الاثنين، 9 يناير، 2012

مقالات قيمة من الحوار المتمدن وغيره 32


الربيع العربي ونظرية المؤامرة

حول كتاب المازري حداد

الجمعة 30 كانون الأول (ديسمبر) 2011

بقلم: هاشم صالح






ربما أحدث هذا الكتاب ضجة في الأوساط العربية والفرنسية. ربما انفجر في وجوهنا كقنبلة موقوتة وغيّر الصورة المثالية التي نشكلها عن الربيع العربي. فقبل ظهوره في المكتبات الباريسية أول ديسمبر راحت مواقع الانترنيت تنشر صفحات مطولة منه وتجري المقابلات مع صاحبه. وعلى أي حال فإنه يمشي عكس التيار، وقد قدم له سمير أمين. وسواء اتفقنا معه أم اختلفنا فإن أطروحاته تستحق العرض والنقاش والأخذ والردّ.. وإلا ما معنى النقاش الديمقراطي؟ أنت لا تتناقش فقط مع من يتفق معك! لكن من هو مازري حداد مؤلف هذا الكتاب الإشكالي؟انه فيلسوف تونسي مقيم في باريس ومتخرج من جامعاتها وأستاذ فيها بعد تخرجه. وهو أحد المسلمين القلائل المتخصصين في اللاهوت المسيحي وليس فقط الإسلامي. عنوان كتابه هو التالي: "الوجه المخفي للثورة التونسية، الأصولية والغرب: تحالف محفوف بالمخاطر الكبرى". ويعتبر مازري حداد مثقفا غير نمطيّ قياسا إلى بقية المثقفين العرب أو غير امتثالي. إنه حائز على شهادة الدكتوراه من السوربون في مجال الفلسفة الأخلاقية والسياسية. إنه مسلم ولكنه حارب دائما التيارات الإسلاموية أو الأصولية. نقول ذلك رغم أنه دافع دائما عن مناضليهم الحركيين عندما قمعهم بن علي في تونس. وكان أحد أوائل المقاومين لبن علي عندما اعتلى عرش السلطة عام 1987. ولذا نفى نفسه إلى باريس لمدة اثني عشر عاما. ثم تصالح مع النظام والتحق به عام 2002 مفضلا إصلاحية الدولة التدريجية على التحالف مع الإسلاميين على عكس ما فعله تقدميون آخرون كالمنصف المرزوقي مثلا. وفي عام 2009 عينوه سفيرا لتونس في اليونسكو. ولكنه استقال بكل شجاعة من هذا المنصب عندما اندلعت ثورة الياسمين.




ما هي الأطروحة الأساسية للكتاب؟ يرى المؤلف أن انتفاضات الربيع العربي التي قدموها لنا على أساس أنها عفوية، طبيعية، ليست عفوية إلى الحد الذي يصورونه. فلديه وثائق تثبت أن الأجهزة السرية الأميركية ابتدأت منذ عام 2008 بتدريب الشباب العربي أو بعضهم على كيفية تفجير الثورات عن طريق الفيسبوك وبقية أجهزة المعلوماتية الحديثة. إضافة إلى البروباغندا الهائلة التي تمارسها قناة الجزيرة. يضاف إلى ذلك انه من المؤكد أن أوباما هو الذي ضغط على قادة الجيش لكي يتخلوا عن بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، وكان له ما أراد. من يستطيع أن يقاوم ضغوط زعيم الإمبراطورية العالمية؟ وبالتالي فهذا الربيع العربي تم التخطيط له بشكل مسبق ووقع الجميع في الفخ دون أن يدروا. بل إن تسمية الربيع العربي ليست عربية وإنما كان أول من استخدمها الإعلام الفرنسي والغربي عموما. ويرى مازري حداد ان هذا الربيع سوف يتحول إلى خريف بل وشتاء أصولي قارس.فالمستفيد الوحيد منه الذي سيقطف ثمرته هو الحركات الإسلاموية. وأخيرا يرى أن الغرب سيندم كثيرا على فعلته تلك إذ قبل التحالف مع الإخوان المسلمين. هذا باختصار شديد ملخص الأطروحة الذي يذكرنا بنظرية المؤامرة التي يتبناها محمد حسنين هيكل. لكن السؤال الذي يمكن أن نطرحه على مازري حداد وهيكل هو التالي: هل يمكن للمؤامرة أن تنجح لولا أن هناك عوامل مساعدة على نجاحها؟ للحقّ والأمانة ينبغي الاعتراف بأن المفكر التونسي لا ينكر إطلاقا وجود هذه العوامل الموضوعية. وبالتالي فرغم توكيده نظرية المؤامرة إلا انه يعترف بمشروعية الانتفاضات الثورية العربية. ففي رأيه أن حكم الاستبداد المخابراتي للحزب الواحد او حتى للعائلة الواحدة على الصعيد السياسي، والفساد والرشوة والمحسوبية على المستوى الاقتصادي، والبطالة الكثيفة الهائلة التي تصيب الشباب العربي من جهة ثالثة، كل ذلك يشكل عوامل موضوعية لانفجار الربيع العربي. وبالتالي فالأرضية كانت مهيأة تماما لذلك الانفجار. وأميركا رغم جبروتها لا تستطيع أن تخلق الأشياء من عدم. وهذا يعني أنه بمؤامرة أو دون مؤامرة كان الوضع ينتظر شرارة فقط لكي ينفجر. وهذا ما حصل عندما ضغطت الأجهزة الأميركية على الزر واندلعت شرارة الثورات. على هذا النحو تصبح نظرية المؤامرة مفهومة وتتخذ أطروحة المؤلف جدية ومعقولية. فالمؤامرة ضمن هذا التفسير لم تعد مؤامرة تقريبا وانما أصبحت عبارة عن استغلال ذكي لوضع جاهز للاستغلال.
الغرب يغير استراتيجيته تجاه الأصوليين العرب:







انعطاف بمعدل 180 درجة!






ثم يردف مازري حداد قائلا: على هذا النحو نفهم سر ذلك التحالف الغريب العجيب بين العواصم الغربية من جهة، وحركات الإسلام السياسي من جهة أخرى. ففي الماضي كان ممنوعا منعا باتا ان تتحدث مع أي قائد أصولي تونسي او غير تونسي في باريس مثلا. ويرى أوليفييه روا أحد كبار المطلعين على الموضوع أنه كان يستحيل علينا أن نشرب فنجان قهوة مع أي قائد من قادة حركة النهضة التونسية سواء كان الغنوشي أو سواه. أما الآن فأصبح الغنوشي يستقبل بكل سرور في أروقة وزارة الخارجية الفرنسية وتحت الثريات والأضواء اللامعة. كما يستقبل في واشنطن بكل حفاوة وترحيب تمهيدا لتدجينه وتطويعه كما يفعل الغرب عادة مع الذين لهم مستقبل او ثقل سياسي. وهذا ليس عيبا على الإطلاق. فالدنيا لا تسير أمورها إلا على هذا النحو. والمرور بمركز الامبراطورية العالمية إجباري لمن يريد أن يحتل مسؤولية عليا في بلاده.


هذا وقد أعطيت الأوامر للسفراء الغربيين في تونس والقاهرة وسواهما من العواصم لكي يستقبلوا قادة الإخوان المسلمين متى شاؤوا أو لكي يزوروهم في مكاتبهم ومقراتهم. وأصبحت العلاقة بين الطرفين أحلى من العسل! وسبحان مغير الأحوال..ولم يعد وزراء خارجية الغرب يحلفون إلا باسم الإخوان المسلمين. وأصبحوا يشيدون ليلا نهارا بمزايا "الإسلام المعتدل".ووصل الأمر بآلان جوبيه إلى حد أنه قال لقادة الحركات الإسلامية الذين جمعهم في معهد العالم العربي بباريس: فاجئونا نفاجئكم! بمعنى: اعتدلوا أكثر فأكثر واستمعوا إلى وصايانا تجدون ما يسركم. سوف نتخلى عن الأنظمة فورا من أجل سواد عيونكم. وسوف تحكمون العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، مشرقا ومغربا.ماذا تريدون أكثر من ذلك؟


يرى مازري حداد أن هذا الموقف الجديد يعني حصول متغير جيوبوليتيكي أعظم بالقياس إلى كل المراحل السابقة. وسوف تترتب على ذلك انعكاسات كبرى لم نستوعب حجمها وضخامتها بعد. انه منعطف تاريخي بكل ما للكلمة من معنى. ثم يضيف قائلا: رغم هذه الوقاحة الغربية فإني مصر على القول بأن شباب تونس ومصر لم يصنعوا الثورة من أجل التوصل إلى "الديمقراطية الإسلامية"! والسؤال المطروح هو التالي: ما الذي دفع الغرب إلى اتخاذ هذا الموقف غير المتوقع وتغيير استراتيجيته 180 درجة؟ والجواب شيئان اثنان: البراغماتية السياسية ونزعة الجشع التجارية. من المعلوم أن الفلسفة الذرائعية البراغماتية التي بلورها ويليام جيمس تسيطر على العقلية الأميركية وربما الغربية ككل. وهي تمثل رد فعل على الفلسفة المثالية الأخلاقية الكانطية. ويمكن اختصارها بالعبارة الشهيرة التالية: الأفكار ليست صحيحة او خاطئة، وإنما هي مفيدة أو غير مفيدة، عملية أو غير عملية، فعالة أو غير فعالة. نقطة على السطر.. فإذا كان السياق التاريخي العربي الحالي يفرض علينا التعاون مع الإخوان المسلمين، إذا كانوا هم الذين يمثلون الثقل الشعبي، وإذا كانت مصلحتنا تقتضي ذلك فلم لا؟ صحيح أننا لا نحبهم ولكن المصلحة العملية تفرض ذلك. لا ريب في أن هذا الموقف مضاد لقناعاتنا أو لميولنا الطبيعية. ولكن لا ينبغي أن نكون مثاليين أكثر من اللزوم، ينبغي أن نكون براغماتيين. ولكن هذا موقف قصير النظر في رأي مازري حداد. انه يعبر عن جهل كامل بحقائق الإسلام، بل وعن احتقار عميق للمسلمين على عكس ما نظن. لماذا؟ لأن هذا الموقف ماهوي، ثقافوي، جوهراني: أي عنصري في نهاية المطاف. ينبغي العلم بأن الكليشيهات التي تقف خلف الإسلاموفوبيا، أي كره الإسلام، هي ذاتها التي تقف خلف الحب الظاهري للإسلام. فإذا كان الجنس البشري على اختلاف أعراقه ومذاهبه واحدا في نهاية المطاف، إذا كانت الحضارة هي عبارة عن مزيج من كل الثقافات، إذا كانت النزعة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان هي أشياء كونية، فلا مبرر لقول بأن هناك نمطا أعلى من الديمقراطية يناسب العالم الغربي المتحضر ونمطا آخر أدنى مستوى يناسب العالم العربي المتخلف. لا مبرر للقول بأنه ينبغي تعديل الديمقراطية الغربية لكي تتأقلم او تتلاءم مع الخصوصية الدينية والثقافية للعالم الإسلامي. نقول ذلك اللهم إلا إذا كان الغرب يتبع وصايا برنارد لويس وصموئيل هانتنغتون اللذين يقولان بأنه لا توجد حضارة بشرية مشتركة وإنما حضارات مختلفة. وبسبب من اختلافها والتفاوتات الأنطولوجية والأخلاقية الكائنة بينها فإنها مرشحة للصدام والعراك عاجلا أو آجلا.
للمسلمين "ديمقراطيتهم" ولنا ديمقراطيتنا!





وبالتالي فالمنطق الغربي يقول ما يلي: إذا كان المسلمون في أغلبيتهم غير مستنيرين دينيا، إذا كانوا يريدون الإخوان المسلمين والسلفيين في السلطة، فبأي حق نمنعهم من ذلك؟ باسم الديمقراطية المقدسة وباسم الاعتراف بالخصوصية الثقافية التي تميزهم عن الشعوب المتحضرة المستنيرة أي نحن بالذات، فإنه ينبغي على الغرب أن يدعم وصول الإخوان إلى السلطة بشرط واحد: أن يظلوا محصورين داخل نطاقهم الجغرافي وألا يتعدوه أبدا. ليفعلوا ما يشاؤون داخل بلدانهم: ليفرضوا الحجاب على المرأة إذا شاؤوا، ليمنعوا الناس من شرب الكحول إذا أرادوا، ليفصلوا بين الذكور والإناث في المدرسة وفي كل مجالات الحياة، ليفرضوا النظام الإسلامي الصارم طبقا لمقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه مشكلتهم لا مشكلتنا. ولكن لا يحق لهم أن يفرضوا ذلك خارج نطاق الدول العربية او الإسلامية. لا يحق لهم ان يفرضوه مثلا على الجاليات الإسلامية في أوروبا او أميركا. هذا خط أحمر. في بلاد الحضارات لا يسود النظام الإسلامي او النظام المسيحي وانما يسود نظام الحداثة والديمقراطية الكاملة: أي النظام العلماني المحكوم بشريعة حقوق الإنسان والمواطن والفلسفة السياسية الحديثة لا بالشريعة الدينية القروسطية. هذه هي خطة الصقر ذي الأجنحة الملائكية باراك حسين أوباما، وعلى نفس النهج تمشي السيدة هيلاري كلينتون: عندليب الربيع العربي. فما تنفك تتغنى به على مدار الساعة..وهكذا كانت خطة سلفه في البيت الأبيض جورج دبليو بوش.فقط اختلف الأسلوب: من فظ خشن، إلى أملس ناعم. ولكن النتيجة واحدة والفلسفة واحدة: بمعنى آخر فأنهم لا يخرجون من منطق صدام الحضارات الا ظاهريا. كان ينبغي عليهم ان يخرجوا منها عن طريق دمج الحضارات مع بعضها البعض وذلك بغية تحقيق البارديغم الحضاري الأعلى: أي التوصل إلى حضارة إنسانية كونية تلتقي على أرضيتها الواسعة كل شعوب الأرض. أو قل إنهم يخرجون من منطق صدام الحضارات عن طريق الفصل بين الحضارات! إنهم يقيمون جدرانا عازلة بين حضارتهم وحضارتنا: فهم هم، ونحن نحن، ولا علاقة بيننا ولا يمكن ان نصبح متساوين او من حضارة واحدة. كيف يمكن للمتقدم ان يندمج مع المتخلف او يتعامل معه من موقع الند للند؟ وهذا ينطوي ضمنيا على نظرة استعلائية مبطنة لا تفصح عن نفسها. إنها تعيدنا إلى منطق كيبلنغ الاستعماري قبل أكثر من قرن: الشرق شرق والغرب غرب وأبدا لن يلتقيا!


ولكن يبدو كلام المؤلف مبالغا فيه هنا. فالسيدة كلينتون والسيد آلان جوبيه يركزان على ضرورة ان تحترم الحركات الإخوانية الحد الأدنى من حقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق المرأة إذا ما استلمت السلطة. كما ينبغي أن تحترم حقوق الأقليات وألا تضطهدها بعد ان تستلم الحكم ويفرغ لها الجو. ويقولان بأنهما سيكونان يقظين ولن يسمحا للأنظمة الجديدة بتطبيق الشريعة مثلا كالجلد والرجم وتعدد الزوجات ونشر الأفكار التكفيرية ضد الآخرين..آلان جوبيه يكرر دائما ان هناك خطوطا حمرا لا ينبغي تعديها من قبل الأنظمة الجديدة ذات الأغلبية الإخوانية.

يعترف مازري حداد بأن معادلة: اما الديكتاتورية واما الأصولية، كانت قد استخدمت من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية لتبرير طبيعتها البوليسية الإجرامية وإقناع الغرب بها عن طريق استخدام الفزاعة الإسلامية.وهي فزاعة أصبحت مخيفة جدا بعد 11 سبتمبر كما هو معلوم. ولكن إذا كان ذلك صحيحا فانه لا ينبغي على الغرب ان يقلب موقفه 180 درجة لصالح الإخوان كرد فعل على موقفه السابق الداعم لأنظمة الاستبداد والفساد والإجرام. لا ينبغي ان ينتقل من النقيض الى النقيض. وهو يفعل ذلك اما بسبب شعوره بالذنب جراء دعمه لهذه الأنظمة البوليسية لفترة طويلة، وإما بسبب نزعته البراغماتية الانتهازية.


ولكن لماذا لا نأخذ الأمور بايجابية؟ لماذا لا نحاول مساعدة الحركات الإخوانية والسلفية على التطور المتدرج المعقول بدلا من الصدام معها وجها لوجه؟ بما أنها هي التي تمثل الأغلبية الشعبية كما هو واضح من كل الانتخابات التي جرت فقد يكون موقف جوبيه وهيلاري كلينتون هو الحل الأفضل. فتجربة الحكم والاحتكاك بالواقع المرّ سوف تجبر حركات الإسلام السياسي على التأقلم مع الظروف والتخلي عن أطروحاتها المتشددة المضادة لروح العصر بشكل صارخ. وعلى أي حال فلا يمكن أن نضع جميع الإسلاميين في خانة واحدة ونحكم عليهم بالإعدام دون أي تمييز. فهناك إسلاميون مثقفون يرغبون فعلا بتحقيق المصالحة بين الإسلام والحداثة كبعض قادة النهضة في تونس مثلا، وهناك ظلاميون تكفيريون لا ينفع معهم أي حوار..وعلى أي حال فإن الغرب لم يعد يعرف كيف يتعامل معنا: اذا تعامل مع الأنظمة الديكتاتورية هاجمه الإسلاميون بعنف بل وقاموا بالتفجيرات الارهابية حتى داخل عواصمه! وإذا تعامل مع الإسلاميين المعتدلين هاجمه الليبراليون العرب كما يفعل المؤلف هنا. وبالتالي فلم يعد يعرف على أي رجل يرقص؟ انه يعلم علم اليقين أن الجماهير العربية أمية،فقيرة، جاهلة، في قسم كبير منها وأن الشيخ القرضاوي يؤثر عليها أكثر من كل الأحزاب العربية التقدمية مجتمعة. وبالتالي فهو مضطر للتعامل مع الشيخ القرضاوي واتخاذه كمحاور مباشر او غير مباشر. بانتظار أن تستنير الشعوب العربية وتخرج من فقرها وعذابها، بانتظار أن يصبح الليبراليون العرب شعبيين لا نخبويين فقط فلا يوجد حل آخر. ينبغي أن نعترف بالحقيقة المرة: نحن لا نمثل الشعب، يمثله شيوخ الجوامع والفضائيات والمثقف الأصولي..والشرعية في العالم العربي لا تزال دينية لاهوتية وليست علمانية فلسفية. نحن لسنا في أوروبا التي لا يتجرأ رجال الدين فيها على فتح فمهم مخافة أن يسخروا منهم! كما يلاحظ القارئ أحاول هنا أن أستعرض أطروحات المؤلف والأطروحات المضادة له بغية إضاءة الإشكالية إذا أمكن..
هل قطر الوهابية هي التي تحمي فرنسا؟!

ذكرنا بأن الأطروحة الأساسية للكتاب تقول بأن الربيع العربي ليس "عفويا" الى الدرجة التي نتوهمها. فالولايات المتحدة قررت إعادة ترتيب بيت الشرق الأوسط الكبير بما يتناسب مع مصالحها في المنطقة. وقد استخدمت المخابرات المركزية الأميركية لهذا الغرض عدة منظمات "خيرية" غير حكومية كواجهة لتحريك الأمور من خلف الستار. وهذه المنظمات عرفت كيف تتلاعب بعقول الشباب القائمين على الفيسبوك والانترنيت او بعضهم على الأقل. وعلى هذا النحو انطلقت شرارة الحريق وراحت تنتقل من بلد الى بلد كما لو بقدرة قادر. والغرب يراقب كل ذلك ويحرك الخيوط.. لكن ما علاقة دولة قطر بكل ذلك؟ يرى المؤلف في أطروحته المركزية أن قطر تلعب حصان طروادة لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن علاوة على ذلك فإنها تشتغل أيضا لصالحها. فقد وجدت في هذه الانقلابات الثورية فرصة سانحة لفرض أيديولوجيتها السلفية الوهابية على العالم العربي. وجيشت طاقات الجزيرة و"البابا المعصوم" يوسف القرضاوي لهذا الغرض. فراح يوزع الفتاوى الإلهية يمينا وشمالا كيفما اتفق وعلى هوى تقلبات السياسة الخارجية القطرية ورغبات الأمير. وقبل الغرب بذلك بشرط ان تظل مصالحه ومصالح ربيبته مضمونة. وهكذا تم الاتفاق على الصفقة: كل واحد من الطرفين رابح. وبالتالي فهذا الربيع القطري القرضاوي السلفي الأميركي ليس هو الربيع الحقيقي الديمقراطي الذي تنتظره الشعوب العربية منذ عقود. أو قل كان مستهلا ولكنهم صادروه وحرفوه عن مساره الصحيح الأولي. ووقع الشباب السذج في الفخ. وأكبر دليل على ذلك ان شباب ميدان التحرير الذين قاموا بالثورة خرجوا منها بخفي حنين. فقد أسقطوا الاستبداد وحسنا فعلوا وتحدوا الشرطة والمجلس العسكري وكل شيء. وحسنا فعلوا أيضا. ولكنهم غفلوا عن الحقيقة التالية: وهي أن عدوهم الأساسي هو القوى السلفية والإخوانية الظلامية التي راحت من تحت أنوفهم تقطف ثمار ثورتهم وربيعهم وتضحيات كل الشهداء الذي سقطوا. ويرى المؤلف ان الغرب يرتكب خطيئة عظمى اذ يتحالف مع هذه القوى الأصولية التي كانت في حالة هبوط وانحسار قبل اندلاع الانتفاضات الثورية. فلماذا أعادها إلى الواجهة من جديد ونفخ فيها الروح فأخذت تتفرعن وتسيطر وتهدد وتكتسح الساحة انتخابيا؟ لماذا أجهض الحلم الديمقراطي العربي وفرغه من محتواه وأعطاه كهدية لأعداء الحرية والديمقراطية وكل الفلسفة الإنسانية الحديثة؟ ماذا يريد الغرب؟ هل يريد ان يظل العرب خارج التاريخ يتخبطون في غياهب القرون الوسطى؟ هل يريد ان يشغلهم بالتوافه والثانويات كلبس الحجاب ومنع الاختلاط وتطبيق الحدود وتعدد الزوجات لكي يتأخر دخولهم الى ميدان الحضارة؟ هل يخشى أن ينافسوه إذا ما اكتشفوا أول الخيط الذي يقود إلى المستقبل؟ هل يريد لهم ان ينتقلوا من ديكتاتورية عسكرية الى ديكتاتورية لاهوتية أشد وأدهى؟ هل يعجبه أن يظلوا حيث هم في مستنقع تخلفهم؟ وهكذا يبقى هو سيد العلم والحضارة والفلسفة والاستنارة. ماذا يريد الغرب بالضبط؟ ويصل غضب مازري حداد على فرنسا الى حد قول ما يلي: إذا ما وضعت فرنسا نفسها تحت الحماية الوهابية لقطر فإنها لن تخشى على نفسها من النظام الطالباني الذي سينبثق حتما في ليبيا والذي ساهم السيد ساركوزي وفيلسوفه الكبير برنار هنري ليفي في انبثاقه وانتصاره. ثم يردف قائلا فيما يخص تونس: حركة النهضة التونسية سوف تختار من بين الأحزاب التقدمية واليسارية التي تحالفت معها منذ نهاية التسعينات شخصية معينة لرئاسة الجمهورية، تماما كما فعل الخميني مع بني صدر. والنتيجة معروفة.(هذا الكلام كتب قبل تعيين المنصف المرزوقي لرئاسة تونس وقبل حصول الانتخابات أصلا). ثم يردف قائلا: لن يقطع الأصوليون التونسيون يد السارق، ولن يتراجعوا فورا عن حقوق المرأة المثبتة في قانون الأحوال الشخصية والذي هو الأرقى في كل أنحاء العالم العربي. ولن يغلقوا الفنادق ولكنهم سيشجعون السياحة الإسلامية. لن يجبروا النساء على لبس الحجاب ولكن الضغط الاجتماعي الذي سيمارسونه بشكل "عفوي" أي من تحت لتحت سوف يجبرهن. لن يغيروا راديكاليا القانون المدني وقانون العقوبات ولكنهم سيحاولون جاهدين "شرعنته" أي إدخال الشريعة إليه عن طريق لمسات جزئية بسيطة متدرجة على طريقة طيب رجب أردوغان في تركيا. وهو تكتيك ماكر برع فيه "الإسلام المعتدل"! وقد أصبح أردوغان زعيم مدرسة البراغماتية الإسلامية كما هو معلوم. لقد أصبح النموذج الأعلى لكل قادة الإخوان العرب من بنكيران إلى الغنوشي الى الآخرين..هذه هي البراغماتية الإسلامية الجديدة المعمدة من قبل الكهنة في جامع تركي! كل قادة الحركات الإسلامية العربية أعلنوا ان أردوغان هو نموذجهم الأعلى الذي يحتذى. ولذا أصبح الرجل يتصرف بشكل إمبراطوري تجاه العالم العربي تماما كما السلطان العثماني أيام زمان..


أردوغان والعلمانية: مكرهٌ أخاك لا بطل!







ثم يستدرك مازري حداد قائلا: ولكن هل يعلمون ان هذه الإسلاموية المخففة أو ما يدعونه بالإسلام المعتدل لن ينتصر في ليبيا او مصر ولا حتى في تونس كما انتصر في تركيا؟ لماذا؟ لأسباب تاريخية وسيكولوجية وسوسيولوجية أولية. ثم لسبب آخر: وهو أن أردوغان أو حزب التنمية والعدالة التركي لم يختر صيغته التحررية الحالية وإنما أجبر عليها إجبارا! أردوغان كان أصوليا إخوانيا مثلهم وكان يتمنى لو بقي أصوليا إخوانيا. وحزبه يحتوي على الكثير من الإخوان المتشددين الذين يكرهون العلمانية والحداثة كره النجوس..ولكن عدة عوامل داخلية وخارجية أجبرته على التطور والتغير غصبا عنه. نعم لقد أجبرته الجمهورية التركية العلمانية على التطور والتخلي عن المواقف الإخوانية الأصولية السابقة. كما أجبره الجيش التركي، ذلك الساهر الأمين على إرث مصطفى كمال أتاتورك. يضاف إلى ذلك ان حزب أردوغان اضطر للتأقلم مع تراث ديمقراطي كان موجودا سابقا في تركيا، وهو معدوم في العالم العربي. وبالتالي فلا ينبغي ان نخلط بين الأمور. تركيا ليست ليبيا ولا مصر ولا تونس. يضاف الى ذلك أيضا ان نزعة الهيمنة لأردوغان يتصدى لها حزب قوي هو حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك شخصيا عام 1923. أما حزب بورقيبة المؤسس عام 1934 فكان يمكن ان يلعب نفس الدور تجاه النهضة والغنوشي لولا أنهم فككوه وقطعوا رأسه بعد الثورة. وقل الأمر ذاته عن الحزب الوطني الديمقراطي لمبارك في مصر..كل هذه العوامل المتوافرة في تركيا والمشجعة على الانفتاح والتحرر من عقلية الإخوان المسلمين الانغلاقية الضيقة غير موجودة في أي بلد عربي. من هنا الخوف على مصير هذه البلدان بعد الربيع العربي الذي قد يتحول الى خريف خائب او حتى شتاء قارس.




وقد يتساءلون:لماذا ربحت "النهضة" الانتخابات في تونس؟وجواب المؤلف هو التالي: لأن التونسيين مهيّؤون سيكولوجيا وثقافيا لاستقبال الأصوليين وكأنهم منقذون أرسلهم الله لكي يعيدوا للإسلام دوره ومجده في تونس المحروسة بعد طول كسوف وغياب. لقد أنقذوا الروح التونسية من اللعنة الأبدية التي أصابتها طيلة العهود السابقة. في الماضي كنا شعبا كافرا زنديقا، والآن مع النهضة سوف نعود الى القيم "الحقيقية" للإسلام! سوف نصبح طاهرين، مطهرين. وعلى هذا النحو سنخرج من الجاهلية نهائيا ونقلب تلك الصفحة السوداء للمرتدين الذين أهانوا الإسلام في عقر داره منذ عام 1956. باختصار شديد: منذ الاستقلال كنا قد أصبحنا شعبا وثنيا مبتعدا عن الله دون ان نعي ذلك..على هذا النحو يفكر الشعب التونسي البسيط الطيب..والذنب ليس ذنبه وإنما ذنب الفقر والجهل والظروف. ثم يردف مزري حداد قائلا:

ينبغي العلم بأنه لا بورقيبة ولا بن علي قاما بتهيئة الشعب التونسي للامتحان الديمقراطي الذي لا يمكن أن يحصل الا بعد تدرب طويل على العلمانية الدنيوية التي لا نطابق بينها وبين العلمانية الفرنسية بالضرورة. فهناك عدة أنواع من العلمانية لا نوع واحد. هناك عدة طرق لإقامة علاقات حديثة بين الدين والدولة او للفصل بين هذه العلاقات. على العكس من ذلك لقد حاول كلاهما، أي بورقيبة وبن علي، أن يستغلا العاطفة الدينية للشعب التونسي لأغراض سياسية مثلما يفعل كل حكام العرب والمسلمين. لماذا فعلا ذلك؟ كي يعوضا عن نقص المشروعية الديمقراطية لنظامهما. فما دام النظام غير ديمقراطي، أي غير منتخب بشكل حر من قبل الشعب، فلا يمكن إلا أن يستغل الحاكم هيبة الدين ومشروعيته العظمى لنيل بعض المشروعية في أنظار شعبه. هذه بدهية. ويمكن أن نضيف إلى كلام مازري حداد ما يلي: ما دام الدين لم يتعرض للنقد التاريخي كما حصل للمسيحية في أوروبا،وما دامت العلمانية لم تحل محله كذروة عليا للمشروعية السياسية، فإن الأمر سيظل هكذا إلى أبد الآبدين..

ويمكن أن نضيف مع المؤلف ونزيد عليه قائلين: ليس المقلق أن يكون التونسيون والعرب عموما بحاجة الى وقت طويل قبل التوصل إلى تشكيل دولة علمانية ديمقراطية حديثة.فهذا شيء طبيعي ولا ينبغي أن يدهش أحدا. أوروبا ظلت تصارع ذاتها وتراثها الديني طيلة أربعة قرون حتى توصلت إلى ذلك.هذه قصة طويلة وصعبة ومتعرجة ومليئة بالمطبات والتقدم إلى الأمام والتراجع إلى الخلف بغية التقاط الأنفاس في كل مرة، الخ. ولكن المقلق فعلا هو ذلك الزمن القصير جدا الذي لزم على قوى الارتكاس أن تستخدمه لكي تحقق بعض الانتصارات الرمزية ولكي تقنع الشعب التونسي بأنها هي المستقبل!على الرغم من كل الفرحة الغامرة الآن والإجماع الشامل غربا وشرقا فاني مصر على القول بأن الأصولية ليست المستقبل وإنما الماضي الذي لا يمضي..إنها عبارة عن حاضر عجوز يرفض ان يصبح ماضيا. فكيف اكتسى أثوابا براقة مؤخرا؟ كيف خدع كل الناس بمن فيهم المثقفون؟وكل ما نخشاه هو ان يغطي ضباب الخريف والشتاء قريبا على الربيع العربي. 

شبح الاستعمار الجديد يتراءى خلف الربيع العربي!



علاوة على ذلك فاني سأقول ما يلي: وراء هذا الكرنفال الديمقراطي الكبير الممتد من المحيط الى الخليج ألمح شبح مشروع الاستعمار الجديد. هناك تحالف يتم تجميعه وحشده الآن لسحق آخر معاقل المقاومة العربية ولعزل إيران التي أصبحت قوة إقليمية عظمى مزعجة للكثيرين. بم يتمثل المشروع الاستعماري الجديد؟ ما هي الأدوات التي سيستخدمها لتحقيق هدفه؟ انه يحاول بعث النزاع المذهبي المفتعل بين السنة والشيعة،كما ويحاول اللعب على وتر الصراع التاريخي بين الامبراطورية الفارسية الصفوية والإمبراطورية العثمانية. وبعد ذلك كله يريد ان يضع كل الأنظمة الإخوانية العربية التي ستخرج من صناديق الاقتراع تحت مظلة أردوغان والهيمنة التركية. لماذا؟ لأن القائد التركي لا يتمرد على الأوامر مثل الإيرانيين. وأكبر دليل على ذلك هو انه أذعن لنشر شبكة الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيه.(بين قوسين وكتعليق على كلام مازري حداد القائل بأن الصراع السني- الشيعي مفتعل من قبل الغرب أقول بأنه مخطئ تماما هنا.فهذا الصراع الذي اخترق تاريخ الإسلام كله لا يمكن القول بأنه مفتعل.على العكس انه شرخ في تاريخ طويل..ولو كان سوريا او عراقيا او لبنانيا او خليجيا أو مشرقيا لما قال هذا الكلام. لا. الصراعات المذهبية والطائفية والعرقية موجودة فعلا على أرض الواقع. وهي تغلي في النفوس غليانا في هذه اللحظة بالذات. ولا يمكن ان تلوم الغرب على استغلالها لتقسيمك وإنما ينبغي ان تلوم حالك لأنك لست قادرا على تجاوزها عن طريق فكر تنويري جديد).لكن لنواصل رحلتنا الطويلة مع مازري حداد. يقول: هناك مخطط لتقسيم ليبيا في حالة ان النظام الجديد لمصطفى عبد الجليل لم ينجح في مهمته. وعندئذ قد يتعرض هذا البلد الذي يغص بالثروات الطبيعية لنفس المصير الذي تعرض له العراق من قبل. فهو مقسم عمليا إلى ثلاث دول بعد الاحتلال الأميركي وذلك تلبية لرغبات إسرائيل وأوامرها. وعلى غرار السودان فان كل البلدان العربية ذات المساحة الواسعة سوف تتعرض للتقسيم طبقا لمعايير طائفية وعرقية بغية تحقيق أهداف اقتصادية تشبع نهم الغرب الذي لا يشبع(بترول،غاز،مياه). ويعتقد مازري حداد ان موقف الجزائر من الصراع الليبي يشرف أحفاد الأمير العظيم عبد القادر الجزائري. فقد رفضت ان تلعب اللعبة القذرة: لعبة المخطط الكولونيالي الجديد. ولأنها رفضت ذلك فإنها أصبحت مستهدفة من قبل بدو قطر وحماتهم الأميركيين- الإسرائيليين. ولهذا السبب فإن لورنس العرب الجديد برنار هنري ليفي أصبح يسن أسنانه على الجزائر ترقبا لاندلاع الربيع العربي فيها. ومعلوم أنها بلده الأصلي حيث ولد فيها عام 1948 وذلك قبل ان تنتقل عائلته إلى المغرب ثم فرنسا. وبالتالي فالهجوم على الجزائر وتقسيمها إلى دولة عربية ودولة بربرية يهمه جدا.


قد يقول قائل: ولكنك تفسر كل شيء عن طريق نظرية المؤامرة. ويجيب المؤلف: أعترف بأنه لا يكفي أن يضغط الأمريكان على الأزرار لكي يهيجوا كل جيوشهم المحلية على الفيسبوك والتويتر والانترنيت والفضائيات ويشعلوا ثورة ربيع عربي في هذا القطر او ذاك. فلو لم تكن الظروف الاجتماعية والسياسية مهيأة لذلك لما انتفض الشباب العربي بالغضب ضد أنظمة الفساد، ولما كان الربيع العربي. هذا شيء مفروغ منه. وبالتالي فللربيع العربي أسباب واقعية، موضوعية هي الديكتاتورية، الفساد والرشوة والمحسوبية، البطالة التي تصيب نسبة هائلة من شباب العرب. وهذا يعني ان كل شروط الانفجار العربي كانت جاهزة ومتوافرة ولكن مبارك وبن علي وسواهما من الديكتاتوريين غضوا البصر عنها ودفنوا رؤوسهم في الرمال كالنعامات. فكان ان كنستهم الانفجارات تكنيسا. ولكن هذه الحالة من الغضب الاجتماعي للشبيبة العربية استغلها الإستراتيجيون الأمريكان لقلب الأنظمة وتجديد الطبقة السياسية العربية وقطع الطريق على الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية الحقيقية.

وبالتالي فإن المؤلف يوجه النصيحة التالية الى كل الأنظمة الواقعة في مرمى الهدف الفرنسي- الأميركي: سارعوا إلى إجراء الإصلاحات الحقيقية قبل فوات الأوان. فعلاج الثورات الحقيقي ليس القمع الدموي المجرم وإنما الإصلاح الفعال. فهو وحده القادر على إيقافها. تلزم إصلاحات ديمقراطية واقتصادية واجتماعية ملحة وإلا فأمامكم الطوفان! وقد أعذر من أنذر..


ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: يريدون إقناعنا بأن كل هذه الثورات عفوية، بأن هذه الفتنة الكبرى شيء جيد بالنسبة للعالم العربي..ولكن وراء هذا الانتشاء بالحرية والفرح بالديمقراطية يقبع شبح ثلاثة مخاطر قاتلة: الأصولية الظلامية، والفوضى الشاملة، وفقدان السيادة الوطنية لمصلحة الأجانب. ينبغي ان يعلم العرب ان هناك ما هو أخطر من الديكتاتورية: الفوضى الشاملة بعد انهيار الدولة، وما هو أخطر من الفوضى الشاملة: الحرب الأهلية، وما هو أخطر من الحرب الأهلية: عودة الاستعمار.

أسئلة وأجوبة

عندما طرحوا على مازري حداد هذا السؤال: هل تعتقد بأن حزب الغنوشي قد أصبح ديمقراطيا وقطع مع كل فكر توتاليتاري؟ أجاب:

لا أعتقد ذلك. فالايدولوجيا التي قام عليها هذا الحزب تخلط بشكل كامل بين الدين والسياسة. وبالتالي فلا يمكن لحزب كهذا ان يكون إلا استبداديا توتاليتاريا.

ولكن السؤال المحير المطروح في الواقع هو التالي: لماذا صوت كل هذا العدد الكبير من نساء تونس وشبابها المعولم الحداثي المنكب على الفيسبوك والتويتر لصالح حزب أصولي هو حزب النهضة؟ نفس السؤال ينطبق على كل البلدان العربية الأخرى من مصر إلى المغرب إلى ليبيا حتما..

الجواب: يرى مازري حداد أن الشباب الحداثي المتطور لم يصوت للغنوشي. هذا غير صحيح.ولكن ماذا يمثل سوسيولوجيا، أي عدديا، في المجتمع التونسي؟ ليس قسما كبيرا من الناس على عكس ما تتوهمون. الأغلبية العظمى التي صوتت لهم هي من فقراء الأرياف والأحياء الشعبية والناس البسطاء والأميين. وهؤلاء يشكلون أغلبية الشعب. الشعب التونسي لا يزال فقيرا ومتأخرا في شرائح واسعة منه. هذه حقيقة. وأغلبية هؤلاء الناخبين يعتقدون عن جد بأن الأصولية تجسد فعلا الطهارة الأخلاقية. وبالتالي فالتصويت لهم واجب ديني بل ان التصويت للعلمانيين يعتبر خطيئة وحراما. ان هذا الخلط الذكي بين الإسلام والإسلاموية، بين الدين الروحاني- الأخلاقي والايديولوجيا السياسية المنبثقة عنه، هو الذي لعب عليه تيار الغنوشي وكل تيارات الإسلام السياسي بمهارة. وهو سبب نجاحهم واكتساحهم لكل الانتخابات التي تجري. فالناس البسطاء بل وحتى أنصاف المتعلمين لا يستطيعون التفريق بين الدين وبين التأويل الأصولي له. إنهما شيء واحد بالنسبة لهم. على هذا النحو نجح حزب الغنوشي في احتكار الإسلام كله لوحده فأصبح الإسلام وحزب النهضة متطابقين. هنا تكمن القوة الهائلة لحزب الغنوشي وكل أحزاب الإسلام السياسي كما قلنا. إذا كان التصويت مشروطا منذ البداية بالخوف من النار والطمع في الجنة فإن اللعبة الديمقراطية مزيفة مسبقا ومحسومة سلفا للتنظيمات الدينية او التي تستخدم الدين بكل فعالية كأيديولوجيا سياسية. ولا يستطيع التيار العلماني التقدمي ان يفعل شيئا. دوره لم يجئ بعد ولن يجيء قبل سنوات طويلة عندما تستنير العقول..




والسؤال المطروح الآن هو التالي: كيف ترى مستقبل تونس؟ هل المكتسبات التقدمية التنويرية لعهد بورقيبة مهددة؟
الجواب: في علم السياسة كما في علم الرياضيات هناك معادلات ذات مجاهيل عديدة، وهناك خفايا ودقائق ومفاجآت. كل شيء يمكن ان يحصل في تونس. ولكن كل شيء أيضا يعتمد على مقاومة قوى التقدم والمجتمع المدني والمسلمين المستنيرين حقا. من المؤكد ان جماعة النهضة يحقدون على بورقيبة بشكل أعمى. وبالتالي فمكتسبات المرأة التونسية ليست خطا أحمر بالنسبة لهم. وقد يتراجعون عنها او عن بعضها اذا ما استسلم لهم المجتمع وقواه الحية. ولكن هذه المكتسبات ليست مهددة فورا. ينبغي ان تستتب الأمور لهم تماما قبل ان يحاولوا التحرك والضرب. الإسلاميون أصبحوا أذكياء ومحترفي سياسة ولا يكشفون أوراقهم دفعة واحدة. سوف يستخدمون التكتيك التدريجي كما قلنا.يضاف الى ذلك ان الاميركان لا يزالون بحاجة الى النموذج التونسي الجيد قبل ان ينتقلوا الى المرحلة التالية من الربيع العربي: إسقاط سوريا وربما الجزائر من بعدها. وكما كان البابا يوحنا بولس الثاني يقول للمسيحيين: لا تخافوا! كونوا مطمئنين! أنا هنا والروح القدس معي أحميكم، فان أوباما يقول للعرب: لا تخافوا يا عرب. الأصولية هي المستقبل. هذا أفضل الموجود. اقبلوا بحظكم في الحياة و"بديمقراطية دينية" على قدكم ومقاسكم ومستوى تطوركم او بالأحرى تخلفكم وتزمتكم. لا تستحقون أكثر من ذلك. لكم الشريعة، ولنا البترول. لكل دينه!


سؤال:في رأيك هل سيكون الشتاء الأصولي أسوأ في ليبيا ومصر منه في تونس؟

حداد: بدون شك. في مصر سيربح الإخوان الانتخابات النيابية بشكل صارخ اكثر مما فعلته النهضة في تونس(هذا الكلام قيل قبل الانتخابات المصرية). أما بالنسبة لليبيا فالوضع سيكون أسوأ وأسوأ. اذا ما استطاعت المحافظة على وحدة أراضيها ودولتها القومية فان نظامها اما أنه سيكون نسخة طبق الأصل عن وهابية قطر، او نسخة طبق الأصل عن وهابية الطالبان في أفغانستان. ويا له من خيار! في كل بلد يتعرض لظاهرة الربيع العربي سنلاحظ ان الأصولية ستتخذ الطابع السوسيولوجي والسيكولوجي،أي الاجتماعي والنفساني، لمعطيات القطر المعني. هناك معطيات محلية موجودة في ليبيا غير تلك الموجودة في تونس او مصر الخ. والعكس صحيح أيضا.


ينبغي العلم بأن الأصولية المعتدلة عبارة عن سمفونية مضللة للعقول. وقد اخترعها الغرب منذ بضع سنوات لتخديرنا. لا ريب في ان الإسلام التركي على طريقة اردوغان مختلف عن إسلام الطالبان وإسلام قطر ولا علاقة له بإسلام إيران الخمينية. ولكن على الرغم من ذلك يبقى صحيحا القول بأن الأصولية هي الأصولية! إنها عبارة عن عقيدة لاهوتية- سياسية يتخذ فيها الإيمان الديني صفة القانون الملزم. إذا كانت الأصولية المعتدلة موجودة فلماذا لا يعترف بها السيد ساركوزي هنا في فرنسا. ألا يوجد في فرنسا مسلمون أكثر مما يوجد في قطر بخمسين مرة؟وعندئذ يصبح البرلمان الفرنسي مفتوحا لنائبة تلبس البرقع الأفغاني ونائب يلبس الطربوش العثماني. شيء حلو! ألن يكون ذلك تجسيدا للتعددية الثقافية وحق الاختلاف؟!

 

****



ليس دفاعاً عن يوليو: ولكنها مقولة بلهاء .. “يسقط نسر العسكر”

1 يناير 2012


خرجنا سويا نحن المهمومون بما آلت اليه الأوضاع في مصر الحبيبة، بكافة أطيافنا السياسية، ضاربين بعرض الحائط حسابات الكبار، وتوازنات القوى السياسية، خرجنا لنلبي النداء الوطني، قاصدين تحرير مصر من الاستبداد والاستغلال، ومن الهيمنة الأجنبية المفروضة عليها.

فجاءت ثورتنا التي اندلعت منذ ما يقرب من العام، بموجاتها التي لم تنتهي حتى الآن، لان هدفنا لم يتحقق بعد، ولا يزال النظام جاثما فوق الأنفاس، ولكن مع مرور الوقت اشتدت درجة الزاوية انفراجا، واتسعت الهوة بين المتلاحمين بأيام الثورة الأولى، وأخذت المصالح تضرب الصفوف، وتشتت القوي.

ولكن جاءت الصدمة الأكبر، والأكثر خطورة، حينما ظهر من يحاولون الرجوع بمصر إلى الوراء، لا التقدم بها أماما، فظهرت صور الملك فاروق، في جوانب ميدان طلعت حرب منذ شهور، حينها قلنا أنها مجرد صور بسيطة، بالطبع لها دلالاتها، ولكنها تظل في نطاق محدود، كانت تلك الصور محاولة لإعادة مصر لما قبل ثورة 23 يوليو 1952، أخذت تلك المحاولة من تواطؤ المجلس العسكري الحاكم حاليا، أداة قوية للاستناد إليها، قائلين زوراً “ان المجلس العسكري نتاج طبيعي للحكم العسكري الذي جاء منذ يوليو 52″، ثم وجدنا بعد ذلك مجموعات شبابية في ميدان التحرير تغني السلام الوطني القديم بالعهد الملكي “اسلمي يا مصر”، مطالبين بتغيير النشيد الوطني الحالي، واستعاده القديم، وبعد هذا ظهر الأمر جليا لمن لا يري، ولا يعي، حين رفعت أعلام مصر الخضراء ذات الهلال والنجوم الثلاث، لتتشابه المشاهد في مصر وليبيا وسوريا، أصوات تنادي بإسقاط العلم الحالي، واستعادة علم ما قبل ثورات التحرر بالنصف الثاني من القرن الماضي.

بالطبع هي دعوات مشبوهة، تحاول أن تقفز علي العمل الثوري، مستغله نقاء البعض، وجهل الآخرين، تحاول أن تنجح فيما اجتهد فيه نظام “السادات .. مبارك” للقضاء علي ثورة يوليو والانقضاض علي مبادئها، ولكن هذه المرة تحت اسم العمل الثوري، وبالطبع ينتهي المخطط عند أطراف الخيوط في يد أمريكية.

هم يحاولون أن يجتهدوا قائلين بامتداد المجلس العسكري لضباط يوليو الأحرار، متجاهلين اختلاف المنابع لكلا منهم، فعلينا أن نعي جيدا أن ضباط مصر الشرفاء الذين ثاروا في يوليو 52، تحركوا أولا ضد قياداتهم الخانعة بالجيش المصري، ونحوهم جانبا، فدائما السلطة تضع في قياده الجيش المواليين لها، وهو حال مجلسنا العسكري الحالي، الذي قام بتشكيله مبارك المخلوع، وكان علينا أن ننحي هذا المجلس جانبا، مثلما فعل الضباط الأحرار، ومن غير المعقول أن نحمل ضباط يوليو مسئولية خطأنا، ورضانا في بداية الأمر بتسلم هذا المجلس العسكري المباركي السلطة.

ولا يمكن أن نقارن إطلاقا ضباط تحركوا لنصره فلسطين، وحماية أرضنا العربية، ومقدساتنا الدينية، في حرب 1948، بضباط حدد تدريبهم وعددهم وسماتهم الشخصية وولائهم، اتفاقيه “كامب ديفيد” وما تسمي بمعاهده السلام 1979، التي جعلت من العدو الصهيوني حليفاً، ولا يمكننا أن ننسي ما نعلمه جيدا بطرق الالتحاق بالكليات الحربية، من وساطة ومحسوبية وآلاف الأموال التي تدفع، الى جوار التقارير الأمنية التي لها الأهمية الأولى، حتي يضمن النظام أن ضباط المستقبل ليس لهم نشاط سياسي معادي له، إضافة إلى أن أقصى الرتب العسكرية التي يصل إليها ضباط الجيش هي “رائد”، وبعدها تتدخل أيضا التقارير الأمنية فإما ينحى جانبا ويصير “مقدم متقاعد”، أو يستكمل المسيرة ليتعرض لذات التقرير في كل رتبة جديدة، حتي يصل إلى مرتبة “لواء”، ولا يصلها إلا من يراهم النظام جنودا لحمايته لا حماية أرض الوطن، ويكافئهم بما يسمي “بدل الولاء للنظام”، مقابل مادي يضمن له الولاء والطاعة، فلا يحق لنا بعد ذلك أن نقارن ضابط حمل كفنه ليحرر وطنه في فلسطين ومصر، وبين ضابط حدد مستقبله العدو وبدل الولاء.

 علينا إذن أن نعي جيدا ما وراء المقولة البلهاء “يسقط نسر العسكر”، والتي تعني إسقاط النسر من علم الجمهورية، لتعيدنا من جديد إلى علم الملك، علينا أن نقف نحن الثوار سويا يدا بيد، لإسقاط المجلس العسكري، وعدم الاعتراف بشرعيته، وتشكيل مجلس رئاسي مدني وطني انتقالي، وعلينا أيضا أن نتقدم بمصر إلى الأمام، لا أن نعود بها إلى الخلف، مقدمين خدمات عجز مبارك ونظامه أن يقدمها للغرب، وعلينا فك هذا الارتباط الخبيث بين ضباط يوليو الأطهار، وبين ضباط مبارك المخلوع.

………………

بقلم .. عصام سلامة

القاهرة

2 يناير 2012

………………



****



ياسر الهضيبي: الإخوان بايعوا جمال مبارك.. والجماعة ''أم الفلول''


1/1/2012


القاهرة - شنَّ الدكتور ياسر الهضيبي، مرشح حزب ''الحرية''، هجوماً على جماعة الإخوان المسلمين مؤكداً أنها ''أم الفلول''.

وقال، خلال المؤتمر الذي نظمه حزب الحرية ليلة السبت، في عرب جهينة بمنطقة شبين القناطر في القليوبية، بحضور مجدي عاشور، عضو الإخوان السابق، إن جماعة الإخوان تحارب مرشحي الأحزاب الأخرى والمنتمين للحزب الوطني السابق على أنهم من فلول النظام، مشيراً إلى أن كل من رضي بحكم مبارك لمدة 30 عاما فلول.

ولفت إلى أن مرشد الإخوان السابق عقد صفقة مع جهاز أمن الدولة المنحل في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 لترك 120 مقعداً من مقاعد البرلمان لمرشحي الإخوان، وأن الجهاز اكتفى بـ88 مقعداً فقط عقب إجراء الجولتين الأولى والثانية من الانتخابات.

وأضاف: ''جماعة الإخوان هي التي بايعت جمال مبارك لتولى الحكم خلفا لوالده''، مشيرا إلى أنه تربى في عائلة أسست جماعة الإخوان المسلمين وأن والده تعرض للسجن لمدة 18 عاما وكذلك حسن ومأمون الهضيبي المرشدان السابقان لجماعة الإخوان، بما يؤكد أنه ليس بعيدا عن الجماعة، لكنها تدعى الآن أن كل من صوت لها في الانتخابات سيدخل الجنة، متناسين أن من يحدد الجنة والنار هو الخالق سبحانه وليست جماعة الإخوان.

وأضاف: الأسرة المصرية قُسمت بعد الثورة إلى: سلفي وإخواني وفلول وتيارات أخرى.

وقال ''الهضيبي'' إن نائب الشعب ليس مهمته العزاء في المآتم والتهنئة في الأفراح وإخراج المواطنين من أقسام الشرطة، لافتاً إلى أن دور النائب هو الرقابة التشريعية عند صياغة الدستور ومراقبة أعمال الحكومة، خاصة في ظل البرلمان المقبل الذي يعد أخطر برلمان في تاريخ مصر السياسي، مؤكداً أهمية اختيار الناخبين الحزب القادر على تلبية مطالب الجماهير.
 



****

 

مصر على شفير الإفلاس وأولويات الإسلاميين إقامة دولة الخلافة السادسة


خليل خوري

الحوار المتمدن - العدد: 3594 - 2012 / 1 / 1

المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني




في ظل الربيع الاخواني الذي يجتاح الدول العربية ودائما بد فع من الامبريالية الاميركية وبدعم مالي تقدمه انظمة النفط والغاز وعلى راسها شيخ مشيخة قطر للتنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين ولرديفهم من السلفيين ومن تنظيم القاعدة في ظل ربيع لم يات بالديمقراطية الموعودة ولا بالعدالة الاجتماعية و بالازدهار الاقتصادي المنشود ترزح مصر تحت وطأة ازمة اقتصادية طاحنة تتوقع طائفة كبيرة من المحللين الاقتصاديين ان تسفر عن افلاس مصر اقتصاديا ما لم يرحل الطنطاوي ورهطه من كبار جنرالات المجلس الاعلى للقوات المسلحة الى ثكناتهم ثم تناط صلاحيات المجلس العسكري الى حكومة تمثل كافة القوى الوطنية و تتبنى برامج اصلاحات اقتصادية تقوم على سيطرة المجتمع على وسائل الانتاج والخدمات الاساسية وعلى الاستثمار الامثل للموارد البشرية المتاحة والحد من الاستيراد الترفي والمظهري وعلى برامج اجتماعية تتركز على احتواء الانفجار السكاني الذي يتفاقم سنة بعد اخرى وتتعاظم بسببه ظاهرتا الفقر والبطالة وحيث لا سبيل لاحتواء هذه المعضلة الاجتماعية الا عبر تنظيم الاسرة ورفع سن الزواج ومنع تعدد الزوجات . وحول الوضع الاقتصادي المازوم اظهر التقرير السنوي للبورصة المصرية ان الاقتصاد المصري شهد خلال عام 2011 وبسبب الاحداث والتظاهرات والاعتصامات التي مرت بمصر واحدة من اسوأ مراحله على الاطلاق ! واشار التقرير الى ان البيانات اظهرت تراجع النمو الاقتصادي الى ادنى مستوياته مع استمرار تفاقم العجز في الموازنة العامة للدولة بشكل ملموس نتيجة انخفاض الايرادات وارتفاع جانب النفقات وتزامن ذلك مع انخفاض ملحوظ في الاحتياطيات النقدية من العملات الصعبة المتاتية اساسا من عوائد الصادرات المصرية ومن حوالات العمالة المصرية العاملة في سوق العمل العربية التي تناقص عددها وفق تقارير اخرى بسبب ترحيل عدد كبير منها من السوق السعودي بعد تطبيق الحكومة السعودية سياسة احلال العمالة السعودية محل العمالة الوافدة اضافة الى عودة اكثر من 1,5 مليون عامل مصري كانوا يعملون في ليبيا اثر اندلاع الثورة الليبية المدعومة من قوات الناتو وتنظيم القاعدة ضد العقيد معمر القذافي . ومن الانعكاسات الاخرى للثورة الاخوانية القرضاوية على الاقتصاد المصري وحسبما يشير التقرير ان الاستثمارات الاجنبية قد تراجعت الى ادنى مستوياتها – وهل يجازف المستثمرون بتوظيف اموالهم في اية مرفق اقتصادي عندما عندما يرون هجرة جماعية لشريحة التكنوقراط من مصر باتجاه سوق العمل الاروبية هربا من الارهاب الديني الذي تمارسه الجماعات الاصولية الاسلامية ضد هذه الشريحة وضد النخب الثقافية والتنويرية ؟ وهل سيجازفون باستثماراتهم عندما يرون انخفاضا ملموسا في انتاجية العامل المصري نتيجة استنزاف جزء من اوقات العمل في اداء الفروض والطقوس الدينية ¬¬– وحيث سجلت الاستثمارات تراجعا خلال بمقدار 2,2 مليار جنيه كما تم تخفيض التقييم الائتماني للسندات المصرية اربع مرات متتالية خلال العام كما سجلت الاستثمارات الاجنبية تدفقا الى الخارج بنحو 4 مليارات جنيه خلال العام والى هذه التقرير نستطيع ان نضيف ان قطاع السياحة قد شهد هو ايضا تراجعا كبيرا في عائدات السياحة نتيجة تناقص عدد السياح الذين يتوجهون الى مصر لمشاهدة اثارها التاريخية والسياحية وحيث تشير القارير والدراسات المتعلقة بهذا النشاط ان العدد الاكبر منهم قد احجموا عن زيارة مصر تحسبا لتعرضهم للقتل من جانب تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الاصولية المتطرفة التي تعج بها مصر منذ ان تبنى شيخ مشيخة قطر هذه التنظيمات برعايته واغدق عليها الاموال او ربما بسبب الحملة العدائية التي يروج لها خطباء الاخوان المسلمون في المساجد المصرية ضد السياح وحيث يطالب الاخونجية باغلاق باب السياحه لان السياح بنظرهم لو اضافوا بعوائدهم وانفاقهم في مصر قيمة مضافة للدخل المصري فانهم بالمقابل سينشرون امراض الايدز كما سيروجون عبر احتكاكهم برجل الشارع المصري للثقافة الغربية التي تتعارض مع التعاليم الالهية المنزلة من السماء مثلما تتعارض مع الموروث الثقافي للشعب المصري وللتاكد من صحة هذه المعلومة اقول ادعو قارىء هذه السطور الى متابعة الفضائيات الدينية التي تبث برامج تروج لايديولوجية الاخوان المسلمين والسلفيين او الذهاب الى المساجد التي تسيطر عليها هذه الجماعات الاصولية وتروج لافكارها وسوف يلاحظ ان خطباء وفقهاء الاخونجية يكرسون اكثر من نصف خطبهم في مهاجمة الحضارة الغربية وتضخيم عيوبها مع تعظيم لانجازتنا الحضارية على المستويين اللفظي والغيبي وحيث لا يرون فيها الا الدعارة والانحلال الخلقي رغم ان هذه الحضارة قد انتجت للبشرية ولهولاء الشيوخ كافة وسائل الرفاهية التي يتمتعون بل يتمرغون بها مثل الكهرباء ووسائل النقل والادوية والخلويات والكومبيوتر وادوات الانتاج المتطورة وغيرها من المخرجات التي لولاها لبقيت البشرية ومثلهم الاخونجية يعيشون نفس الظروف التي كان يعيشها الانسان البدائي ولرايناهم يتنقلون من بلد لاخر على ظهور البعير والحمير والبغال بدلا من ان يتنقلوا وكما هو الحال مع القرضاوي والمرشد العام لاخونجية مصر محمد بديع في سيارات من احدث الموديلات او ربما حصدهم الطاعون وابو خانوق وغيرها من الاوبئة التي كانت تحصد ملايين البشر قبل ان يكتشف الكافر ابن الكافر العالم باستور ان الميكروب بانه هو سبب موت ملايين البشر, فلبوا نداء ربهم ورحلوا سريعا الى جنات النعيم وحيث نكاح الحور العين والغلمان المرد !!

رغم الرؤية المتشائمة التي يعكسها تقرير البورصة وتحليلات طائفة كبيرة من المحللين حول الوضع الاقتصادي المتدهور في مصر ورغم دعوتهم الى ادخال الاقتصاد في اسرع وقت الى غرفة الانعاش لمعالجته هناك من التشوهات والاختلالات الهيكلية التي يعاني نتيجة تعرضه لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين المتمثلة بحرية التجارة وبالغاء كافة اشكال الحماية التي كان تتمتع بها قطاعات الصناعة والزراعة وبخصخصة المئات من المنشئات الزراعية والصناعية الرابحة بنقل ملكيته الى كبار المتنفذين والمستثمرين الاجانب او بمبادلتها بالمديونية الخارجية لمصر بمعالجته باستخدام الوصفات الاشتراكية ورغم تردي الظروف المعيشية للشرائح الاجتماعية المتوسطة والمتدنية الدخل فقد ظل الهاجس الاساسي لاخونجية وسلفيي مصر هو اعادة انتاج النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدا في ظل حكم السلف الصالح وحيث يرى الملتحون من سلفيين واخونجية بان لا سبيل لنهوض مصر حضاريا وتطورها في مختلف المجالات الا اذا تبنت الحكومة المصرية برامج مماثلة لتلك التي كان يطبقها الخلفاء الراشدون امثال ابو بكر الصديق وعثمان ابن عفان وعمر ابن الخطاب وتاكيدا لتوجههم السلفي ودفعهم للصيرورة التاريحية باتجاه الحقبة الرعوية البدوية فقد اعلن المرشد العام للاخوان المسلمين الدكتور البيطري محمد بديع ان الظروف في مصر باتت ناضجة لاقامة دولة الخلافة السادسة وبهذا المنظور الرجعي فان الاخوان المسلمون ومعهم شقيقتهم الصغرى حزب العدالة والتنمية سوف يركزون نشاطهم تحت قبة البرلمان ومن خلال الحكومة الملتحية التي سيشكلونها باعتبارهم اكبر كتلة برلمانية من اجل الاطاحة بالمجلس العسكري ولاستبداله كسلطة حاكمة بامير للمؤمنين تتركز في قبضته وكما كان في ظل الخلافة الراشدة كافة السلطات والصلاحيات كما سيبادرون الى حل الازمات الاقتصادية وتحقيق قيمة مضافة للدخل الوطنى عبر شن غزوات ضد دول مجاورة وبعيدة عن مصر اي بنفس الطريقة التي استخدمها السلف الصالح لجلب الغنائم والجواري والعبيد وتمكنوا بذلك من تكديس الاموال والمعادن النفيسة في بيت مال المسلمين ويستخدمها حاليا القراصنة الصوماليون لحل مشاكل الصومال الاقتصادية عبر السيطرة على البواخر التجارية والاستيلاء على محتوياتها من بضائع وعندئذ لن يكون الخليفة السادس بحاجة لتطبيق برامج لانعاش قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتعدين كما سيكون سهلا على الخليفة السادس ان يحقق عدالة التوزيع عبر الثروات المنهوبة من خلال الغزوات اضافة الى بيع الجواري والعبيد في سوق النخاسة . ولهذا الغرض فقد بادر الاخونجية والسلفيون الى تاسيس هيئة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر لتراقب المرافق العامة كالشواطىء والحدائق العامة والملاهي والميادين الرئيسية وغيرها تقويما لسلوكيات المصريين ولكل ما يتعارض مع الكتاب والسنة والالتزام بالزي الاسلامي المتمثل باخفاء عورات النساء تحت الاثواب الشرعية والنقاب كما قامت طلائع من افراد الهيئة بجولة على صالونات الحلاقة بمدينة بور فؤاد حذروا خلالها اصحاب الصالونات بعدم حلق لحي زبائنهم من المسلمين مع عدم تسوية حواجبهم تاهبا على ما يبدو لشن غزوات بمقاتلين يتماهون في شدة باسهم وطول لحاهم بالقعقاع وابو العباس وغيرهم من قادة الغزوات الذين ابلوا بلاء حسنا في قتال جيوش الكفار والمشركين والحقوا بهم هزائم منكرة سجلها التاريخ باحرف من ذهب وفضة !!!






****





لا، لن يحكمنا الخليفة من قندهار


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن - العدد: 3602 - 2012 / 1 / 9

المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني






الإنسان عدو ما يجهل، والنفس أمارة بالسوء. تأنس لما تهوى، وتعشق ما تعرف. وكما يقول الفيلسوف دافيد هيوم، العقل عبد للرغبات والشهوة. العقل عبد للمعتقد.

منا من يؤمن بأول عقيدة تصادفه دون تفكير. يقبل كل ما يعضدها، ويرفض كل ما يخالفها. يدافع عنها بماله وعياله وحياته. يكفّر من يرى غير ما يراه، أو يؤمن بغير ما يؤمن به.

إنني هنا سأترك أحداث التاريخ تبرر، لماذا لم يعد نظام الخلافة يصلح لنا. وذلك بمناسبة فوز الإسلاميين وحصولهم على أكبر عدد من مقاعد المجلس التشريعي القادم.

فهل قمنا بالثورة لكي يحكمنا خليفة قابع على أريكته في قندهار، عليه ثيابا خضر سندس وإستبرق وأساور من فضة، محاطا بالجواري والغلمان والعبيد؟

هل نظام الخلافة يصلح لنا اليوم بعد هذا الكفاح المرير للحاق بالحضار الإنسانية، وبناء دولتنا المدنية؟ سوف أدع أحداث التاريخ تجيب على هذا السؤال، وسأترك الحكم للسادة القراء.

 

سعد بن عبادة لم يبايع، فقتلته الجن:

عندما قبض الرسول صلعم، كان في المعارضين سعد بن عبادة، سيد الخزرج، وهو من النقباء الاثني عشر. مات في عهد عمر، على معارضته لخلافة أبي بكر وعمر، ودون أن يبايع لهما؟!

قالوا أنه وجد ميتا في مغسله، وقد اخضر جسده، ولم يشعر بموته أحدا، حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا:

نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده



يقال : إن الجن قتلته . وروى ابن جريج عن عطاء قال: سمعت الجن قالت : فذكر البيتين .وقال ابن الأثير : فلما سمع الغلمان ذلك ذعروا، فحفظ ذلك اليوم، فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد بالشام. وقال ابن سيرين : بينا سعد يبول قائما إذ اتكأ فمات، قتلته الجن.

لقد أراد سعد تناوب السلطة، أمير من عندكم وأمير من عندنا. لكن قريش أبت إلا أن تكون الخلافة من نصيب القرشيين فقط.
 

حكم الشريعة:

كان أبي بكرة والمغيرة متجاورين، بينهما طريق. وكانا لهما مشربتين متقابلتين في داريهما. في كل منهما كوة. اجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح فتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليصفقه.

بصر المغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة. فقال للنفر: قوموا فانظروا. قاموا فنظروا، ثم قال اشهدوا. قالوا ومن هذه، قال أم جميل ابنة الأفقم، وكانت أم جميل إحدى نساء بني عامر بن صعصعة. وكانت غاشية للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها.

قالوا إنما رأينا أعجازاً، ولا ندري ما الوجه، ثم أنهم صمموا حين قامت. لما خرج المغيرة إلى الصلاة، حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، وقال لا تـُصل بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك.

ارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني، مستقبلهم أو مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة أو عرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي، على امرأتي، والله ما أتيت إلا امرأتي. وكانت شبهها.

بدأ أبي بكرة، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه، كالميل في المكحله. قال كيف رأيتهما، قال مستدبرهما، قال فكيف استثبت رأسها، قال تحاملت.

ثم دعا بشبل بن معبد، فشهد بمثل ذلك، فقال استدبرتهما أو استقبلتهما، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم.

قال زياد رأيته جالساً بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، وإستين مكشوفتين. وسمعت حفزاناً شديداً. قال هل رأيت كالميل في المكحله؟ قال لا، قال فهل تعرف المرأة؟ قال لا، ولكن أشبهها، قال فتـَنـَح .

وأمر عمر بالثلاثة فجلدوا الحد. فقال المغيرة: اشفني من الأعبد (اي الثلاثة الذين شهدوا ضدي)، فقال : اسكت، اسكت الله نأمتك، لو والله تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك.
 

العدل في عهد عثمان بن عفان:

يذكر الطبري في كتابه تاريخ الأمم والملوك الجزء الثالث:

لبث عثمان بعدما قتل، ليلتين لا يستطيعون دفنه. ثم حمله أربعة. فلما وضع ليصلي عليه، جاء نفر من الأنصار يمنعوهم الصلاة عليه، ومنعوهم أن يدفن بالبقيع.

فقال أبو جهم: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته، فقالوا: لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً. فدفنوه في حوش كوكب، مقابر اليهود. فلما ملكت بني أمية، أدخلوا ذلك الحوش في البقيع.

المشكلة هنا أن نظام الخلافة ليست به ضوابط. تحاسب الحاكم وتمنعه من الخطأ والتجاوز، وتعزله إن خرج على الأمة وأساء لها. فقد اتهم عثمان بخروجه على قواعد العدل، ولما اشتد على المسلمين الخطب، حاصروه وطلبوا منه أن يعتزل.

لكنه رفض وأجابهم بقوله الشهير: والله لا أنزع ثوبا سربلنيه الله. وبعد مقتل عثمان بشهور، خرج طلحة والزبير يطالبان بالثأر له في جيش عائشة. فقتلا وهزم جيش عائشة.

ثروة الأقارب والمعارف في عهد عثمان:

يقول ابن سعد في طبقاته الكبرى:

كان لعثمان يوم قتل، ثلاثون ألف ألف (مليون) درهم، وخمسمائة الف درهم، وخمسون ومائة الف دينار، وترك ألف بعير، وصدقات قيمة مائتي ألف دينار.

كانت قيمة ما ترك الزبير واحد وخمسين مليون. وكان للزبير بمصر خطط وبالإسكندرية خطط وبالكوفة خطط وبالبصرة دور، وكانت له غلات من أعراض المدينة.

ترك طلحة من الأموال ثلاثين ألف درهم، ومن العين 2 مليون ومائتي ألف دينار، والباقي عروض.

ترك عبد الرحمن بن عوف، ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع، ومائة فرس، وكان يزرع بالجرف عشرين ناضجا، وترك ذهب قطع بالفؤوس، حتى ملت أيدي الرجال منه، وأربع نسوة.

ذكر ابن كثير أن ثروة الزبير قد بلغت 57 مليونا وأموال طلحة بلغت الف درهم كل يوم.
 

ماذا فعل ترجمان القرآن عندما تولى السلطة:

هذا ما دار بين الخليفة علي بن الخطاب وواليه بالبصرة عبد الله بن عباس، ترجمان القرآن:

علي:

أما بعد، فقد بلغني عنك أمر. إن كنت فعلته، فقد أسخطت ربك، وأخربت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين. بلغني أنك جردت الأرض، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إلى حسابك، واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس.

الرد من ابن عباس:

أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي، أضبط وأحفظ. فلا تصدق على الأظناء، رحمك الله، والسلام.

علي:

أما بعد، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذته، وفيما وضعت ما أنفقت منه. فاتق الله فيما ائتمنتك عليه، واسترعيتك حفظه. فإن المتاع بما أنت رازئ منه قليل، وتبعة ذلك شديدة، والسلام.

ابن عباس يرد ويقدم استقالته:

أما بعد، فقد فهمت تعظميك على مرزئة ما بلغك أني رزأته أهل هذه البلاد. والله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ولجينها وبطلاع ما على ظهرها، أحب إلي من أن ألقاه وقد سفكت دماء الأمة، لأنال بذلك الملك والإمارة.
فابعث إلى عاملك من أحببت.

على يتعجب مردداً :

وابن عباس، لم يشاركنا في سفك هذه الدماء ؟

ثم جمع ابن عباس ما تبقى من أموال في بيت المال، و قدره نحو ستة ملايين درهم، ودعا إليه من كان في البصرة من أخواله من بنى هلال، وطلب إليهم أن يجيروه، حتى يبلغ مأمنه.

ففعلوا، وحاول أهل البصرة مقاومتهم وناوشوا بنى هلال قليلاً. ثم أقنعوا أنفسهم بترك المال عوضاً عن سفك الدماء. ومضى ابن عباس بالمال، آمناً، محروساً، قريراً، هانئاً.

حتى بلغ البيت الحرام في مكة، فاستأمن به، وأوسع على نفسه، واشترى ثلاثة جوار مولدات حور بثلاثة آلاف دينار. يقال لهن شادن وحوراء وفتون. صدمة هائلة، لا لعلي فقط، بل لنا جميعاً في ابن عباس، ترجمان القرآن.

بعد خلافة عثمان وعلي، لم يعد للخلافة الإسلامية علاقة بالإسلام، إذا استثنينا خلافتي عمر بن عبد العزيز والمهتدي.

الخلافة قرشية:

الخلافة كانت منذ بدايتها خلافة قرشية. الخلفاء الراشدون كانوا قرشيين، وكذلك الأمويين والعباسيين. بذلك تكون قبيلة قريش قد حكمت المسلمين أكثر من 900 سنة، بدون انقطاع حتى سقوط دولة المماليك في أيدي العثمانيين عام 918 هجرية. بينما الخلافة الرشيدة لا تزيد عن25 سنة.

أين حقوق الإنسان:

الخلافة لم تحرم تعذيب الإنسان بصفة عامة. حتى أيام الرسول عذبت وقتلت أم قرفة بالطريقة الآتية:

هي فاطمة بنت ربيعة بن بدر بن عمرو الفزارية. أم قرفة تزوجت مالكا بن حذيفة بن بدر وولدت له ثلاثة عشر ولدا أولهم قرفة وبه تكنى.

كل أولادها كانوا من الرؤساء. كانت من أعز العرب, وفيها يضرب المثل في العزة والمنعة فيقال: أعز من أم قرفة. كانت إذا تشاجرت غطفان بعثت خمارها على رمح فينصب بينهم فيصطلحون.

كانت تؤلب على الرسول صلعم، فأرسل في السنة السادسة للهجرة زيد بن حارثة في سرية، فقتلها قتلا عنيفا, فقد ربط برجليها حبلا, ثم ربطه بين بعيرين حتى شقها شقا. وكانت عجوزا كبيرة, وحمل رأسها إلى المدينة ونصب فيها ليعلم قتلها.

حدث عقب مقتل عمر ابن الخطاب، حين انطلق ابنه عبيد الله ابن عمر، و قتل ثلاثة ظن فيهم التآمر على مقتل والده، لم يثبت ذلك في حق أحد منهم.

كان أحدهم الهرمزان، الذي أسلم وصح إسلامه. واجه عثمان هذا الموقف في بدء ولايته، وكان رأي الدين فيه واضحاً. أعلنه علي، وأصر عليه. وهو أن يقتل عبيد الله بدم من قتل ظلما.

يقال أن عمرو بن العاصي أفتى بفتوى بالغة الذكاء والمهارة عندما تولى عثمان، وسأل عمرو أن يخرجه من المأزق الصعب. سأله عمرو: هل قتل الهرمزان في ولاية عمر؟ أجابه عثمان: لا، كان عمر قد قتل. فسأله ثانية: وهل قتل في ولايتك؟ أجاب عثمان: لا، لم أكن قد توليت بعد. فقال عمرو: إذن يتولاه الله. ولم يفعل شيئا.

بعد وفات علي بن أبي طالب بطعنات عبد الرحمن بن ملجم، دعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه. فجعل يقول : إنك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض. أي بمكحال حار محرق.

ثم أمر بلسانه أن يخرج ليقطع، فجزع من ذلك. فقال له ابن جعفر : قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك؟

قال: إني ما جزعت من ذلك خوفاً من الموت، لكني جزعت أن أكون حياً في الدنيا ساعة لا أذكر الله فيها. ثم قطع لسانه، فمات وأحرقت جثته.


السلطة المطلقة؟:

عام 45هـ قال ابن عون : كان الرجل يقول لمعاوية : والله لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنك فيقول : بماذا ؟ فيقول : بالخشب فيقول : إذن نستقيم . تاريخ الخلفاء للسيوطي

عام 75هـ، خطب عبد الملك بن مروان، على منبر الرسول في المدينة، بعد قتل عبد الله بن الزبير قائلاً: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.

قال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك، والمصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.

وصيته لابنه الوليد وهو يحتضر:

يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه، وانظر الحجاج فأكرمه، فأنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت أحوج إليه منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.

ثم أخذته غفوة، فبكى الوليد. فأفاق معاوية وقال: ما هذا؟ أتحن حنين الأمة؟ إذا مت فشمر وائتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك. فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.

للمقارنة فقط:

في مصر القديمة، الأب الملك ينصح ابنه "مرى-كا-رع" ويحثه على إقامة الحق والعدل على سطح الأرض، ويقول: لا تكن شريرا, واصبر فالصبر جميل. اعطي حبك لنفسك إلى العالم كله. فالأخلاق الحميدة والسمعة الطيبة تظل خالدة.

هذه تعليمات أب يعد ابنه لتولي الحكم من بعده. هذه ليست تعليمات تبين له كيف يستعبد شعبه, أو كيف يزور الإنتخابات حتى يظل كابسا على أنفاس الناس, أو كيف يبقي السلطة فى يده بكل الطرق المشروعة والغير مشروعة.

لكنها تعليمات روحية فى الأخلاق والسلوك.

فالحضارة المصرية القديمة، لم تكن أبدا حضارة عفنة، كما يقول شيخ السلفيين عبد المنعم الشحات.
 

استباحة جيش يزيد للمسلمين:

هاجم جيش يزيد المدينة، حين خلع أهلها بيعته، وقاتل أهلها قليلاً، ثم انهزموا فيما سمي بموقعة الحرة. فأصدر قائد الجيش أوامره باستباحة المدينة ثلاثة أيام.

قيل أنه قتل فيها أربعة آلاف وخمسمائة، وأنه قد فضت فيها بكارة ألف بكر، وقد كان ذلك كله بأمر يزيد إلى قائد جيشه، مسلم بن عقبة. وكانت التعليمات الموجهة له هي:

ادع القوم ثلاثا فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليها فأبحها ثلاثاً، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس.

ولم يكتف مسلم باستباحة المدينة بل طلب من أهلها أن يبايعوا يزيد على أنهم "عبيد" له، يفعل فيهم وفي أموالهم وفي أولادهم ما يشاء.
 

يزيد بن عبد الملك:

ننتقل إلى يزيد بن عبد الملك، أحد أربعة تولوا الخلافة من أبناء عبد الملك بن مروان. هم على الترتيب، الوليد وسليمان ويزيد وهشام. فيذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء:

ما أن ولي يزيد بن عبد الملك، التاسع في ترتيب خلفاء بني أمية، حتى أتى بأربعين شيخاً فشهدوا له أنه، ما على الخليفة حساب ولا عذاب.

بدأ خلافته بعشق سلامة، وانتهت خلافته وحياته، بسبب عشقه لجارية أخرى اسمها حبابة. كانت له رغبة غريبة في الطيران. قصة ذلك أنه كان يوماً في مجلسه، فغنته حبابة ثم غنته سلامه، فطرب طرباً شديداً ثم قال : أريد أن أطير، فقالت له حبابة : يا مولاي، فعلى من تدع الأمة وتدعنا.

بينما هو معها في القصر، على أسر حال وأنعم بال، وبين أيديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك، فشرقت بها وماتت، فمكث أياماً يقبلها ويرشفها وهي ميتة حتى أنتنت وجيفت فأمر بدفنها، فلما دفنها أقام أياماً عندها على قبرها هائماً، ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه.

الخليفة المتوكل:

روي عن الخليفة المتوكل العباسي أنه، كان منهمكاً في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سرية، ووطىء الجميع. تاريخ الخلفاء للسيوطي.

الوليد بن يزيد:

اشتهر بالمجون وبالشراب وباللواط وصدق، وبرشق المصحف بالسهام. وكان إلى جانب ذلك، شاعراً مطبوعاً، سهل العبارة، يحسن اختيار الألفاظ ورويه. قال الذهبي وهو يدافع عنه: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوط، فخرجوا عليه لذلك.

قرأ الوليد ذات يوم: "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد". فدعا بالمصحف فنصبه غرضاً للنشاب، وأقبل يرميه وهو يقول:

أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم الحشر فقل يا رب خرقني الوليد

وذكر محمد بن يزيد المبرد، النحوي، أن الوليد ألحد في شعر له، ذكر فيه النبي، وأن الوحي لم يأته عن ربه، ومن ذلك الشعر:

تلعب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه ولا كتاب

فقل لله يمنعني طعامي وقل لله يمنعني شرابي


حاول الوليد نصب قبة فوق الكعبة ليشرب فيها عام حج هو ورفاقه، لكن حاشيته نجحت في إقناعه أن لا يفعل بعد لأى، وأنه راود أخاه عن نفسه في اللواط.

لقد أحاطت به الذنوب، وتألب عليه الصالحون، وانتهى الأمر بخروج ابن عمه يزيد بن الوليد عليه، وقتله، بعد خلافة قصيرة استمرت عاماً وثلاثة أشهر.

السفاح:

السفاح، أول خلفاء بني العباس. قال على المنبر:

إن الله رد علينا حقنا، وختم بنا كما افتتح بنا، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير.

يستحق اللقب بجدارة. فقد أمر بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورهم، وجلدهم وصلبهم، وحرق جثثهم، ونثر رمادهم في الريح، وتذكر لنا كتب التاريخ ما وجدوه. فيقول ابن الأثير:

نبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان، فوجدوا جمجمته، وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك. فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه، بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح. مروج الذهب للمسعودي.

تتبع السفاح بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم ولم يفلت منهم إلا رضيع، أو من هرب إلى الأندلس.

في كتاب الكامل في التاريخ لابن أثير: دخل سديف الشاعر على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقد أكرمه فقال سديف :

لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء دوياً

فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أموياً

فقال سليمان : قتلتني يا شيخ، ودخل السفاح وأخذ سليمان فقتل.

دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم، على السفاح، وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام فأقبل عليه شبل فقال:

أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم فشفوها بعد ميل من الزمان وباس

لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعن كل رقلة وغراس

إلى آخر القصيدة ..

فأمر بهم السفاح، وقيل عبد الله، فضربوا بالعمد حتى قتلوا. وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا.

غدر السفاح:

أعطى السفاح ابن هبيرة قائد جيوش مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، كتاباً يحمل إمضاءه ويتعهد له بالأمان، ثم قتله بعد أيام من استسلامه.

قتل السفاح وزيره أبا سلمة الخلال، أحد مؤسسي الدولة العباسية في الكوفة، وتعمد أن يتم ذلك على يد أبي مسلم الخراساني، المؤسس الأول للدولة.

غدر أبا جعفر المنصور:

سلط المنصور أبا مسلم الخراساني لقتل عبد الله بن علي، ثم تولى هو بنفسه قتل أبي مسلم، ولم يشفع له صياح أبي مسلم: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، بل رد عليه: وأي عدو لي أعدى منك؟

دخل عليه ولي عهده، عيسى بن موسى، فوجد أبا مسلم قتيلاً. فقال: قتلته؟ قال: نعم، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، بعد بلائه وأمانته؟ فقال المنصور: خلع الله قلبك! والله ليس لك على وجه الأرض عدو أعدى منه، وهل كان لكم ملك في حياته؟

أرسل ابن المقفع للمنصور كتاباً صغير الحجم، عظيم القيمة أسماه، رسالة الصحابة. نصح فيه الخليفة بحسن اختيار معاونيه، وحسن سياسة الرعية، وكان في نصحه رفيقاً كل الرفق، رقيقاً غاية الرقة.

قبض على ابن المقفع، واتهم بالزندقة. فقطعت أطرافه قطعة قطعة، وشويت على النار أمام عينيه، وأطعم إياها مجبراً، قطعة قطعة، حتى أكرمه الله بالموت في النهاية.

الخليفة الواثق:

كان له غلام اسمه مهج. خلب لبه وصرفه عن شئون الدنيا والدين. وكان يقول فيه الشعر:

مهج يملك المهج بسجي اللحظ والدعج

حسن القد مخطف ذو دلال وذو غنج

ليس للعين إن بدا عنه بالحظ منعرج

تاريخ الخلفاء للسيوطي.


بينما الخليفة الواثق وهو جالسا بين حاشيته، ويمضي إليه مهج متـثـنياً، منكسر النظرة، مترنح الخطوة، مترجرج الأعطاف، ويناوله ورداً ونرجساً. فيطرب الخليفة وينشد:

حياك بالنرجس والورد معتدل القامة والقد

فألهبت عيناه نار الهوى وزاد في اللوعة والوجد

أملت بالملك له قربه فصار ملكي سبب البعد

ورنحته سكرات الهوى فمال بالوصل إلى الصد

إن سئل البذل ثنى عطفه وأسبل الدمع على الخد

غر بما تجنيه ألحاظه لا يعرف الإنجاز للوعد

مولى تشكي الظلم من عبده فأنصفوا المولى من العبد

أغضب الواثق غلامه مهج في يوم من الأيام. فطار لب الواثق وأنشد فيه الأبيات التالية:

يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا

لولا الهوى لتجارينا على قدر، وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى

بالرغم من ولع الواثق بغلامه مهج، إلا أنه كانت له صولات وجولات في مجالات آخرى.

يروى عن الواثق أنه أحضر أحمد بن نصر الخزاعي، أحد كبار رجال الحديث في التاريخ الإسلامي، من بغداد إلى سامرا، مقيداً في الأغلال، وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة فقال: كذا جاءت الرواية.

فثار الواثق ودعا بالسيف، وقال: إذا قمت فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد، فمشى إليه، فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها وصلبت جثته في "سر من رأى".

استمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل، فأنزله ودفنه ولما صلب كتبت ورقة علقت في أذنه، فيها : هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره.

الأمين:

كما تعلق قلب الواثق بمهج، تعلق قلب الأمين بغلامه كوثر، وقال بعض الشعراء عن عصره :

أضاع الخلافة غش الوزير وفسق الأمير وجهل المشير

لواط الخليفة أعجوبة وأعجب منه خلاق الوزير

فهذا يدوس وهذا يداس كذاك لعمري خلاف الأمور
 

لما هاجم المأمون الأمين، خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب، فأصابته رجمة في وجهه، فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال :

ضربوا قرة عيني ومن أجلي ضربوه

أخذ الله لقلبي من إناس حرقوه


وقيل في الأمين غداة وفاته :

لم نبكيك؟ لماذا؟ للطرب يا أبا موسى وترويج اللعب

ولترك الخمس في أوقاتها، حرصا منك على ماء العنب

أبو حيان التوحيدي يحدثنا أنه كان في بغداد خمسة وتسعون غلاماً جميلاً يغنون للناس، وأنه كان صاحب صبي موصلي مغن، ملأ الدنيا عيارة وخسارة، إلخ.

كما يحدثنا عن علوان غلام ابن عرس، فإنه إذا حضر وألقى إزاره، وحل أزراره، وقال لأهل المجلس: اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم، بل عبدكم لأخدمكم بغنائي، وأتقرب إليكم بولائي،... لا يبقى أحد من الجماعة إلا وينبض عرقه، ويهش فؤاده، ويذكو طبعه، ويفكه قلبه، ويتحرك ساكنه، ويتدغدغ روحه الخ.

الخلافة في العصر العباسي الثاني:

كان الخلفاء في العصر العباسي الثاني، ضعفاء يمثلون رمزا واهيا للدولة. ثلاثة منهم، خلعوا وسملت أعينهم وعاصروا بعضهم البعض. هم القاهر والتقي والمستكفي.

شوهد أحدهم، القاهر، وهو يشحذ على باب أحد المساجد، مسمول العينين، منادياً : تصدقوا علي فأنا من عرفتم. وهو نفسه من أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين، ونفى المخنثين، وكسر آلات اللهو وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سوادج، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر، ولا يفتر عن سماع الغناء. تاريخ الخلفاء للسيوطي.

أما الطائع، فإن وزيره، بهاء الدولة دخل عليه، وقبل الأرض بين يديه، فمد الطائع يده إليه مسلماً فجذبه من على كرسي الخلافة وأعلن خلعه.

تداول السلطة في نظام الخلافة:

عدد الخلفاء والسلاطين الذين ماتوا ميته طبيعية يكاد يعد على الأصابع. أما الباقى فقد إنتهت حياتهم حياة مروعة. فمنهم من قضى نحبه بالسم أو بالسيف أو بالخنق أو بالجوع أو بالتعذيب أو بالدفن أحياءً أو بالإلقاء فى غيابات الجب.

من الخلفاء من سُمِلْت عيناه وألقي به في الحُفَر ليموت كما تموت الكلاب الضالة, ومنهم من سُمِلت عيناه وترك يتسول فى شوارع بغداد عاصمة الخلافة. الأب يقتل إبنه, والإبن يقتل أباه وأخوته وأولاد أخوته. كل ذلك من أجل الخلافة والسلطة.

عمر بن الخطاب, قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو يصلي في المسجد.

عثمان, قتلته الغوغاء وهو يصلى فى منزله.

على بن أبي طالب, قتله ابن ملجم وهو يصلي في المسجد.

الحسن سَمّته زوجه عندما وعدها معاوية بالمال والزواج من إبنه يزيد.

الحسين, قتل هو وأهل بيته فى كربلاء فيما يشبه الإغتيال.

الأمين، قتله أخاه المأمون.

المهتدي، قُتل بعد أقل من أحد عشر شهراً من خلافته، واختلف في قتله، فذكر البعض أنه قتل بالخناجر، وشرب القتلة من دمه حتى رووا منه. ومنهم من رأى أنه عصرت مذاكيره حتى مات.

ومنهم من رأى أنه جعل بين لوحين عظيمين وشد بالحبال إلى أن مات خنقاً ؟ أو كبس عليه بالبسط و الوسائد حتى مات.



آل عثمان, والذين إنتهى إليهم أمر المسلمين, كانت من عادتهم قتل آبائهم وخنق إخوتهم أو حبسهم داخل قصورهم حتى يؤمن شرهم وعدم مشاركتهم فى السلطة.

السلطان مراد الثالث, له جارية كانت فى الأصل أميرة من البندقية اسمها صفية, لها مسجد بمدينة القاهرة فى شارع محمد علي. أعتقها السلطان وتزوجها وأنجبت له محمد الثالث.

عندما مات السلطان، وقبل أن توارى جثته الثرى, قامت صفية وابنها محمد الثالث، بخنق إخوته الثمانية عشر واحدا بعد الآخر.

جلبى بن عثمان, قتل أخاه عثمان وأخذ جميع بلاده.

مراد بن عثمان, أمر بقتل إبنه صوجى.

إبن مراد بن عثمان، ترك أربعة أولاد. تقاتلوا حتى لم يبق منهم إلا واحدا ليستبد بالملك.

مراد صاحب برصا, قبض على أخيه أرضن بك وسَمَل عينيه بمسمار محمي وسجنه حتى مات فى السجن.

محمد الثاني الفاتح (فاتح القسطنطينية), أمر بقتل أخ له رضيع إسمه أحمد.

سليم الأول, الذى غزا مصر سنة 1517م وأفقدها استقلالها، قام بصلب سلطانها طومان باي على باب زويلة, نجده قد قتل والده بايزيد الثاني بالسم وخنق إخوته وأولادهم.

ويستمر مسلسل قتل الآباء وخنق الإخوة والأبناء بين السلاطين العثمانيين إلى أن الغى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924م.

الخلافة الإسلامية، لا تحمل من الإسلام سوى الإسم. إن الثابت لدينا من قراءتنا للتاريخ الإسلامي أننا نعيش مجتمعاً أرقى بكل المقاييس من مجتمع البداوة والصحراء.

لقد قطع مجتمعنا شوطا بعيدا في طريق الأخلاق والتقدم والحضارة الإنسانية. لم تعد لدينا جواري وسرائر وعبيد وغلمان. أصبحت الحرية والعدل والمساواة بين بني البشر هدفنا الأسمى وشغلنا الشاغل.

المساواة الكاملة، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العرق أو الدين. لم تعد قريش سيدة القبائل، حتى وإن جاء منها الرسول ومعظم الخلفاء. هذه هي العنصرية بعينها.

أصبحت أخلاقياتنا تشمل الاهتمام بمستقبل الإنسان، بصفة عامة، ومستقبل هذا الكوكب بصفة خاصة.

لذلك باتت الحرية وحماية البيئة من التلوث وحماية حيواناتها من الإنقراض، هي قضايانا الملحة اليوم، وواجبنا الأخلاقي والإنساني.

جهودنا اليوم يجب أن توجه إلى مثل هذه الأمور التي تعلي من شأن الإنسان، لا إلى حضارة التخلف، التي تجعلنا نغرق في رمال البداوة وهضاب الجهالة وكثبان التخلف.

‏.zakariael@att.net