الأحد، 23 أكتوبر، 2011

رحلة فى نيل القاهرة

رحلــــــة فى نيــل القــــاهــــرة
( تحقيق صحفى مصور)
لم تكنْ مجرَّد أسماء تحملها اللافتاتُ على القوارب الصغيرة, والمطاعم العائمة, والمراكب المتحركة في مياه نيل القاهرة, لكنها أضحت ـ بالنسبة لي ـ إشارات سابحة, لحكايات نيلية, عن زائري القاهرة, والعابرين بها, والمقيمين فيها, مثلما هي لحظات كُتبت على كراسات الأمواج. كما لم تكن الأسماء وحدها هي التي تسكن اللافتات, بل العبارات القصيرة الموحية. فيما التزمت المطاعم الفاخرة, بالأسماء الأجنبية, لتصنع فارقا طبقيا واضحا, حتى على وجه النيل, الذي احتمل كل المعاني, ومغزاها.
أعلام عربية على قارب مصري, حلم الوحدة يتحقق على وجه نيل القاهرة, الأسماء لا تحمل نكهات مصرية وحسب, بل وبها مسحات من لهجة عامية, ولسان فصيح, ولغو أجنبي. على صفحة النيل, تختلس النظر إلى من استراحوا إليه معزلا عن صخب الحياة, ليصنعوا صخبهم الخاص, أسماء تحملها اللافتاتُ على القوارب الصغيرة, والمطاعم العائمة, والمراكب المتحركة في مياه نيل القاهرة, تمثل إشارات سابحة, لحكايات نيلية, عن زائري القاهرة, والعابرين بها, والمقيمين فيها, مثلما هي لحظات كُتبت على كراسات الأمواج; طارق بن زياد. إيزيس. نفرتيتي. كليوباترا. الزهراء. المحروسة. عُمر. الزعيم. كما لم تكن الأسماء وحدها هي التي تسكن اللافتات, بل العبارات القصيرة الموحية: بشرة خير, على الله, الحرية, الإخلاص, عالم البحار, الجزيرة, 6 يوليو, يا عم قول يا رب, احنا زي ماحنا. رحلة سعيدة, فيما التزمت المطاعم الفاخرة, بالأسماء الأجنبية.
فإذا استطعت, أن تختزل مصر في مدينة, لربما اخترت القاهرة, وأنت تدرك أن بمصر مدنًا أخرى تحمل بصمات مغايرة, لكن العاصمة ـ وحدَها ـ تقطِّر لك مصر, مثلما تقطر السماء مطرًا تجمع لها من ألف غمامة وغمامة, بعد عبورها الحدود الشاسعة. أما إذا اخترت النيل مكانا يعبر عن مصر فلن يجادلك أحد, لأن رحلة مصر لم تكن لولا نهر النيل, وحضاراتها لم تنشأ إلا على ضفافه, والحياة لم تدب فيها وتستمر, إلا مع تدفق موجاته التي روت العطشى, من أراض وبشر. مصر هبة النيل, نعم, والقاهرة هي ابنته, فقد توزعت عواصم حضارات مصر من الجنوب إلى الشمال, غير بعيدة عن ضفافه, حتى حين ألح الخليفة عمر على قائده عمرو بن العاص بـ (ألا يجعَل بينه وبين المسلمين ماءً) اختار ابن العاص موقع الفسطاط, حيث كان يمثل ـ آنذاك ـ أضيق وأيسر عبور للنهر بين ضفتيه, في عصر كان عبور المياه يمثل عقبة ذات شأن. لكن الفسطاط لم تكن لتستطيع, وقد نشأت مدينة حربية, أن تحتمي بغير النهر, من إحدى الجهات, مثلما احتمت بالتل من الجهة المقابلة له.
القاهرة أكبر المدن الصحراوية, بمساحة 414 كيلومترا مربعا, ناهيك عن توسعاتها اليوم, وهي تبدو في قلب الصحراء كمركب وسط بحر من الرمال, تتنازعه قوى كثيرة, وتؤثر فيه تيارات أكثر. القاهرة كالصحراء التي ربطت قوافلها بين البعيد والقريب من أقطار الشرق الأوسط, فقد وفد الزوار والسياح على مكان المدينة منذ فجر التاريخ, فهي وإن اتخذت اسما عربيا, إلا أن موقعها حظي باهتمام كبير قبل أن ينتشر العرب من جزيرتهم, بزمن طويل. فعند الموقع الذي يزداد فيه النيل رحابة, ليضم بين ذراعيه أرض الدلتا, وهي على شكل مروحة ورقية, أقام الفراعنة عاصمتهم منف (وهذا الهرم المدرج في سقارة, وهو أقدم بناء من الحجر في العالم كله, لا يزال يطل على مقابر منف, تراه بالعين المجردة من أعلى العمارات في القاهرة, إن لم يحجبه عن عينيك التلوث). كما أقام الفراعنة أهم مقابرهم فوق هضبة الجيزة, التي لا تبعد عن قلب القاهرة, ميدان التحرير, إلا مسافة 40 دقيقة بالأتوبيس رقم 8 (كما ذكر ديزموند ستيوارت في كتابه: القاهرة, قبل 40 سنة). وفي لوحة للفنان الفرنسي نيستور لاهوت, 1878ميلادية, في كتابه بانوراما مصر والنوبة, نرى كيف كان النيل يمرح على مرمى حجر من الأهرام, وفيه تسبح مراكب الشمس والبشر. لم تكن بضاعة القادمين إلى القاهرة أو موقعها مختصة بالتجارة وحسب, بل واتتها أفكار دينية, حملها النيل من الشمال للجنوب, ومن الجنوب إلى الشمال, على حد سواء.
طبقات فوق طبقات, مثل رقائق ثمرة البصل (لكنها بصلة المحب كما في المثل الشعبي بمصر: بصلة المحب خروف!); تمثل كل طبقة منها أحد الرقائق الحضارية المتعددة, وتبعا لذلك النسيج يختلف لون كل منها وسُمكه. في سنة 1384 ميلادية يكتب تاجر إيطالي اسمه ليوناردو فريسكوبالدي أن شوارع القاهرة أشد ازدحاما بناسها من فلورنسه. كان العدد ـ آنذاك ـ أقل من نصف المليون نسمة, وهو رقم تقريبي يوازي في حينه ضعف عدد سكان باريس, أكبر مدينة أوربية في القرن الرابع عشر, وخمسة أضعاف مدينة القسطنطينية, بل إن ماكس رودنبيك يكتب في مؤلفه (القاهرة المدينة الظافرة) أن قاهرة العصور الوسطى توازي ما هي عليه نيويورك اليوم.
منذ ذلك العصر الزاهي عرفت القاهرة عظمة التشييد المملوكي, الذي يجسد درة عقد العمارة الإسلامية في مصر, منارات شامخة, بهية, وقبابا من الحجر الصلد المنحوت, ونقوشًا محرابية دقيقة ورشيقة, قُدَّتْ من الرخام والحجر الملون, وآيات من الخشب حافظ الفن, بصمات يحملها نحو 200 أثر قاهري بين مساجد, وقصور, وأسبلة, وبيمارستانات, وأضرحة, شيدت قبل سبعة قرون, لكن جلها لا يزال يُستخدم للأغراض ذاتها حتى اليوم. ومنها جامع السلطان حسن الذي اشتهر من فرط جلاله وإتقان صنعته - علاوة علي تكلفته الهائلة - بأنه (هرم العمارة الإسلامية), ودرة التاج في العمارة المملوكية, فلم يكن جامعا وحسب, لكنه أيضا مدرسة لتدريس فقه المذاهب الأربعة وبيمارستان. وصحيح أن أهرام مصر أكثر شهرة, لكن عمارة المماليك في القاهرة أكثر بهاء, لو ازدادت العناية بها. كان ذلك عهد ما قبل ستار العثمانيين الحديدي على القاهرة ومصر والممالك العربية, وجاء اكتشاف فاسكو دي جاما لرأس الرجاء الصالح (1498), واكتشاف أمريكا قبلها بست سنوات عندما وطئت قدما كولمبس العالم الجديد, ليجعل أوربا تعيد رسم خرائط ملاحتها, وتتغير ديموغرافية القاهرة, وتنحسر أهمية نيلها, بالنسبة للعابرين من تجارها. واحتاجت القاهرة إلى قرون أخر, لتستعيد أهميتها, سواء عبر حملات اكتشاف منابع النيل, أو عبر الحملات العسكرية التي قرأت فيها سر موقعها الخالد.
تتكرر الحكاية, ومثلما فعل الإسكندر قبل ألفي عام, جاء نابليون بونابرت بعده بحلم أكثر خيالا: (رأيت نفسي داعية دين, أتوغل في قارة آسيا, أركب فيلا, وعلى رأسي عمامة, وفي يدي كتاب مقدس جديد, سأعيد صياغته بنفسي ليناسب احتياجاتي). بين 1798 و1801 ميلادية عاشت القاهرة وما قبلها وحولها من مدن عربية في مصر وفلسطين حملة نابليون الفاشلة عسكريا, والتي حظيت بنجاح وحيد, حين استطاعت كتيبته العلمية المرافقة المكونة من 154 عالما ورساما وأنثروبولوجيا وطبيبا من تدبيج (وصف مصر); الموسوعة التي حفظت ذاكرة البلاد في 24 جزءا وأعادت اكتشافها للعالم في الوقت نفسه, بل ومهدت للإنجليز أن يكون لهم حضورهم, لقرن تلا ذلك, وأن ينتهي تواطؤ حكام مصر معهم من عائلة محمد علي بوصول الحكم ـ لأول مرة ـ إلى العسكر من المصريين في 1952 ميلادية.
قبل نحو قرن من ذلك التاريخ (الثوري), كانت القاهرة ـ وسكانها حوالي 600 ألف نسمة ـ ملجأ دافئا لأوربيين وأمريكيين هاربين من ضباب مدنهم وبردها, وتجار قطن, وحرفيين قادمين لنعيم مدينة ثرية وكوزموبوليتانية, كنت تجد البقال فيها يونانيا, والميكانيكي إيطاليا, والساعاتي نمساويا, والصيدلي إنجليزيا, والفندقي سويسريا, والتاجر يهوديا. المساء للرقص في الأندية, والصباح للرهان على الخيل, والأصيل لتناول الطعام على ضفة النيل. إنها قاهرة الخديو إسماعيل الذي تاق لجعل عاصمته حاضرة على الطريقة الأوربية, وأن يمدنها كما مدَّن هاوسمان باريس. بنى الخديو مدينته الجديدة غرب القديمة, لتصبح أقرب للنهر, بل وغير مجرى النيل كي يشق وسط المدينة. ولعل اختياره لعلي مبارك وزيرا للأشغال العامة, وهو ابن التعليم الفرنساوي, كان يريد به أن يكمل حلقة عصرنة القاهرة وأوربتها - إن صح التعبير - لكن ما اعتمد عليه إسماعيل آنذاك من ريع مالي ـ إزاء صحوة القطن وبورصته التي تشبه صحوة البترول اليوم ـ كان قصير الأجل, فغرقت مصر بالديون التي أثقلت السماء المترعة بنجوم أوبرا فيردي, وضيوف حفل افتتاح قناة السويس, وعشاق حديقة الأزبكية, حتى جاء الإنجليز محتلين لحماية تسديد ديونهم, وحتى يكون الدفع لهم من المنبع!
كورنيش النيل
حين تأتي لمصر جوا من الشرق أو من الغرب, وتتطلع من نافذة الطائرة - حين ينادي ربانها بأن القاهرة على مرمى البصر - لن ترى سوى الصحراء يمين النيل ويساره. ولكن الأمر مختلف إذا كنت قادما من الشمال, حيث تهيئك خضرة الدلتا, لاستقبال النهر العظيم, والعاصمة التي يشقها. أقرِّب عدسة التصوير وألتقط عدة صور للقاهرة ونيلها من عل, حيث ترتاح في قلبه جزيرتان, إحداهما الجزيرة التي يميزها برج القاهرة, والأوبرا, ومتحف الفن المصري المعاصر, والثانية جزيرة الروضة, التي يسكن في ذيلها مقياس النيل. اخضرار الروضة والجزيرة ينحسر تدريجيا, بينما تشقه أشجار أسمنتية قبيحة وعملاقة من الأبراج السكنية التي تبتلع الملايين من نقود الراغبين في السكنى قرب النيل, ليكتشفوا أن النيل بات عصيا على البصر, وأن عليهم أن يضعوا مرآة في سمائه حتى يشاهدوه, أو أن يكتفوا بصوره على الجدران, فما عدا جل الفنادق والأبراج المحظوظة بالقرب منه, لا يكاد النيل يلوح في أفق سكان القاهرة.
ستسأل نفسك: من يرد نيل القاهرة أبكر من سواه, هل هم صيادو الأسماك? أم المتنزهون? أم المسافرون? أم هم الجالسون في المطاعم الفاخرة?! والحق أنه على مدار الساعة لا ينقطع (الوصل) بين النيل والناس في المدينة التي لا تنام, ومثلما يُسَلم السهارى مفاتيح النهار للمتجهين إلى المساجد فجرًا, وهم يسبحون بفضل الله داعين بالإكرام, والرزق, فإن الضجيج لا ينقطع على مدى ساعات النهار. يشاهد النيل ما يجري حوله, ويشاهده الجميع, ولكن العلاقة, بين كائن عملاق صامت وكائنات ضئيلة صارخة, يصيبها التوتر والوهن حينا, مثلما ينال منها البؤس والشره أحيانا.
تستطيع وأنت تعبر الرصيف, على كورنيش النيل, من أمام مبنى التليفزيون متجها إلى كوبري قصر النيل, وقبل أن يدهمك ضجيج الصباح, أن تستمع إلى خشخشة أوراق أشجار الكافور الرقيقة, أو أن تقف مستظلا بالنسيم ـ حين تسطع الشمس ـ تحت شجرة سنط, أو تستمع للطيور التي تتبادل عبارات الغزل فوق شجرة جميز هربا من لحظة هجير صيفية. بعد قليل سيمتلئ الرصيف ذاته بباعة الترمس, واللب, والفول السوداني, زبائنهم المارة والمتسكعون وهؤلاء الذين يستعدون للنزول إلى المرسى, حيث تصطف مراكب شراعية, وقوارب تسيرها الموتورات, لاستقبال أحبة وعائلات. أطفال المدارس, سيروقهم الذهاب بالأتوبيس النهري إلى شمال القاهرة حيث القناطر الخيرية التي أنشأها محمد علي, فيقضون يومًا بمروجها حتى آخر موعد عودة للأتوبيس الذي يعلو صراخ محركاته على زقزقة الأطفال وصراخ المرشدين وضجيج الموسيقى من المطربين الجدد! ترمز القناطر الخيرية لتوسط موقع القاهرة, لأنها مقامة عند رأس الدلتا, وكأنها مفتاح صنبور المياه, ومن يملك ذلك المفتاح, في بلد صحراوي, امتلك البلد كله, وهي من هنا توزع النيل أو تفرعه إلى أذرع نماء تروي الدلتا ـ فالقاهرة بقاع صرة الدلتا تمامًا ـ بين فرعين رئيسيين هما رشيد ودمياط.
كان لا بد أن أطوف بالنيل في القاهرة ـ تحضيرا لرحلة الكتابة ـ أكثر من مرة حتى أجعل علاقتي بمياهه لا تتوقف عند المشاهدة البرانية, ولا تكون سطوري مجرد رجع لأيام الطفولة والشباب! لا أذكر كم مرة نزلت إلى المرسى حتى اعتاد أصحاب المراكب على حضوري. يواجهني عندئذ سؤال أساسي في الرحلة النيلية القاهرية يبدأ به الحوار مع صاحب المركب: موتور ولا شراع?! يختار كثيرون الزوارق ذات الموتور, لسرعتها, وقدرتها على اجتياز الكباري التي تتمدد على جسد النيل, ولا يصم آذانهم عن صوت هذه الموتورات سوى الأغاني (الشبابية). أما الذين يفضلون الهدوء, ولديهم ما يقولونه, ويرغبون في سماع مياه النيل الموزونة, أكثر من الأغاني المختلة الوزن, لأن لديهم أغانيهم الداخلية, فيفضلون المراكب الشراعية, في عودة حميمة إلى عصر ما قبل الميكنة, وكأن الشراع يعنى بالعاطفة, والموتور مشغول بسواها. يضرب المجداف الماء, فتطرب الأذن, يداعب الهواء الشراع فتمتلئ الرئتان, وعلى مدى البصر, تنحني فتاة لتلامس الماء بكف صغيرة, كُلَّما مسَّتْ الماءَ يداها, سرى البردُ في جسدي, كأن النيل مرَّ بين أناملِها, ليداعبَ زندي!
قبل 40 سنة كان مبلغ خمسة شلنات (ربع الجنيه), يكفي لتستأجر فلوكة يقودها لك أحد النوتية السمر الوجوه القادمين من جنوب مصر, اليوم فإن نصف ساعة تدفع مقابلها خمسين جنيها, إنها ليست رحلة النهر وحده, بل رحلة العملة المحلية, وقيمتها الشرائية, ولا أقدر من مرآة النيل على كشفها.
سيطيب لك أن تختبر الألوان كلها, والنيل يحولها لك على مرآته, كل ساعة, بل كل دقيقة, فهو في منتصف الليل يصطبغ بلمعة الفولاذ, وكأنها قطرات من معدن منصهر تحت ضوء القمر, ثم هو في الفجر مزيج من ألوان عديدة كأنها ريش ذيل طاووس, حتى إذا طلع النهار تشربت مياهه بالزبد الحليبي, ليكتسي عند الظهر خضرة تصف به, خضرة نيلية, حتى يأتي اللون الذهبي بعد الظهر والشمس تنثر شعاعها في كل اتجاه, ويحين وقت أن تغرق أو تكاد فتحمر عيونه, ويغمض جفونه, ويصبح مرآة للألوان الساكنة في الفنادق الضخمة, والمراكب الفخمة.
في العوامات, والدهبيات, عشنا مع بعض أبطال وبطلات روايات نجيب محفوظ, الذي عد النيل جزءا أثيرا من القاهرة, وكان يتمشى عليه يوميا, قبل محاولة اغتياله. اليوم أصبحت المطاعم العائمة هي الحياة البديلة لأبطال عديدين في الروايات والسينما والحياة أيضا. طوابق متعددة, تكشف لك النيل, وتقدمه على طاولة السهر والسمر. من مكاني في المركب يبدو لي كوبري قصر النيل كشرفة هائلة. بُني الجسر سنة 1871 ميلادية, لكنه بهيئته الحالية شيد قبل 65 سنة, وأنجزته شركة بريطانية (دورمان لونج آند كومباني), هي التي شيدت ميناء سيدني الشهير. فوق هذه الشرفة يراقب الناظرون المراكب تمر تحتهم, بأهلها وسمارها, وعشاقها, ولأنه يربط بين أكثر من مكان له خصوصيته, كالأوبرا من اليسار والجامعة الأمريكية من اليمين, فهو بمنزلة رصيف يحرسه أسدان من هنا وآخران من هناك, ولا تدري أيحرس الليثان الجسر أم العابرين? ولعل اسم الكوبري القديم (أبو السباع) كان يفسر الحس الشعبي لمرأى الأسود الأربعة على طرفيه.
يحل المساء, ويحاول القمر أن يبزغ لك من وراء الإعلانات القبيحة التي تكاد تحجب السماء, وكأن النيل لم يكفه تلوثا, فزاد عليه التلوث البصري للإعلانات التي لم تراع حرمة النيل, ولا حرمة العيون الشاخصة إليه, فأصبحت سدا منيعا من الحديد, تطل منه وجوه بلهاء تعلن كل شيء, وهي ـ في الواقع ـ لا تعلن إلا عن شيء وحيد: هبوط الذوق العام الذي سمح لها بأن تتطاول, فلا يكاد النيل يتنفس, بعد أن سدت الفضاء أمامه.
فيضان النيل ومقياسه
في 1798 ميلادية, استطاع المسيو لوبير, أحد رجال البعثة العلمية الفرنسية التي كانت مرافقة للجيش الفرنسي, عند احتلاله مصر, أن يوثق كشف فيضانات النيل المنادى بها من سنة 1150 هجرية, وحتى 1215 هجرية, وقد نقلها أمين سامي باشا, في تقويمه للنيل, وأضاف إليها من أكثر من مصدر. اعتبر فيضان النيل غير كاف إذا كان ما بين 18 لغاية 20 ذراعًا, وضعيفا إذا كان من 20 إلى 22 ذراعا, وحَسَنا إذا وصل إلى 23 ذراعا ونصف الذراع, ومفرطا إذا زاد على 24 ذراعا. ولا شك أن إفراط النيل في فيضاناته كان كارثيا, مثلما كان جفافه, وإن اختلفت أشكال الإفراط والجفاف ونتائجهما.
مقياس النيل يقع ـ كما أسلفنا ـ في جزيرة الروضة, وهي التي كانت مأهولة منذ أيام الفراعنة, وكان لهم مقياسهم في المكان نفسه. كانت الروضة ميناء, وورشة لبناء السفن, بل وُصِفتْ في ألف ليلة وليلة بأنها جنة, قبل أن تهبط تحت رحمة الأسمنت المسلح للعمائر الضخمة, وما كان بالأمس قناة ضخمة تفصل بين الجزيرة وضفة النيل, أصبح مجرد برزخ ضيق, بين الجزيرة والكورنيش, يعلوه جسر خشبي, يصلنا بمقياس النيل, الذي بني في سنة 861 ميلادية, وزينت جدرانه بالآيات القرآنية المحفورة على الحجر. حين تغادر مقياس النيل, وإلى اليسار غير بعيد ستجد قصر المانسترلي, المشيد سنة 1851 ميلادية, فوق المكان الذي شغله مسجد مقياس النيل, وهو يستخدم حاليا كمركز للفنون, وخاصة لحفلات الموسيقى العالمية. وحتى تكتمل مساحة الفن ستمر بمتحف أم كلثوم, وربما سمعت صدى صوتها وهي تغني للنيل, بعد أن امتلكت قلوب السهارى, أو يأتيك صوت من مقام النهاوند في مديح النيل الأسمر لمحمد عبد الوهاب: (النيل نَجَاشِي حِليوة أسْمَرْ. عَجَبْ للونُه دَهَبْ ومَرْمَرْ. أرغُولُه ف إيدُه يسَبَّحْ لسِيدُه. حياة بلادنا يا رب زيدُه. قالتْ غرامي في فلوكة وساعة نولها ع الميه. لمحت ع البعد حمامة رايحة على المية وجاية. ووقفت أنا للفلايكي: تعال من فضلك خدنا, رد الفلايكي بصوت ملايكي: قال مرحبا بكم)!
سمرة النيل جاءته من الفيضان الحامل للطمي المعادل الموضوعي للخصب. كان فيضان النيل المرتقب سنويا يقع في أواخر أغسطس, لتخرج المدينة مرحبة به, فيها عرفناه صغارا بعيد وفاء النيل. ولكن السنين التي كان يُخشى فيها ألا يفيض كانت شوارع القاهرة تمتلئ بطوائف المبتهلين, الخارجين من شوارع القاهرة على الشاطئ الشرقي وعلى رأسهم السلطان, ومعه رجال الأديان جميعها, ليصلوا صلاة الاستسقاء. وقال المقريزي, (إن في شهر شوال سنة 362 هجرية, الموافق لشهر يوليه سنة 972 ميلادية, منع المعز لدين الله (الفاطمي) من النداء بزيادة النيل, وأن لا يُكتب بذلك إلا إليه وإلى القائد جوهر (الصقلي). فلما تم (مقياس النيل) ست عشرة ذراعا أباح النداء وكسر الخليج). فتأمل ما أبدع هذه السياسة! فإن الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل فيقبضون أيديهم على الغلال ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السعر, ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة, إما لطلب السعر أو لطلب ادخار قوت عياله, فيحدث بهذا الغلاء.
عادة أخرى كانت تشهدها ليلة 11 يونيو, وهي: ليلة النقطة, التي تأتي في الشهر القبطي الحادي عشر بئونة, حيث يُعتقد أن قطرة مطر مقدسة تهطل في النيل فتتسبب في فيضانه, ومعظم سكان العاصمة, ومن يعتقدون في ليلة النقطة يقضونها على ضفافه, بل إن بعض النسوة يضعن قطعا من العجين, بعلامات كل منها ترمز لأحد أفراد العائلة, لتلتقط هذه القطرة, وحين يطلع النهار يفسرون القطعة التي حظيت بالقطرة بأن صاحبها أطول عمرا, بل ويستشفون من خلالها أيضا على حجم فيضان النيل, وهو ما سجله إدوارد وليم لين في 1834 ميلادية, وهو يحكي عن عادات المصريين المرتبطة بالنيل.
ومما ارتبط من عادات بالنهر العظيم, آنذاك, أن منادي النيل كان ينطلق منذ الصباح الباكر يعلن عن أخبار فيضان النيل الطيبة, بادئا نداءه بحمد الله, والصلاة والسلام على الرسول الكريم, وشكر الحكومة, والدعاء بحفظها, وإزجاء بشارة الطوفان إلى الأهالي. ونحن نعلم أن الفراعنة في القديم كانوا يظنون أن الفيضان بعض من دموع إيزيس, باكية على أوزيريس, وطقوسهم كانت تشمل التضحية بفتاة هي العروس, تُزف إلى النيل العاشق, وهي أسطورة كذبها كثيرون, وقالوا إنها كانت مثل اليوم دمية في حجم فتاة تلقى في مياهه, ربما بعد أن زال خطر الجفاف.
شيدت على النيل السدود التي تنظم مجرى حياته, ففي سنة 1902 ميلادية بني خزان أسوان, ثم أقيمت سلسلة من القناطر في أسيوط (1902), وزفتى (1903), وإسنا (1909), ونجع حمادي (1930), وفي 1958 ميلادية تم توقيع اتفاقية بين مصر والاتحاد السوفييتي لإقراض مصر 400 مليون روبل لتنفيذ المرحلة الأولى من سد أسوان, وبدأ العمل في 1960, وانتهى بعد عشر سنوات وافتتح رسميا في يناير 1971 ميلادية. كان السد يعني الأمل في حياة أفضل, لكنه كان أيضا ـ مثل كل المشاريع الضخمة ـ كارثة بيئية, كحجز الطمي, الذي أثر سلبا في خصوبة النيل, مثلما أغرق قرى نوبية عديدة. وتوقفت بعد وفاة عبد الناصر مشاريع نقل الطمي أمام السد.
لكن ما يُخشى منه على النيل اليوم ليس أخطر من التلوث, فهناك 80 نقطة صرف زراعي على طول النهر من أسوان حتى البحر المتوسط, وتحتوي مياه الصرف الزراعي على مخصبات زراعية تحتوي على مواد عضوية, فضلا عن وجود 59 نقطة صرف صناعي على طول المجرى نفسه, تحتوي مياهها على معادن ثقيلة ومواد سامة وأخرى عضوية, وضارة بالصحة. وهكذا فإن أطول أنهار العالم (6825 كيلومترًا) والنهر الوحيد الذي يصب في المتوسط, وينساب بمفرده 2700 كيلومتر في رحلة طويلة يشق الصحراء المصرية, بقوة لا تجعله بحاجة إلى رافد يعضده, مهدد بأخطار بشرية جسيمة.
أتساءل: هل نسينا جدنا القديم وهو يخاطب النيل: (الحمد لك يا نيل, يا من تخرج من الأرض وتأتي لتغذي مصر, أنت النور الذي يأتي من الظلام, وعندما تفيض يقدمون لك القرابين, وتذبح لك الماشية, ويقام لك احتفال كبير). النيل ـ حسب قدماء المصريين ـ (هو الذي يذهب في حينه, ويأتي في وقته, يحضر الطعام والمؤن, هو الذي يأتي بالأفراح, المحبوب جدًا, رب الماء الذي يجلب الخضرة, يتفانى الناس في خدمته, وتحترمه الآلهة). أما المصريون اليوم فيلزمهم إعادة قراءة التاريخ, ليعيدوا للنيل بعضا من هيبته.
عاصمة المقادير
نعود من الجنوب إلى الشمال, إلى نيل القاهرة, وعادة شعبية أخرى ارتبطت به, وبقيت حية, متجددة, منذ عهد الفراعنة, حتى اليوم, مع تنويعات مصرية خالصة; يوم شم النسيم, الذي يوافق أول أيام الخماسين, وكثيرون يلجأون في هذا اليوم إلى الحدائق القاهرية, أو ما بقي منها, حول النيل, وداخله, يأكلون ما يستطيعونه من أسماك مملحة وبصل أخضر, وبيض ملون, وأسأل إن كانوا قد تركوا في صدورهم بعد ذلك كله مساحة لهدفهم الرئيسي من خروجهم هذا اليوم وهو (شم الهوا)! لا أظن!!
شم الهوا والاستمتاع بمرأى المياه كانا متاحين أكثر يوم كان يشق القاهرة, حتى مطلع القرن العشرين, خليجٌ كان أول مجرى يتلقى مياه الفيضان, تتدفق إليه من مصب زال, ليسير بعد ذلك في اتجاه شارع الموسكي, وكان هذا الخليج الذي تطل عليه المنازل من جهتيه, يمنح المدينة اسم بندقية الشرق, ولكن سبحان مبدل الأحوال,وقد زال الخليج, وتغير اسم الشارع أكثر من مرة, فعاد لا تربط بين أطرافه سوى كتل الزحام ومعادن السيارات ومخلفاتها. لم يتغير مجرى النيل والشرايين المتصلة به وحسب, بل اعتدت عليها شاهقات أسمنتية تنافست في قبحها, وقدرة كل منها على الاعتداء على أكبر قدر من اللون الأخضر, سواء كان ذلك على ضفتيه أم فوق جزيرتيه.
أما اليوم فنصف سيارات مصر تجري في شوارع القاهرة, وربع سكان مصر يعيشون نهارهم في العاصمة. ويندر أن تجد بلدا في العالم تحتكم فيه عاصمته المقادير كما يحدث في القاهرة, التي سماها الناس (مصرا), في اختزال عفوي وحقيقي, والنيل شاهد على ذلك كله, شاهد صامت, يستنزفه الاستهلاك غير المحتمل لبر المدينة, وسمائها, ومائها.
كان رودنبك يقارن القاهرة بنيويورك, أما اليوم فالمقارنة ظالمة, إلا إذا حسبنا أن ناطحات السحاب في المدينة الأمريكية تماثل خطوط القاهرة المرورية العلوية والسفلية المزدحمة, وهنا ستستعيد القاهرة مكانتها في أن لديها شبكة فوضوية من الخطوط الإسفلتية والكباري والأنفاق المزدحمة بالبشر والسيارات والقطارات والدراجات النارية, وعربات الخيل, وغيرها من وسائل نقل لا تكل أو تهدأ بين طرفي جسد النيل الهادئ.
مع الكاتب خالد سليمان أتجه إلى نادي البحرية, وهو من الأماكن التي يؤمها الأعضاء وسواهم, ومن ميزاته ذلك القرب ـ حد التلامس ـ من مياه النيل, في شرفته الممتدة, كما أنه ملاصق لما سيكون بعد ترميمه متحف قادة ثورة يوليو, يحكي لي صديقنا ونحن نواجه السفارة البريطانية على الجانب الآخر; كيف كان مبناها يمتد بجسر يتصل بالنيل, وفي بداية حكم أحرار يوليو, كان عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة قد عين محافظا للقاهرة ; وكانت حكومة الثورة حريصة علي تقديم إنجاز ملموس يشعر به الشارع المصري والمواطن البسيط والطبقة الوسطى, فقررت إنشاء كورنيش جديد بطول النيل من شبرا الخيمة إلى حلوان, ليصبح النيل ملكا للشعب بدلا من ملكيته للقصور التي تطل عليه من خلال شواطئ خاصة بها; وكان أهم المباني التي تطلب الطريق إزالتها أو تعديل الطريق أمامها: السفارة البريطانية بالقاهرة; والتي تشغل المكان نفسه حتى اليوم, ولكن بعد أن فقدت الحديقة المطلة على النيل, والمرسى الخاص بها. طلب البغدادي آنذاك من السفارة إخلاء جزء من الحديقة والمرسى لشق الطريق للمنفعة العامة, وماطلت السفارة, الأمر الذي أدى إلى توقف المشروع وتعطيله; فلم يصبر البغدادي طويلا وأرسل بلدوزراته لتطيح بالأسوار والمساحة المطلوبة من الحديقة والشاطئ, ليكمل طريق الكورنيش, ويصبح هناك طريق بين السفارة والنهر, طريق يمر به الشعب, في تعبير رمزي عن عودة النيل لأهله وناسه. يقترب الغروب, وينتهي النيل من حكاياته أو يكاد, يبثنا شكواه من المدينة التي وهبها حبه, وأحاطها بحنانه, ومنحها الحياة لتصبح أكبر واحة حضرية في الصحراء, ولكنها بادلته الحب ببعض الإهمال, والحنان بالتجاهل, والحياة بالتلوث. لكنه ما زال يغني, وما زلنا نعشقه.