (وهى مطالب سلاح الفرسان كما سبقت الإشارة). وهكذا وفى يوم 5 مارس صدرت القرارات الشهيرة: انتخاب لجنة لوضع الدستور وبموجبه يعاد تشكيل الأحزاب ويكون لمجلس قيادة الثورة سلطة سيادية. ووافق نجيب على هذه القرارات بعد مقابلة خالد محيى الدين له لمدة ثلاث دقائق.

وبعد إعلان القرارات انفتح باب الهجوم على الضباط الأحرار وخاصة بعد إلغاء الرقابة على الصحف فى 6 مارس مرددة كلام نجيب وكان قد خطب فى نادى الضباط فى 4 مارس مطالبا العسكريين بترك السياسة للمدنيين. وطالب الوفد بعودة الحياة النيابية، وصرح على ماهر بأنه ينبغى أن تنضم مصر للغرب، والدكتور محمد صلاح الدين وزير خارجية حكومة الوفد الأخيرة والذى كان قد قبل أن يكون سكرتيرا عاما لهيئة التحرير اتصل بإبراهيم الطحاوى (هيئة التحرير) واقترح عليه انضمام رجال الثورة إلى الوفد وأن يكون ناصر سكرتيرا عاما للوفد، ويوسف صديق وكان قد هرب من تحديد إقامته ببني سويف تنشر له جريدة المصرى رسالة يقترح فيها تشكيل وزارة ائتلافية من الوفد والإخوان والاشتراكيين والشيوعيين برئاسة وحيد رأفت، ورفع الهضيبى دعوى أمام مجلس الدولة على وزارة الداخلية لإلغاء قرار حل الجماعة.

وتصرف عبد الناصر بسرعة، فكان وراء انفجار أربع قنابل فى أنحاء متفرقة من القاهرة (19 مارس) وفق رواية البغدادي حتى يضطرب الموقف من جديد ولا يشعر الناس بالأمان مع تنفيذ قرارات 5 مارس. وهذه هى الظروف التى اجتمع فيها مجلس قيادة الثورة يوم 25 مارس وتقرر فيه: حل مجلس قيادة الثورة بعد فترة انتقال أربعة أشهر (أى يوم 24 يوليه 1954)، وعودة الأحزاب السياسية، وألا يشكل الضباط حزبا سياسيا، وأن تنتخب جمعية تأسيسية يكون لها سلطة المجلس النيابي تقوم بانتخاب رئيس الجمهورية. وكان البغدادي قد اقترح فى اجتماع 25 مارس إلغاء قرارات 5 مارس لكن خالد محيى الدين تمسك بها واقترح ـ من باب مراوغة ناصر ـ تشكيلا جديدا لنظام ديمقراطى يحرم بمقتضاه من حق الترشيح للجمعية التأسيسية النواب الذين أيدوا من قبل القوانين المقيدة للحريات، والذين رفضوا دفع ضريبة الأطيان، ورؤساء الأحزاب، وكذا الخاضعين للإصلاح الزراعي. لكن عبد الناصر لم ينخدع باقتراح خالد وأدار المناقشة حول أحد اختيارين: إما إلغاء قرارات 5 مارس، وإما رفع كافة القيود عن عودة الأحزاب والإفراج عن كل المعتقلين. وبعد مناقشات دامت خمس ساعات صدرت القرارات.

زيارة المرشد:

كان أول المفرج عنهم حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان الذى زار عبد الناصر فى نفس اليوم (25 مارس) حيث أبدى انزعاجه من قرارات 25 مارس بعودة الأحزاب فأصدر بيانا فى 27 مارس يعلن أن الجماعة لن تطالب بتأليف حزب سياسى ولكن فيما يتعلق بعودة الأحزاب "فإن أملنا ألا يعود الفساد أدراجه مرة أخرى فإننا لن نسكت على هذا". ويتحرك عبد الناصر بسرعة فقام بإبعاد الضباط الذين أظهروا تعاطفا مع الأحزاب، وأفرج عن الضباط الأحرار الذين سبق اعتقالهم، وزار حسن الهضيبى واتفق معه على عودة الجماعة لنشاطها. ثم وقع إضراب عمال النقل فى 27 مارس تأييدا للثورة.

وكان هذا الإضراب أصلا من تنظيم محور نجيب ـ خالد بمساعدة يوسف صديق الذى استدعى قريبه صاوى أحمد صاوى رئيس اتحاد عمال النقل المشترك ومحمدى عبد القادر سكرتير الاتحاد حيث تم الاتفاق فى منزل نجيب مقابل مبلغ من المال على أن يقود صاوى الإضراب والاعتصام لإجبار الضباط على العودة إلى الثكنات دون انتظار ليوم 24 يوليه 1954 المحدد طبقا لقرارات 25 مارس. غير أن صاوى ومحمدى غادرا منزل نجيب إلى هيئة التحرير مباشرة وقابلا إبراهيم الطحاوى وأحمد طعيمة (مسئول العمال فى الهيئة) وأبلغاهما بمضمون لقائهما مع نجيب. وتم الاتفاق على القيام بالإضراب مقابل مبلغ من المال أيضا مع تحويل الهتاف المتفق عليه مع نجيب إلى المطالبة ببقاء مجلس الثورة وليس عودة الضباط إلى الثكنات.. لاحظ أن رواية أسامة الغزالى تسقط لقاء صاوى بمحمد نجيب وترتيب يوسف صديق.

وفى نفس يوم الإضراب اجتمع ضباط الجيش من جميع الأسلحة فى ثكناتهم للتداول فى الموقف وانتهوا إلى أن الثورة مهددة إذا نفذت قرارات مارس فقرروا الاعتصام. وفى يوم 29 مارس وبعد ثلاثة أيام من الإضراب تقرر إرجاء تنفيذ قرارات مارس حتى نهاية فترة الانتقال المقررة سلفا (يناير 1956) وتشكيل مجلس وطنى يراعى فيه التمثيل النسبى لفئات الشعب وطوائفه وانتهى الإضراب يوم 30 مارس.

وخرج عبد الناصر من الأزمة منتصرا إذ عاد رئيسا للوزارة وأخذ يتابع الأمور حتى تستقر نهائيا فى يده ولا تقوم لعناصر الثورة المضادة قومة أخري.

وبعد.. هل كان على ثوار يوليو أن يعودوا إلى الثكنات العسكرية وأن يضعوا رقابهم فى حبل المشنقة بعد أن نجحوا فيما عجزت عن تحقيقه كافة القوى السياسية فى مصر منذ ثورة عرابى 1881..؟.

وهل كان يتعين على قادة ثورة يوليو أو الحركة أو التمرد أو العصيان.. إلخ أن يحتفظوا بدستور ينص على أن حكومة البلاد ملكية وراثية.. وهل كان يتعين عليهم استوزار قوى سياسية تعبر عن مصالح طبقة كبار ملاك الأراضى الزراعية أصحاب رأس المال التجارى والصناعى بينما يرفعون شعار العدالة الاجتماعية.. وأخيرا لماذا لا يبحث المتطلعون للتغيير عن مشروعية لهم غير الهجوم على ثورة يوليو التى انتهت برحيل قائدها فى 28 سبتمبر 1970 وكأن الدستور الذى يطالبون بتغييره من إعداد جمال عبد الناصر؟.

المراجع:

ـ أحمد حمروش، قصة ثورة 23 يوليه.

ـ أحمد عبد الله طعيمة "شاهد حق على صراع السلطة فى مصر".

ـ أنتونى ناتنج، ناصر، ترجمة شاكر إبراهيم سعيد.

ـ حسين حمودة "صفحات من تاريخ مصر: أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون".

ـ عاصم الدسوقي، أحمد حمروش ورحلة الأدب والسياسة، الهلال، أغسطس 1997.

ـ عبدالرحمن الرافعي، ثورة 23 يوليه 1952: تاريخنا القومى فى سبع سنوات 1952 ـ 1959.

ـ عبد المحسن أبو النور "يروى الحقيقة عن ثورة 23 يوليه".

ـ مذكرات عبد اللطيف البغدادي.