الخميس، 8 مارس، 2012

ملف عن الدكتور ثروت عكاشة من جريدة القاهرة عدد الثلاثاء الماضى

جريدة القاهرة - الثلاثاء 6 مارس 2012



ثروت عكاشة ثقافة ثورة 1952



د. رفيق الصبان : حقق للثقافة المصرية ما لم يتحقق فى تاريخها



د. صبحى شفيق : على يديه أصبح لدينا معاهد فنية تضارع أكاديميات العالم



د. القليوبى : جعل قاهرة الستينيات إحدى العواصم الثقافية فى العالم





أوجه الجمال السبعة

البناء العظيم لأعمدة النهضة الثقافية



بقلم : عز الدين نجيب



> انطلق مشروعه في ثورة يوليو من مخزون معرفي وخير من الثقافة الإنسانية.. ومن الملامسة الحميمة لشتي أنواع الفنون والآداب كالموسيقي والفنون التشكيلية والأدب والمسرح والسينما .. وغيرها.

> تفاوتت أدواره بين السياسة والقلم.. بين التخطيط والممارسة علي أرض الواقع بدءا من دوره القيادي في الثورة وانتهاء بدوره كأحد مشاعل التنوير في مصر الحديثة

> مجموع سنوات عمله وزيرا للثقافة في فترتي تكليفه لا يتعدى 8 سنوات فيما تبدو إنجازات وكأنها استغرقت دهرا



إلي أي حد يمكن - في مقال واحد - الإحاطة بكل جوانب شخصية د.ثروت عكاشة علي مدار رحلته الممتدة وأدواره المختلفة عبر 60 عاما؟.. إنها أدوار تتفاوت بين السياسة والقلم.. بين التخطيط والممارسة علي أرض الواقع.. بدءا من دوره القيادي في ثورة يوليو 1952.. وانتهاء بدوره كأحد مشاعل التنوير في مصر الحديثة.. ودوره في وضع بنية راسخة للثقافة الجمالية تشمل مختلف الفنون.. من خلال موسوعة ذائعة الصيت «العين تسمع والأذن تري».. مروراً بأدواره في التخطيط الاستراتيجي للعمل الثقافي بمصر.. وفي إرساء قاعدة مؤسسية لهذا العمل علي امتداد أرض الوطن من أقصاه إلي أدناه.. وإدارة عجلة القيادة لتنفيذه كرجل دولة رفيع المستوي يتمتع بروح الإبداع لأشكال وآليات جديدة للممارسة.. وإحاطته لمشروعه الثقافي بحصانات لحرية التعبير الفني والأدبي وباحترام التعددية الفكرية والمذهبية ولو أختلف معها، وتشجيعه للرؤي التجريبية في الإبداع المحلقة خارج السرب، في وقت عزت فهي الحصانات لأي شيء.. واختفت منه التعددية بكل ألوانها.. كما انتفي أي تحليق لجماعة أو لشخص خارج السرب فترة هيمنة الحكم الناصري.



بيت المبدعين



كانت وزارة الثقافة في عهده هي بيت أغلب المبدعين، ليس علي نمط «حظيرة المثقفين» فيما رأيناه في وزارة فاروق حسني، بل كانت في عهده هي الأمان الاقتصادي والمعنوي لهم بغير تفرقة أو احتواء أو شلة مفضلة، وإنما بشكل مقنن وشفاف ومتكافئ، من خلال قانون التفرغ للإبداع غير المشروط بموضوع أو توجه، مع توفير الدخل الذي يغنيهم عن ربة الوظيفة وعن السعي خلف لقمة العيش، ومن خلال صندوق الرعاية للأدباء والفنانين في حالات المرض والعوز والكوارث، وعن طريق الانتقال بإبداعاتهم إلي كل مكان عبر قصور الثقافة وعبر المسارح الجوالة وقاعات العرض في المناطق المزدحمة والمكتبات المتكاثرة وسلاسل الكتب التي تباع النسخة منها بقرشين إلي خمسة قروش، وعبر الأفلام السينمائية الجادة التي تعرض قضايا الواقع والتحول الاجتماعي وعبق التاريخ، فأعفت السينمائيين من سيطرة رأس المال علي السينما ومن قانون السوق التجاري المفروض عليهم وعلي الجمهور.. لقد وفرت تلك السياسة للشعب «خبز الثقافة» وغذاء القلوب بشكل مجاني إلا قليلا، فردمت ولو جزئيا - الفجوة التاريخية بين المثقفين وبين المجتمع، وفوق ذلك عمل «عكاشة» علي أن يشارك المبدعون في قيادة العمل الثقافي، بمختلف أجيالهم واتجاهاتهم الفكرية.. وأغلبهم من الشباب ومن أصحاب الفكر الثوري، حتي وإن تجاوزوا الاتجاه السياسي للسلطة الحاكمة، حيث وضعهم علي رأس المؤسسات الثقافية، بدءا من رئاسة قصور الثقافة حتي رئاسة الهيئات الكبري في الوزارة، وأعطائهم كامل الصلاحيات للعمل بغير إملاء أو وصاية، وأثبت استعداده للدفاع عنهم وحمايتهم من بطش السلطة أو من فلول الثورة المضادة، دون مطالبتهم بإعلان الولاء للنظام، بل بإثبات الإخلاص للرسالة الثقافية التي اختارهم لتحقيقها، وفي القلب منها: ديمقراطية الثقافة.. بوصولها إلي كل مساحة من أرض الوطن، وبقدرتها علي تفجير طاقات الإبداع من أعطاف الطبقات المحرومة تاريخيا من ثمار الثقافة، حتي يتحولوا من مستهلكين إلي مبدعين لها، بل إنه كان يحرض القيادات الشابة لقصور الثقافة - بمعاونة رئيسها العظيم المرحوم سعد كامل - علي الاستقلال الثقافي عن العاصمة، ويطالبهم بأن يجعلوا من القصر في كل إقليم وزارة ثقافة مصغرة، يطلب ذلك من شباب أغلبهم دون الثلاثين، ومنهم أدباء وفنانون تشكيليون ومسرحيون، وآخرون ناشطون ثقافيون، وجميعهم يمارس العمل القيادي - بل والإداري - لأول مرة في حياته، من هنا تحققت موجات ثورية متنامية في الإبداع المسرحي الشعري والقصصي والتشكيل، كأنها تنبع من منجم للمواهب لا ينضب، والتحمت أعمالهم بألفيات- مثل مليونيات اليوم - من الجماهير في المدن والقري والكفور في أقصي المحافظات، ولأول مرة نري الجمهور - بعد انتهاء العروض والندوات - يتكلم ويبدي رأيه ويختلف وتتجلي من خلاله مواهب في النقد، فيصبح مشاركا حقا في العملية الثقافية، هذه كلمة صدق عن فترة عشتها عبر تجربة كنت فيها شريكا وشاهدا، ليس بمحافظة كفر الشيخ التي قمت فيها بتأسيس قصر للثقافة فحسب، بل في عشرات المواقع علي أرض مصر.



لم يكن كل هذا أمرا معتادا في العمل الثقافي بمصر عبر تاريخها الحديث، صحيح أنه سبقتها بعض المحاولات في الأربعينات من القرن الماضي، عبر ما أطلق عليه «الجامعة الشعبية» في مجالات المسرح الشعبي الجوال وفصول محو الأمية والحرف اليدوية ودروس الآلة الكاتبة والتفصيل والأشغال النسوية.. الخ، إلا أنها المرة الأولي بالنسبة لضابط في الجيش، والمدهش أنها كانت بالنسبة له علي طرف نقيض لطبيعة الحياة العسكرية، لما تقوم عليه من ضبط وربط ومن التزام شديد بالطاعة والمحافظة علي النظام، والتحفظ تجاه كل جديد، والنظر بحذر نحو الفنانين والمثقفين باعتبارهم أناسا هوائيين ومنفلتين، ونحو قضايا التحرر والتغيير، ما يجعل من ثروت عكاشة استثناءا فريدا وجديرا بأن تدرس أصول تكوينه الطبقي والثقافي والفكري.



تكوينه الثقافي



أما عن تكوينه الثقافي فمن السهل معرفة أنه انطلق نحو مشروعه في ثورة يوليو من مخزون معرفي وفير من الثقافة الإنسانية ومن الملامسة الحميمة لشتي أنواع الفنون والآداب: كالموسيقي والفنون التشكيلية والأدب والمسرح والسينما وغيرها.. وأما بالنسبة لتكوينه الفكري فمن السهل أيضا معرفة ما وراء إيمانه العميق بأفكار ثورة يوليو بشأن الحرية والعدالة والتحرر من الاستعمار والقضاء علي الإقطاع والاستغلال، وقد امتزج بداخله الرافدان «الثقافي والفكري» فتكونت منهما قناعة بأن الثقافة ضرورة للشعب وليست ترفا أو عملا ثانويا يأتي في مؤخرة برامج الثورة، بل إنها لا تقل علي ضرورات الحرية والعدالة الاجتماعية، وقد تسبقهما كونها ترتبط بوعي الإنسان الذي يتوقف عليه مصير الثورة، إن إيجابا في حالة بناء وعيه، وإن سلبا في حالة غياب هذا الوعي، وإذا كانت أصول ثروت الطبقية تتقاطع مع أهداف العدالة الاجتماعية، بحكم انتمائه إلي الشرائح العليا من المجتمع التي تهدد الثورة مصالحها، فأظن أن الفضل في إيمانه بالثورة يرجع إلي الرافدين المشار إليهما: الثقافة والفكر، اللذين انفتح عليهما مبكرا بإرادة ذاتية، فقللا من حاكمية انتمائه الفكري إلي النخبة الطبقية، كما قللا من حاكميته انتمائه إلي فكر النخبة العسكرية وتطلعاته السلطوية، وقربا المسافة بينه وبين القاعدة الشعبية، مع كل ما تعيش فيه من فقر وجهل، وأمداه بالإيمان برسالة تغيير واقعهم المادي وبناء وعيهم الثقافي في ذات الوقت. أستطيع - بعد كل هذا - أن اختزل تجربته الطويلة في كلمتين: التنوير والتغيير، وقد وضع بالفعل البنية التحتية لكل منهما، وعمل - بقدر ما توفر له من التمويل والوقت - علي استكمالهما وجني الثمار من ناتجهما، لولا حدوث هزيمة 1967، التي زعزعت أركان النظام، وفرضت من التقشف المالي ومن الكوابح السياسية ما أبطأ سير آلته الثقافية وقيد حرية قياداته المستنيرة، إلي أن اضطر اضطرارا إلي تسريحهم بيده بعد عام من الهزيمة العسكرية، لتصبح هزيمة معنوية، خفتت علي إثرها أنوار مشاعله، قبل أن يتخلى عنه عبد الناصر، بعد أن جعله يتخلص من كل القيادات اليسارية في الوزارة، علي أن العمل في مشروعه الثقافي استمر بعد تركه المنصب بضع سنوات بقوة القصور الذاتي، خاصة علي يد الكاتب المسرحي سعد الدين وهبة الذي أسندت إليه من بعده رئاسة قصور الثقافة حتي أواخر السبعينيات، ثم أخذت ذبالات المشاعل تخفت تدريجيا حتي انطفأت أنوارها تماماً. إن مجموع سنوات عمله وزيرا للثقافة في فترتي تكليفه لا يتعدى ثمان سنوات، فيما تبدو إنجازاته وكأنها استغرقت دهرا، ولا أغالي إذا قلت إنه لم تحدث إضافة صروح ثقافية تذكر منذ انتهاء فترة وزارته الثانية عام 1969، وأن ما تم من بعده لا يزيد علي قشور أو عمليات تجميلية لما سبق، أو أنشطة مهرجانية عابرة، أو إضافات تكميلية بسيطة إلي ما أنشأه، وليس استحداثا لمشروعات نوعية ترسي قواعد لها صفة الاستمرار.



مؤسس الأكاديمية



إن من أسس أكاديمية الفنون بكل معاهدها: الفنون المسرحية، السينما، الكونسيرفتوار، الباليه، فرقة أوركسترا القاهرة السيمفوني، فرقة الموسيقي العربية، الفرق القومية للفنون الشعبية، المسرح القومي، مركز الفنون الشعبية، فرقة المسرح الحديث، فرقة مسرح الجيب للأعمال التجريبية، فرق الأقاليم المسرحية، قصور الثقافة، جوائز الدولة للفنون والآداب، متحف الحضارة والقبة السماوية بالجزيرة، متحف مختار، متحف محمد محمود خليل، قاعات الفنون التشكيلية بكل من ميدان باب اللوق وشارع قصر النيل، المراكز الفنية المتخصصة مثل: الحرف التقليدية بوكالة الغوري، البحوث الفنية ببيت السناري، الفن والحياة بسراي المانسترلي، النسجيات المرسمة بحلوان، الخزف بالفسطاط، مراسم الفنانين بوكالة الغوري وقصر المسافرخانة، مسرح العرائس بميدان العتبة، ووضع حجر الأساس لمدينة الفنون الشعبية بأرض الأكاديمية بالهرم، نقل معابد رمسيس الثاني إلي أبو سمبل، إقامة مشروع الصوت والضوء لآثار الجيزة والأقصر وأبو سمبل، دعوة الفنانين والأدباء والباحثين، عبر مركب في النيل من القاهرة إلي أسوان، والإقامة لمدة شهر لمعايشة تجربة بناء السد العالي وتسجيل معالم قري النوبة وفنونها الموسيقية وحكاياتها الفلكلورية قبل إغراقها تحت مياه بحيرة السد 1963، تسجيل التراث الشعبي من الفنون والعادات والتقاليد في مختلف المحافظات النائية، بعث الباحثين والفنانين العاملين في فنون التراث إلي دول أوروبا الغربية والشرقية للاستفادة بخبراتها في هذا المجال، استضافة مشاهير الفنانين الأوروبيين في مصر وعرض أعمالهم في بعض الفنادق الكبرى، استضافة مشاهير النقاد والمفكرين الفرنسيين لإلقاء محاضرات ثقافية، إصدار مجلات ثقافية عامة مثل المجلة والمتخصصة مثل الفنون الشعبية والمسرح والفكر المعاصر، إطلاق مشروع التفريغ للفنانين والأدباء، ومشروع صندوق الرعاية لهم، ومشروع إقامة متحف الفن الحديث، ومشروع اقتناء أعمال الفنانين لتزويد المتاحف بها ولتأسيس ذاكرة الفنون التشكيلية، طبع أعمال الفنانين في مستنسخات مكبرة بتقنية عالمية وإتاحتها لمحبي الفن، تعيين رموز الفن الكبار في مناصب قيادية بالوزارة تقديرا لمكانة الفنان في الحركة الثقافية أمثال: سعيد الصور، صلاح طاهر، حامد سعيد، رمسيس يونان.. تكليف بعض الفنانين بإقامة جداريات ضخمة بمحطات السكك الحديدية ومراكز الاتصالات الكبرى ومجمعات المحاكم.. الخ.



مشروعات وأنشطة



ولا يخفى على القارئ ما وراء هذه المشروعات والأنشطة من فلسفة.. إنها تتخلص في الربط بين إحياء التراث والانفتاح علي العصر «بمعنى الأصالة والمعاصرة».. وفي بناء وعي المواطن بثقافة متعددة الأبعاد متحررة التوجهات، وفي مد الجسور الراسخة بين المبدعين والشعب، وفي استكشاف المواهب في كل مكان علي أرض مصر وإتاحة الفرص أمامهم للتحقق والتواصل مع العاصمة وبقية المحافظات عبر الفرق المسرحية والموسيقية والمعارض التشكيلية والقصائد الشعرية والأعمال القصصية، أما الاستراتيجية النهائية فهي تحقيق لا مركزية الثقافة وكسر احتكار العاصمة لها، والانتقال بها من كونها نشاطا نخبويا للخاصة إلي أن تكون ضرورة شعبية وليست شعبوية أو تعبوية، ثقافة يطلبها المواطن كحق أصيل مثل ضرورياته الحياتية، وهي في مردودها الأسمى: ثقافة الهوية الحضارية التي تمثل تاريخ ووجدان شعب يضرب بجذوره في عمق التاريخ، وهي الهوية التي تنعكس - في النهاية - في إبداعات الفنانين فيما يسمي «بالشخصية المصرية»، وأظن أنها التي أتاحت الفرصة لأدباء مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويحيي حقي ويوسف إدريس وميخائيل رومان وألفريد فرج وغيرهم ليشيدوا صروحهم الأدبية بدون أن يضطروا إلي التنازل عن استقلالهم الفكري عن النظام أو إلي كبح أخلاقهم معه، وهذه «الشخصية المصرية» هي نفسها التي جعلت من تماثيل السجيني ولوحات الجزار وندا وحامد عويس وصلاح عبد الكريم، بل حتي اللوحات العارية لمحمود سعيد، والتجريدية لرمسيس يونان وفؤاد كامل، واللوحات التعبيرية لإنجي أفلاطون في سجن عبد الناصر، ولوحات تحية حليم وعفت ناجي وجاذبية سري، تحظي بمكانة رفيعة في مصر والعالم، لقد حقق كل هؤلاء الحرية لأنفسهم في حدها الأقصى، وتكفل ثروت عكاشة بتوفير الحصانة لها والتفرغ لإنتاجها والتكريم لأصحابها.



لكن العلاقة التي نستخلصها من تعامله مع المبدعين والمثقفين كانت هي السير علي السلك الشائك لحل مشكلة المثقف والسلطة، وقد جاء انحيازه في النهاية لصالح المثقف، بالرغم من أنه شخصيا جزء أساسي من السلطة. لقد خصني المرحوم ثروت عكاشة بثقته الكبيرة مرتين، الأولي عندما وافق علي تكليفي بتأسيس ورئاسة قصر الثقافة بكفر الشيخ في ديسمبر 1966، وظل ظهيرا قويا لي في مواجهة كل العواصف السياسية والأمنية، حتي اضطررت إلي الاستقالة في يوليو 1968 بعد ملاحم حفرت سطورها في تاريخ العمل الثقافي، لم يكن يتردد في أن يقول لي - حين تضعف قدرتي علي المقاومة، وحين تتكالب علي قوي الثورة المضادة - «يجب أن تصمد!.. أنت علي رأس قلعة أمامية للدفاع عن مشروعنا، ولو سقطت سيسقط غيرها تباعا»!



وأذكر أن الدكتور أحمد عكاشة كان حاضرا في أحد تلك اللقاءات، بمكتب الوزير الذي كان يعلم بانتمائي إلي الفكر اليساري، وبأن الصراع كله بيني وبين أجهزة السلطة يتلخص في ذلك تحديدا، وكان يمكنه بجرة قلم أن يتخلص مني ليرضي السلطة فتسلم سفينته من الدوامات التي كانت تشدها بعنف إلي القاع، ويخرج بها إلي بر الأمان، لكنه رفض بمنتهي الحسم حتي أمام عبد الناصر عندما تصاعد الموقف بيني وبين المحافظ وأجهزة أمن الدولة وسأله عبد الناصر في ذلك، فثبت علي موقفه، ليس دفاعا عن شخص، فلم أكن إلا شابا في الثامنة والعشرين وأمامي المستقبل كله، بل لقناعته بأن التنازل في موقف واحد سوف يجر إلي سلسلة من التنازلات، فوق أن قناعته بموقفي كانت تتماهى مع موقفه في الوزارة، بالرغم من أنه لم يكن من المنحازين إلي الفكر اليساري مثلي.



هل رأيتم قائدا ثقافيا بمثل هذه الجسارة الثورية في تاريخنا الحديث والمعاصر؟!



المسافرخانة



أما المرة الثانية فكانت عند تكليفه لي بإدارة قصر المسافرخانة الأثري بحي الجمالية كبيت الإبداع الفنانين التشكيليين عام 1969 بعد تجربتي المجهضة في كفر الشيخ، طالبا مني أن أحقق من خلال هذا القصر الذي كان تحفة معمارية نادرة، بعد ما حققته هناك، وسرعان ما لاحقتني لعنة أجهزة أمن الدولة حتي انتهي الأمر بقرار رئيس القطاع الذي يتبعه القصر بتنحيتي من منصبي، وكانت مواجهة عاصفة بقاعة باب اللوق وسط عشرات الفنانين في افتتاح رسمي لأحد المعارض، بين الوزير وذلك المسئول، بعدما علم بالأمر من غير طريقي، وإذ به يثور ثورة عارمة وينذر المسئول علي الملأ بأنه إن لم يصدر قرارا بعودتي سوف يضطر إلي إصدار قرارين معا الأول بعودتي: والثاني تنحيته، وهكذا عدت، وبعد سبع سنوات من ذلك شهدت في القصر ما هو أنكي وأمر، هذه المرة ليس علي يد المسئول الكبير وحده، بل علي أيدي بلطجية مأجورين قاموا بتدمير مرسمي ولوحاتي، وانتهي الأمر بفصلي من العمل!، ولم يكن ثروت عكاشة حينذاك - عام 1976- ذا نفوذ في السلطة ليحميني من الفصل والتنكيل كما حماني من قبل أكثر من مرة!



لقد بدأت المقال بالتساؤل عن مدي إمكان الإحاطة بكل جوانب شخصية ثروت عكاشة في مقال، وها هو ينتهي ولم أتعرض إلا لجانب واحد من جوانبها وهو ما تسمح به المساحة، ذلك أن كل جانب منها يحتاج إلي ما هو أكثر من مقال، ولعل ذلك سيبقي دينا في عنقي حتي أفي بيه يوما. أيها البطل الملحمي في عصرنا.. أيها البناء العظيم للبشر قبل الحجر، ولأعمدة النهضة لا دعائم السلطة، سقطت قلاع كثيرة منذ رحيلك عن ميدان العمل الثقافي، لكن قلاعك الجديدة التي شيدتها بقلمك ورسمت علي جدرانها أوجه الجمال السبعة، وجدت لتبقي راسخة أبد الدهر، ومنها سوف يستمر إشعاع تنويرك، فرحيلك الجسدي سوف يزيدها إشعاعا وتنويرا.







****






كعب «آخيل» في الثقافـــة المصريـــة

بقلم : د. محمد كامل القليوبي


أثناء ولاية ثروت عكاشة لوزارة الثقافة نشر صلاح جاهين رسما كاريكاتيريا علي صفحات جريدة الأهرام لثروت عكاشة وهو يجلس إلي مكتبه في وزارة الثقافة مبتسما وراضيا، بينما يقف أمامه أحد موظفي الوزارة قائلا: أما عملنا عمايل يا سيادة الوزير في مولد السيدة زينب.. أوركسترا القاهرة السيمفوني راح هناك وعزف السيمفونية التاسعة لبيتهوفن.



وفي الواقع فإن هذا الرسم الكاريكاتيري ورغم طرافته إلا أنه يعبر عن ملامح حقيقية في شخصية ثروت عكاشة الذي يعد المؤسس الفعلي لوزارة الثقافة التي تولي مقاليدها لمرتين، الأولي منذ عام 1958 وحتى عام 1963، والثانية منذ عام 1967 وحتى عام 1970، فلقد حاول ثروت عكاشة جاهدا أن يجعل الثقافة ممارسة يومية في حياة الشعب المصري مواجها الأصوات التي ارتفعت في مواجهته والتي تعتبر أن الثقافة والفنون الرفيعة أعمالا نخبوية لا تصل إلي الجماهير الشعبية، وأن تقديم الفنون الرفيعة نوع من الترف الزائد في بلد تصل نسبة الأمية فيه إلي أكثر من سبعين بالمائة، وأننا يجب أن نركز علي تعليم أبناء الشعب القراءة والكتابة أولا قبل أن نعمل علي ممارسة وتطوير هذه الفنون الرفيعة.



وكان ثروت عكاشة يدرك أن هذه الدعوات ذات الرطانة الثورية العالية الصوت، يغفل أصحابها عن أمر مهم وهو أن تعليم الألف باء ليس هو الهدف في حد ذاته، ولكن أبناء الشعب يتعلمون الألف باء كي يقرأوا الأدب العالمي ويتذوقوا الفنون الرفيعة، ويطلعوا علي العلوم العليا ويطوروا معرفتهم بها، وأن اللحظة التي يتخلى فيها أي شعب في العالم عن تطوير الثقافة والفن والبحث العلمي، فإنه يحكم علي نفسه بالتخلف عن ركب الحضارة والتقدم ويتراجع في جميع مناحي الحياة اجتماعية كانت أو اقتصادية، وكان ثروت عكاشة يدرك جيدا أنه وزير ثقافة لبلد يسعى للتطور والنهوض وأن يحتل مكانة بارزة يستحقها عن حق في العالم المعاصر، ومن هنا كانت تلك المشاريع الضخمة التي عدت بحق كنوع من الصناعة الثقيلة في مجال الثقافة متمثلة في عدد من المشروعات لعل أهمها إنشاء أكاديمية الفنون لتقديم دراسات عالية وللمرة الأولي في مصر للسينما والباليه والموسيقي الأوركسترالية والأوبرا إلي جانب المسرح والموسيقي العربية، ثم تلا ذلك إنشاء معهدين أحدهما للنقد الفني والآخر للفنون الشعبية، وهي المعاهد التي جمعت فيما بعد في أكاديمية الفنون التي تعد الجامعة الوحيدة للفنون في الشرق الأوسط وأفريقيا، ودعمت هذه المؤسسة التعليمية الكبيرة بتأسيس أوركسترا القاهرة السيمفوني وفرقة الباليه ومسرح الجيب لتقديم التجارب الجديدة في المسرح إلي جانب المسرح القومي الذي شهد نهوضا ملحوظا خلال فترة الستينات ومسرح الحكيم الذي تم إنشاؤه خلال هذه الفترة ليتخصص في تقديم الكتابات المسرحية الجديدة، بالإضافة إلي إصدار عدد من المجلات الثقافية كالمجلة والفكر المعاصر والمسرح والسينما والفنون الشعبية وغيرها مع حركة نشر واسعة لترجمة الكتب المهمة في التراث الإنساني قديمة ومعاصرة ونشر الإبداع المصري أدبا وثقافة وفنا ودراسات إنسانية وعلمية.. وصاحب حركة النشر النشطة هذه إقامة معرض دولي للكتاب يعد تاريخيا من المعارض الأولي للكتاب علي مستوي العالم، كما تم إقرار نظام التفرغ للفنانين التشكيليين وللكتاب مبدعين وباحثين ومترجمين.



ولقد صاحب ذلك إنشاء قصور للثقافة في مختلف أقاليم مصر بما تحتويه من نشاط مسرحي ومعارض فنية وملتقيات ثقافية وأدبية ونواد للسينما.



عاصمة ثقافية



ومن عاش قاهرة الستينات يدرك جيدا أن ثروت عكاشة قد جعل من القاهرة إحدى العواصم الثقافية الكبرى في العالم، كان بإمكاننا وقتها أن نحضر حفلتين أسبوعيا لأوركسترا القاهرة السيمفوني تخصص الحفلة الصباحية منهما للطلبة بسعر موحد خمسة قروش للتذكرة، ونحضر موسم الأوبرا الإيطالي ونشاهد عروض البولشوي وباليه لينينجراد وفرقة موسييف الذائعة الصيت للفن الشعبي علي مسرح دار الأوبرا، وفرقة «الأولدفيك» البريطانية العريقة علي مسرح الصوت والضوء بالهرم، وفرقة تساندريكا الرومانية للعرائس التي كانت الفرقة الأولي للعرائس في العالم وقتها، وكذلك مسرح موسكو للعرائس «مسرح ابراشوف» الذي يعد من أهم مسارح العرائس في العالم علي خشبة مسرح القاهرة للعرائس الذي تم إنشاؤه أيضا في تلك الفترة وقدم عروضا مرموقة مازلنا نشاهدها حتي الآن ولعل «الليلة الكبيرة» خير شاهد علي ذلك.



في تلك الستينات الذهبية كان يمكننا أن نشاهد معرضا لهنري مور في القاهرة وأن نشاهد أول أوبرا تترجم وتؤدي باللغة العربية وبأصوات أوبرالية مصرية، وهي أوبرا «الأرملة الطروب» لفرانز ليهار في خطوة مهمة توقفت للأسف الشديد مع رحيل ثروت عكاشة عن وزارة الثقافة.



أما في مجال السينما فلقد شهد إنتاج أفلام القطاع العام تطورا ملحوظا في الإنتاج السينمائي الفني الرفيع المستوي وخلال هذه الفترة ظهر عدد من أهم أفلام السينما المصرية لست في مجال ذكرها، ولكنني أكتفي بالإشارة إلي أن ثروت عكاشة كان هو المحرك الأساسي لإنتاج فيلم «المومياء» لشادي عبد السلام الذي يعد أيقونة السينما المصرية، وهو الفيلم الذي وضعها علي خريطة السينما العالمية واختاره نقاد العالم كواحد من أفضل مائة فيلم في الأعوام المائة الأولي من عمر السينما، وقد وصل حماس ثروت عكاشة لهذا الفيلم بأنه كان تقريبا مدير الإنتاج الفعلي لهذا الفيلم.



نادي السينما



وفي مجال الثقافة السينمائية قام ثروت عكاشة بتأسيس نادي القاهرة للسينما الذي أصبح أكبر ناد للسينما في العالم وضم في عضويته أكثر من ألفي عضو، ولدعم هذا النادي في سابقة كانت هي الأولي والأخيرة «للأسف الشديد» من نوعها، أرسل نقادا متخصصين إلي الخارج لشراء أفلام متميزة للعرض في نادي السينما الذي أصبح بدوره مركزا لانطلاق حركة نوادي السينما في جميع أنحاء مصر وفي قصور الثقافة التي كانت تقدم عروضا أسبوعية للأفلام الفنية رفيعة المستوي من مختلف أنحاء العالم بمصاحبة نقاد وسينمائيين متخصصين لتقديم هذه الأفلام وشرحها والاحتكاك بجمهور الأقاليم والنقاش والتفاعل معهم ثقافيا وفنيا، ولقد شارك في هذه الجولات عدد كبير من النقاد والسينمائيين المصريين الذين جابوا جميع أنحاء مصر من شمالها إلي جنوبها وأذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر خيري بشارة وسمير سيف وعلي عبد الخالق وسمير فريد وكمال رمزي وسامي السلاموني ورفيق الصبان وفتحي فرج وهشام أبو النصر ومدكور ثابت وكاتب هذه السطور والكثيرين غيرهم، وكان مثقفو مصر وفنانوها يتطوعون لإدارة قصور الثقافة ويملأونها فنا وإبداعا وثقافة.



ولقد تم ذلك كله وأكثر منه خلال فترتين فقط من تولي ثروت عكاشة لوزارة الثقافة وخلال سبعة أعوام فقط تفرغ بعدها لأعماله الموسوعية الضخمة مثل «العين تسمع والأذن تري» و«فنون عصر النهضة» و«موسوعة الفن الإسلامي» وغيرها من الأعمال المؤلفة والمترجمة التي تتجاوز السبعين كتابا وتشكل موردا ثقافيا كبيرا ومراجع أساسية في الفن والثقافة.



لقب فارس



يميل الكثيرون لإطلاق لقب فارس علي ثروت عكاشة مستندين إلي خلفيته العسكرية كضابط في سلاح الفرسان، وأنا أربأ به عن ذلك، حيث سيتساوى بهذا القياس مع يوسف السباعي الذي عمل كضابط في نفس السلاح وتولي وزارة الثقافة من بعده وعاش تخريبا في مؤسساتها وتنكيلا بمثقفي مصر، ولكنني أميل إلي اعتبار ثروت عكاشة فارسا بالمعني المطلق للفروسية في عصورها القديمة، فهو ككل فرسانها معرّض لأن يصاب في كعب قدمه تماما كآخيل في إلياذة هوميروس.. وكعب آخيل «غير المحجب» عن ثروت عكاشة في رأيي تمثل في محاولته لدمج المثقفين في نظام عبد الناصر، بدلا من اعتماد المنابر الثقافية المستقلة لهم المدعومة من دولة كانت تضع لنفسها أهدافا تقدمية كبيرة ثم توكل تنفيذها إلي أجهزة بيروقراطية بليدة وفاقدة الثقة تماما بالمثقفين المصريين كما كان يفترض بها أن تكون، ولذلك ومع تغير اتجاهات الرياح في نظام الحكم في مصر وتحول الخطاب السياسي لرئيس الجمهورية أنور السادات الذي بدأ باستخدام مصطلح «شواذ المثقفين» ثم انتهي إلي مصطلح «المثقفين الشواذ» وبفهم مماثل تقريبا لمقولة جوبلز وزير دعاية النازي «كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي» كان من السهولة بمكان العصف بهذه المؤسسات الثقافية التي بذل ثروت عكاشة الغالي والنفيس في إنشائها، وتحولها إلي هياكل فارغة من مضمونها ومحتواها.. وبدلا من أن نقدم بيتهوفن في مولد السيدة زينب كما حلم ثروت عكاشة ورصد حلمه صلاح جاهين، أصبحنا نخشى من تقديم شعبان عبد الرحيم بمصاحبة فرقة «حسب الله» علي مسرح دار الأوبرا.






****






«أندريه مالرو» مصر



بقلم : رفيق الصبان




كنت أعرفه قبل أن أراه أعرفه من خلال ما كان يقوم به كوزير للثقافة وما يقدمه لنا كباحث وعالم ومؤرخ وفنان .. وأخيرا تسللت من بين سطور مذكراته لأستشف من خلالها الإنسان الكبير والروح الهفهافة الباحثة عن الجمال والهارموني في كل ما تراه وتلمسه وتبحث عنه. كنت أتابع بذهول ما فعله لمصر وللثقافة العربية وكيف بني جسورا من ذهب وياقوت تربط بين حضارة عربية إسلامية عريقة وبين معالم حضارة أوروبية مازالت مشاعلها تضيء أرجاء الدنيا .. إنه واحد من هؤلاء الفرسان الكبار الذين بدءا من رفاعة الطهطاوي ووصولا إلي طه حسين وتوفيق الحكيم عرف كيف يمسك بالخيوط السحرية التي تجمع بين دفقات عمر الخيام الفارسية وبين أصداء «ليليات» شوبان المليئة بالشجن .. وبين الرسومات الإسلامية المغرقة في تجريبيتها المبكرة وبين أعمال شاجال ودوفي المنمنمة والعابقة بالسحر الأسطوري.



تاريخ الفن



كتبه الفريدة من نوعها عن الفن التشكيلي في أرجاء العالم الأربعة انطلاقا من الفنون اليابانية والصينية القديمة والمتصلة بتراث آسيوي روحي قديم مازالت حبات اللؤلؤ المنثورة تناثر بين خيوطه الفضية المبهرة.



كل كتاب من هذه السلسلة الفريدة في نوعها وفي قيمتها وفي مكانتها من تاريخ الفن التي كانت تحمل اسم «العين تري والأذن تسمع» تحفة فنية في شكلها وتكوينها ومضمونها وإبداعها.



ولم يكتف «عكاشة» بهذا العمل الخارق الذي يضعه لوحده في مصاف كبار الباحثين والعلماء والفنانين في عصره .. قيمة ومضمونا وأسلوبا وطريقة بل تابع جهده الثقافي بترجمة رائعة لأدب جبران وخصوصا كتابه الأثير «النبي» كما اتبعه بدراسات متعمقة لبعض الموسيقيين الذين أحبهم حتي الثمالة كفاجنر الذي ربما كان ثروت عكاشة من قلائل المثقفين العرب الذين تغلغلوا إلي أعماق عالمه وعرف كيف يعبر عن همومه وإرهاصاته ورؤاه المستقبلية في الموسيقي والتاريخ.



كتب متناثرة كزهور عباد الشمس في أرض قاحلة.. تري فيها منبعا للجمال الدائم والوحي الذي لا ينقطع.



ولم يكتف «ثروت عكاشة» بكل هذا الذي فعله في دنيا الأدب والكتب والتراث بل راح يسجل خواطر في كتاب للمذكرات ضخم ومثير.. حافل بكل ما مر علي مصر في تاريخها الحديث من خلال رجل خاض غمار ثورة غيرت مصير بلده ثورة سياسية كان له باع كبير بها وثورة ثقافية كان يترأس حركتها ويقود زمامها.



منذ أن وضعت الثورة أحمالها أدار ثروت عكاشة ظهره للسياسة ليتصرف كليا للأدب والثقافة سفيرا لبلده في بلدان كفرنسا وإيطاليا عرف كيف يغرف من كنوزها ويشرب من «خمرها» الثقافية حتي الثمالة واستطاع أن يكون خلال رحلته الدبلوماسية هذه صداقات نادرة مع رجال نادرين عرف كيف يتحدث عنهم في يومياته بأسلوبه الحاذق وبنظرته العميقة النفاذة.



ومن خلال هذه اليوميات النادرة في أدبنا العربي الذاتي ملأ «ثروت عكاشة» صفحاته باستشهادات من كتّاب ترجم لهم وأتاح لقراء العربية لأول مرة قراءة مقاطع كبيرة من أعمال لهم سحرته هو شخصيا وأراد لها بحق أن تسحر قرّاءه كأنطوان دي سانت أكسبري وسواه.



وعندما حطت به الرحال أخيرا ليكون وزيرا للثقافة يملك الصلاحيات كلها حقق لنفسه لمصره التي أحبها حتي النخاع .. ما لم يحققه رجل من قبله الذي سيشكل بعد ذلك مثالا من الصعب الوصول إليه أو تقليده مهما كانت مواهب هذا الرجل الذي سيحتل الكرسي الذي احتله.



أنشأ أكاديمية الفنون بكل فروعها أرسل طلابا موهوبين للتخصص في مجالات فنية لم تكن لتعرفها مصر مثله .. كالباليه وقيادة الأوركسترا السيمفوني والعرائس .. فتح الأبواب وأتاح الفرص أمام التجريب المسرحي وتقديم النصوص العالمية تعاقد مع كبار المخرجين الأوروبيين من روس وفرنسيين ويونانيين وإيطاليين للمجيء إلي مصر وإخراج مسرحيات عالمية لها إشعاع ثقافي لا يغيب.



عالمية مشتهاة



وأعطي الفرص لفنانينا بالتألق والوصول إلي عالمية مشتهاة من خلال أعمال لا نصدق حين نذكر أسماءها الآن أنها كانت محلقة في زمن ما علي خشبات مسارحنا المصرية.



اشتري الأورج الذهبي الكبير .. الوحيد من نسختين فقط متواجدين في العالم كله جعل إحداهما ملكا للموسيقي المصرية وبني له مسرحا خاصا أطلق عليه اسم «سيد درويش».



نجح في استقدام كبار الفرق المسرحية والأوبرالية الغربية لتقديم عروضها علي خشبة المسرح المصري ولتكوين جيل جديد من الفنانين يعتمد علي الرؤية والتأثر وليس علي السماع أو قراءة الأبحاث.



غزل الخيوط السحرية التي تجمع بين حضارة الشرق العريقة وحضارة الغرب المتوثبة وجلس ينظر حصد ثمارها.



وتشكلت فرقة الباليه المصرية وفرقة الأوبرا المصرية وفرقة السيمفوني المصرية وفرق الرقص الشعبي وفرق الكورال وفرق تنمية المواهب وفرق العرائس.



ومد يده للأقاليم .. وافتتح قصور الثقافة في كل بقعة من بقاع المحروسة لكي ينعم أفراد الشعب كله بثقافة هم بحاجة إليها وبنور حقيقي ينقذهم من الظلام الذين يعيشون فيه.



وتوج جهوده في وزارة الثقافة بعمل تاريخي ربما كان من أهم الأحداث الثقافية التي مرت علي مصر في القرن العشرين.. استطاع أن يحصل علي تمويل عالمي لإنقاذ معبد أبو سمبل من الغرق.. بعد بناء السد العالي وإنقاذ آثار النوبة التي تغير من معالم التاريخ الفني لمصر .



جهد كان يستحق عليه دون شك جائزة نوبل التي خسرت كثيرا لعدم إهدائنا إليه فما من رجل غيره كان يستحقها علي مدار السنوات الخمسين الأخيرة للقرن العشرين.



كل هذا عرفته عن الرجل .. قبل أن أراه وكل هذا جعلني أحرص علي أن ألقاه وأتهيب من هذا اللقاء في الوقت نفسه.



ما الذي يمكنني أن أقول لهذا الرجل الذي حمل علي كتفيه عبء ثقافة بلد حضاري كبير كمصر.. رجل صنع لوحده ما عجز عشرات الرجال عن صنعه.



أندريه مالرو مصر



لقد وصفه بعض محبيه ومتابعي نشاطه بأن «أندريه مالرو» مصر تيمنا بوزير الثقافة الفرنسي والأديب الكبير الذي منحه ديجول نفس الصلاحيات التي منحها عبد الناصر لـ«ثروت عكاشة».. وهذا شرف كبير لعكاشة ولمالرو معا ولكني أري دون تعصب أن مالرو قد يتفوق علي عكاشة كمؤلف حقيقي فقط ولكنه لا يفوقه كباحث حضاري وكمؤرخ للفن في كل عصوره وكرجل أعطي بلده من عصارة روحه وفكره.. وثقافته وإيمانه ما يعجز رجال مثله عن إعطائها إياه.



كيف لي أن أواجه هذا الرجل .. وكيف لي أن ألقاه.. وهل يمكن لأي منا أن يقف أمام جبل شاهق ويحدثه أو يسمع إليه.



ولكن المعجزة حدثت.. وقبل الرجل أن يلقاني في فيلته الصغيرة في المعادي في موعد حدده لي .. ولم أصدق نفسي أنني قد حصلت عليه.



وفي الموعد المحدد.. وصلت إلي فيلته البيضاء الشامخة وحديقتها المزينة بالتماثيل التي جاءت من أركان الدنيا الأربعة من آسيا البعيدة إلي وادي النيل الفرعوني .. إلي الأمجاد اليونانية .. وفي بيت زينت كل زواياه باللوحات النادرة والتماثيل العاجية .. والإكسسوارات الثمينة القادمة من أحشاء التاريخ، كان يجلس وراء مكتبه المليء بمئات الكتب المكدسة في كل أركان الجدران وعلي صفوف المكتبة الخشبية ذات الألواح الزجاجية الرقيقة.. وخلف المكتب تصطف أربعون لوحة صغيرة للشهنامة الفارسية وأمامه علي مكتبه الأنيق تمثال أثري قديم أهداه له «مالرو» يضعه أمامه كأيقونة.



كان يبتسم واقفا جليلا تفوح المحبة من عينيه ويبدو صوته الأمر الآسر والصادر من أعماق القلب وكأنه غناء ديني حافل بكل المعاني والقيم.



كان بسيطا شديد البساطة في حديثه ذكيا شديد الذكاء في أسئلته واعيا شديد الوعي في كل كلمة يقولها أو يسمعها أو يعلق عليها.



تحدثنا عن جبران وكتاب «النبي» الذي ترجمه بروعة مدهشة وعن يومياته وعن «سان اكسبري » وعن «مالرو».. وعن مسرح النو الذي رأيناه معا دون أن ندري في أحد احتفالات البندقية في الخمسينات وعن الحضارة السنسكريتية وعن فرق الفنون التي أنشأها.



تحدثنا عن «فاجنر» وعن «بوريس جودونوف» لمدسورسكي التي يحبها وعن السينما التي يحرص علي رؤية أعمالها الكبري حدثني عن إعجابه بالنقل السينمائي الذي قام به زيفاريللي لأوبرا لاترافياتا وحدثني عن ماريا كالاس التي عرفها.



وابتدأ سيل من الأحاديث ابتدأ ذات مساء صيفي في ليل المعادي .. وامتد بنا بعد ذلك شهورا طويلة بل وسنوات عدة خيل لي فيها أني وأنا الظمآن أشرب من نبع من ينابيع الجنة لا ينتهي تدفقه.. لكن لكل هذا حكاية أخري ربما يأتي وقت آخر لروايتها.






****





عامل الفنار



بقلم : محمد محمد مستجاب





رد الاعتبار لشخصية مصر ولفكر العرب، صاحب الرأي الحر المستقل، باني مصر الجديدة وواضع عتباتها ومهذب طرقها وراصف شوارعها، المعتكف في فناره مفكراً ومحللاً ومتنبأ للسياسة الثقافية التي سوف ينتهجها ويتبعها ويضعها بذرة لبلد عريق دفن كثيرا تحت ركام الرمال والأحجار.



الفنار: هو مصباح قوي الضوء ينصب علي سارية عالية، أو شبه برج مرتفع لإرشاد السفن في البحار والمحيطات إلي طرق السير وتجنب مواطن الخطر.



لكن الفنار مهما كان عالياً ومرتفعاً وقوة نوره ضخمة، لا يستطيع أن يقوم بدوره دون عامل فنار، أي أنه لا يعمل ولا يكون مؤثراً دون عامل فنار.



وعامل الفنار، هو ذلك الشخص الجالس في عزلة عن العالم ينير الطريق إلي السفن والقوافل ويرشدها للطريق السليم، أو يوجهها لطريق آخر أكثر أماناً إذا كان الطريق الأساسي به الكثير من المخاطر أو غير جاهز لاستقبالها، كذلك فهو أول من يستقبل العواصف والرياح ويحدد اتجاهها وما تحمله من برودة أو تراب أو زوابع أو سخونة، ويعلم قوة وارتفاع أمواج البحار، يحذر منها ويتنبأ بها، فيستطيع أن يتوقعها ويجنب أهل البحر من تقلباتها وقسوتها، وسكان اليابسة من خطورتها.



ولا أحد منا رأي عامل فنار من قبل، دائماً عامل الفنار في برجه أو ساريته العالية، يهتم بتلميع عدسته أو الألماظة أي العاكس القوي الذي ينعكس عليه ضوء مصباحه، فهو رجل لا تراه في الشارع مع أنه يمر بجوارك كل يوم، يركب معك أو يجلس بجوارك في الأتوبيس أو القطار ولا تشعر بوجوده، يقف في طابور الخبز أو أنبوبة البوتاجاز، ينتظر في صبر مرتبه والذي هو قروش قليلة هي ذاته وذات أولاده، كذلك فإن عامل الفنار لا يطنطن بدوره الكبير الذي يقوم به، ولا مهنته الخطيرة التي يمتهنها، ولا يشتكي من المرتب الضئيل الذي يتقاضاه، فهو يعلم حدود وقدرات فناره والأرض التي يقف عليها والمساحة التي يستطيع ضوء مصباحه أن ينيرها وأن تقع عليها الأبصار فتهتدي به، ويعلم أنه سوف يجلس في برجه، فترة زمنية كبيرة، لا يتحدث كثيراً ولا يحكي أي كلام، ولا يتسامر إلا مع الريح والشمس والقمر والنجوم، فالرجل وقته ليس ملكه، ولا يستطيع أن يصادق النوم، لذا فإن عامل الفنار يذهب معه طعامه وسجائره وسجادة صلاته، جالس، في برجه يرشد ويوجه ويحذر ويتنبأ، لا يطنطن بأنه أنقذ تلك السفينة أو وجه ذلك المركب، أو أنقذ هذا الغريق من الغرق.



اليقظ دائماً



فإذا أضفت إلي ذلك أن عامل الفنار، يجب أن يكون متيقظاً دائماً، فهو يعلم أنه إذا غلبه النوم لحظات فهنا تكون الكارثة الكبيرة، وأن الأرواح التي تعتلي أي سفينة سوف تغرق وتضيع في بحر هائج ومظلم وشرس.



وبعد كل ذلك، إذا عرفت أن عامل الفنار يجب أن يعلم جيداً الأرض التي يقف عليها فناره، وجغرافيتها، وحدود ضوء عدسته وأشعتها والمدى الذي تصل إليه، كذلك يجب أن يعلم أن البحر المظلم يأتي منه أيضاً الأعداء، يكون بذلك أحد جنود الكشافة وأحد فرسان الحروب، يصبح بذلك أول منقذ وأول صفارة خطر وأول شهيد.



فإنذاره لا يصح أن يكون إنذارا كاذبا، ولا يجب أن ينبه أهل اليابسة علي عدو وهمي أو مختلق، فقوة النظر التي يمتلكها عامل الفنار، يجب أن تكون ستة علي ستة.



هكذا كان ثروت عكاشة، عامل فنار الثقافة المصرية والعربية، ذلك الذي أنار الطريق للثقافة المصرية، متعمداً في تربيته وثقافته علي فكر العظيم طه حسين، ذلك الرجل الذي كان يعلم جيداً الأرض التي يقف عليها، ومقوماتها وقدرتها وحدودها وقوة تأثيرها، لم يكن يحلم أحلاماً بلهاء أو خاوية، بل أحلام كبيرة لوطن ممتد في عمق التاريخ ومشكل جيد لجغرافية المنطقة والعالم، هكذا فهم ثروت عكاشة دور مصر ومثقفيها، فاستوعب الدور وبدأ في إنارة الطريق لكل الأطراف، أي المثقف والمتلقي والجدران التي تحتويهما.



ثروت عكاشة: مصباح النور والشعلة ورأس السهم الفعال والمصيب، المنطوي في مكتبه يدون ويخطط وينظم ويرشد ويوجه، المحارب والمكافح والمحافظ والشهيد علي طين ورمال وهواء الوطن العزيز، جالس في فناره أو مكتبه يبدع إبداعه الخاص في الفنون بجميع أشكالها من تشكيلية وموسيقية وباليه، ويدون ملاحظاته ويضع خططه للمستقبل، يتشمم بأنفه التيارات الثقافية المعادية والمحطمة، ويعلم جيدا أن بداية أي حرب هي الحرب الثقافية وتفريغ العقول.



ثروت عكاشة: عامل الفنار وعاشق الفنون ومستوعب دور بلده وقارئ جغرافية منطقته، والفارس الذي يقود جواد الثقافة المصرية في حلبة السباق العالمي التنوري التثقيفي، باني الشخصية المصرية، وفاكك أسر العقول ومحرر الأيدي من أغلال الأفكار والرجعية والقيود، والعامل الذي بني مصر الجديدة وخطط شوارعها ورصف طرقها.



ثروت عكاشة، عاشق الفن والموسيقي وحارس التاريخ وممهد طرق الثقافة ومحتضن العقول البكر وساكب الأفكار الخلابة ومحطب في معارك الثقافة الوطنية والعربية، قائد جواد الثقافة المصرية، وفاكك آثار وأغلال وسلاسل الاستعمار والاستغلال والتفاهة، راد الاعتبار لشخصية مصر ولفكر العرب، صاحب الرأي الحر المستقل، باني مصر الجديدة وواضع عتباتها ومهذب طرقها وراصف شوارعها، المعتكف في فناره مفكراً ومحللاً ومتنبأ للسياسة الثقافية التي سوف ينتهجها ويتبعها ويضعها بذرة لبلد عريق دفن كثيرا تحت ركام الرمال والأحجار.



ثروت عكاشة : صاحب الرأي الحر والمستقل، الدءوب والمكافح والمحارب والمركز علي فكرة الشخصية المصرية المثقفة، وسياستها الثقافية، المشجع والمزهر والمنفتح علي القيم والتطلعات والتيارات والأفكار العالمية والحديثة، المرن المتقبل كل الاتجاهات والمنصت لكل الأفواه، ثروت عكاشة واضع الخطط وراسم واجهات العقول وناقش أغلفة القلوب وساكب النتاج الفكري والثقافي والمعرفي لكل الفئات التي تعيش علي ارض هذا الوطن، من فن شعبي وفني راق وأرستقراطي، الفاهم أن الثقافة في الأصل ملتقي للعلم وللعلوم وللأدباء وللفنانين، إنه مهذب ينابيع المياه وصانع المجاري والترع كي تصب في النيل الكبير، نيل مصر القديم والمليء بالمعارف والعلوم والأفكار والتيارات.



ثروت عكاشة: القوي كجندي المعارك، الممتلئ بالمعرفة ككهان المعابد، المرشد وقاري الطرق للقوافل في الصحراء، العاشق لطين ورمال مصر، وللفنون وللثقافة بمفهومها العام والخاص، حامي المثقفين ومحتضن المواهب والحامي من الوشايات والإشاعات التي تحيط بالمثقفين وبالعقول.



ثروت عكاشة: القاري للامتداد التاريخي والجغرافي لمصر ولأبنائها، وكيف يحول كل شبر في مصر وكل فنان مهما كان بعيداً عن مركز الوطن القاهرة إلي احد القناديل الثقافية، وان يحيط به مظاهر ثقافية، فالهدف الكبير الذي وضعه في خطته العظيمة هو إلغاء الأمية الثقافية، والوصول إلي الجماهير، في كل مكان، فوجدنا المسرح المدرسي ومسرح المصنع، ومسرح الجرن، ووصل للفلاحين في القرى والعزب والكفور، فبفضل ثروت عكاشة شاهدت الجماهير في كل مكان علي أرض مصر الكثير من الفنانين والفنون والعروض التشكيلية والأدائية، بعد أن كانت هذه فنون الصفوة.



ثروت عكاشة: الحضانة التي استوعبت جميع مثقفي وأدباء وفناني مصر، وكان يسعى دائماً إلي إثراء فكرهم وتحسين أدائهم والارتقاء بذوقهم ومداركهم ووجدانهم ووجودهم، فأرسل البعثات للخارج وجاءت تلك البعثات لتنير كل مكان علي أرض مصر والوطن العربي، لتحدث التغيير الجوهري والفعال في المحيط الذي تعيش فيه، وأنشأ لهم المدرجات في الجامعات، والمكتبات في الأحياء السكنية، والنوادي الأدبية في قصور الثقافة.



ثروت عكاشة: حفيد أمنحتب واخناتون ورفاعة الطهطاوي وزكي مبارك، والابن الشرعي للعظيم طه حسين واحمد لطفي السيد، والأخ الكبير للويس عوض وتوفيق الحكيم وحسين فوزي وجمال حمدان والأب الحنون لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وبهاء طاهر، وأحفاده المخلصين من سيد حجاب وجاهين. ثروت عكاشة: حامل لواء الفرسان في المعارك، المزيح عن طريق نهر الثقافة المصرية العقبات والعوائق والرمال، حاملاً علي كتفه كل غباء الجهل الذي كان يحيط بالثقافة المصرية وبأبنائها.



ثروت عكاشة: منقذ معبدي أبي سنبل وفيلة، صانع الصوت والضوء في الهرم والكرنك، باني دار الكتب والمعهد العالي للسينما، والمؤسسة العامة لفنون المسرح والموسيقي، منشئ قاعة سيد درويش الباهرة ، وواضع حجر أساس أكاديمية الفنون الجميلة، ومعاهدها، والمعهد القومي العالي للموسيقي ومعهد الباليه، والمعهد العالي للفنون المسرحية.



ثروت عكاشة: جامع ومُؤلف ومنظم موسوعته الخالدة " العين تسمع والأذن تري"، جامعاً فيها غالبية فنون العالم القديم والمعاصر، ومسترجعا بقلمه التراث العربي والعالمي، ومترجما "مسخ الكائنات" و"فن الهوى"، ذلك الذي جعل في النهاية كتبه هي درر في المكتبة العربية، من القاهرة في ألف عام، ومشروع الألف كتاب، وموسوعته وترجماته وسيرته في السياسة والثقافة.



عاشق الجمال، محب الحياة، ممتلئ بالبساطة، حامل هموم الثقافة المصرية، وصانع العصر الذهبي للعقلية المصرية وللمثقف المصري القوي الواثق في قدرته وتاريخه، فأصبح المثقف والفنان متفاعلاً مع الواقع ومع مجتمعه وما يحيط به، بعد أن كان منعزلاً لا يعلم شيئاً خارج عزلته، لذا شاهد الناس جمع المفكرين والفنانين والكتاب والتقوا بهم وتجاوبوا مع أفكارهم وقرءوا كلماتهم واحتفظوا بكتبهم ومؤلفاتهم.



ثروت عكاشة: الباحث عن مجتمع أفضل، ويعلم أن الثقافة هي تاج هذا المجتمع، لذا حارب بها وخاض من أجلها المعارك، وكون شبكة من العلاقات الدولية، كي يفهم العالم دور مصر، وشعلتها الحضارية التي حاول الاستعمار أو أشباح الرجعية والتخلف والركود أن يطفئوها أو يهيلوا عليها الرمال.



ذلك الذي كان يعلم أن الثقافة قبل أن تكون ورقة وقلما وكلمات، هي صناعة وأشخاص وأفكار يستطيعون فهم ما تحتويه تلك الأوراق، وكيف تكون تلك الأوراق مضيئة دائما، وكيف تكون رسالة لأماكن مظلمة علي أرض الوطن.



فاتح نافذة الوطن ومغير هواءها الراكد ومنعش أجواءها بالنسمات العالمية والأفكار الطازجة والمجدد في تراثها، جاعلا منها مكاناً راسخاً في الثقافة العالمية والدولية، بما تم إنجازه من جهود تراها العين وتملأ القلب وتثقل العقل بالأمل.



قاعة سيد درويش



إن أخطر ما قام به ثروت عكاشة هو فهمه لدور ذلك البلد مصر والمنطقة التي تعيش فيها، فهو يعلم تاريخها وماضيها ويحاول أن يري المستقبل لها، بالإضافة إلي الفراغ الذي يعلمه، أي حيز تمتلكه حضارة بلد كمصر، أي أنه يمتد بالطول والأمام وفي العمق وفي الوجدان وفي القلب والعقل، يعرف قدرته وقدرة العقول التي معه، ينظم كل ذلك ويشرف عليه، يفهم احتياجات العصر ويقرأ التيارات القادمة وألوانها سواء هادمة أو متفتحة، يميز التيارات السوداء كالحروب، أو البيضاء كالجهل وتفريغ العقول، بالإضافة إلي اهتمامات العصر واحتياجات البشر، لكن ثروت عكاشة لم - يأخذ باله - بمن يأتي ويكون عارفاً الفرق بين قاعة تعزف الموسيقي ورجل يدور بالربابة علي المقاهي والشوارع.



كنت صغيراً عندما كنا نلعب أمام قاعة سيد درويش بالهرم، كانت الأرض متسعة ولم تزدحم بالبشر والمباني، ولم يكن عدد السيارات قد زاد أو اتسع في شارع خاتم المرسلين، عندما كان يأتي يوم الخميس، فنجد الشارع وقد تكدس بالسيارات، فكنا نري فنانين وممثلين وراقصين وصفوة المجتمع، وكانت السيمفونيات تعزف داخل هذه القاعة العظيمة، تلك التي كانت عبارة عن نصف قرص شمس، بحيث تراها من شارع الهرم وتستقبلك منذ أن تخرج من نفق الجيزة وتظل تشع لك نورها وتراقبك إلي أن تقترب من الهرم، لم أكن اعرف شيئاً عنها، غير هذا الشكل المبهر الذي يزين الواجهة كان وجه اخناتون وأذنه وقد تحولت إلي كمنجة ضخمة بأوتارها، كانت قاعة سيد درويش هي قلب أكاديمية الفنون المحيطة بها من معهد السينما والمعهد العالي للفنون المسرحية وجهاز السينما ومعهد الباليه، تتوسط القاعة كل ذلك، وبما تقدمه من فنون وما تقدمهم للمجتمع من ممثلين ومخرجين ونقاد ومهندسي ديكور، لكن الثقافة بالعمق لا بالكلام الجاف، الثقافة بما تقدمه وبما تصنعه.



وعندما كبرت علمت من والدي، أن الذي فكر في ذلك هو ثروت عكاشة، وعلمت أنه اختار الراحل العظيم أبو بكر خيرت لتنفيذ ذلك المشروع العظيم، أي أنه كان قادراً علي اختيار أشخاص ويثق فيهم كي يكملوا فكرته، هكذا كان دوره في إنشاء قاعة سيد درويش، حينما فكر ودبر في إنشاء قاعة حديثة للموسيقي أطلق عليها " قاعة سيد درويش"، ويلقي المشروع في حجر الثاني " أبو بكر خير" بصفته مهندساً ومصمما وعاشقا ومؤلفاً للموسيقي كي ينفذ رغبة الأول، ولا اقصد هنا رغبة الأول بصفته وزيراً أو حاكماً، بل رغبة الأول بصفته يعبر عن رغبات المجموعة وطموحهم واحتياجاتهم.



إن التفكير في تقديم وجبة ثقافية وموسيقية دسمة وراقية، من خلال مبني راق ونظيف، يباهي الأمم ويحاكي التقدم، أضف إلي ذلك أنه لم يكن يوجد في الشرق قاعة تماثل قاعة "سيد درويش" بالهرم سواء " قاعة بكين"



إلا أن الذي لم يفكر به ثروت عكاشة وقرينه أبو بكر خيرت، هو تغيير الأيام ومجي أفكار سوداء علي العقل المصري بهذا الشكل الفج والكئيب والخطير، حيث إنه ذات يوم، وأمام مشهد من الجميع، وقعت الجريمة، وقتل القاتل واجهة هذا المبني، لأنه قام بإزاحة تلك الواجهة التي كان يمكن أن تدخل ضمن التراث العالمي، فأزاحها ووضع أطنانا من الرخام البارد عليها، معتبراً ذلك قمة التقدم، لتضيع ملامح المبني العريق، وفكر من صنعوه، وإذا انتقلت لداخل المبني والذي كان مصنوعاً كي تعزف فيه الموسيقي الكلاسيكية، أي أن الاوركسترا بجميع أعضائها وآلاتها لها مساحات دقيقة في الصوت والارتفاع والضوء، فإن كل ذلك تم تخريبه أو تفريغه من محتواه. ليقوم بتدميرها ويقوم بوضع الرخام البارد عليها ويكتب عليها أكاديمية الفنون، مدمراً كل ما قام به شخص يدعي ثروت عكاشة، ومدمراً شكلها الإبداعي ودورها دون يفط باردة باهظة التكاليف.



إنني لم أتحدث عن تخريب من الداخل، أي عن تدمير للبناء حيث انه مخصص في الأساس للموسيقي وليس لأي فنون أخرى، فقد صنعت القاعة بمواصفات معينة، جاء أمام مشهد من الجميع ، مقاول ليزيح تلك الواجهة التي كان يجب أن تدخل ضمن المحافظة علي التراث.



جريمة بشعة



إن تلك الجريمة البشعة حدثت بمباركة الكثيرين من رموز الثقافة المصرية، تحت دعوى التجديد أو التحديث، لكن عمق ما تحتويه قاعة سيد درويش، والخراب الذي أصابها، يعلم جيداً التفريغ الذي حدث للعقل المصري، حيث أصبحت الثقافة واجهة فقط، ليس لها اتجاه ولا فعالية ولا التأثير المطلوب.



لذا فإن أهم ما يميز ثروت عكاشة هي قدرته الكبيرة علي إرشاد الثقافة المصرية، وكيف يقوم بتوجيه سفينتك وسط الأمواج المتلاطمة حتي تهدأ الرياح والعواصف وتواصل رحلتك في بحر الحياة.



فهل يعلم أحد أن ثروت عكاشة كان عامل الفنار الذي أرشد سفينة والدي " محمد مستجاب " وكيف عند قرب انتهاء بناء السد العالي، وقد بدأت المؤامرات ضد بعض الأشخاص الذين كانوا ينتسبون إلي أشخاص ضد عثمان احمد عثمان، وكان ثروت عكاشة في زيارة إلي قصر ثقافة أسوان فالتقي مستجاب، وحكي له مستجاب ما يعانيه، فيقوم بتحويل أوراقه إلي وزارة الثقافة ليعمل في مجمع اللغة العربية.



هكذا هو ثروت عكاشة، المرشد الذي يدل ، يستمع لك ويعرف كيف يقدر موهبتك فيضعك في المكان الذي تعرف كيف تستفيد كي لا تضيع موهبتك.



لقد قام ثروت عكاشة بدور خطير للثقافة المصرية والعربية، ونزل بالثقافة بمفهومها الواسع إلي قارعة الطريق المصري وقلب الشارع العربي، ذلك المحافظ علي تراث مصر وتراث أبنائها ومفكريها من العظماء, المنقذ لتراث وفكر الوطن من التيه والقلق والفراغ الفكري، والذي استرجع لمصر بهاءها ورونقها الثقافي وفكرها الخلاب لتصبح بحق منارة العالم وأم الدنيا.





****





رائـــــد التنويـــــــر الثقــــــــافــي


بقلم : أسامة الألفي


برحيل المثقف الموسوعي الكبير د.ثروت عكاشة لم تفقد مصر فقط أبنا مخلصا أحب ترابها ووهب عمره لخيرها، وإنما أيضا فقدت واحدا من رواد حركة التنوير الثقافي، أعاد بإخلاص صياغة وجدانها، ورحل وقد ترك بذرة عمله الجاد مثمرة نامية تبث شذاها في شتي أنحاء عالمها العربي.



ظروف صعبة



جاء توليه مسئولية الثقافة في ظل ظروف صعبة، تمثلت في صراع محموم تحياه مصر بين المثقفين الطامحين في الحرية، وثوار يوليه المنقلبين علي الحياة الديمقراطية، وهو صراع نقل د.عكاشة إلينا جانبا منه بأمانة وتجرد في كتابه «مذكراتي في السياسة والثقافة»، فلم تكن علاقة الرئيس جمال عبد الناصر بالمثقفين مستقرة بل خضعت لشد وجذب، إذ كان - برغم صدق وطنيته ونزاهته الشخصية وشعبيته الجارفة - لا يقبل أن يعارضه أحد، أو يقول رأيا مخالفا لرأيه، وكانت أبواق مثقفي السلطة تطبل له وتهلل ليلا ونهارا، مخفية عنه الحقائق ومزيدة إياه اقتناعا بصواب آرائه وطروحاته، فيما تواري المثقفون الأصلاء تجنبا للصدام واحتراما لإبداعهم، ليقينهم أن الإبداع لا ينمو في جو من الحرية.



في وسط هذه الأحوال المضطربة، تولي د.عكاشة قيادة المسيرة الثقافية للثورة واضعاً نصب عينيه مقولة الفيلسوف وول ديورانت: «إن الدولة خلقت من أجل الإنسان لا الإنسان من أجل الدولة»، واستطاع بالكفاح والصدق والإخلاص توطيد أركان الوزارة علي معايير علمية، وتأسيس مشروع الثورة الثقافي ووضع البنية التحتية له، وفي الوقت ذاته إيجاد مساحة من الديمقراطية تتيح التعددية الثقافية.



ولتوليه الوزارة قصة رواها في حوار أجرته معه قبل عام الزميلة المبدعة «نعم الباز»، إذ ربطته بقائد الثورة جمال عبد الناصر صداقة وطيدة، وفي بيته سمع ناصر أول سيمفونية في حياته، وبذكائه الفطري وعلمه بأهمية الثقافة في حياة الشعوب ودورها في الارتقاء بها ومعرفته تحلي د.ثروت بثقافة راقية أتاحتها له أصوله الأرستقراطية، والنجاح الذي حققته مجلة «التحرير» إبان فترة رئاسته تحريرها، فاجأه ذات يوم في عام 1958م باختياره وزيرا للثقافة، موضحا أن مهمته تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصري، ولم يمهله ناصر يومين للتفكير كما طلب وإنما أصدر القرار عن اقتناع أنه أصلح من يتولى قيادة مسيرة ثقافة مصر ما بعد الثورة.



رؤية مخلصة



انطلق د.عكاشة في عمله من رؤية مخلصة مثلت منهاجا للطريق الذي اختطته، رؤية تجسدت في قوله: «إن الثقافة عمل وعلم معا، ثم موقف واضح من هذا العلم وهذا العمل، فليس يكفي أن يحصل المرء قدرا من الخبرات والمعرفة، لكي يسمي مثقفا، وإنما المثقف هو من يتخير من خبراته ومعارفه وسيلة لتطهير نفسه، فيجعلها أسلوبا للحياة ينتهجه».



وكان توليه مسئولية الوزارة بمثابة نقلة كبري لمسيرة الثقافة المصرية، حيث بدأ بمعونة مثقفين أصلاء في رسم خريطة ثقافية فيها من الأصالة الحفاظ علي التراث والموروث، ومن الحداثة التعرف علي الفنون العالمية الرفيعة التي تحتاجها مصر للتواصل مع البشرية، وكان أول ما فعله وضع خطة لتأسيس البنية التحتية للثقافة، بحيث تتجاوز القاهرة والإسكندرية لتشمل جميع الأقاليم والمدن التي حرمت زمنا طويلا من الإشعاع الثقافي، كما أدخل فنونا تعبيرية لم تعرفها مصر، واستقدم الخبراء لها، وأرسل البعثات إلي مختلف بلدان العالم المتقدم، موجدا بذلك جيلا مسلحا بالموهبة والثقافة معا، وتكريما للثقافة والفنون قرر منح تفرغ لكل فنان أو أديب لديه عمل إبداعي في حاجة لتفرغه، ولا ننسي دوره البارز والمهم في تحفيز شعوب العالم وحكوماته للإسهام في إنقاذ آثار النوبة ومعبد أبي سمبل ومعبد فيلة عند إنشاء السد العالي.



على المستوي الوطني لا ننسي أنه وخالد محيي الدين ويوسف صديق، كانوا من أنصار التحول الديمقراطي للثورة، والذي عارضه باقي الثوار، كما كان له دوره الوطني إبان العدوان الثلاثي 1956م، فمن باريس، حيث كان يعمل ملحقا عسكريا استطاع أن يمد الحكومة المصرية بخطة العدوان مما قلل من الخسائر، كذلك فإنه لم يكتف بوضع البنية الأساسية للثقافة المصرية، لكنه أيضا حمي الثقافة وكثيرا من المثقفين ومن بينهم أديب نوبل نجيب محفوظ من دسائس مرتزقة السلطة، ولنا أن نقارن بين مواقفه النبيلة إلي جانب المثقفين، وموقف كاتب صحفي كان يترأس مؤسسة صحيفة كبري، قام في وقت الستينات بفصل 39 كاتبا مرموقا من بينهم عميد الأدب د.طه حسين، وتوزع المفصولون ما بين إحالة للمعاش أو النقل للمجمعات الاستهلاكية وشركات الأحذية!



علامة بارزة



ولا جدال أن د.عكاشة كان علامة بارزة في تاريخ الثقافة المصرية، إذ حقق عديدا من الإنجازات التي نزهو بها اليوم ونستفيد منها، إلا أن الحديث عن الإنجازات لا ينسينا دوره كمثقف ونتاجه الفكري وهو نتاج ثري، بل قد نذهب للقول إن دوره الأبرز والأكثر استمرارية، علي حد تعبير الصديق د.عماد أبو غازي وزير الثقافة السابق- «ليس دوره كوزير وإنما كمثقف يكتب ويترجم منذ الأربعينات، وحتى أيامه الأخيرة»، فهو واحد من رواد حركة التنوير الثقافي في عالمنا العربي، أثري المكتبة العربية بمؤلفاته التي بلغت 25 مؤلفا، أهمها مشروعه الثقافي الذي صدر في سلسلة مجلدات كبيرة، حول تاريخ الفن بعنوان «العين تسمع والأذن تري»، وتناول فيها الفن المصري منذ القدم وصولا إلي تاريخ الفنون في العالم أجمع، فضلا عن كتبه خارج سلسلة تاريخ الفن، ومنها: المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية: إنجليزي - فرنسي - عربي، مذكراتي في السياسة والثقافة، مصر في عيون الغرباء من الرحالة والفنانين والأدباء «1800- 1900م»، مسخ الكائنات، ترجمة عن الشاعر اللاتيني أوفيد، فن الهوى، ترجمة عن الشاعر اللاتيني أوفيد، وترجماته لمؤلفات جبران خليل جبران: النبي، حديقة النبي، عيسي ابن الإنسان، رمل وزبد، وأرباب الأرض، الأمر الذي استحق معه أن يتوج بالعديد من الجوائز والتكريمات من مصر وفرنسا واليونسكو والإمارات، إلا أن التكريم الأكبر له تمثل في التقدير الكبير الذي كان يقابل به من المثقفين، حيثما حل.



المحارب الثقافي



واختتم باقتباس جزء من كلمة سجلها المفكر صبحي الحديدي في تقريره عام 2004م لهيئة جائزة سلطان بن علي العويس للإنجاز العلمي والثقافي إذ كتب «الدكتور ثروت عكاشة محارب ثقافي قديم، وأستاذ كبير، إنه رائد في النقد الفني وتاريخ الفنون، وفي تحقيق وترجمة أمهات الكتب، ومع التقدير الكبير لشخصه ولإنجازاته الثقافية، ورغم أن ممارسة النقد الفني تدخل في صلب عملية نقد الإبداع الإنساني، فإنني أجد أن مكان الدكتور ثروت عكاشة الطبيعي ليس الجائزة المخصصة للدراسات الأدبية والنقد، إنه بالأحرى، جدير بالترشيح لجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي عن كامل أعماله وإسهاماته والخدمات الجليلة التي قدمها للحياة الثقافية العربية». رحم الله د.عكاشة وأثابه خيرا عما قدمه من خير لبلاده وأمته العربية وأعان تلاميذه ومحبيه علي مواصلة استكمال مشروعه التنويري الثقافي.






****







وداعاً للجسد وخلوداً وبقاء للفكر والثقافة


بقلم : د. رانيا يحيى




"ما أجمل الطبيعة وما أروع أن ينطلق الإنسان في ربوعها يغترف بعينيه من سحرها ويملأ رئتيه من عبيرها، يناجيها ويسمع همس موسيقاها، يأنس إليها ويستلهمها فتلهم عينيه جمال الصورة وتزين لسمعه حلاوة النغم، وتهدهد خفقات قلبه بالحب والأمل وصفاء الوجدان".



كلمات لعملاق الثقافة والفنون المحب للحياة المتفائل دائماً مؤسس الحياة الثقافية المصرية والعربية، الفيلسوف والأديب والفنان المرهف الحس صاحب الرسالة والأمانة التي أداها علي أكمل وجه، صاحب الفضل علي مصر بكل من فيها مثقفيها وفنانيها بل وأيضاً العامة فيها، موجه الحياة الثقافية إلي الأمام، عميد الثقافة العربية والفن الأصيل، أستاذ الاتجاه التنويري في البلاد، صاحب القلم الناقد لجميع أنواع الفنون، الذي عمل علي إرساء القواعد الفنية والثقافية في شتي مناحي الحياة، الذي بذل جهداً وعطاء منقطع النظير ويستحق منا كل الشكر والعرفان والتقدير إنه الدكتور ثروت عكاشة الذي رحل عن عالمنا تاركاً بصمات فكرية وأدبية وثقافية وفنية بعد أن أفني حياته منكباً علي تحقيق رسالته التنويرية في مصر والتي كانت شغله الشاغل منذ صباه حيث عمل بالكثير من المناصب المشرفة التي تزخر بفكره وفلسفته علي مدي ما يزيد عن نصف قرن.



وظائف مرموقة



فقد تخرج في الكلية الحربية عام 1939 وعمل ضابطاً بالقوات المسلحة ثم التحق بكلية أركان حرب من 1945الي 1948، كما حصل علي دبلوم الصحافة من كلية الآداب من جامعة فؤاد الأول عام 1951، وحصل علي دكتوراه الآداب من جامعة السوربون عام 1960، كما تقلد عدة وظائف مرموقة منها رئيس تحرير مجلة «التحرير» عام 1952 والملحق العسكري بالسفارة المصرية في بون وباريس ومدريد في الفترة بين 1953 إلي 1956، ثم سفير مصر في روما من 1957 إلي 1958، ثم وزير الثقافة والإرشاد القومي منذ عام 1958، ورئيس المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري عام 1962، ونائباً لرئيس الوزراء ووزير الثقافة عام 1966 وأيضاً مساعد رئيس الجمهورية للشئون الثقافية منذ عام 1970 إلي عام 1972، كما عمل كعضو لمنظمة اليونسكو بباريس في الفترة بين 1962 إلي 1970، ونال الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية من الجامعة الأمريكية عام 1995 .



وكان إيمانه بدور الثقافة وشغفه بالفنون إلي الحد الذي جعله يقول : "إن الثقافة علم وعمل معاً ثم موقف واضح من هذا العلم وذلك العمل، فليس يكفي أن يحصل المرء قدراً من الخبرات أو المعرفة لكي يسمي مثقفاً، وإنما المثقف هو من يتخير من خبراته ومعارفه وسيلة لتطهير نفسه فيجعلها أسلوباً للحياة ينتهجه، فالثقافة في هذا الصدد ليست رداءاً يرتديه المرء أو ينتفضه عن نفسه، وإنما هي دمه ولحمه معاً بل وتسيل الدماء من أجل الثقافة وحولها".



عرش الثقافة



فهو الأديب العاشق للحياة بكل ما فيها متذوقاً لفنونها وجمالها، متربعاً علي عرش الثقافة المصرية بل والعربية المثقف الواعي الذي سبق أجيال وأجيال بما قدمه للحياة الثقافية في مصر في شتي المجالات الفنية والثقافية، فقد كان وزير الثقافة المثقف المستنير الذي أنشأ وأرسي قواعد التعليم الفني في مصر فلم يكن هناك مؤسسات حكومية تقوم بنشر الفنون، ولذا أنشأ أكاديمية الفنون عام 1959 بمعاهدها الفنية المتخصصة المختلفة وذلك بعد توليه مسئولية وزارة الإرشاد القومي بسنة واحدة ومن خلال تلك المؤسسة وهذا الصرح الثقافي العظيم استطاع الانطلاق بمصر من المحلية إلي العالمية فقد كانت هي إشارة البدء لتعليم الفنون العالمية والانفتاح عليها، وتأهيل الكوادر الفنية المصرية في كثير من المجالات حيث بدأ التعاون مع بعض الدول الأجنبية لاستقدام أساتذة أجانب لتولي عملية الدراسة للطلاب المصريين في أكاديمية الفنون من خلال دراسة أكاديمية متخصصة، والذين أصبحوا يقودون العملية التعليمية والثقافية فيما بعد، ووصولاً بتمثيل مصر في المهرجانات والمسابقات الدولية والعالمية ووضع فنون مصر علي الخريطة العالمية إبان هذا.



ولم يكتف باستقدام الأساتذة من الخارج بل أرسل بعثات خارجية، واستحضر آلات ومعدات للمعاهد، منها آلات موسيقية من أفضل الماركات العالمية والتي كلفت الدولة مبالغ طائلة، ولكن يرجع ذلك لإيمانه بضرورة الفنون في نهضة المجتمعات وتقدمها ولتوفير أفضل السبل للأجيال التي تنتوي الالتحاق بهذه المعاهد للوصول بها للمستوي اللائق؛ ولكن ما يؤسفنا هو انعدام الضمير من البعض حيث تم سلب ونهب بعض تلك الآلات من بعض الأساتذة الذين استعاروا تلك الآلات للدراسة، وذلك نظراً لجودة وارتفاع قيمتها فلم يستردها المعهد مقابل تستيف بعض الأوراق القانونية من خلال ادعاء فقدان الآلة أو تعرضها للأذي مما يسفر عنه تقديم آلات رديئة النوع بخسة الثمن وقد وصلت إلي درجة صندوق خشبي في بعض الآلات الوترية مقابل تلك الآلات القيمة، ولذا من واجبنا تجاه أكاديمية الفنون وتجاه القامة الرفيعة للدكتور ثروت عكاشة وما بذله من عطاء لرقي شأن الفنون أن يتم التحقيق في كل معاهد الأكاديمية بخصوص تلك الآلات والمعدات ومحاسبة الأيادي المقصرة والمتعاونة علي هدر أموال الدولة، كما يشترط علي كل من أتلف آلة موسيقية أو غيرها بإعادة مثيلتها من نفس النوع والقيمة حفاظاً علي الأساس الذي وضعه مؤسس تلك الفنون والعمل علي السير علي نفس النهج وتطوير ما قام به رائد الثقافة في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان أرسي القواعد الفنية بإنشاء المعاهد واستقدام مجموعة من أفضل الأساتذة والخبراء في مجالاتهم واستحضار تلك الآلات، وكانت هذه البداية فكان ولابد أن يصبح لدينا الآن أسطول من أفضل الآلات بدلاً من الآلات الرديئة التي تحويها مخازن تلك المعاهد وإعلاء شأن الأساتذة والعاملين بأكاديمية الفنون للمستوي اللائق بما كان عليه الوضع في ستينيات القرن الماضي علي يد القامة الشامخة ثروت عكاشة.



الثقافة الجماهيرية



وقد سار علي خطاه كثير من الدول العربية التي انتهجت نهجه في بناء الحياة الثقافية التنويرية، فهو بالفعل خير مثال لمن يتقلد وزارة لنشر الثقافة والوعي وللإرشاد القومي حيث أرشد قومه فعلياً إلي الطريق الصحيح من خلال بث الهيئات الداعمة للاستنارة الفكرية، وتحقيق وعي ثقافي شامل لكل طبقات المجتمع، حيث استطاع تحويل مسار الفنون للشارع المصري بدلاً من اقتصارها علي الطبقة الأرستقراطية المثقفة وذلك من خلال جهاز الثقافة الجماهيرية في جميع أقاليم القطر المصري والتي أنشاها لتحقيق هذا الحلم والأمل الذي كان ساعياً دائماً له، فكان يوليها كامل الرعاية لكي تؤدي دورها الفعال تجاه جموع الشعب في كل مكان حتي للبسطاء منه.



وقد شمل اهتمام المفكر الكبير ثروت عكاشة بكل أنواع الفنون إلي أن استقطب خبراء للموسيقي الشعبية علي مستوي عالمي لجمع ودراسة التراث المصري في جميع أنحاء الجمهورية حفاظاً علي قيمتها من الضياع، وخلال فترة توليه مسئولية وزارة الثقافة عام 1958 إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر ؛ أنشأ كثير من الهيئات التي تعمل علي إثراء الحياة الثقافية والفنية إلي يومنا هذا مثل المجلس الأعلى للثقافة وهو المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب آنذاك، والهيئة العامة للكتاب، ودار الكتب والوثائق القومية والتي كانت تحوي في ذاك الوقت حوالي نصف مليون مجلد من الكتب والمخطوطات القيمة حيث حافظ علي التراث المصري بداخله.



أيضاً أسس فرق دار الأوبرا المختلفة مثل أوركسترا القاهرة السيمفوني وفرق الموسيقي العربية، والسيرك القومي ومسرح العرائس، كما أنشأ قاعة سيد درويش بالأكاديمية لعمل الحفلات بها، وأيضاً وجه اهتمامه للآثار المصرية حيث وضع الأساس لمجموعة متاحف هي من أعظم المتاحف المصرية للآن، كما بدأ تقديم عروض الصوت والضوء وذلك لانتشار الفنون في جميع الأروقة والمحافل الثقافية، كما كان له دور وطني بارز من خلال إقناع المؤسسات الدولية في العمل علي إنقاذ معبدي فيلة وأبو سمبل والآثار المصرية في النوبة حفاظاً عليها من الضياع أثناء بناء السد العالي.



المكتبة الفنية



وقد اهتم بدور النشر حيث أسس المكتبة الثقافية والتي كانت النبتة الأساسية لمشروع مكتبة الأسرة حيث تقدم الكتب بأثمان زهيدة لتصبح في متناول الجميع، كما ألف العديد من الكتب والموسوعات الفنية وأيضاً ما يقرب من 45 كتاباً مترجماً يعكسون اهتمامه وعشقه للثقافة والفنون في شتي أشكالها وصورها من أشهرهم ترجمة للشاعر جبران خليل جبران، وأعمال الروماني أوفيد، كما يعتبر كتابه "مذكراتي في السياسة والثقافة" من أهم الكتب التي تعبر عن مصر فنياً وثقافياً وحضارياً وطبقياً، وأيضاً مجموعة كتب "العين تسمع والأذن تري" بأجزائها المختلفة والتي تعبر عن الفنون في عصورها المختلفة بمثابة موسوعة فنية متكاملة.



فهذا هو الرجل العسكري الذي تولي حقيبة الثقافة وأثراها بالعلم والعمل وأثبت نجاحاً منقطع النظير، فلم يقدم أي وزير مدني ما قدمه ثروت عكاشة بعسكريته وسعة أفقه واستنارته للثقافة المصرية، كما أثبتت التجربة الفعلية مدي نجاح العسكريين في القيادة والالتزام في بعض المؤسسات الثقافية بالدولة حيث تولي الدكتور الراحل ناصر الأنصاري رئاسة الأوبرا إحدى أهم الهيئات الثقافية التنويرية في الشرق الأوسط، وأثبت نجاحاً والتزاماً داخل المؤسسة ككل، كما تولاها الدكتور سمير فرج والذي جاء خلفاً لتوليها لفنان في ظل ديون تفوق ثمانية ملايين من الجنيهات، والذي عني بها خير الرعاية واستطاع بجهده وعطاءه المتواصل وإيمانه بمسئوليته تسديد الدين وتحصيل مكاسب مالية لدار الأوبرا في خلال سنة من توليه ؛وهذا يؤكد نجاح المؤسسة العسكرية في بث الالتزام والانضباط والشعور بالمسئولية والواجب الوطني.... فأياً كانت الانتماءات عسكرية أم مدنية ولكن يبقي التساؤل ماذا قدم كل من تولي وزارة الثقافة خلفاً للدكتور ثروت عكاشة لهذا الوطن؟ فالعبرة ليست بالانتماءات ولكن لإيمان الشخص ذاته بدوره في إثراء الحياة الفكرية والثقافية والتنويرية.



وقد حصل ثروت عكاشة علي العديد من الجوائز والأوسمة وشهادات التقدير ولكننا نسأل المزيد من التكريم لهذا الرجل عرفاناً منا بالجميل الذي يتوق أعناقنا كدارسين وعاملين وراعيين للحياة الثقافية والفنية من بعده، فمن هذا الممبر أناشد السيد وزير الثقافة بوضع تمثال للدكتور ثروت عكاشة في مدخل أكاديمية الفنون التي كان له الفضل في إنشائها وبث روح الثقافة فيها وفينا، فقد حظينا بالتعليم في هذه المؤسسة والتي كم شرفنا بانتمائنا إليها، ولكن لزاماً علينا أن نخلد ذكراه وأن نذكر الأجيال الحالية والقادمة بقيمة عملاق الثقافة والفكر بالوطن العربي، كما أطالب وزارة الثقافة بعمل مسابقة في جميع أنواع الفنون تحت اسم "ثروت عكاشة" يكون مقرها أكاديمية الفنون وتقدم المسابقة علي مسرح قاعة سيد درويش تحت رعاية وزارة الثقافة، كما أطالب أيضاً بوضع بعض أعماله وكتبه ضمن مناهج التعليم بالأكاديمية علي مختلف مراحلها فكم أثرانا من الكتب والموسوعات في شتي أنواع الفنون، وأيضاً تدريس سيرته الذاتية لهؤلاء الشباب لكي ينتسب الحق لأصحابه ونحفز هذه الأجيال بقيمة وروعة ثروت عكاشة الإنسان والفنان ذو الإحساس الفياض كي ربما تجد مصر قيمة ثقافية وفنية في المستقبل نفخر بها كما نفخر بقيمة ثروت عكاشة.






****



أزمنة وأمكنة



كان مشروع الصوت والضوء أحد أهم الإنجازات التى حققها ثروت عكاشة عندما تولى منصبه كوزير للثقافة ، وكان قد شاهد عام 1954 ، أثناء عمله كملحق عسكرى لمصر فى فرنسا ، عروض الصوت والضوء التى تقدم بقصرى فرساى وفانيس .. وتنبه إلى الدور التثقيفى الذى تؤديه ، حين تشد الناس إلى فهم الآثار وتذوق أسرارها ، وربطها فى وجدانهم وذاكرتهم بالصورة والرواية التاريخية والأداء الفنى والموسيقى .



وما كاد ثروت عكاشة يتولى منصبه ، حتى استدعى بعض الفنانين المتخصصين فى مثل هذه المشروعات ، حيث تجولوا بين الآثار المصرية فى القاهرة وسقارة ، والأقصر .. وانتهت الجولة بالاتفاق على أن يبدأ تنفيذ المشروع فى منطقة أهرام الجيزة لتغطية التاريخ الفرعونى وقلعة صلاح الدين لتغطية التاريخ الإسلامى ، ثم إلى معبد الكرنك.



وتطلب العمل فى المشروع الأول شهورا طويلة ، اشترك خلالها عدد من الفنانين والأدباء المهندسين المصريين والفرنسيين ، فى كتابة النص وهندسته صوتا وإضاءة ، وبعد الاستقرار عليه قام نجوم أكبر الفرق المسرحية فى بلادها ، بتسجيله بأصواتهم بالفرنسية والإنجليزية والألمانية ، وقام نجوم المسرح القومى بتسجيله بالعربية .



وحدد لافتتاح عرض الصوت والضوء بالهرم مساء يوم 13 أبريل 1960 ، حيث افتتح الرئيس عبد الناصر وبصحبته ولى عهد اليونان فضلا عن عشرات من السياسيين والفنانين والمثقفين الأجانب والمصريين ، وقد تعود الرئيس عبد الناصر ، فيما بعد أن يدعو ضيوف مصر من الرؤساء والملوك الأجانب إلى مشاهدة عرض الصوت والضوء ، الذى امتد من الجيزة إلى قلعة صلاح الدين التى افتتح الرئيس عبد الناصر عرض الصوت والضوء بها فى 23 يوليو 1962 .. وفيها أقام مشروع الصوت والضوء فى معبد الكرنك.



وفى الصورة الرئيس عبد الناصر يتوسط ثروت عكاشة وولى عهد اليونان فى طريقهم لمشاهدة أول عرض للصوت والضوء للآثار المصرية.



المقريزى .





****



الرجل الحلم



بقلم : د. صبحي شفيق



رجل عسكرى تدرج فى تمرس ثقافة وممارسات وروح الجيش ، بدءا من الكلية الحربية ، حتى كلية أركان الحرب.



وأديب وكاتب ومترجم ، عمل بالصحافة ، بل فى أوسع صحف مصر انتشاراً فى الأربعينات والخمسينات ألا وهى صحيفة المصرى ، ومع ثورة يوليو 52 ، كان رئيس تحرير أول مجلة تحمل فكر الضباط الأحرار ، وعنوانها يلخص مضمونها "مجلة التحرير" وهى التى تحمل نفس اسم الدار التى تصدر أول صحيفة مع ثورة 52 "صحيفة الجمهورية".



كيف اجتمعت كل هذه المكتسبات فى شخص مصرى ، مناضل ، فنان ، واسع الأفق ، هو الأب الروحى لجيلنا "الدكتور ثروت عكاشة" .. لنبدأ أطراف الخيط من البداية.



كان ذلك عام 1949 وكنت طالبا بقسم الأدب الفرنسى بآداب جامعة فؤاد الأول "القاهرة فيما بعد" وكعادة أسرتى لابد أن أمارس العمل وأعتمد على قدراتى منذ الثامنة عشرة رغم أن الوالد كان يملك دورا للعرض السينمائى.



كنت أنشر فى الأهرام وفى روز اليوسف ، وفى الرسالة والمقتطف ولفت ذلك أنظار الصديق رفيق رحلة العمر ، زكريا الحجاوى وقد تعرفت عليه من كثرة ارتيادى لمقهى "عبد الله" بميدان الجيزة ، وهى لقربها من الجامعة ، كانت أشبه بناد ثقافى : الدكتور عبد القادر القط يمسك بمبسم الشيشة ، ومحمود السعدنى يتوكأ على عصا خرزانة وبكر الشرقاوى وزميله طاهر عبد الحكيم ، يحللان الأوضاع السياسية بعد نكبة 1948 وعلى بعد يقترب شاب سمين ، قصير ، يضع قبعة كابتن جيش على رأسه ويتخذ مكانه بجوار زكريا الحجاوى ويسمعنا آخر رباعياته اسمه صلاح جاهين.



هزتنى أشعاره العامية ورحت أقارن بينه وبين إيلوار وأراجون وشاعر كوبا ملبين وشاعر أمريكا والت ويتمان ، فإذا بزكريا الحجاوى يصفق معجبا : "برافو ، هذا هو تطوير الفلكلور ولماذا لم تذكر لوركا أيضا" .. ورد بكر الشرقاوى : "وماياكوفسكى".



وصحبنى زكريا الحجاوى إلى صحيفة "المصرى" لنلتقى بناقدها الفنى عثمان العنتبلى ، وكان صاحب دار مسامرات الجيب يصدر أهم مجلة فنية وقتذاك ، ألا وهى "الاستديو" وعهد إلى عثمان برئاسة تحريرها ، ووجدها زكريا فرصة ليقدمنى إلى عثمان ، أولاً لنقدى الذى أنشره بين الحين والآخر للسينما والمسرح وفرق الباليه الأوروبية ولازدواجية اللغة عندى فالفرنسية تسير جنبا إلى جنب مع العربية.



وعينت سكرتيرا للتحرير ومساعدا لمدير التحرير على جمال الدين ، كان مبنى دار مسامرات الجيب بشارع قصر العينى ، بين مبنى صحيفة المصرى وبين مبنى مجلة الاستديو وكان من الطبيعى أن ألتقى به فى صحيفة المصرى بين الحين والحين لأطلعه على مشاكل المجلة وكيف يمكن تطويرها وفى المصرى كان اللقاء الأول مع ذلك الضابط الثائر والفنان فى نفس الوقت ، ذلك الذى كان يترجم روايات فرنسية كاملة ينشرها بالصفحة الأخيرة بصحيفة المصرى وأغلبها كانت للروائى الفرنسى "أونريه دو بلزاك" لماذا بلزاك ؟ وكان ضابطنا يوقع باسم "ثروت محمود".



لم تكن المصرى مجرد صحيفة بل جامعة ، رئيس تحريرها أحمد أبو الفتح يمثل الجناح اليسارى لحزب الوفد ، وتقوم استراتيجيته على احتضان كل القوى الثورية ، وعلى الأخص الكتاب والفنانين فكنت تجد الروائى سعد مكاوى فى حجرته التى أطفأ أنوارها واكتفى بأباجورة بعد أن يضمخ مكتبه بالعطر ، كأى رومانسى عريق وفى الحجرة المجاورة على نقيضه تجد عبد الرحمن الخميسى بصوته المرتفع وبإيماءاته ذات الإيقاع الرتيب ، يتحدث عن الأدب الجديد وكان قد أعاد صياغة ألف ليلة وليلة بأسلوب عصرى.



وبعد سعد وعبد الرحمن تجد عبد المنعم الصاوى ، مترجم دقيق من أهم إضافاته إلى الأدب السياسى ترجمته لمذكرات تشرشل وهى التى تلقى الضوء على العلاقات بين الدول قبل وبعد الحرب العالمية الثانية حرب "39-44" وأمامه محمود عاكفا على ترجمة بلزاك ، وبين الحين والآخر يبدو الضيق على الصاوى ، ويسأله ثروت عن السبب فيرد "أنا خلقت لأكون روائيا لا مترجما" ويضحك ثروت فقد كان يشاركه نفس الإحساس.



وكلنا نذكر الساقية كعمل روائى متكامل لعبد المنعم الصاوى ، ثم بعد ذلك أفلست دار الحبيب ، ولم أعد أجد مجلة مثلها تنشر ملخصات لأهم المسرحيات الأوروبية ، وتقدم مقارنات بين الفن التشكيلى فى أوروبا والفن التشكيلى عند سيزان وماتيس ودوجا بجوار عبد الهادى الجيار وزينب السجينى ، دوميه بجانب كاريكاتير زهدى وطوغان.



ووجدت عملا آليا كمترجم بدار الهلال وتفرغت لدراستى للأدب الفرنسى ، ولم أعد إلى الكتابة إلا بعد صدور صحيفة المساء التى يرأسها المناضل خالد محيى الدين وهو مثل ثروت بدأ من الثقافة العسكرية ولم أعد أتردد على المصرى.



الارتقاء بالسينما



ثم فى عام 1958 دق جرس بيتى زميلى وصديق رحلة العمر الروائى مصطفى أبو النصر مصطفى من أسرة أرستقراطية والده لواء وكان رئيسا للعديد من الضباط الأحرار وفى لقاء مع ثروت محمود "عكاشة من الآن" عبر له الأخير عن رغبته فى الارتقاء بالسينما المصرية ، فهى أبلغ سفير لمصر فى الخارج وهى أهم معلم لبلد تزداد فيه نسبة الأمية.



كان ثروت عكاشة قد عين وزيرا للثقافة والإرشاد القومى "ولاحظ التسمية" وكان مقر الوزارة بسراى عابدين وأول ما فكر فيه الوزير الأديب الثورى هو إنشاء معاهد للدراسات الفنية : سينما - موسيقى - باليه - مسرح .. إلخ وبدأ بمعهد السينما ، وكان فى حاجة لمترجم فورى للفرنسية ويشترط فيه أيضا أن يجيد الكتابة باللغة الفرنسية ورشحنى اللواء أحمد أبو النصر لهذه الوظيفة وبالطبع جاء مصطفى يأخذنى كى أوقع عقدا مع الوزارة الناشئة وكانت تشعل بضع حجرات والعديد من الممرات بسراى عابدين.



أهم أقسامها بالنسبة لعملى هو إدارة أطلق عليها "دعم السينما" وكان يرأسها صديق وأب بكل معانى كلمة الأبوة هو الراحل نجيب محفوظ .



لم تكن لدى خريطة لتلك الأقسام فأحيانا أبحث عن باب الخروج ، فيبدو الباب ليصبح مرآة تماما كما فى أفلام الويسترن الأمريكية إنه لابرانت أى قصر تيه كبير.



وقرر الوزير أن تنقل الوزارة إلى قصرين وضعا تحت الحراسة أولهما فى أول الزمالك ، هو قصر عائشة فهمى الأميرة ، والثانى بشارع شجرة الدر ، وهى الآن مقر وزير الثقافة الحالى.



كنت أشعر بفرح غامر إذ عملت مع وزير أعرف الكثير عن حياته قبل ثورة يوليو المجيدة ، وأعمل أيضا مع نجيب محفوظ والأخير علمنى أهم ما فى إدارة الأعمال قال لى : "لا توقع أبدا على أى ورقة حكومية بل حولها".



بالطبع لم تكن لدى أوراق أوقعها ، وظللت أنتظر ماذا يراد منى ، وفجأة طلبنى الوزير وفى مكتبه وجدت فرنسيا جنتلمان بحق ، رحب بى بحفاوة وقدم نفسه : "رينيه تيسينو ، عميد معهد الدراسات العليا السينمائية بباريس ، المعروف بحروفه الأولى "IDHEC" أى "الإيديك".



كان الوزير قد طلب منه إنشاء معهد سينما على غرار معهد باريس ووجدتُ منى نوعا من الاعتراض ، لكن احمرار وجهى وخجلى منعانى من التدخل فى الحديث الدائر بين الوزير والسينمائى الفرنسى.



وكان المطلوب منى أن أكون وسيطاً لغوياً بين رينيه تيسينو والمصريين الذين عهد إليهم بالعمل على إنشاء معهد للسينما ، ثم سنحت الفرصة لأتعرف على تيسينو ، ولا أدرى من أخبره بأننى أكتب دراسات سينمائية وكتابات نقدية وأصور بكاميرا مهداة منذ سن الثانية عشرة ، المهم توطدت بين تيسينو وبينى صداقة وطيدة ، ولما قلت له إن الإيديك بدأ العمل فيه بسرعة بعد الحرب مباشرة ، نظرا لاستشهاد أغلب المصورين فى المعارك الحربية ، وكان لابد من إعداد جيل جديد بسرعة ومن هنا كانت الدراسة عامين ، ولم تكن أوضاع مصر الثقافية غريبة على تيسينو ، ففى الإيديك مصريون يدرسون منهم محمود مرسى وعبد القادر التلمسانى وشفيق شامية وغيرهم وكانوا سفراء بلا أوراق اعتماد ، لكن سفراء للثقافة السينمائية .



حكاية معهد السينما



بدأت مشاكل إنشاء المعهد برفض مجموعة من الفلاحين أو البلطجية احتلوا منذ سنوات الأرض التى سوف يبنى عليها معهد السينما فالأرض ملك الحكومة وأذكر ذات يوم حمل فيه بلطجية فؤوسا بهدف ضربنا "لولا تدخل الشرطة فى نفس اللحظة".



المهم شيد معهد السينما بفضل إصرار ثروت عكاشة ، ومعروف أن الجامعات تبدأ الدراسة فيها فى شهر سبتمبر ولم يتم تشطيب مبنى المعهد إلا فى نوفمبر 1959 ، هل نؤجل الدراسة إلى العام التالى ؟ لا . هكذا أصر الوزير.



وأصر أيضا أن تكون الدراسة أربع سنوات كأى دراسة فى أى جامعة ، وعهد إلىَّ تيسينو بأن أترجم كل الكتب التى تدرس فى معهد الإيديك بباريس ، ثم انتهينا إلى إضافة مواد نظرية كجماليات الصوت والتكوين بالإضافة إلى الموسيقى وتاريخ الفن ، ثم تأسيس شعبة لممثلى السينما ، وكلنا يذكر بطل فيلم "المومياء" أحمد مرعى ، فهو ثمرة هذه الشعبة وكذلك زميله أحمد خليل.



كنت موزعا بين المعهد والمكتب الفنى الملحق بمكتب الوزير وكانت مجموعة العاملين بالمكتب من أنقى من عرفتهم من مثقفى مصر ، الشاعر محمد البخارى ، والباحث الفنى حسين عبد العزيز ابن شقيق نجيب محفوظ وزوجته والحقوقى أحمد طرباى ، ثم الوكيل الأول للوزارة ابن صحيفة المصرى عبد المنعم الصاوى المترجم والروائى والمؤمن بضرورة تخطيط العمل الثقافى ، بالانتقال من رحلة إلى أخرى وهى نفس استراتيجية ثروت عكاشة بعد معهد السينما ، بدأ العمل فى إنشاء معهد للباليه وآخر للموسيقى "كونسرفاتوار" وواتتنى فكرة طرحتها على الوزير : معهد السينما يتكون من ثلاثة طوابق والسنة الأولى الدراسية لن تشغل سوى الطابق الأول فلماذا لا تبدأ الدراسة بمعهد الباليه فى الطابق الثانى وقد كان الطريف حقا أن طلبة معهد الباليه هم بين الطفولة والمراهقة وفى التاسعة صباحا يجئ باص معهد الباليه ويهبط الأولاد ويصعدون السلم بخطى موقعة ، أشبه بقطيع ماعز.



لكننا جميعا كنا نفرح بهم ، كما نفرح بالدفعة الأولى من طلبة المعهد ومنهم الفنان حسين فهمى والمصور السينمائى الكبير د. رمسيس مرزوق وغيرهما.



إنشاء معهد سينما دون أن يوضع فى سياق ثقافى - سينمائى - عالمى لن يوصلنا إلى أى شئ سيصبح إعادة إنتاج لسينما الحواديت السائدة.



ما العمل ؟



نصدر مجلة لدراسات السينما .



نكرس جانبا من خطة الألف كتاب بهيئة الكتاب لترجمة كلاسيكيات السينما العالمية وبجانبها تلك التى تتناول حركات التجديد فى لغة التعبير السمعى - البصرى ، كالموجة الجديدة الفرنسية والسينما الحرة الإنجليزية والواقعية الجديدة الإيطالية.



قصور ثقافة فى كل مديرية



ووجدت الوزير يتوسع فى المشروع بإنشاء بيوت ثقافة على غرار بيوت الثقافة فى فرنسا وهو اقتراح من الروائى الفرنسى الكبير أندريه مالرو ، وكان وزيرا للثقافة وقتذاك.



وقد نشرت حديثا طويلا معه بالأهرام ألقى الضوء على المشروع : بيت الثقافة مخصص للىخرين ، وهو يضم شتى الأنشطة الفنية : نادى سينما - ورشة عمل سينمائى - فرقة مسرح - فرقة رقص مستمد من فلكلور الإقليم - أمسيات شعرية - لقاء مع كبار الكتاب.



وما زلت أذكر كيف كان يستقبلنا رواد قصر ثقافة المنصورة عندما يصحبنى الروائى الكبير يحيى حقى لنعلق على فيلم.



أصبح لدينا 26 نادى سينما موزعة على أقاليم الجمهورية من الأنفوشى حتى سوهاج وأسوان.



وشجع ذلك أعضاء جمعية الفيلم وعلى رأسهم أحمد كامل مرسى وأحمد الحضرى على تأسيس أكبر نادى سينما بمصر ألا وهو نادى القاهرة للسينما وكان العرض بدار سينما أوبرا قاعة فسيحة تضم ثلاثة آلاف مقعد ، وكنت تدهش عندما تجد عدد الوقوف يفوق عدد الجالسين ولا تسمع أى همس عندما يبدأ المحاضر فى تقديم الفيلم وإدارة النقاش حوله.



كان نادى القاهرة معهدا آخر يخلق السياق الضرورى لوضع السينما المصرية فى مستوى السينما العالمية.



وتحقق حلم ثروت عكاشة



أصبح لدينا معاهد فنية : سينما - باليه - كونسرفاتوار - دراسات مسرحية - فنون شعبية - تذوق فنى .. إلخ.



إنها الركيزة الحقيقية لثقافة مصرية وطنية تساهم فى تطور الثقافات السينمائية العالمية.



تخطيط العمل الثقافى بحيث ننتقل من طور إلى آخر لم يكن كل شئ فى حياة ثروت عكاشة ، كان قد تأثر بأندريه مالرو ، بنظريته القائلة بأن التاريخ هو تسلسل النحت والمعمار والفن التشكيلى فالحضارات القديمة العريقة قد تركت تاريخها مرسوما على جدران معابدها ، ومنحوتا فى أروقة بيوت الحياة الملحقة بالمعابد ، وقد أطلق عليها مالرو : "أصوات الصمت Les Voix du Silence" .



ووجد ثروت عكاشة نفسه مدفوعا ليساهم فى تلك الرؤية الجديدة ، وانتهى إلى مفهوم عبقرى العين تسمع والأذن ترى إذ أنك بمجرد أن ترى لوحة أو تمثالا يخيل إليك أنه أو أنها تتحدث عن نفسها فأنت تجول ببصرك فى التفاصيل فإذا بها تتشابك وتتجسد فى لحن خاص بها وأنفاس عندما ترهف السمع إزاء لوحة أو تمثال ، سرعان ما يتحول السمع إلى طاقة بصرية.



ولكى تلحق ثقافتنا المصرية بثقافة العالم ، كان يجب تتبع مراحل تطور الفنون وما تركته الحضارات المتعاقبة من معمار طراز قوطية وأخرى باروك ، معمار حديث مشيدات إسلامية فى الشرق وإسلامية فى الأندلس.



عكف ثروت عكاشة على تتبع أطوار التحول فى الفنون من عصر إلى آخر بصبر تستغرب أن يكون حافز وزير يدير أهم وزارة وأكثرها تشعبا وتعددا فى أنشطتها لكنه كان صاحب إرادة.



أعمال ثروت عكاشة تشغل مجلدات كاملة ، يضاف إليها الأجزاء الثلاثة من مذكراته.



واليوم ونحن نودع الأب الروحى لجيلنا لا نملك أن نحبس دمعة تنحدر بين الجفن والمقل ، ربما هى أيضا دمعة الحزن على انقطاع أكبر تيار ثقافى فى مصر.







****



ثروت عكاشة يرصد ملامح سياسته الثقافية



عبد الناصر قال لى : مهمتك هى تمهيد المناخ الثقافى لإعادة صياغة الوجدان المصرى .. وتذكر أن بناء المصانع سهل .. ولكن بناء الإنسان صعب جدا !



لم يكد يحل مساء الثامن من أكتوبر 1958 حتى كنت في رفقة زوجتي نشغل مقعدين في الصفوف الأولي من دار الأوبرا بروما كي لا تفوتنا لفتة أو همسة تبدو من المغني الموهوب بوريس كريستوف الذي كان يقدم أوبرا دوريس جودفون.



وظلت الألحان تتردد في وجداننا بعد انتهاء العرض حتى امتدت يدي إلي مفتاح جهاز الراديو لأستمع كالعادة إلى نشرة أخبار الحادية عشرة من إذاعة القاهرة، فإذا بالخبر الأول الذي يحمل مفاجأة مذهلة فقد كانت القاهرة تذيع قرار تشكيل حكومة جديدة تضم بين أعضائها اسمي وزيرا للثقافة والإرشاد القومي بدلا من المنصب الذي كنت أشغله آنذاك وهو سفير مصر في روما.


انمحت صورة الحفل من فكري وخمدت ومضاته فجأة ، وشملني قلق غامر ، وشرد ذهني إلي ما ينتظرني من عمل في القاهرة . وبرغم إيماني بأهمية العمل الثقافي إلا أن منصب الوزير ذاته لا مفر من أن يدخلني في غمرة المشتغلين بالسياسة وهم في كل بلاد العالم وليس في مصر وحدها رجال ذوو استعداد طبيعي وطباع خاصة تمليها عليهم حرفة السياسة وأنا على طبع مغاير . فحين انتميت إلى الضباط الأحرار كنت أحمل بين جوانحي شعورا عاما لتحرير الوطن والشعب دون تفكير فى أن أزج بنفسي في غمرة السياسة ..

لهذا وبعد نجاح الثورة تنازلت طواعية عن مكانى الذى عرضه علىَّ جمال عبد الناصر فى مجلس قيادة الثورة لزميل فاضل ، مبتعدا بنفسى عن تيارات السياسة واضعا نصب عينى أن أقدم لوطنى ما تسمح به إمكاناتى . وكان ظمئى إلى المعرفة يجعل الكتاب أقرب رفيق لى ، وكان ولعى بالموسيقى يشدنى إلى مواطن النغم ، وهكذا كانت هواياتى الفنية تستحوذ على أوقات فراغى كلها وتثير فى نفسى ضيقا وتبرما بجلسات الدردشة ، وتصبغ خطواتى وتنقلاتى بطابع العجلة التى تترك فى نفوس البعض شعورا بأن فى نفسى تباعدا أو تعاليا ، وإن لم تكن تلك حقيقة مشاعرى ، بل هى مجرد الرغبة الملحة فى مطالعة كتاب جديد أو سماع لحن شجى.



مر فى ذهنى العديد من الخواطر والذكريات وأنا أتجول فى غرفتى غدوا ورواحا بعد أن أرقنى نبأ تعيينى وزيرا فاستعصى على النوم بقدر ما غاب الهدوء عن وجدانى ، وأخذت أقارن بين رضائى يوم فوجئت بتعيينى سفيرا لمصر فى روما منذ ما ينيف عن سنة وبين البلبلة التى اعترتنى لتعيينى وزيرا ، ولم يكن الأمر عندى هو مقارنة بين السفارة والوزارة ، فالسفير رغم مباهج عمله فى عراقة عواصم أوروبية كروما لا يعدو أن يكون موظفا محدود الاختصاصات ضيق الدائرة التى يتحرك فيها أو التى يمتد إليها نفوذه ، فى حين يملك الوزير صلاحيات كبرى ويستطيع التأثير فى مجال ينفسح ليشمل الوطن كله ، غير أن الأمر كما أتصور كان مناخ العمل هنا وهناك ، فلقد كنت أحس وأنا سفير أنى بين مجموعة يسودها التواؤم والتوافق ، كلنا نعمل لهدف معين محدد ، وكما أنا فارغ له هم الآخرون فارغون معى له ، بينما الأمر سيكون فى الوزارة كما كنت أتخيل على العكس من هذا ، إذ ثمة أمور عامة يقتضيها منصب الوزير ستشغلنى عن التفرغ لأمور الوزارة. ولقد فكرت فى هذا مليا إذ أن بعض هذه الأمور قد لا يتفق وميولى ، وهذا مما كنت أراه من ضم الحقل السياسى لشلل وتجمعات همها ألا يزاحمها فى سلطانها أحد ، وكثيرا ما تنشأ معها المكائد والوشايات ، وكان هذا مبعثا آخر لقلقى ، إذ لابد لى من حذر واسع كى أدفع عن نفسى ما قد يحاك لى.



لقاء مع عبد الناصر



وكان أن انتهيت إلى أنه لابد لى من أن أعود إلى مصر قبل مرور أربع وعشرين ساعة ومقابلة الرئيس راجيا إعفائى من شغل منصب الوزير ، والحق أن جمال عبد الناصر أدرك منذ مصافحتى له كل ما أضمره وكأنما كان يقرأ أعماقى ، وأخذ يفيض فى السؤال عن أسرتى وصحتهم وأحوالهم ليؤجل بضع لحظات بدء مناقشة يعرف أنها ستكون طويلة وشاقة ، حتى إذا انتقلنا إلى جوهر الحديث وصارحته باضطرارى إلى الاعتذار عن قبول منصب الوزير الذى لم أستشر فى أمر إسناده إلىّ ، لا تقاعسا عن عمل جاد بل تحاشيا لوقوع صدام محتمل بينى وبين الشلل والتجمعات المتسلطة ، استمع عبد الناصر إلى حديثى مصغيا كل الإصغاء مقدرا مشاعرى وأحاسيسى ، ثم أخذ فى إقناعى وهو يقول : إن منصبك الآن فى وضع يعلو وضع بعض من لا تطمئن نفسك إليهم ، كما أنك ستشغل مكانا بعيدا عن المكان الذى يعملون فيه ، فوزارتك تقع فى مبنى مستقل بقصر عابدين ، فى الوقت نفسه الذى ستكثر فيه لقاءاتنا معا بل وبشكل منتظم ، كما أن هذا المنصب لن يغير شيئا من أنك تستطيع فى أى لحظة أن تجد بابى مفتوحا لك أو أن تتصل برقم تليفونى المباشر.



وحين ذكرت له ثانية عزوفى عن المناصب التى تشوبها صراعات على السلطة والنفوذ وما يتبعها من مضيعة للوقت والجهد وأنى أنفر من الخوض فى غمارها لأنها تستنفد طاقات مهدرة ، أجابنى قائلا : أصارحك بأنى لم أدعُك لشغل وظيفة شرفية ، بل إننى أعرف أنك ستحمل عبئا لا يجرؤ على التصدى لحمله إلا قلة من الذين حملوا فى قلوبهم وهج الثورة حتى أشعلوها ، وأنت تعرف أن مصر الآن كالحقل البكر ، وعلينا أن نعزق تربتها ونقلبها ونسويها ونغرس فيها بذورا جديدة لتنبت لنا أجيالا تؤمن بحقها فى الحياة والحرية والمساواة ، "فهذا هو الغناء ، وهذا هو العمل الجاد" على نحو ما ذكر فرجيل فى إلياذته ، وإننى اليوم أدعوك أن تقبل على هذا العناء وذاك العمل الجاد ، وأن تشمر عن ساعد الجد وتشاركنى فى عزق الأرض القاحلة وإخصابها ، إن مهمتك هى تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصرى ، وأعترف أن هذه أشق المهام وأصعبها ، وأن بناء آلاف المصانع أمر يهون إلى جانب الإسهام فى بناء الإنسان نفسه ، ولو أن سفيرا يستطيع أن يؤدى ثلاثين فى المائة فقط مما قمت به أنت فى روما فحسبى هذا . إن لك دورا تخدم به الوطن فى الداخل أهم من دورك فى الخارج ، وأحب أن أبوح لك بأن على بابى هذا نحو عشرين متطلعا إلى منصبك هذا.



فعجلت بقولى : إذن فلتمنحه لأحدهم فإنى غير راغب فيه ، فضلا عن أننى لا آمن من تلك السهام الطائشة التى سوف توجه إلىّ من ذوى الأغراض ، فسائلنى بهدوئه العميق : ومن منا الذى يعمل آمنا من السهام المعادية ؟ أولا تذكر أننا خرجنا ليلة 23 يوليو 1952 نحمل أرواحنا على أكفنا ، وكل منا يضع فى احتمالاته ألا يعود إلى أسرته سالما ، إن عظم المسئولية جدير بأن يثير فى نفسك ما عهدته فيك من إقدام ، ثم ما الذى ستفعله فى وزارة الثقافة غير تحقيق أحلامك التى طالما كنت ترويها على مسامعى قبل الثورة وبعدها.



ذكريات ما قبل الثورة

وأخذ الرئيس يذكرنى بأننى لم أغادر القاهرة فى مهمة سياسية خاصة إلا وأعود بحديث مقتضب عن المهمة تاركا التفاصيل للتقرير المكتوب ، بينما كنت أطلب فى الحديث عن النهضة الفنية فى الخارج وعما شاهدت من عروض مسرحية وموسيقية وأوبرالية ومن معارض فنية تشكيلية وعن أحدث الإنشاءات الثقافية ، وعن أمنيتى فى أن تتحقق مثل هذه النهضة فى مصر ، وهنا صارحنى الرئيس بقوله : لا أخفى عليك أن كل حديث كان يدور حول تنمية الثقافة والفنون كان يجعل صورتك تتراءى فى خيالى ، وأذكر حديثنا قبل الثورة عن انحصار المتعة الثقافية خاصة الفنون الراقية فى رقعة ضيقة لا تنفسح إلا للأثرياء ، وكيف ينبغى أن تصبح الثقافة فى متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية لتبلغ القرى والنجوع ، فمن بين أبناء هذه القرى الغائرة فى أعماق الريف بالدلتا والصعيد يمكن أن يبزغ عدد من الفنانين الذين يعكسون فى إبداعهم أصالتهم الحضارية ، ويبدو لى أن الأوان قد آن لتحقيق هذا المطمح ، وقد كنت أنتظر هذه اللحظة لأسند إليك مهمة وزير الثقافة ، ولا تتصور أننى كنت أوفدك فى مهام مؤقتة إلى عواصم أوروبا أو فى مهام طويلة كعملك الدبلوماسى فى باريس وروما دون أن أضع فى اعتبارى ما تتيحه لك هذه الفرص من دراسة الأنشطة الثقافية والفنية فى أهم عواصم الفنون والثقافة فى العالم ، وإننى أرى أنه ما زالت أمامك رحلات أخرى فى عواصم أخرى تضيف إلى حصيلتك فى هذا المجال زادا جديدا ، لكنك ستقوم بهذه الرحلات بوصفك وزيرا للثقافة ، وهو ما سيتيح لك فوائد أعظم وأنت تشيد أبنية الثقافة والفن فى مصر.



وأحسست أن عبد الناصر كاد يضيق علىّ الحصار وأن يمس أوتار قلبى ، وأن يوقظ فى نفسى الأحلام والذكريات التى أخذت تلهب خواطرى وتشعل فى وجدانى قلقا عصيا على الخمود.



فقلت له : أرجو أن تمنحنى فرصة أعيد فيها النظر.



فقال لى مبتسما : حسبتك تريد فرصة تجرب فيها حظك فى موقع وزير الثقافة ، وعلى كل فليكن لك ما تريد ، أخلد إلى عزلتك ليلة أو ليلتين ، على أن تتذكر أن قرار رئيس الجمهورية لا يقبل التغيير السريع الذى توده أو الذى كنت توده.



وصافحنى مودعا بعد ساعات أربع من النقاش الذى كان فيه بالغ الصبر ، والذى أعترف أننى كنت فيه شديد العناد والتصلب ، اتجهت إلى بيت المشير عامر الذى هنأنى بتعيينى وزيرا للثقافة وهو يقول لى : ها أنت الآن فى الموقع المناسب لتكوينك وتحقيق أمنياتك القديمة لصالح الفن والثقافة.



وحين سردت عليه موجز ما حدث بينى وبين الرئيس قال رحمه الله : إن عبد الناصر يعتمد عليك فلا تخيب أمله فيك ، ثم إنه أوحى لك بأن تأخذ فرصة فى ممارسة مسئوليات هذا المنصب الجديد ، فإذا مضت مدة ووجدت أن هناك عقبات فعلية فى طريق إنجازك لمشروعاتك كان من حقك ساعتها أن تطلب من الرئيس إعفاءك من المنصب الوزارى. وساعتها سيوافق الرئيس دون أن يجد فى ذلك ما يغضبه عليك أو يخيب أمله فيك ، أما الآن فلا يجوز.



وقد اعتكفت فى بيتى ليلتين كما أشار علىّ الرئيس ، وفى صباح اليوم الثالث تلقيت مكالمة منه يسألنى فيها عن رأيى الذى انتهيت إليه ، فأجبته قائلا : أصارحك أننى حتى الآن لم أحس بالراحة لقبول هذا المنصب ، فقال ضاحكا : هيا إلى مكتبك على بركة الله لا تهتم براحة النفس هذه فأنا كفيل بتحقيقها لك. ونظرت بعدها إلى رفيق السلاح يوسف السباعى الذى كان يزورنى عندها ، ولم أكد أكرر عليه قولة جمال عبد الناصر حتى انفجر ضاحكا وقال لى بمرحه المعهود الذى كان يتسرب إلى قلوب محدثيه : أسرع يا ثروت ، فأنت لا تدرك مفهوم كلمة "الراحة" فى لغة أهل الصعيد لأنها تعنى أحيانا "الراحة الأبدية" وما أظنك ترحب بها الآن.



دخلت إلى مكتبى راضيا بما قدر لى وقد انحسم الصراع الذى مزق نفسى أياما ثلاثة ، وأخذت أوطد العزم على العمل رغم معرفتى بما قد يجابهنى من عقبات ، ورفعت سماعة التليفون لأبلغ الرئيس جمال أنى أحدثه من مكتبى بقصر عابدين ، وأحسست بدفقة الحماسة فى صوته وهو يطمئننى قائلا : تأكد أننى سأوليك كل الدعم والرعاية ، فإنى واثق أنك سوف تستطيع أن تشكل رباطا وثيقا بين حركة المثقفين وحركة الثورة لتخلق منهما وحدة فعالة ، فنحن فى حاجة إلى تعاون كل المفكرين المستنيرين فى إحداث التنمية الاجتماعية المنشودة.



استمهلت الرئيس شهرين أو ثلاثة أقوم خلالها بدراسة مبدئية لأوضاع الوزارة وتفرعاتها حتى أضع تصورى الخاص للانطلاق الثقافى وأحدد الخطة التى يمكن أن تحقق هذا الهدف لأعرضها عليه بعد اكتمالها ، فقال لى مشجعا : تلك هى البداية السليمة ، فخذ الوقت الكافى للدراسة والتأمل قبل أن تصبح تصوراتك قرارات توضع موضع التنفيذ ، وبدأت أغرق نفسى فى العمل ليل نهار ، وكأنما مرت يد سحرية على ذاكرتى فمحت منها تخوفاتى السابقة وترددى الذى صرت أندم على أنه حدث لى فى فترة كانت تمثل نقطة تحول بين عملين كليهما له مسئولياته الكبرى.



ما من شك فى أن حكومة الثورة قد اهتمت بالثقافة منذ بداياتها الأولى فأصدرت فى 25 يناير 1956 قانونا بإنشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية فى شكل هيئة مستقلة ألحقت بمجلس الوزراء ، وأوكلت إليه تنسيق جهود الهيئات الحكومية وغير الحكومية العاملة فى ميادين الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية وربط هذه الجهود بعضها بالبعض وابتكار وسائل تشجيع العاملين فى هذه الميادين والبحث عن الوسائل التى تؤدى إلى تنشئة أجيال من أهل الآداب والفنون يستشعرون الحاجة إلى إبراز الطابع القومى فى الإنتاج الفكرى المصرى بشتى ألوانه ويعملون على التقارب فى الثقافة والذوق الفنى بين المواطنين مما يتيح للأمة أن تسير موحدة فى طريق التقدم محتفظة بشخصيتها وطابعها الحضارى المميز ، وقد عهد القانون برياسة المجلس إلى وزير التربية والتعليم ، وتطورت تبعية المجلس على مدى الأيام إلى أن صار جزءا من وزارة الثقافة ، وبعد ذلك أقامت حكومة الثورة وزارة الإرشاد القومى التى حملت بين مهامها بعض الشئون الثقافية المحدودة لاسيما فى مجال الفنون ، وفى عام 1958 نشأت أول وزارة للثقافة بمصر ، وكان هذا الإنشاء إيذانا بإقدام الحكومة المنبثقة عن الثورة على بذل جهد واع ومخطط من أجل تنظيم العلاقة بين الدولة وجهود المثقفين واستثمارها فى إثراء منجزاتها المالية والسياسية والاجتماعية بمنجزات ثقافية وفنية.



فتحى رضوان ووزارة الإرشاد



والحق أن وزارة الإرشاد القومى - رغم انحصار وظيفتها الأولى فى الدعوة لمبادئ الثورة والتعريف ببرامجها واتجاهاتها الاجتماعية والسياسية - قد مهدت الطريق حين أضافت إلى مهامها الإعلامية والتوجيهية مهمة ثقافية فنية حملت من أجلها فيما بعد اسم "وزارة الثقافة والإرشاد القومى" فى 22 فبراير 1958 ، فأنشأت مصلحة الفنون وإدارة للثقافة والنشر ومركزا للفنون الشعبية وبرنامجا إذاعيا على موجة خاصة سُمى "بالبرنامج الثانى" يهدف إلى الارتفاع بذوق الجماهير فى مجالات الأدب والفن والموسيقى الرفيعة ، وكانت مدة إرساله ساعتين كل ليلة ثم امتدت إلى ثلاث ساعات ، وقد كان للعالم الفنان الدكتور حسين فوزى فضل المشاركة بالجهد الأساسى الواعى فى هذا العمل الطليعى الجليل.



وأود بادئ ذى بدء أن أسجل إيمانى بأن أى إنجازات علمية أو عملية ، فكرية أو فنية لا يمكن أن تولد من فراغ وإنما هى حصيلة أفكار وآمال وجهود أجيال من المثقفين على مر السنين ، وحين اضطلعت بعبء وزارة الثقافة للمرة الأولى (من نوفمبر 1958 إلى سبتمبر 1962) وجدت الفرصة أمامى مواتية لكى أضيف إلى تلك الجهود الأولى جهودا أخرى واجبة تتم ما فات ، ولقد وفقنى الله أن وجدت مناخا مهيأ بفضل اهتمام أهل العلم والفن والثقافة وعلى رأسهم أستاذنا النابه "فتحى رضوان" الذى حققت وزارة الثقافة والإرشاد القومى فى عهده إنجازات فنية عظيمة فيها الجدة ، والابتكار ، وأرست أسسا للفنون على قاعدة صحيحة بالرغم من قصر المدة التى تولى خلالها مسئوليتها الجديدة.



نواة وزارة الثقافة



وما إن أخذت أمضى فى مهمتى حتى تبين لى من الدراسات الأولى أنه لم يكن ثمة جهاز ثقافى قائم له تقاليده العريقة بحكم امتداد عمره الطويل عبر التاريخ إلا فى مجالين اثنين هما الكتاب والآثار ، أعنى دار الكتب ومصلحة الآثار ، أما ما عدا ذلك فلم يكن سوى نواتين إحداهما أدبية وأخرى فنية ، أما النواة الأدبية فقد غرستها وزارة التربية والتعليم بإنشائها إدارة عامة للثقافة انضمت بعد بهيئاتها المختلفة إلى وزارة الثقافة ، وأما النواة الفنية فهى مصلحة الفنون التى أنشأها سلفى "فتحى رضوان" كما قدمت لترعى فنون المسرح والسينما والفنون التشكيلية ، واستحدث من هذه المصلحة الوليدة جهازا له من المرونة والقدرة على الانطلاق والتحرر من القيود النمطية المعتادة ما يتيح له الانفساح وسط الحقول الثقافية العريضة على النحو الذى يفى بتطلعات شعبنا وحاجاته.



وكان هذا مما مهد لى أن أمضى فى أداء رسالتى عندما اضطلعت بأعباء الوزارة فوجدت بين يدى هاتين النواتين ، وكان علىّ أن أرعاهما الرعاية الحقة وأن أطورهما حتى تصبح ثمارهما يانعة مظلة تعم الوطن المصرى والعربى ، هذا العبء الكبير كان يقتضى من الوزارة حينذاك لكى تحققه وتبلغ به المدى جهدا أى جهد ، لذلك ارتبطت بالمثقفين لتفيد منهم أولا فى إدارة أعمالها الثقافية ، ثم لتربط ما بينها وبينهم حتى تهيئ لهم المجال الخاص لإنتاجهم فترعاه الوزارة وتكفله.



وإذا نظرنا إلى التاريخ الذى أنشئت فيه وزارة الثقافة وهو عام 1958 لعرفنا أنها لم تكن إلا فى طور النشوء ، بل لقد عاب هذا الطور فى رأيى ارتباطها بما كان يسمى وزارة الإرشاد القومى التى تحولت فيما بعد إلى وزارة الإعلام سالخة معها دار الإذاعة وهيئة الاستعلامات ، أى أن وزارة الثقافة لم تنشأ حاملة مهامها الذاتية إلا قبل تسلمى شئونها بثمانية شهور ، وهى فترة ضئيلة لم يكن من الممكن أن تحقق أكثر مما حققته ، والذى يعتبر بكل المقاييس إنجازا قيما ملحوظا ، لهذا قر فى وعيى أن على هذه الوزارة الوليدة أن تخلق وتنشئ فى شتى المجالات قدر استطاعتها ، واضطرت لهذا أن تتحمل عبء الإنشاء والإنتاج معا ، وهو أمر تنوء به أى قدرة مهما عظمت إن لم تستعن بالمثقفين أنفسهم لأنهم أصحاب القضية ، وكان لزاما عليها أن تجند أكبر عدد منهم وتسلم إليهم قيادات أجهزتها الثقافية ، غير أن تلك القيادات كانت تقتضى من هؤلاء المثقفين أعمالا إدارية إلى جانب أعمالهم الثقافية ، وهذان العملان معا كانا يستنفدان جهود هؤلاء المثقفين ، الأمر الذى لم يترك لهم أحيانا فراغا كافيا يؤدون فيه أعمالهم الثقافية الخاصة ، وكانت هذه تضحية منهم لها شأنها ولا معدل للوزارة عنها ، فمن أولى بخدمة الثقافة من المثقفين ؟



ولحسن الحظ كان جمال عبد الناصر معنيا بمسائل الثقافة ، حريصا على دعم المشروعات الثقافية ، مؤمنا بأن ازدهار الثقافة يؤدى فى مجال الفكر ما يؤديه التصنيع الثقيل فى قطاع الصناعة ، شغوفا بأن يرى للقلم رسالة فى شحذ وجدان الأمة لا تقل عن رسالة المدفع فى حماية حدود الوطن ، وفى تعانقهما معا ما يتيح للأمة التطور والارتقاء ، ولا ننسى أنه للمرة الأولى فى التاريخ المصرى قد أنشأ وزارة للثقافة وأخرى للبحث العلمى أثناء اضطلاع الوزارة بأعبائها.



وكان واضحا من بداية الأمر أن الهدف الذى ينبغى وضعه نصب أعيننا هو رعاية الوجدان القومى وتغذيته وتنميته ، ومع ذلك فقد كان أمامنا طريقان لا مناص من أن نسلكهما معا وفى الوقت نفسه ، أولهما قصير والآخر طويل. ويرمى الطريق القصير إلى إمتاع المواطنين بالثمار العاجلة للثقافة التى تتنوع بين مسرحية جيدة وفيلم ممتاز ولوحة أخاذة وكتاب ممتع وبحث لامع إلى غير ذلك من ثمار الثقافة ، أما الطريق الطويل فيقصد إلى تنشئة جيل تنضج على يديه هذه الثمار ، سواء خارج الوزارة أو داخلها بإنشاء المعاهد الفنية لتربية جيل جديد من الفنانين المبدعين ، فمهمة الوزارة هى استكشاف المواهب فى كل حقل ورعايتها وتيسير السبيل أمامها للخلق والإبداع ، هذا إضافة إلى اضطلاعها بإقامة المشروعات الثقافية الكبرى التى لا يقوى لها الأفراد ، بل إن هذا هو واجب الوزارة الأول.



السياسة الثقافية



وإذا كانت الإنجازات الثقافية لا تنشأ - كما سبق أن ذكرت - من فراغ ، فكذلك لا يمكن انبثاق أى سياسة ثقافية من أفكار عشوائية أو نزوات فردية عابرة ، بل لابد أن تكون منبثقة من مبادئ راسخة تحدد مسارها وترعاه كما تحدد أهدافها مرحليا واستراتيجيا ، والسؤال التقليدى الذى يطرح نفسه دائما عند مناقشة موضوع الثقافة هو ماهية الثقافة أو تعريفها ، ولن أثقل على قارئ هذه السطور بالخوض فى هذه التفاصيل لأن الحديث عن الثقافة اليوم تجاوز هذا السؤال التقليدى إلى سؤال آخر هو "السياسة الثقافية" أو الإطار العام للعمل الثقافى ، وذلك بعد أن وجد الباحثون والمثقفون أن الوصول إلى تعريف محدد للثقافة ليس أمرا سهلا أو يسيرا أو متفقا عليه تماما ، فطرقوا المشكلة بأسلوب أكثر كياسة وذكاء من خلال "السياسة الثقافية" ، بل إن منظمة اليونسكو حين دعت إلى مناقشة من هذا القبيل لم تستطع أن تفترض أن هناك شيئا واحدا يمكن أن يسمى "السياسة الثقافية" ، لأن هذه السياسة الثقافية تختلف من مكان إلى آخر ، وعلى أساس هذا الاختلاف تصبح هناك مناهج أو سياسات ثقافية لا سياسة ثقافية عالمية واحدة يمكن أن توحد أو تعمم أو توضع فى قالب قابل للنقل من مكان إلى مكان والتطبيق فى مواقع متفرقة من الدنيا ، فالسياسة الثقافية ليست قالبا تصب فيه الأشياء ، ولا هى كيان مادى يمكن أن يقاس بالطول أو العرض أو العمق ، وما هى بالمادة تحكمها الأرقام والإحصاءات أو تدل عليها الرسوم البيانية ، ومع ذلك كان علينا ونحن نضع تفاصيل الخطة التى تجسد سياستنا الثقافية المتوائمة مع السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة أن نلجأ إلى الأرقام والوسائل الرياضية ، فلم يكن من الممكن تحديد تكاليف المشروعات الثقافية دون استخدام الأرقام مع إيماننا بأن العائد منها لا يمكن تحديده رقميا بل له معايير أخرى لتقييم جدواه ، فليس من المنطقى قياس نتائج عرض مسرحية ذات مستوى فنى رفيع بما تحققه من دخل ، ذلك أن المفروض ألا يقبل على مشاهدة مثل هذه المسرحية إلا عدد قليل من المثقفين ، غير أنه من المؤكد أن هذا العدد القليل سينبض بشجنة فكرية وعاطفية عميقة التأثير إلى حد أنه يمكن أن تسفر مشاهدتها عن تغيير جذرى فى مفهوم من المفهومات الشائعة أو فى عادة من العادات القائمة ، وقد توحى إلى من شاهدها من كتاب ونقاد فنانين بإبداع أعمال أخرى أبعد أثرا منها لدى الجماهير وأوسع انتشارا بين صفوفهم ، كذلك ثمة صعوبة أساسية فى تحديد المستوى الثقافى سواء على الصعيد القومى أو على الصعيد العالمى ، لأن قياس الرقى يقتضى دائما عقد المقارنة بين ما نصل إليه وما يصل إليه سوانا فى مجال الثقافة ، وهذه المقارنة تحتاج معيارا ثابتا نقيس به ، فنحن إذا أخذنا الميزانيات المرصودة للثقافة معيارا لهذا القياس لاكتشفنا على الفور أنها لا تفى بالغرض كاملا ، فعندما نقول على سبيل المقارنة أن السويد وبولندا تخصصان 1% من الميزانية القومية للأعمال الثقافية بينما تخصص فرنسا 43% من ميزانيتها القومية للنشاط الثقافى نكتشف أننا قد ارتكبنا خطأ مركبا ، لأن الأرقام على هذا الوجه لا تصلح للمقارنة ، فمقارنة أرقام البسط وحدها لا تدل على شئ ، فضلا عن أن مفردات رقم البسط لا تضم الأنشطة نفسها فى هذه البلاد كلها ، فبينما تشتمل فى فرنسا على جهاز الوثائق القومية مثلا ولا تشتمل عليها فى بولندا ، تضم الحرف الفنية فى بولندا ولا تضمها فى فرنسا. كذلك فإن رقم المقام متغير لأن مجمل الميزانية الثقافية فى هذه البلاد ليس واحدا ، وعلى هذا النحو نكتشف أننا قد اخترنا معيارا واحدا فى مظهره ، ولكنه متغير فى تفصيله بما يؤدى إلى نتائج غير دقيقة .



على أن الشئ المحقق هو أن الاتجاه العالمى قد استقر على أن السياسة الثقافية يجب أن ترتبط بالخطة الشاملة للتنمية ، أو بمعنى آخر ينبغى أن ترتبط السياسة الثقافية بالسياسة الاقتصادية للمجتمع وبالتطور العلمى والتكنولوجى فيه.



التكافؤ الوجدانى



وهكذا بدأت وزارة الثقافة خطتها التالية انطلاقا من إيمان عميق بأن دورها لا ينبغى أن يكون قاصرا على تقديم المستوى الرفيع من المتع العقلية للطبقة القادرة على التمتع بها فحسب ، بل يجب أن يكون لها دور فعال فى تحقيق أكبر قدر من التكافؤ العقلانى والوجدانى فى آن معا ، ولن يتحقق التكافؤ العقلانى إلا بأن يشاع بين فئات المجتمع بقدر الإمكان قسط متقارب من المعارف ، كما لن يتحقق التكافؤ الوجدانى إلا بأن يشاع بينهم قدر مشترك من تذوق الفنون واستشفاف أسرارها ، وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن نهبط بالثقافة إلى مستوى الجماهير العريضة ، وأن نقضى على مظاهر التفوق والإبداع حتى يكون كل شئ فى قدرة المجموعات الواسعة من الناس ، فالسياسة الثقافية ينبغى أن تكون من الحذق بحيث تدرك أنها لو فعلت ذلك لما حققت التكافؤ الثقافى بل وقفت فى وجه التطور فيصبح إنسان العصر متخلفا ، فإن طبيعة الثقافة من ناحية وديمقراطيتها من ناحية أخرى تقتضيان التطور إلى الأمام ، على أن تيسر للجمهور الحصول عليها دون عناء ، وتلك مسئولية الدولة ، فهى التى تتحمل عبء تطوير الإنتاج الثقافى من ناحية وتيسيره للناس من ناحية أخرى ، فتتحقق بذلك الركيزتان اللتان تستند إليهما الثقافة : التقدم المستمر فى غير تراخ ، وتحقيق التكافؤ العقلانى والوجدانى فى المجتمع ، وهو ما يقتضى من الدولة التفكير فى صيغ جديدة مبسطة تقدم من خلالها هذه المتع القيمة ، ويصبح من واجب الفنانين والمثقفين أن يشاركوا الدولة فى الوصول إلى صيغ ملائمة يقدمون بها ثمرات الفكر وزهور الفن على أوسع نطاق وفى أرحب دائرة دون المساس بالمستويات ذات القيم الكبرى فى الإبداع الثقافى إلا دفعا لها إلى مزيد من التفوق والإجادة ، على هذا النحو تصبح الثقافة عاملا فعالا ورئيسا فى تكوين السياسة الشاملة للتنمية التى تتوقف إلى حد بعيد على قدرات الناس وتفوقهم ونموهم العقلى والعاطفى ، وكلما زادت هذه القدرات زادت قدرة المجتمع على النمو الاقتصادى وكلما زادت درجة نمو المجتمع زادت حاجة أفراده إلى الثقافة .. وحلقة مفرغة تدور حول نفسها فى انتظام مرتب لا يختل ، إذن فالسياسة الثقافية ينبغى أن تكون جزءا لا يتجزأ من سياسة التنمية الشاملة تتأثر بها وتؤثر فيها ، كما أنها تتأثر بالتطور التكنولوجى للمجتمع وتؤثر فيه ، وانطلاقا من هذا المنطلق واستلهاما لروح الثورة حاولنا حصر احتياجات مجتمعنا الثقافية وتبين ما لدينا من إمكانيات مادية وبشرية قادرة على العطاء ، وهكذا وبعد دراسة متأنية تجلت لنا احتياجاتنا لاستكمال أجهزتنا الثقافية.



وكما قدمت فإن طبيعة الثقافة أنها كيان معنوى واسع وفسيح ، وهى كذلك كيان حساس ودقيق ، وطبيعة هذا شأنها قد ترفض الأرقام وتأبى التقيد بالإحصاءات ، كذلك أعترف أن حصر احتياجات الفكر العام والوجدان القومى وإرادة الجماعة ، بل حصر ذلك جميعه بالنسبة للفرد ليس من الأمور السهلة الهينة ، كما أن حصر الإمكانات لا يقل عن ذلك صعوبة ، ولهذا فطالما أن هذه هى العناصر الأساسية اللازمة لوضع سياسة ثقافية فسيظل وضع هذه السياسة مشكلة عسيرة الحل إذا أردنا لها تحديدا كاملا سليما ، وأعترف أيضا أن أى محاولة فى هذا السبيل لا تعدو كونها محاولة ، حسبها أن تحاط بكل الدراسات الممكنة ، ففى هذه الساحة النفسية الشاسعة لعل أغنية أو نشيدا يكون له من السحر فى توجيه المجتمع أضعاف ما لأفلام السينما والمسرحيات والكتب والمقالات ، ولعل لوحة مصورة واحدة تدخل سجل الخلود لتضيف إلى الذوق العام عنصرا رائدا فى الإحساس بالجمال ، من يحكم هذا وكيف يحكمه ؟ تلك هى مشكلة الثقافة وصعوبة وضع السياسة الثقافية.



مؤتمرات المثقفين



على أنى لم أدع إيمانى بضرورة التكافؤ الثقافى أن يظل حبيسا فى نفسى فحسب ، بل لقد حرصت الحرص كله على أن أشرك غيرى معى فى الرأى ، فمنذ اليوم الأول لتسلمى مهام وزارة الثقافة عام 1958 وجدتنى ممتلئا رغبة فى الاتصال بكبار المثقفين فى مصر حتى لا تكون سياسة الوزارة سياسة فوقية ، ورأيت فى النهاية وبعد عدد من اللقاءات أن أنسب شكل أستطيع من خلاله التعرف على مشاكل المثقفين وأمانيهم ، والصعوبات التى يلاقونها والحلول التى يتصورونها والوضع الأفضل الذى يمكن أن تتشكل عليه وزارة الثقافة وأهم إداراتها وأجهزتها ، وكل ما كان يشغل بال المثقفين وكل ما كان يشغل بالى أنا نفسى .. رأيت أن التعرف على هذا كله من أفضل طريق هو حشد أكبر عدد من الفنانين والكتاب والمثقفين وعشاق الثقافة والفنون والعاملين فى مجالات بث الثقافة وتوزيعها ومتابعة أنشطتها فى "مؤتمر عام" لم ألبث أن دعوت إليه فى شهر مارس 1959 بدار الأوبرا ، حيث تواصلت جلسات الحوار الجاد طيلة أسبوع كامل فى اجتماعات عامة وأخرى متخصصة فى لجان نوعية محدودة العدد ، وكان من نتاج هذا المؤتمر الثقافى العام أن تكشفت لنا الرؤية الثقافية من مختلف الفئات.



وأرى أن هذه اللقاءات قد طمأنتنى إلى صدق حدسى من خلال تجربتى الشخصية فى تذوق ودراسة الأعمال الثقافية والفنية والتى طالت عدة أعوام أمضيتها فى أنحاء أوروبا جائلا أحيانا ومستقرا أحيانا أخرى ، إذ كانت هذه التجربة قد رسخت فى نفسى ألوانا من الاتجاهات التى أنارت أمامى السبيل الذى يتعين علىَّ أن أختطه من خلال مسئوليتى بالوزارة ، وما من شك فى أن كل مسئول فى مكانه علت به المنزلة أو دنت لابد من أن يكون له طابعه فى مكانه وإلا ما استطاع أن يحقق شيئا له قيمة وتأتى فى مقدمة هذه الاتجاهات النظرة إلى المثقف نظرة إنسانية مردها إلى إيمان بأن الثقافة حافز للبشر على التضامن من أجل الارتقاء بمستوى رفاهيتهم ، وبهذا تكون الثقافة أعلى قيمة للمتعلمين وغير المتعلمين على السواء ، فعلى حين يسعى المتعلم لحشد ذهنه بالمعلومات يسعى المثقف إلى الارتقاء بذوقه ومداركه بل وإلى تحسين مستوى أدائه حتى فى عمله المتخصص مما يكون له أثر فى إحداث تغيير جوهرى فى المحيط الذى يعيش فيه ، ولهذا تتحدد قيمة الثقافة بمدى مساهمتها فى تغيير مجرى الحياة والرد على تحديات العصر ودفع الأحداث فى اتجاه تحقيق أحلام البشرية .



حق الحرية ..

وإذا كان الفنان هو تجسيد للحرية والإبداع فإن مهمته الأولى فى الوقت نفسه هى تأكيد حق الإنسان فى الحرية ، ومن هنا القول بأن الحرية ليست حق الكتاب والفنانين والمفكرين فحسب بل هى واجبهم أيضا لأنها وظيفتهم فى المجتمع وما أظن وزارة الثقافة قد حادت عن هذا المعنى الذى رسمته لنفسها اللهم إلا فى القليل النادر الذى لا يعد ، وذلك تحت ظروف قاهرة.



هكذا أجمع المفكرون على أن الفنان الحقيقى هو الفنان الحر ، وأن الدولة إذا سخرت الفنان لأهداف عاجلة فإنها تكون بذلك قد قدمت ثروتها كلها للحاضر معرضة مستقبلها للضياع ، وهو ما لم يحدث قط أيام اضطلاعى بمسئولية وزارة الثقافة ، فلقد تركت الدولة الشعراء والأدباء والفنانين أحرارا يتحدثون بلغتهم الخاصة على هواهم فى الغالب إلا فيما ندر ، علها تعين المجتمع الثورى على رؤية آفاق أبعد ، وتسهم فى أن يصدروا عن أنفسهم ما فيها من إبداع وخلق دون ضغط أو توجيه ، وتتيح لهم فرصة الاندماج فى مشاكل مجتمعهم والتعرف على جوانب الحياة المختلفة فيه حتى يزداد وعيهم بالتطور الاجتماعى ، تاركة لهم بعد ذلك حرية الإبداع والتعبير ، فالفنان الحق فى غير حاجة إلى أن نوجه فكره أو نلقنه إحدى العقائد ، فهو ينتمى إلى عصره ويعيش فيه بحسه المرهف وبصيرته النافذة ، وكلما غاص فى أعماق مجتمعه أحس بالجماعية الإنسانية وانتقلت إلى قلبه نبضات الآخرين.



على أنه فى عصر الشعوب الذى نعيشه الآن لا يمكن أن تزدهر ثقافة قومية لا تعبر عن كل فئات المجتمع الذى تمثله ، إذ مضى الوقت الذى كانت طبقة واحدة سائدة تعبر فيه عن المجتمع ، وغدا الجميع يشكلون صورة الكيان الثقافى للأمة ، فإذا خلت الثقافة من تأثير فئة من الفئات أو من نصيبها فيه ، فهى إذن ثقافة ينقصها الشمول ، فلا يمكن تصور إمكان قيام نهضة ثقافية قبل محاولة إزالة الحواجز القاسية والفواصل المنيعة بين طبقات المجتمع ، وما أكثر الأصوات التى انطلقت تزعم أن حواجز التذوق لن تزول بسهولة لأن العوام من الناس لن يفهموا الباليه على سبيل المثال ولن يستجيبوا لروائع المسرح ، وأن أقصى ما يمكننا أن نخدم به الفئات الشعبية هو أن نقدم لها صورا من البهرجة الزائفة تحتوى على البعض اليسير من التثقيف ، وهذا رأى لم نأخذ به ، ولجأنا إلى التجربة على أرض الواقع فأقمنا عروضا خاصة للعمال قدمنا فيها على مسرح دار الأوبرا عام 1960 فاصل الباليه من أوبرا "الأمير إيجور" لبورودين وأوبريت "الأرملة الطروب" المعرّبة لفرانزليهار ، فإذا آثارهما فى نفوسهم لا تقل كثيرا عن آثارهما فى مرتادى الباليه والأوبرا من نخبة المثقفين ، كما أن باليه "نافورة باختاشى سراى" لم يستقبل فى القاهرة بمثل الحماس والإكبار الذى استقبله به أهالى أسوان والعاملون فى السد العالى بقصر الثقافة بأسوان فى نهاية عام 1966 ، وبنفس الحماس استقبلت فرق الرقص المتطورة فى محافظات نائية كمحافظة البحر الأحمر وندوات الأفلام التى أقيمت فى الريف للفلاحين.



الفجوة بين المثقفين وغيرهم



لقد أكدت هذه التجارب وتجارب أخرى أن الفجوة بين المثقفين وغير المثقفين فى مستوى التذوق الفنى ليست على مثل هذا الاتساع الذى يصوره البعض إذا ما تعهدناه صادقين بالرعاية ومحاولة الارتفاع بذوقه ، فالمشكلة الحقيقية التى تعترض إزالة الحواجز الثقافية فى المجتمع ليست عجز الشعب عن تذوق الفن الرفيع بقدر ما هى عجز الفن الرفيع عن مس القيم الشعبية وتمثلها والتعبير عنها ، ومن ثم كان لا سبيل إلى إزالة الحواجز الثقافية بين فئات الأمة إلا بإتاحة تفاعل صادق مستمر بينها وبين صور الفن الرفيع وهو تفاعل سيستفيد منه الشعب بلا جدال ، ولكن الفنانين سيستفيدون أكثر لأنهم فى تصورى سيجدون لدى الشعب مادة لعملهم أغزر من كل ما خطر بخيالهم وقيما أعمق من كل ما حلموا به.



ومعنى ذلك أن تطوير الثقافة الإقليمية لا يقل أهمية عن نقل ثقافة العاصمة إلى الأقاليم ، وكان خير ما يمهد لهذا ويؤكده ، ويوثقه هو إقامة القصور الثقافية بدءا من عام 1959 وبث قوافلها فى مناحى الريف البعيد ، وكانت هذه هى المرة الأولى التى شهدت فيها مصر القصور الثقافية والتى أصبحت بعد شيوعها فى أنحاء الوطن كله مظهرا من المظاهرة الحضارية الواضحة المعالم ، بل إنى لأذهب إلى أبعد من ذلك حين أؤكد أنه لا سبيل إلى ارتقاء وجدان السواد الأعظم من الشعب إلا من خلال اجتذابه لمشاهدة الأعمال الفنية الرفيعة المستوى ، وإلا فستظل الجماهير على نفس مستواها الحالى طالما حجبنا الفن الراقى عنها ، وظللنا نلاحقهم بالأعمال المسفة الغثة التى تشبع نهم الغرائز الدنيا.



الثقافة والمجتمع



وإذا كان ارتباط الثقافة بعصرها لا ينفى احتواءها على قيم خالدة على مدى العصور ، فإن ارتباطها بمجتمعها لا ينفى أيضا احتواءها على قيم عالمية وإنسانية شاملة تخاطب الإنسان أنى كان ، بل الواقع أنه بقدر ما تتعمق جذور الثقافة فى تربة مجتمعنا وبقدر ما تحمل طابع هذا المجتمع ، تتأتى قدرتها على صدق تمثيل الإنسان بصفة عامة ، فالتعبير المخلص عن الإنسان فى وطن معين هو تعبير عن الإنسانية جمعاء ، ويكفى دليلا على ذلك أن أعمال شكسبير الناطق بلسان الإنجليز والمعبرة عن عواطفهم تعد اليوم من أثمن ما يملك العالم من تراث الشعر والمسرح ، وفى تاريخ القصة لم يتمتع بالعالمية حتى الآن أدب كأدب تولستوى ودستوفيسكى وتشيكوف ، وقد كانت أعمالهم جميعا روسية ضاربة فى أعماق التربة الروسية ، فإن قومية الثقافة النقية الراقية هى فى الواقع طريقها الوحيد الممهد إلى عالميتها ، وأقصد بقومية الثقافة النقية أن تكون معبرة عن الخصائص الفريدة للشعب الذى تمخضت عنه ، وناقلة أمينة عن تجاربه عبر التاريخ وامتدادا لتراثه القديم ، وأن تكون ملامح الشعب منعكسة لا على مضمونها فقط وإنما على أشكالها أيضا وأدواتها ووسائلها فى التعبير. ولا أعنى بذلك أن نحتفظ فى عصرنا بكل ما فى التراث من صور وأدوات للتعبير وأشكال فى الصياغة فهذا ضد طبيعة الأشياء ، لأن كل ما فى الحياة من علاقات ونبض ووسائل قد تغير عبر القرون ، ولهذا تتغير أدوات التعبير ويتغير الشكل والمضمون ، ويصبح التمسك بتقليد التراث موقفا متخلفا فى الأدب والفن بقدر ما يكون إهدار التراث ارتجالا وافتقارا إلى الأصالة ، ومن ثم كان علينا إلى جوار استلهام روح الشعب وتراثه وملامح الوطن التى هى المنابع الثرية الزاخرة للفن ، الحرص فى الوقت نفسه على الاستفادة من تجارب الآخرين ومن التطور الذى حققوه ، فإن عظمة تولستوى ودستوفيسكى تتأتى منأنهما استلهما أصالة الروح الروسية دون أن يتورطا فى النقل عمن سبقهما ، واستفادا مع ذلك من تطور الأدب الفرنسى فى زمانهم ومن تراثه العريق ، وزمرة الخمس الكبار فى الموسيقى الروسية "كوتشكا بالاكريف وسيزار كويه وبورودين ورمسكى كورساكوف وموسورسكى" لم يقفوا عند حد الألحان الشعبية وإنما استقوا من الروح الأصيلة لوطنهم واستفادوا من التقدم الفنى والعلمى والموسيقى الذى حققه آخرون من شتى دول العالم والمثــّال مختار فى مصر لم ينسخ تماثيل المصريين القدماء وإنما استلهمها وطورها وجاء من بعده فنانون آخرون استمروا فى التطوير والإبداع.



وفى هذا المجال أمامنا نماذج من روادنا فى الثقافة والفنون من الذين حملوا لواءها منذ مطلع القرن التاسع عشر أمثال رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده ومصطفى المنفلوطى ولطفى السيد وطه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود سعيد ويوسف كامل وراغب عياد بل وطلعت حرب .. وغيرهم كثر جعلوا التراث منطلقا لهم وأفادوا من التقدم الثقافى فى العالم بأسره.



ولن يتسنى لنا أن نقيم ثقافة قومية على الوجه الصحيح إلا إذا أفدنا من كل ثقافات العالم وفنونه ومن تقدمه التكنولوجى والعلمى والإنسانى ، فنحن لم نر من قبل قط ظاهرة "عالمية الفن" تتجلى بمثل ما نراه حين نشاهد عبقرية شاعر مسرحى فذ مثل شكسبير الإنجليزى تجتمع معها مواهب موسيقى عملاق مثل فردى الإيطالى ليخلق منها أوبرا مثل "عطيل" يتضافر على العزف لها أوركسترا فرنسى يقوده مايسترو من اليابان ، ويعكف على الأدوار الغنائية الرئيسية فيها مغنون من أمريكا وألمانيا وإيطاليا ، ويقوم بالأدوار الراقصة "باليرينات" من السويد والدانمارك وراقصون من روسيا ، بل ومن مصر .. أجل من مصر ومن خريجى معهد الباليه بأكاديمية الفنون المصرية بالجيزة ، ويصمم مناظرها وثيابها فنان من إسبانيا ، فتنبض قلوب المشاهدين غربا وشرقا بنفس الشجن والانبهار. إن الإنسانية لم تشهد من قبل أبدا مثل هذه الإمكانيات لتحقيق أحلام لم تكن لتتحقق إلا فى الخيال الذى لا يعشش إلا فى وجدان الطفولة النقية ، فالجمال طليق لا يحده مكان ولا يحيط به زمان.



إن الدول لا تغزو المستقبل إلا إذا تجاوزت الإنجازات المادية ، وكل غزو عملى فى الحاضر مقضى عليه لأن الحاضر لا مناص من أن يتوقف ذات يوم ، والدول الراسخة هى التى تدفع الحاضر إلى المستقبل ، والمستقبل لا وجود له إلا فى الثقافة ، لأنه إذا أمكن لأمة ما أن تكون عظيمة بذاتها فلن يتسنى لها أن تشمخ بين الدول العظمى - شأنها شأن الناس - إلا إذا تجاوزت قيمتها الذاتية لتجعل منها إسهاما نزيها فى القيم الإنسانية وفى القيم الكلية ، والقيم الثقافية هى وحدها القيم الكلية لأن تحديدها معناه تحديد النقطة التى عندها تتخذ المعتقدات والأبحاث والاكتشافات التى يقوم بها الإنسان قيمة عند الجميع كما هى عند الذين أنشأوها ، وليس ثم ميدان آخر غير الثقافة توجد فيه مثل هذه القيمة الكلية الشاملة ، أعنى المستوى الكلى العالمى ، وما أصدق الفنان روبنز حين قال "إنى أعد العالم كله وطنى".



الماضى والحاضر والمستقبل



كذلك لا يعنى تطوير العمل الثقافى فصم الروابط بالماضى ، فالإنسان تاريخ متصل وقيم المستقبل هى الثمار الجديدة على نفس الشجرة التى طرحت الثمار القديمة ، وإذا انفصل أى عمل ثقافى عن تاريخه فإنه غالبا ما يتحول إلى شكل أجوف براق المظهر خاوى الباطن ، لذلك فإن بناء العمل الثقافى على أساس من التراث هو فى الواقع إقامة له على أسس إنسانية عريقة وقيم ثقافية حية ورصينة ولا يمكن أن نتصور عملا فنيا أو أدبيا يتضمن مثل هذه القيم إذا كان منبت الصلة بتراث الماضى وقيمه التى خلفها لنا ، ولا يجوز أن نضحى بالتراث القومى بحجة التطور أو نجمد بدعوى الحفاظ على التراث ، وإنما نقتحم مجالا يجمع بين التراث والتطور ، فلقد أثبتت التجارب الإنسانية المعاصرة أن ثمة منهجا وسطا يجمع بين الاهتمام بالقديم والجديد بصورة لا تناقض فيها ولا اضطراب ، ولعل أبرز هذه التجارب ما أقدم عليه اليابانيون خلال المائة عام الأخيرة من تطوير فنونهم كلها مستعينين بالأساليب العلمية الجديدة فى صياغة فنونهم التقليدية دون أن تفقد هذه الفنون ما فيها من طابع قديم ، فأبدعوا روائع جديدة ذات طابع متفرد ينطوى على روح اليابان الأصيلة ولا يفتقد الأساليب الحديثة ، كما تألقت من بين تجارب دول كثيرة فى أمريكا اللاتينية محاولة المكسيك التى استوحت القديم فى فنونها استيحاء ذكيا رائعا ، فطورت الأزياء القديمة والألوان والألحان ، وجددت الأساطير والأعياد ، فباتت تحيا حياتها المعاصرة بروح تاريخها الحضارى القديم.



وتكشف لنا هذه التجارب عن النهج الذى ينبغى علينا إتباعه فلا نضحى بالتراث القومى بحجة التطور ولا نجمد بدعوى الحفاظ على التراث ، وإنما نقتحم مجالا يجمع بين التراث والتطور ، فكما نقسم الزمن إلى فصول علينا أن نجعل كل فصل يحيط بالفصول الأخرى جميعا ، وأن ندع الحاضر يعانق الماضى بالذكرى ويطوق الغد بالحنين ، وقد كان ذلك هو المسار الذى اتخذته حركة النهضة الأوروبية خلال القرن الخامس عشر التى عكفت على دراسة الحضارة اليونانية واستلهامها فأعادت الحياة إلى آلهة الإغريق الوثنيين ، ولكنها نزعت عنهم صفة الألوهية ، وعلى هذا النهج ما اضطلعت به وزارة الثقافة عند تنفيذها لمشروع "الصوت والضوء" بأهرام الجيزة والقلعة ومعبد الكرنك ، فقدمت عروضا لآثارنا المجيدة فى صورة فنية مشرقة تضم فى تركيبها الصورة والرواية التاريخية والأداء الفنى والموسيقى بأسلوب عصرى يضاعف المتعة والمعرفة ويرقق الذوق والشعور بعد أن لم تعد الآثار القديمة مجرد حجارة جافة وصماء خرساء.



كانت تلك الرؤية التى تمخضت عن اللقاءات والمشاورات والندوات والمؤتمرات والتى كان لها صداها فى نفسى هى نبراسى الذى اهتدى به فى الحقل الثقافى ، لم أحد عنها طوال تحملى مسئوليتى الوزارية سواء فى مجال الكتاب أو المسرح أو السينما أو الموسيقى أو تشييد قصور الثقافة والانطلاق بقوافلها إلى أقاصى الريف ، أو الحفاظ على التراث وإنقاذ معابد النوبة بعد أن أوشك النيل أن يغمرها بمائه ويبتلعها ، وكان هذا يسبقه تهيئة الرأى العام العالمى للإسهام فى هذا المشروع إذ لم تكن مصر وحدها تطيق أن تتحمل تكاليفه كلها. وكنت فى هذا الذى رأيته وقمت به ونفذته أحمل عبئا من أعباء الثورة - التى أنا من رجالها - فى الميدان الثقافى الذى اضطلعت به ، فما من فضل فيه مرده إلى الثورة التى هيأت لى وجودى فى هذا الموقع وما قد يكون من زلة فمرده إلىّ.



كلمة صدق



وإنى لأترك لمن عاصروا تلك الحقبة الزمنية أن يقولوا كلمة صدق عما وعوه ورأوه ويكون لهم حكمهم فيما إذا كنت قد التزمت بما عاهدت نفسى وغيرى عليه أو حدت عنه ، وهل كنت عندما وعدت به من الربط فى مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث ، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية ، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين طبقة العامة وبين الفن الرفيع المستوى ، ثم تضمين الثقافة قيما عالمية وإنسانية خالدة ، الأمر الذى كانت له انعكاساته على كل أنشطة الوزارة ، وأخيرا إتاحة حرية الإبداع للفنان حرية لا معوق لها ، هل كنت عند هذا أم أطرحته جانبا ، وهل كان ثمة مجافاة بين النظرية والتطبيق ؟



عن كتاب ثروت عكاشة : مذكراتى فى السياسة والثقافة - 3 أجزاء - دار الشروق ومكتبة الأسرة