الأربعاء، 28 مارس، 2012

المقرئون المصريون العمالقة -الجزء الأول

المقرئون المصريون العمالقة -الجزء الأول


ديانا أحمد
الحوار المتمدن - العدد: 3662 - 2012 / 3 / 9 - 14:34
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

استكمالا لمقالنا الأسبق عن القراء المصريين (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=284716) أقدم لكم عمالقة القراء فى مصر و العالم العربى الذين لا يضارعهم صوت آخر لنرى الفارق الهائل بين أصوات من السماء تتقن علم المقامات و أصول التجويد و قواعد القراءة و بين أصوات نشاز سعودية ووهابية خنفاء انتشرت و تفشت هذه الأيام بين سائقى الميكروباصات و السيارات فى مصر لا تمت لمصر بصلة و لا للقراءة الصحيحة الجميلة بأى علاقة يفضلونها على هؤلاء العمالقة الكبار كما يفضلون شرائط الدعاة الجدد على إذاعة القرآن الكريم المصرية

الشيخ أبو العينين شعيشع



http://www.alshibami.net/saqifa//uploaded2/13220_21219503768.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ أبو العينين شعيشع قارىء مسجد السيدة زينب رضي الله عنها ونقيب قراء جمهورية مصر العربية , وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية , وعميد المعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم و عضو لجنة إختبار القراء بالإذاعة والتليفزيون وعضو اللجنة العليا للقرآن الكريم بوزارة الأوقاف وعضو لجنة عمارة المسجد بالقاهرة يوم 12/8/1922م بمدينة بيلا محافظة كفر الشيخ في أسرة كبيرة العدد متوسطة الدخل بعد أن رزق الله عائلها وربها بأحد عشر مولودا وكأن إرادة السماء ودت أن تجعلها دستة كاملة ولكن كان الختام مسكا وكأن البيت يحتاج إلى لبنة أو تاج على رؤوس هؤلاء . وحقا لقد جاد المولى على هذه العائلة بالمولود الثاني عشر ليكون لهم سندا وسببا في تهيئة الرزق المقدر من الرزاق العليم جلت قدرته .

لم يكن الوالدان مشتاقين لإنجاب مولود ليصبح العبء ثقيلاً على كاهل الوالد الذي يفكر ليل نهار: ماذا يفعل هؤلاء وكيف يلاطمون أمواج الدنيا العاتية إذا فاضت روحه وترك هذه الكتيبة بلا قائد يحمل همومها ويقوم بالإنفاق عليها. الإيمان قوي بالله والصلة بالرزّاق لا تنقطع وشائجها بل كانت تزداد رباطاً وتقربا ً ليعينه ربه على تربية هذا الطابور البشري. لم يعلم الوالد أن الرزق سيتدفق على هذه الأسرة بسبب قدوم هذا الوليد , وجل الخالق الرازق الذي قال عن نفسه (( هو الرزاق العليم )) حقاً هناك أمور لا يلام عليها العبد إذا عمل لها حسابا كالرزق الذي لم يأمن الرزاق العليم أحداً عليه إلا هو, لأنه لا يمكن أن ينسى أياً من مخلوقاته صغيرها وكبيرها.


رحل الوالد كما توقع قبل أن يطمئن على مستقبل أبنائه , وتركهم صغارا في مراحل مختلفة تحتاج إلى ولي أمر يتولى المسئولية كاملة. وهكذا كان هذا الطفل غير المرغوب في إنجابه من الوالد والوالدة , العائل لهذه الأسرة مع أنه أصغرهم , وكما يقولون آخر العنقود . كانت الوالدة تحاول أن تتخلص من الجنين ولكن كيف يكون لها هذا وقد كتب الله لهذا الجنين أن يكون أمنا وطمأنينة للأسرة كلها وبرداً وسلاماً على قلب أمه التي وجدت نفسها فجأة تربي اثني عشر يتيماً . يقول الشيخ أبو العينين شعيشع : (( كانت ولادتي غير مرغوب فيها لأنني كنت الابن رقم 12 , ووالدتي كانت تفعل المستحيل للتخلص مني ولكني تشبثت بها حتى وضعتني .. وذلك لحكمة يعلمها الله حيث كنت فيما بعد مسئولاً وسبباً في إطعام كل هذه الأفواه في ذلك الحين )) .


التحق فضيلته بالكتاب (( ببيلا )) وهو في سن السادسة وحفظ القرآن قبل سن العاشرة . ألحقته والدته بالمدرسة الإبتدائية لكي يحصل على شهادة كبقية المتعلمين من أبناء القرية ولكن الموهبة تغلبت على رغبة الوالدة , كان الشيخ أبو العينين يخرج من المدرسة ويحمل المصحف إلى الكتّاب , ولكنه كان حريصا على متابعة مشاهير القراء فكان يقلدهم , ساعده على ذلك جمال صوته وقوته ورقة قلبه ومشاعره , وحبه الجارف لكتاب الله وكلماته فشجعه ذلك وساعده على القراءة بالمدرسة أمام المدرسين والتلاميذ كل صباح , وخاصة في المناسبات الدينية والرسمية التي يحضرها ضيوف أو مسئولون من مديرية التربية والتعليم فنال إعجاب وإحترام كل من يستمع إليه. وكان ناظر المدرسة أول الفخورين به , و بنبوغه القرآني , ولاحظ الناظر أن هذا الطفل يعتز بنفسه كثيراً ويتصرف وكأنه رجل كبير , ولا تظهر عليه ميول اللهو واللعب والمزاح كغيره من أبناء جيله , فأشار على والدته بأن تذهب به إلى أحد علماء القراءات والتجويد لعل ذلك يأتي بالخير والنعمة التي يتمناها كل أب لأبنه وكل أم لأبنها.


وفي عام 1936 دخل الشيخ أبو العينين دائرة الضوء والشهرة من أوسع أبوابه عندما أرسل إليه من قبل مدير مديرية الدقهلية أي المحافظ يدعون لافتتاح حفل ذكرى الشهداء بمدينة المنصورة وذلك عن طريق أحد كبار الموظفين من (( بيلا )) والذي قال لمدير مديرية الدقهلية آنذاك : فيه ولد عندنا في (( بيلا )) يضارع كبار القراء وفلته من فلتات الزمن وبيلبس بدلة وطربوش ومفيش بعده كده حلاوة. وذهب إلى المنصورة . وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها في حياتي وجدت أكثر من 4 آلاف نفس في مكان الإحتفال فقلت : معقول أقرأ أمام هذا الجمع ؟ ! كان سني وقتها 14 سنة وخفت وزاد من هيبتي للموقف أنني رأيت التلاميذ في مثل سني يتغامزون ويتلامزون لأنني في نظرهم ما زلت طفلاً فكيف أستطيع أن أقرأ وهو حفل لتكريم الشهداء . وقرأت الافتتاح والختام وفوجئت بعد الختام بالطلبة يلتفون حولي يحملونني على الأعناق يقدمون لي عبارات الثناء . فلم أستطع السيطرة على دموعي التي تدفقت قطرة دمع للفرحة تدفعها أخرى لأن والدي مات ولم يرني في مثل هذا الموقف , وتوالت الدموع دمعة الحزن تدفع دمعة الفرح وهكذا حتى جف الدمع لكي أبدأ رحلة على طريق الأمل والكفاح الشريف متسلحاً بسيف الحياء والرجاء آملاً في كرم الكريم الذي لا يرد من لجأ إليه .


نقطة التحول : هذا الموقف كان نقطة تحول في حياة طفل الرابعة عشرة ونقله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضوج والمسئولية الكبرى التي من خلالها سيواجه عمالقة كان يطير فرحاً عندما يستمع إليهم في السهرات والآن أوشك أن يكون واحداً منهم لأنه أصبح حديث الناس. وبعدها حدثت حالة وفاة تهم أحد أبناء بلدته بيلا وكان المتوفى هو الشيخ الخضري شيخ الجامع الأزهر آنذاك فأشار أحد علماء بيلا على الشيخ أن يذهب معه إلى القاهرة ليقرأ في هذا العزاء الذي أقيم بحدائق القبة . وجاء دوره وقرأ وكان موفقاً فازدحم السرادق بالمارة في الشوارع المؤدية إلى الميدان وتساءل الجميع من صاحب هذا الصوت الجميل ؟ ! وبعد أكثر من ساعة صدّق الشيخ أبو العينين ليجد نفسه وسط جبل بشري تكوّم أمامه لرؤيته ومصافحته إعجاباً بتلاوته وبعد هدوء عاصفة الحب جاءه شيخ جليل وقبّله وهو الشيخ عبد الله عفيفي رحمه الله وقال له: لا بد أن تتقدم للإذاعة لأنك لا تقل عن قرائها بل سيكون لك مستقبل عظيم بإذن الله . وكان الشيخ عبد الله عفيفي وقتها إماماً بالقصر الملكي وله علاقات طيبة بالمسئولين .


إلتحاقه بالإذاعة : يقول الشيخ أبو العينين شعيشع : ولما طلب مني المرحوم الشيخ عبد الله عفيفي أن اذهب معه إلى مدير الإذاعة لم أتردد احتراما لرغبته لأننا أيامها لم يحدث أننا حرصنا على الإلتحاق بالإذاعة , لأن القارىء زمان كان نجماَ بجمهوره ومستمعيه وحسن أدائه وقوة شخصيته وجمال صوته وكنا مشغولين بشيء واحد وهو كيف يقرأ الواحد منا بجوار زميله ويستطيع أن يؤدي بقوة لمدة طويلة قد تصل إلى أكثر من ساعتين متواصلتين من غير أن يدخل الملل في نفس المستمع , لأننا كنا نحترم المستمع والجمهور , كما لو أننا نقرأ أمام الكعبة أو بالروضة الشريفة وكان القارىء منا عندما يستمع إلى أصحاب الفضيلة بالراديو أمثال الشيخ رفعت والشيخ الصيفي والشيخ علي محمود والشعشاعي , كان يسعد سعادة لا حدود لها , ويحلم بأن يكون مثلهم وعلى قدر التزامهم بأحكام وفن التلاوة . وكان هذا هو الهدف وقابلت الشيخ عفيفي رحمه الله بمكتب سعيد باشا لطفي مدير الإذاعة وحدد لي موعداً للإختبار. وجئت حسب الموعد ودخلت الاستوديو وكانت اللجنة مكونة من المرحوم الشيخ مأمون الشناوي والمرحوم الشيخ المغربي والشيخ إبراهيم مصطفى عميد دار العلوم وقتها, والشيخ أحمد شربت والإذاعي الكبير الأستاذ علي خليل والأستاذ مصطفى رضا عميد معهد الموسيقى آنذاك. وكنا أكثر من قارىء وكانت اللجنة تجعل لكل قارىء خمس دقائق وفوجئت بأنني قرأت لأكثر من نصف ساعة دون إعطائي إشارة لأختم التلاوة فكنت أنظر إلى وجوههم لأرى التعبيرات عليها لأطمئن نفسي . وكان للإذاعة مديران مدير إنجليزي والآخر مصري. ورأيت علامات الإعجاب على وجه المدير الإنجليزي مستر فرجسون الذي جاء ليسمعني بناء على رغبة أحد المعجبين بتلاوتي من المسئولين . وبعد عدة أيام جاءني خطاب اعتمادي قارئاً بالإذاعة وموعد أول قراءة لي على الهواء وكنا نقرأ ونؤذن على الهواء وبدأت شهرتي تعم الأقطار العربية والأجنبية عن طريق الإذاعة التي التحقت بها عام 1939م. وتحقق ما كنت أتمناه والحلم الذي يراودني نائماً ويقظاناً منذ أن كنت طفلاً في الكتاب ومن المفارقات العجيبة أنني كنت زميلاً للمرحوم الدكتور عبد الرحمن النجار وكيل وزارة الأوقاف السابق وكان يتمنى أن يكون عالماً ونحن في الكتاب وكنت أتمنى أن أكون قارئاً بالإذاعة لي نفس شهرة المرحوم الشيخ رفعت والمرحوم الشيخ الشعشاعي رحمهما الله .


إذاعة الشرق الأدنى : يقول الشيخ أبو العينين شعيشع: بعد إلتحاقي بالإذاعة تدفقت علي الدعوات من الدول العربية الإسلامية , لإحياء ليالي شهر رمضان بها ووجهت لي دعوة من فلسطين , لأكون قارئاً بإذاعة الشرق الأدنى , والتي كان مقرها (( يافا )) وذلك لمدة 6 شهور والإتفاق كان عن طريق المدير الإنجليزي للإذاعة المصرية , وقبل السفر قالوا يجب أن يسافر مع الشيخ مذيع ليقدمه هناك , فاستشار مدير إذاعة الشرق الأدنى الدكتور طه حسين في المذيع الذي سيسافر معي فاختار الدكتور طه حسين لهم أحد الإخوة المسيحيين وكان اسمه الأستاذ سامي داود لأنه كان مقرباً جداً من الدكتور طه حسين. وسافرنا عام 1940م وبدأت القراءة كل يوم أفتتح إذاعة الشرق الأدنى وأختتم إرسالها بتلاوة القرآن وأنتقل كل يوم جمعة من (( يافا )) إلى القدس لأتلو السورة (( قرآن الجمعة )) بالمسجد الأقصى . ولأنني كنت صغيراً (( 19 سنة )) كنت مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأسرتي نظراً لحبي لأمي وإخوتي حباً لا يوصف وحبهم لي كذلك , لأنني كنت العائل لهم بعد رحيل والدي رحمه الله , ولذلك لم أحتمل الغربة أكثر من شهر وفكرت في العودة إلى الوطن الغالي الذي به أغلى ما في الوجود – أمي وإخوتي – ولكن وثيقة السفر مع المسئولين عن الإذاعة بفلسطين فاستأذنت من رئيس الإذاعة في أن أسافر إلى القاهرة لأرى أهلي فوعدني أكثر من مرة ولم يوف بوعده فحزنت حزناً شديداً , وكان لي صديق من يافا اسمه يوسف بك باميه فقال لي سوف أتدخل لأساعدك على السفر وصدق في وعده وأحضر لي الوثيقة ومعها تذكرة قطار من محطة اللد إلى القاهرة ولم يشعر أحداً بهذا ووصلت إلى القاهرة وكنا مقيمين بشقة بحي العباسية ودخلت على والدتي والأسرة وجلست بين أحضان الحبايب وفتحت الراديو على إذاعة الشرق الأدنى فسمعت المفاجأة المذيع يقول سوف نستمع بعد قليل إلى الشيخ أبو العينين شعيشع أيها السادة بعد لحظات سنستمع إلى الشيخ أبو العينين شعيشع وما تيسر من القرآن الكريم . قالها المذيع أكثر من مرة وبعدها قال لعل المانع خير ثم قال المذيع ربما يكون قد حدث للشيخ حادث تسبب في تأخره. كل هذا يحدث وأنا أضحك. ولكن قلبي يدق وعقلي يفكر بصورة سريعة جداً , لأنها مسئولية وتعاقد بيني وبين إذاعة الشرق الأدنى . ولكن بعد أسبوع طرق الباب طارق ففتحنا له وكانت المفاجأة أن الطارق هو المدير الإنجليزي لإذاعة الشرق الأدنى وجلس الرجل وقال لي معاتباً : أنت سافرت بدون إذننا فجأة خوفاً من عدم موافقتنا لك على العودة إلى القاهرة لترى أهلك ؟ قلت له : نعم قال: لا إننا لم ولن نحرم رجلاً مثلك من الإطمئنان على إخوته ووالدته خوفاً من عقاب الله لأنك تحفظ القرآن وتتلوه . وبدبلوماسية قال لي مدير إذاعة الشرق الأدنى : يا شيخ ممكن نأكل عندكم (( ملوخية )) ؟ قلت له ممكن طبعاً وطبخت والدتي الملوخية وأكلنا أنا والرجل الذي أراد أن يجعل شيئاً من الود بيني وبينه وهذا ما كان يقصده من الغذاء البسيط معي في بيتنا وبعدها رجعت إلى فلسطين بصحبة المدير الإنجليزي لإذاعة الشرق الأدنى وأكملت مدة العقد هناك. بعدها عدت إلى القاهرة لأقرأ القرآن مع نوابغ القراء كالشيخ رفعت والشيخ محمد سلامه والشيخ علي محمود والشيخ مصطفى إسماعيل وغيرهم.

إحياء مأتم الملكة (( عاليا )) بالعراق : يقول الشيخ أبو العينين شعيشع : ثم جاءتني دعوة عاجلة من السفير العراقي بالقاهرة لإحياء مأتم الملكة (( عالية )) ملكة العراق بناء على رغبة من القصر الملكي الذي أرسل إلى السفارة بطلب القارىء الشيخ أبو العينين شعيشع والقارىء الشيخ مصطفى إسماعيل فوافقت وبحثت عن الشيخ مصطفى كثيراً فلم أجده . والوقت لا يسمح بالتأخير فاتصلت بالسفير العراقي وأخبرته بصعوبة الحصول على الشيخ مصطفى اليوم , فقال السفير اختر قارئاً من القراء الكبار معك, فاخترت المرحوم الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وعلى الرغم من أن العلاقة كانت مقطوعة بيننا وبينهم لكن السيد فؤاد سراج الدين وزير الداخلية آنذاك سهل لنا الإجراءات وأنهينا إجراءات السفر بسرعة ووصلنا مطار بغداد وإذا بمفاجأة لم نتوقعها .. إستقبال رسمي لنا بالمطار كاستقبال المعزين من الملوك والرؤساء ولكن المفاجأة أصبحت مفاجأتين قالوا: وين الشيخ مصطفى ؟ وين الشيخ مصطفى ؟ فقلت لهم: إنه غير موجود بالقاهرة ولم نعرف مكانه. والوقت كان ضيقا فأحضرت معي فضيلة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وهو أستاذنا ومن مشاهير قراء مصر وشيخ القراء وفوجئت بأن وجه الشيخ عبد الفتاح تغير تماماً وظهرت عليه علامات الغضب لأنه كان يعتز بنفسه جداً وقال: لو كنت قلت لي ونحن بالقاهرة إنني لست مطلوبا بالإسم من القصر ما كنت وافقت أبدا ولكنني الآن سأعود إلى القاهرة كل هذا في مطار بغداد .


وأصر الشيخ عبد الفتاح على العودة إلى مصر وبمساعدة المسئولين العراقيين , استطعنا أن نثني الشيخ الشعشاعي عن قراره الصعب وخرجنا من المطار وسط جمهور محتشد لاستقبالنا لا حصر له ونزلنا بأكبر فنادق بغداد واسترحنا بعض الوقت وتوجهنا بعد ذلك إلى القصر الملكي حيث العزاء .وكانت الليلة الأولى على مستوى الملوك والرؤساء والأمراء والثانية على مستوى كبار رجال الدولة والضيوف والثالثة على المستوى الشعبي ووفقنا في الليلة الأولى ولكن أثر الموقف مازال عالقاً بكيان الشيخ الشعشاعي فلما رجعنا إلى مقر الإقامة بالفندق قال لي الشيخ عبد الفتاح أنا انتظرت الليلة علشان خاطرك وباكراً سأتجه إلى القاهرة فحاولت أن أقنعه ولكنه كان مصراً إصراراً لم أره على أحد من قبل فقلت له نم يا شيخنا وفي الصباح تسافر أو كما تحب . وقضيت الليل في التفكير كيف أثني الشيخ الشعشاعي عن قراره. وجاءتني فكرة وذهبت إليه في الجناح المقيم به بالفندق وقلت له: هل يرضيك أن يقال عنك إنك ذهبت إلى العراق لإحياء مأتم الملكة ورجعت لأنك لم توفق في القراءة وإنك لم تعجب العراقيين ؟ فسكت لحظات ونظر إلي وربت على كتفي بحنان الأبوة وسماحة أهل القرآن وقال لي: يا (( أبو العينين )) كيف يصدر هذا التفكير منك رغم حداثة سنك وأنا أكبرك سناً ولم أفكر مثل تفكيرك ؟ !! ووافق على البقاء لإستكمال العزاء ومدة الدعوة التي كان مقررا لها سبعة أيام وقرأ في المساء قراءة وكأنه في الجنة وتجلى عليه ربنا وكان موفقاً توفيقاً لا حدود له . وعاد إلى الفندق في حالة نفسية ممتازة وفي نهاية الأسبوع حصلنا على وسام الرافدين وبعض الهدايا التذ كارية وودعنا المسئولون بالبلاط الملكي العراقي كما استقبلونا رسميا وعدنا بسلامة الله إلى مصرنا الغالية.


لم يكن هذا الوسام هو الأول ولا الأخير في حياة الشيخ أبو العينين ولكنه حصل على عدة أوسمة ونياشين وشهادات تقدير وهدايا متنوعة الشكل والحجم والخامة والمضمون وكلها تحمل معاني الإعتزاز والتقدير والاعتراف بقدر هذا الرجل وتاريخه الحافل . يقول الشيخ أبو العينين (( .. حصلت على وسام الرافدين من العراق ووسام الأرز من لبنان ووسام الإستحقاق من سوريا وفلسطين وأوسمة من تركيا والصومال وباكستان والإمارات وبعض الدول الإسلامية .. ووسام لا يقدر ثمنه وهو أعظم الأوسمة وسام الحب من كل الناس الذي يتطلعون إلى منحة تكريم من السيد الرئيس محمد حسن مبارك لهذا القارىء التاريخ بإصدار قرار بأن يظل الشيخ أبو العينين شعيشع نقيباً لمحفظي وقراء القرآن الكريم مدى حياته وكذلك إطلاق اسمه على أحد الشوارع بالقاهرة وكفر الشيخ مسقط رأسه .

السفر إلى معظم دول العالم : سافر الشيخ أبو العينين شعيشع إلى معظم دول العالم وقرأ بأكبر وأشهر المساجد في العالم أشهرها المسجد الحرام بمكة والمسجد الأقصى بفلسطين والأموي بسوريا ومسجد المركز الإسلامي بلندن , وأسلم عدد غير قليل تأثراً بتلاوته ولم يترك دولة عربية ولا إسلامية إلا وقرأ بها أكثر من عشرات المرات على مدى مشوار يزيد على ستين عاما قارئاً بالإذاعة . يقول الشيخ أبو العينين : وسافرت بعد العراق إلى سوريا واليمن والسعودية والمغرب وتونس وفلسطين والسودان وتركيا وأمريكا وانجلترا وفرنسا ويوغسلافيا وموسكو وهولندا وإسبانيا وإيطاليا ومعظم دول شرق آسيا وكثير من الدول التي يطول ذكرها .

الشيخ إبراهيم عبد الفتاح الشعشاعي

المصدر : مجلة البستان عدد رمضان 1422


ولد في القاهرة سنة 1930م. وهو ابن قاريء مبرز آخر هو الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي. وكان جده لأبيه قارئا أيضا، والآن يبدأ ابنه الدراسات القرآنية. وحفظ القرآن، وتعلم التجويد والقراءات في المدرسة علي أيدي الشيخ عامر عثمان، وحصل علي درجة علمية من المعهد الأزهري. وبعدئذ درس لمدة ثلاث سنوات مع الشيخ درويش الحريري، وهو موسيقي ومعلم ذائع الصيت. لم يقرأ الشيخ إبراهيم في جمهور حتي عام 1954 والتحق بالإذاعة في سنة 1968. وعين قارئا للسورة بمسجد السيدة زينب رضي الله عنها، وهي الوظيفة التي شغلها أبوه قبله. ويعترف بتأثير طريقة أبيه في القراءة علي طريقته، ويقول إن أباه كان متأثرا بطريقة الشيخ أحمد ندا، وهو قاريء من جيل سابق علي الشيخ رفعت. ويحظى الشيخ إبراهيم بالإعجاب من أجل صوته العميق الثري، وقراءته برواية ورش، ولتمكنه من أحكام الوقف والابتداء، والاتزان ووقار قراءته و توفي سنة 1992 رحمه الله.

الشيخ أحمد الرزيقي

ولادته ونسبه: الاسم أحمد الشحات أحمد الرزيقي .. نسبة إلى بلدته (( الرزيقات قبلي )) أمين عام نقابة القراء , وقارىء مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة , ولد يوم 21/2/1938م بقرية الرزيقات قبلي مركز أرمنت قنا ألحقه والده المرحوم الحاج الشحات بالمدرسة الابتدائية بالقرية . رضي الطفل بهذا لأنه هو الأسلوب المتبع لدى الناس جميعاً وذات يوم خرج الشيخ أحمد من البيت قاصداً المدرسة فرأى حشداً من الناس أمام بيت المرحوم الحاج الأمير داود التاجر المعروف بالمنطقة والذي كان هو الوحيد الذي يمتلك (( راديو )) في القرية فسأل الطفل الصغير عن سر ذلك التجمهر اللافت للنظر, وكأن عناية السماء تدخلت في حياته لتنبئ عما كتبه الله له فساقته الأقدار إلى البحث عن سبب تجمع الناس في جو شديد البرودة في هذا التوقيت بالذات قبل السادسة صباحاً – فقيل له لأن ابن بلدنا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد , دخل الإذاعة وسوف يقرأ الآن بالراديو فجلس معهم الطفل الصغير صاحب العقل الكبير , ليس ليشاركهم الفرحة فقط, ولكن لأشياء سيطرت على كيانه. وبينما الجميع في الانتظار, مشغولين بإذاعة اسم ابن بلدهم بالراديو , وانطلاق صوته العذب الجميل عبر جهاز لا حول له ولا قوة من وجهة نظرهم مع علمهم بأنه سينطق بقدرة الله الذي أنطق كل شيء. ولكن الطفل تدور الأمور برأسه دوراناً خالصا, لسان حاله يقول بصوت داخلي يهز المشاعر: إذا كان هذا الحب, وهذا التفاني, وهذا الانتظار من أجل الشيخ عبد الباسط الذي وصل إلى قمة المجد, فما هو المانع من أن أكون مثله؟ إذا كان قد حفظ القرآن فإن شاء الله سأحفظ القرآن مثله! وإذا كان صوته جميل فهذا ليس على الله بعزيز. لحظات وانطلق صوت المذيع معلنا عن اسم القارىء الشيخ عبد الباسط عبد الصمد, إذا بالجميع وكأن الطير على رءوسهم , لا ينطق اللسان, ولكن القلوب تهتف وتتراقص طرباً واستحساناً لابن بلدهم حسن الصوت. وبعد انتهاء التلاوة تبادل الحاضرون فيما بينهم عبارات التهاني والفخر والسرور, وانصرف الشيخ أحمد من بينهم دون أن يشعر به أحد, ليغير طريق حياته كلها قبل أن يغير طريق الوصول إلى المدرسة. واتجه إلى الكتّاب مباشرة, وألقى السلام على الشيخ واستأذنه في الجلوس بين أقرانه. وبدأ معهم الحفظ وظل يتردد على الكتّاب لمدة أسبوع دون أن يعلم أحد من البيت. ولكن المدرسة أرسلت خطاباً يحمل مدة الغياب عن المدرسة, فتعجب والده لأن الابن يخرج من البيت إلى المدرسة في الموعد المحدد ويعود بعد انتهاء اليوم الدراسي . فانتظر الحاج الشحات ابنه أحمد ليعرف منه سبب الإنذار. لم يخطر على بال الوالد أن الابن قد تغيب, ولما عاد الشيخ أحمد إلى المنزل ككل يوم سأله والده أين كنت الآن ؟ وهل كنت بالمدرسة أم لا ؟ فرد الشيخ أحمد على والده بفلسفة وأسلوب لا يصدق أحد أن طفلاً يتحدث به ورد قائلاً لوالده: ولماذا لم تسألني منذ تغيبت إلا اليوم ؟ فقال له والده: لأنني كنت معتقداً إنك رايح المدرسة وجاي من المدرسة ! فقص عليه ما حدث فاحتضنه أبوه وقبّله وقال له: يعني أنت اتخذت القرار من نفسك قال: نعم فشجعه على ذلك وفرح جداً. وسأله عما حفظ من القرآن , فقرأ عليه , فدعا له بالتوفيق وأقره في ذلك .

كان الشيخ أحمد حريصاً على متابعة مشاهير القراء عن طريق الإذاعة , وبالأماكن التي يسهرون فيها في الصعيد ليتعلم منهم ويقتدي بهم. وبعد أن حفظ القرآن كاملاً وهو ابن العاشرة, كافأه الوالد بأن اشترى راديو ليستمتع الشيخ أحمد بالاستماع إلى قراءة الرعيل الأول بالإذاعة. وكان الشيخ أحمد يحاول تقليدهم فيحضر زجاجة لمبة الجاز نمرة (( 5 )) ويضعها على فمه ويقرأ بها لتكون كالميكرفون وتحدث صوتاً يساعده على القراءة. يقول الشيخ أحمد الرزيقي : مثلاً كنت أضع للشيخ أبو العينين شعيشع صورة معينة في خيالي, ولكنني لما رأيته تعجبت لأنني كنت متخيلاً أن هؤلاء الكواكب والنجوم الزاهرة ليسوا كمثلنا, ولكن كالملائكة, ولما قابلت الشيخ أبو العينين قلت له الحقيقة غير الخيال, كنت متخيلاً أنك في جمال سيدنا يوسف عليه السلام وضحكنا أنا والقمر الذي يضيء دنيا القراءة السيد النقيب صاحب الفضيلة الشيخ أبو العينين شعيشع. وشاءت الأقدار بفضل الله وبفضل القرآن أن أكون الأمين العام لنقابة القراء في ظل رئاسة الشيخ أبو العينين للنقابة أي (( النقيب )) وانتقل الشيخ الرزيقي من كتّاب الشيخ محمود إبراهيم كريّم الذي حفّظه القرآن وعلمه حكايات من القصص الديني الذي يروي حياة الصحابة رضوان الله عليهم, وعلمه بعضاً من الفقه والسنة والتاريخ الإسلامي, وجزءاً من حياة النبي (ص) . إنتقل إلى معهد تعليم القراءات ببلدة أصفون المطاعنة القريبة من قريته الرزيقات قبلي. حيث تعلم التجويد والقراءات السبع وعلوم القرآن. يقول الشيخ أحمد الرزيقي: (( وتخيلت أنني لو سلكت طريق القرآن فسأكون قارئاً مشهوراً للقرآن الكريم. فرافقت القرآن مرافقة الخادم لسيده .. لأن شيخي علمني الكثير والكثير, وكانت رعايته ترقبني لأنه توسم فيّ خيراً كما قال لي. ولذلك فضله عليّ كبير, لأنه علمني أشياء أفادتني في حياتي كلها. علمني الكياسة والفطانة وكيفية التعامل مع الناس, وكيف أفكر قبل إصدار القرار, حتى في نطق الكلمة, أتذوقها أولاً فإذا كان طعمها مستساغاً أنطقها, ولكنها إذا كانت مرة المذاق , فسوف تكون أكثر مرارة إذا خرجت من لساني. وعلمني متى أتحدث, وفي أي وقت أتحدث, وكيفية احترام الكبير والصغير, فكان الكتاب جامعة داخل كتاب.


كان الشيخ محمد سليم المنشاوي أحد علماء القراءات في مصر والوجه القبلي, لقد علّم الشيخ عبد الباسط القراءات وذلك بمعهد أصفون المطاعنة , وكان هو شيخ المعهد في ذلك الحين. ولثقة الجميع بالشيخ سليم وخاصة بعدما تخرج الشيخ عبد الباسط على يده, لم يتردد الشيخ أحمد الرزيقي في الذهاب إلى الشيخ سليم. وبأصفون تلقى علم القراءات وعلوم القرآن ساعده على ذلك القرابة التي كانت تربطه بأهل أصفون يقول الشيخ أحمد : (( .. ولم أشعر بالغربة داخل بلدتي الثانية أصفون نظراً لأنهم أبناء عمومتنا, وتربطنا بهم علاقة الدم والنسب والأرحام, وكان أهل المطاعنة يطلبون من الشيخ محمد سليم زيارتي لهم, فكان يوافق الشيخ رحمه الله.


وبعد ذلك ذاع صيت الشيخ أحمد الرزيقي في كل مدن وقرى الوجه القبلي فانهالت عليه الدعوات ليسهر رمضان, ويحي المآتم والمناسبات الدينية, وأصبح محل ثقة وحب الجميع في صعيد مصر. ولم تتوقف الموهبة الفذة عند هذا الحد, ولكنها حملت صاحبها إلى القاهرة على أجنحة الإلتزام والتقدير والاعتزاز بكتاب الله عز وجل : فاشتهر في القاهرة بين كوكبة من القراء يتنافسون بحب في لقاءات وسهرات من الصعب أن يحدد المستمع من هو أقوى طرفيها أو أطرافها, لأنها كانت سهرات جامعة شاملة, في مناسبات معروفة ومحدد الزمان والمكان, يقيمها كبار تجار القاهرة في كل المناسبات وخاصة في المولد النبوي الشريف, ومولد السيدة زينب والإمام الحسين. وكان يصادف أن يدعى اثنان أو ثلاثة في سرادق واحد وربما كان من هذه الأسماء الشيخ رفعت والشعشاعي وشعيشع والمنشاوي ومصطفى إسماعيل وعبد الباسط وغيرهم: فكان من الصعب أني يأتي قارىء من الأقاليم ليفرض نفسه على الساحة بين قمم جبال راسخة, ولكن الحظ وحده جعل الشيخ أحمد يسلك الطريق, وينحت في صخور ليخط له اسماً بفضل الله تعالى, ثم بفضل شيخ مخلص هو المرحوم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد, الذي ساعد الشيخ أحمد الرزيقي وشجعه على القراءة بين هؤلاء العمالقة داخل مدينة القاهرة التي وقع مستمعوها تحت سيطرة محكمة من كتيبة القراء التي فتحت دنيا القراءة أمام أجيال ستظل تنهل من بحر عطاء لا ينضب ومجد لا ينتهي صنعه أصحاب المدارس الفريدة رحمهم الله , ونفعهم بما قدموا للمسلمين والإسلام.

كان الشيخ الرزيقي ينزل القاهرة قبل الاستقرار بها وأول شيء يفعله يتجه إلى عترة رسول الله (ص) وخاصة الإمام الحسين والسيدة زينب. وبعد ذلك يتجه إلى الشيخ عبد الباسط يتدارس معه شئونه القرآنية, وليستفيد من توجيهاته الذكية الرشيدة, وتعليماته الدقيقة. يقول الشيخ الرزيقي: وذات مرة جئت إلى القاهرة وكالعادة ذهبت إلى الشيخ عبد الباسط فقال لي: خلاص لن تعود إلى الصعيد: فقلت له : لماذا يا فضيلة الشيخ قال : لأنك ستسهر معي وتقرأ معي حتى تشتهر وتدخل الإذاعة إن شاء الله . وأخذني معه في كل مكان, وقرأت معه في كل المحافظات حتى ذاعت شهرتي , واستمع إليّ كبار المسئولين بالدولة . وأذكر أنني قرأت أمام الفريق سعد الدين الشريف و د.حسن عباس زكي وفريد باشا زعلوك والأستاذ نبيل فتح الباب , فأعجبوا بتلاوتي وأدائي , وقالوا حتماً ستكون قارئاً بالإذاعة. وكتب لي فريد باشا زعلوك خطاباً إلى صديقه الأستاذ الشاعر محمود حسن إسماعيل مراقب الشئون الدينية والثقافية بالإذاعة وقتذاك. ولكنني لم أذهب بالخطاب إلى الإذاعة وإنما سافرت إلى الصعيد. وفي عام 1967م وكنت محتفظاً بالخطاب – جئت إلى القاهرة وذهبت إلى الإذاعة لأقابل الأستاذ محمود حسن إسماعيل , وقلت له: حضرت إليك برسالة من رجل عزيز عليك, وصاحب فضل عليك. فقال من فريد باشا زعلوك ؟ فقلت له نعم: فتلقف الرسالة بشغف وتأملها, ولكنه قال: يا أستاذ فيه قرار بعدم انعقاد اللجنة إلا بعد إزالة آثار العدوان. فقلت له أدعو الله أن يزيل آثار العدوان, وأن ينصر مصر, وقلت له عندما – يأذن الله سأحضر إلى الإذاعة . وعدت إلى البلد , أقرأ القرآن في كل بلاد الوجه القبلي , وبعض محافظات الوجه البحري.

الرسالة التي كتبها إلى الرئيس السادات وردّ الرئيس عليها : يقول الشيخ أحمد الرزيقي : (( .. جلست تحت شجرة فمسني نسيم الهواء الطاهر , فحرك مرواح القلب وأنعش روحي التي استوت على حروف القرآن , لأكتب رسالة حددت مستقبلي القرآني إلى الرئيس الراحل أنور السادات قلت فيها: الأخ العزيز الرئيس محمد أنور السادات تحية طيبة وبعد .. إني أكتب إليك هذه الرسالة لا لأنك رئيس الجمهورية ولا على أنك الحاكم , وإنما على أنّك شقيق يشعر بآلام أخيه وأما قصتي فهي أنني أتلو القرآن الكريم , وأتقي الله في ذلك, وأصاحب القرآن منذ طفولتي, وجعلت نفسي خادماً له. فلم يأل القرآن جهداً في إسداء النصح إليّ, وإني قد ذهبت إلى المسئولين بالإذاعة فقالوا لي: لن تنعقد لجنة اختبار القراء إلى بعد إزالة آثار العدوان. وها نحن الآن وقد تفضل الله علينا بإزالة آثار العدوان, وانتصرنا في حرب أكتوبر, التي كنت أنت قائدها: فأرجو سيادتكم التفضل باتخاذ ما ترونه من إخطار الإذاعة أن تبعث لي بموعد اختباري كقارىء بها .. وبعد أيام قلائل جاءني رد الرئيس السادات على رسالتي برسالة تقول: الأخ العزيز القارىء الشيخ أحمد الرزيقي تحية طيبة وبعد – لقد وصلتنا رسالتكم الرقيقة والتي حملت بين سطورها معاني المحبة والإخلاص .. وقد اتصلنا بالإذاعة فوجدنا طلبكم موجوداً, وسترسل الإذاعة لاستدعائكم للإختبار , فأدعو الله لكم بالتوفيق, وأرجو لكم النجاح, وإخطاري بنجاحكم حتى أستمتع بالإستماع إليكم .. محمد أنور السادات .


وكانت فرحة الشيخ أحمد الرزيقي لا توصف باهتمام الرئيس السادات بخطابه والرد عليه.وركب أول قطار بعد وصول الرسالة إليه من الرئيس السادات ووصل إلى القاهرة واتجه إلى الإذاعة, وحدد المسئولون له موعداً لاختباره, ودخل اللجنة في الموعد المحدد. ولكن اللجنة رأت أنه يستحق مهلة 6 شهور عاد بعدها واعتمد قارئاً بالإذاعة بعد أن أثنى عليه كل أعضاء اللجنة, وحصل على تقدير الامتياز, ليصبح واحداً من أشهر قراء القرآن الكريم بالإذاعة المصرية والإذاعات العالمية كلها.

ذكريات الشيخ الرزيقي مع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد : يقول الشيخ الرزيقي : لي مع المرحوم الشيخ عبد الباسط ذكريات كثيرة جداً : سافرت معه إلى معظم دول العالم. وكان بمثابة التابع لي ولست أنا التابع له . وذلك من حسن خلقه – فكان مهذباً ومتواضعاً وعلى خلق. فعلى سبيل المثال سافرت معه إلى جنوب أفريقيا, وكانت مشاكل العنصرية هناك لا حدّ لها, ويصعب السفر والإقامة بها آنذاك. ولما وصلنا جوهانسبرج وجدنا جماهير غفيرة في استقبالنا, وخاصة من البيض, وكثير من رجال الصحافة. فقلت للمرحوم الشيخ عبد الباسط : خلي بالك من نفسك فقال الحافظ هو الله وجلسنا بصالة كبار الزوار بالمطار , وأقبلت علينا سيدة صحفية فقال لها الشيخ عبد الباسط تحدثي مع زميلي الشيخ الرزيقي .. أنا تابع له فتحدثت معي وقلت لها: لقد جئنا إلى هنا في مهمة دينية وهي تلاوة القرآن الكريم. فقالت لي : هل رأيت عنصرية هنا ؟ قلت لها: إنني جئت إلى هنا لأقرأ القرآن , ولست باحثاً عن العنصرية ولا غيرها .. فجاء صحفي يبدو أنه عنصري وقال : أنا أعرف أنكما شخصيتان مهمتان . فهل تعلمان ما أعد لكما من تأمين على حياتكما قبل أن تأتيا إلى هنا ؟ .. فقلت له: يا أخي لسنا في حاجة إلى تأمين لأننا جئنا لقضاء بعض الأيام الطيبة بين أشقائنا من المسلمين هنا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وصفاتهم, ونحن بمثابة الآباء لهم فهل يحتاج الأب إلى من يحميه من أبنائه ؟ كل هذا في حديث تليفزيوني فلما سمع الناس ذلك قابلونا ونحن متجهون إلى المسجد وقالوا: ونحن حراس عليكما.


وفي نيجيريا نزلنا عند رجل ثري جداً بأحد الفنادق فتركنا وقال هذا الجرس تستخدموه عند الحاجة ولما جعنا ضغطت على الجرس فجاء رجل طوله متران ونصف ولا يفقه كلمة عربية واحدة ولا حتى إنجليزية فأشرت له بإشارات عرف منها أننا نتضور جوعاً, فأحضر كتاباً به قوائم للطعام بالإنجليزي , وزاد الموقف صعوبة فقال لي الشيخ عبد الباسط : اصرفه فضحكت وقلت له: كيف أصرفه اقرأ عليه قرآن يعني ؟ وضحكنا وبعد فترة من الوقت جاءنا الطعام.


السفر إلى دول العالم : لم يترك الشيخ الرزيقي بلداً عربياً ولا دولة إسلامية ولا جالية إسلامية في دولة أجنبية ولا جزيرة في عرض بحر إلا وذهب إلى المسلمين في شهر رمضان ليمتعهم بما أفاء الله عليه من نعمة حفظ كتاب الله والحافظ عليه بتلاوته بما يرضي الله تعالى .. وسر تدفق الدعوات الخاصة على الشيخ الرزيقي من الدول الشقيقة لإحياء شهر رمضان والمناسبات الدينية المختلفة هو أنه يراعي الله في تلاوته ويتقيه ويؤدي أداءً محكماً ليرضي الرب قبل إرضاء العبد ولا نظن أن ما يرضي الخالق لا يرضي المخلوق وأنّ ما يرضي الحق جلت قدرته يجعل العباد في شوق إلى هذا الأداء الملتزم الموزون بكل دقة.

مواقف طريفة لا ينساها الشيخ الرزيقي : حياة الشيخ أحمد الرزيقي حافلة بالذكريات المختلفة عبر رحلة ممتدة عبر ما يقرب من أربعين عاماً قضاها في رحاب هدى القرآن ونوره وخاصة الذكريات والمواقف مع مثله العليا من العلماء والفقهاء والأدباء يقول الشيخ الرزيقي : (( .. وأثناء اختباري كقارىء بلجنة إختبار القراء بالإذاعة والتي كان الشيخ الغزالي رحمه الله أحد أعضائها .. طلب مني فضيلته أن أقرأ سورة التغابن تجويداً .. فقلت لفضيلته : لم أعود نفسي على تجويدها , ولكنني أجيد أداءها ترتيلاً . فأصر وألح عليّ لأجودها , ولكنني كنت أكثر إصراراً فقال له زميله باللجنة المرحوم الدكتور عبد الله ماضي يا شيخ محمد الشيخ أحمد الرزيقي صادق وهذه تحسب له .. فأود أن تجعله يقرأها مرتلاً .. وكان الشيخ محمد الغزالي سمحاً ما دام الأمر لا يؤثر على أحكام الدين والقرآن فقال لي : رتلها يا شيخ أحمد فرتلت سورة التغابن وسعد الشيخ الغزالي بالأداء لدرجة أنه شكرني وأثنى على أدائي المحكم . ودارت الأيام ومرت مر السحاب , صنع الله الذي أتقن كل شيء وبعد أن أصبحت قارئاً مشهوراً بالإذاعات العالمية جاءتني دعوة لإحياء شهر رمضان بدولة قطر عام 1985م وشرفت بصحبة الشيخ محمد الغزالي الذي دعي لإلقاء دروس العلم .. وفي ليلة بدر وكان مقرراً أن أبدأ الإحتفال بتلاوة القرآن ويقوم فضيلة الشيخ الغزالي بالتعليق على ما أتلوه .. فطلب مني أن أقرأ من سورة آل عمران : (( .. ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة )) فقلت له إنني سأقرأ (( التغابن )) فابتسم ابتسامة عريضة ولأنه صاحب مكانة جليلة وأخلاق كريمة قال اقرأ آيتين من آل عمران ثم اقرأ التغابن حتى نتحدث في المناسبة ثم أقوم بتفسير ما تقرأه من التغابن .. لم أقصد من وراء قولي هذا لفضيلة الشيخ الغزالي إلا لأذكره فقط بما حدث بلجنة الاختبار.

ولن أنسى موقفاً حدث لي ببريطانيا في مدينة شفيلد : وهذا الموقف مهم جداً أذكره لبعض المدعين أنهم مسلمون وهم يقتلون الأبرياء ويهددون ضيوف مصر القادمين لرؤية حضارة مصر والإستمتاع بجوها الساحر !! نزلت في منزل الشيخ زهران إمام المسلمين هناك وكنت أستيقظ متأخراً بعد ما يخرج الشيخ زهران إلى عمله. ولأنني بمفردي بالمنزل. دق الجرس ففتحت الباب فوجدتهم مجموعة من الأطفال فقالوا: لي صباح الخير بالإنجليزية ورديت التحية عليهم, ولم أعرف منهم ماذا يريدون, وكانت هناك سيدة ترقب الموقف من أمام منزلها فجاءت مسرعة لتعتذر لي وصرفتهم وانصرفت السيدة ومعها الأطفال, ونسيت ما حدث لأنه شيء عادي من وجهة نظرنا هنا, ولكن في المساء فجأة دق جرس الباب ففتح الشيخ زهران, وقال لهم: ماذا تريدون ؟ قالوا نريد الشيخ. قال لهم: لماذا ؟ فقالوا لنشرح له ما حدث من الأطفال في الصباح, ونعتذر له. وجلست مع الوفد الذي جاء تقديراً واحتراماً لي, وقالوا لقد جاء الأطفال ظنّا منهم أن أبناء الشيخ زهران بالمنزل, لأن الأطفال هنا تعودوا على الخروج إلى الجناين ليتنزهوا, ولقضاء يوم السبت بالمنتزهات, وكذلك يوم الأحد والأطفال الذين حضروا إلى هنا وأزعجوك هم أعضاء إحدى جمعيات الأطفال , ونحن جميعاً المسئولين عن الجمعية, فجئنا ومعنا الأطفال حتى نعتذر لك عما بدر منهم, لأنك ضيف عزيز, ويجب أن نعمل على راحتك. فقلت في نفسي يا ليتنا في مصر نعرف حق الضيف كما يعرف هؤلاء.

تكريم الدولة للشيخ أحمد الرزيقي : حصل الشيخ أحمد الرزيقي على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى تقديراً لدوره في خدمة القرآن الكريم كما حصل على العديد من الميداليات وشهادات التقدير ولكن أغلى شهادة وأعظم وسام حصل عليه كما يقول هو حب الناس إليه.

الشيخ أحمد محمد عامر


ولادته : ولد الأستاذ أحمد محمد علي عامر عضو مجلس إدارة نقابة القراء يوم 28 يناير عام 1936م . في حارة برجوان بحي الجمالية على مقربة من ميدان الإمام الحسين , حيث المآذن المتألقة فيخيل للناظر أن مآذن الجامع الأزهر تعانق وتصافح مئذنتي المسجد الحسيني , فيختلط الأذان بالأذان كل يوم خمس مرات. وبعد فترة قصيرة لا تزيد على العشر دقائق بعد ارتفاع صوت الحق مناديا في الناس بالإقبال على الصلاة , تنطلق حناجر المؤذنين مرة ثانية , معلنة إقامة الصلاة , ليقف الخلق بين يدي الخالق جلت قدرته. وإذا كان المولود يؤذّن في أذنه مرةَ , فإن هذا الوليد انفرد بحظ عظيم وهو تلقينه الأذان منذ ولادته كل يوم خمس مرات , من أعظم وأجل وأشرف الأماكن بمصر , وكأن النوافذ كلها كانت مفتحة ليسمع هذا الطفل أول ما يسمع .. الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله اشهد أن محمدا رسول الله ... ويا لها من نشأة دينية بين أحضان الأزهر والحسين . كانت طفولته تحمل معاني كثيرة تظهر من خلال تصرفاته الحكيمة , التي تسبق سنه . فلما بلغ أشده تعلم المشي , ولكنه ليس كمشي الأطفال الذين هم في مثل سنه , ولكنه كان سيراً إلى رحاب الأزهر والحسين , وبدلاً من تعليمه المشي داخل المنزل وكيف يتخطى أعتاب البيت , تعلم كيف يتخطى أعتاب الأزهر والمسجد الحسيني , فسارت به قدماه إلى حيث شاء الله لا إلى ما شاء العباد .وإذا كانت التربة الطيبة لا تنبت إلا طيبا فإن الأرض التي نبت فيها هذا الطفل الموهوب أحمد محمد علي عامر سقيت برشح مسك نتج عن بضعة جسد الإمام الحسين الطاهر الشريف , فاختلط هذا المسك بكل ما هو طيب في هذه البقعة العريقة من قلب مدينة القاهرة والتي أصبحت مهبط العلماء , ومقصد الطلاب , وروضة المحبين, ومنهل الراغبين, ومحراب الذاكرين. فوجد هذا الطفل البرىء نفسه تسبح وقلبه يهفو وروحه تحلق في جو يأخذه أحياناً إلى عالم فوق إدراك طفل يناديه القرآن , ويضمه إليه بكل حنان . فعاش طفولة تختلف اختلافاً كليا عن طفولة أقرانه. لم يعرف اللهو إليه مدخلاً ولا اللعب إليه سبيلا. جاءته الرجولة المبكرة تمشي على استحياء وكأنها تستأذن القرآن الذي يحضنه ويضمه إليه ضما – بأن ترعى هذا الوليد الذي يبزغ نجمه بعد سن الخمسين . ولذلك فإنه يعد بجليل القيم وعظيم المبادىء منذ الصغر ليكون مؤهلاً ليس لحفظ القرآن فحسب وإنما لأن يكون كشجرة أصلها ثابت وفروعها في العنان , ليصبح في يوم من الأيام جامعة بشرية يتخرج فيها آلاف من الحافظين لكتاب الله ومئات من المحفظين والملقنين كلام الله لعباده غير المغضوب عليهم ممن قال فيهم الحبيب المصطفى رسول الله (ص) خيركم من تعلم القرآن وعلمه .

نشأته : نشأ الطفل الصغير أحمد محمد علي عامر على الطاعة منذ الصغر طاعة الله وطاعة رسوله (ص) وطاعة الوالدين فأحبه الله .. كان والده رحمه الله الحاج محمد علي عامر يعمل بالتجارة التي لم تكن مربحة آنذاك لدرجة تجعله من الأثرياء , ولكنها كانت تجارة من أجل العيش والإنفاق على الأسرة متوسطة الدخل . وكان الحاج محمد رحمه الله ينظر إلى ابنه أحمد نظرة تحمل معاني كثيرة تترجم عن رغبته في أن يكون هذا الإبن هو السند الذي سيساعده على تحمل المسئولية والسعي معه في مجال التجارة ومشاركته في تحمل المسئولية . ولما بلغ معه السعي وأصبح في زهرة العمر ألحقه بالمدرسة الإبتدائية ليتعلم القراءة والكتابة والحساب ليتمكن من إدارة العملية التجارية معه . كان الطفل مطيعاً كما ذكرنا سالفاً ولذلك لم يقل لأبيه لا ولا لما فكرت في هذا ولكنه كان يقول دائماً لأبيه نعم . بعد المرحلة الإبتدائية ترك التعليم واشتغل بالتجارة بناءَ على رغبة والده , فكان خير فتى يتسم بالصدق والأمانة والسماحة ورقة المشاعر , وكأن الزمن تولاه برعايته ليعده إعدادا طيبا كريما لأن يكون نهرا قرآنيا يتدفق منه القرآن ليخط في الأرض قنوات قرآنية تروي ملايين الظمأى برحيق مختوم ختامه مسك .


لم ينشغل الغلام الحليم أحمد محمد علي عامر بالتجارة الدنيوية الفانية فقط ولكنه كان يعلم أن هناك تجارة لن تبور وهي التجارة مع الله لم ينس ذكر الله ولم يغفل عن مستقبله الأخروي لأنه يخاف يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار, ولنه مجهز ومؤهل لهذا عرف الحقيقة والفلسفة العميقة من مقصود قولهم: (( ساعة لقلبك وساعة لربك )) . نفذ هذه المقولة تنفيذا صحيحا سليما فكان يجعل من وقته الذي سيسأل عنه يوم القيامة ساعات لربه بالطاعة في كل شيء حتى في العمل الذي يقتات من ورائه وكل اساليب الحياة التي أمرنا بها, وساعات لقلبه ليس بالترفيه واللهو وإرضاء هوى النفس وإنما بالقرآن والذكر لأن راحة القلوب والترويح عنها يكون بالقرآن وتلاوته والذكر ومداومته ونسيان كل زائل والتفكر في كل ما هو باق لا يزول فالقلب لا يحلق ولا يطير في عالم كله نعيم مقيم إلا بالقرآن والذكر الحكيم.


بعد أن بلغ أربعين عاماً ظهرت الرؤيا واكتمل القمر ليضيء الطريق الذي قلنا إنه كان يمهد بإتقان لهذا الرجل منذ الطفولة لحكمة يعلمها الله كما ذكرنا, لم ينشغل الأستاذ أحمد محمد علي عامر بالتجارة ولا بالمصالح الدنيوية كلية ولكنه عزم عزماً أكيداً على أن يحفظ القرآن الكريم وهو في العقد الخامس من العمر وهنا يتضح لنا أنه ليس هناك شيء اسمه (( المستحيل )) .. تردد على مجالس العلماء وتقرب منهم لينهل من علمهم ويحفظ القرآن بإتقان. واستقر به المطاف إلى مقرأة الجامع الأزهر الشريف التي كانت تضم العشرات من المتمكنين من القرآن وفي مقدمتهم المرحوم الشيخ أحمد بركات , وأصبح الأستاذ أحمد عامر عضواً دائماً بالمقرأة وبالإصرار والعزم تلقى القرآن وحفظه في مدة لا تزيد على الخمس سنوات حتى وصل إلى درجة عالية من الحفظ أهلته لأن يكون شيخ المقرأة بالجامع الأزهر الشريف أثناء غياب الشيخ بركات وذلك برغبة من أعضائها.


إختياره عضواً بمجلس إدارة نقابة محفظي وقراء القرآن الكريم : وذات يوم شاهد الشيخ محمد محمود الطبلاوي وسمع الأستاذ أحمد عامر بالجامع الأزهر الشريف وهو يقرأ القرآن على أعضاء المقرأة ويلقنهم القرآن بطريقة تحبب وترغب الصغير والكبير في الإقبال على حفظ القرآن فأعجب الشيخ الطبلاوي بطريقة الأستاذ أحمد عامر وانبهر بشدة إتقانه لأحكام تلاوة القرآن فحدث عنه الشيخ (( أبو العينين شعيشع )) نقيب قراء مصر وأثنى عليه بما هو أهل له فلم يتردد الشيخ أبو العينين شعيشع في دعوة هذا الرجل النابغة واختير عضواً بمجلس نقابة محفظي وقراء القرآن الكريم بجمهورية مصر العربية , والتي يرأس مجلس إدارتها فضيلة الشيخ أبو العينين شعيشع.


طريقته الفريدة في تحفيظ القرآن الكريم : علاوة على أنه يخدم القرآن وأهله يقوم بتدريس أحكامه وبتعليمه عن طريق مقرأة هو شيخها كل يوم جمعة قبل أذان الظهر بساعة كاملة يجلس أمام الميكروفون بمسجد الرحمن الذي بناه مما أفاء الله به عليه وأسسه على هيئة الحرم النبوي الشريف وهو مسجد يعتبر مفخرة لكل مسلم من حيث الدقة في التصميم والخدمة الجليلة في تعليم القرآن بالإضافة إلى عدة مقارىء في الأسبوع الواحد أشهرها (( يومي الجمعة والثلاثاء )) الذي يكون شيخ المقرأة فيه فيه فضيلة الشيخ رزق حبه .. وأما مقرأة السبت فهي للسيدات بين المغرب والعشاء .. ففي يوم الجمعة تجد المئات يتوافدون منذ العاشرة صباحاً ليجلسوا بالمقرأة أمام الحاج أحمد عامر ليشرح لهم كيف يكون النطق الصحيح لأحرف وكلمات القرآن وبطريقته السهلة اليسيرة الفريدة يتناول كل حرف وما يليه والعلاقة بين المتجاورين من الحروف وسبب تعدي الحرف على جاره من خلال النطق الغير سليم وما هو نصيب كل حرف من المساحة الصوتية والمكان الذي يخرج منه الحرف , ثم ينتقل من الحروف إلى الكلمات ومدى العلاقة الوثيقة بين الكلمتين المتجاورتين اللتين لا يجرؤ أحد أن يفصل بينهما أبداً لما بينهما من علاقة جوار عن طريق الحروف والأحكام وعلامات ضبط الحروف وكيف يستلم الكلمة من أختها والجارة بجارتها دون خلل وكيف تتصل كلمة بأختها دون إظهار للإلتحام بينهما .. منتهى الدقة ومنتهى الأمانة ومنتهى الإلهام والإتقان كل هذا يحدث والجميع ينصت وكأن على رؤوسهم الطير .


وبعد شرح وتحليل الربع الذي يتناوله الأستاذ أحمد عامر يقوم فضيلته بالقراءة ويردد خلفه كل الحاضرين بالمقرأة في المسجد عن طريق السماع والنظر في المصحف الذي سلمه لكل منهم الأستاذ أحمد عامر الذي بقدرة الله وجوده استطاع أن يوفر لكل فرد بالمقرأة مصحفاً حتى ولو بلغ عددهم الآلاف .


ويقول الأستاذ أحمد عامر (( .. والقرآن عبارة عن 28 حرفاً هي الحروف الأبجدية إذا نطقت كل حرف من مكانه وأعطيته حقه ومساحته التي حددها علماء الصوتيات وفقهاء اللغة دون تعد من حرف على حرف أو إعطاء جزء من حق حرف لجاره , فاعلم أنك ستجد سهولة ويسراً في حفظك للقرآن لأنك في الكلام العادي تنطق الكلمات والأسماء نطقاً صحيحاً . ولكن لأن القرآن يرتبط كلامه ببعضه وحروفه ببعضها قد تخطىء وتفخم حرفاً مرققاً إذا جاور حرفاَ مفخماً .. فمثلاً إذا نطقت كلمة (( أفتطمعون )) البعض ينطقها بتفخيم الهمزة والفاء والتاء والميم فتكون قد أخطأت في كلمة واحدة أربعة أخطاء وأنت لا تدري, وتعتقد أنك نطقتها نطقاً صحيحاً. لأنك عندما فخمت الهمزة وهي مرققة أدخلت نفسك في دائرة التفخيم فصعب عليك استخلاص المرقق من المفخم لأنك لم تتعلم كيفية استخدام الحروف , والصواب أن ترقق الهمزة والفاء والتاء والميم وتستخرج نطق الطاء من بين كل هذه الحروف المرققة كأنك تمتلك قطعة من الصوف داخل كتلة من الحرير ويجب أن تستخرج الصوف من الحرير دون جرح الحرير أو الجور والتعدي عليه لفصل الحرير عن الصوف هكذا يجب أن تفعل هذا مع المرقق والمفخم من حروف القرآن وينتهي جزء من كلامه ليبين لنا مدى فهم الرجل للقراءة ومدى توصيل المعلومة بسهولة ويسر إلى المتلقي .


ولأن الأستاذ أحمد عامر أصبح سبباَ قوياً في انتشار المقارىء في شتى أحياء القاهرة نجد أن تلاميذه الذين تخرجوا في جامعته القرآنية أصبحوا محفظين وشيوخاً بمقارىء عرفت بهم لأنهم مؤسسوها وشيوخها المعترفون بأستاذية هذا الرجل معلمهم ومحفظهم بإتقان لا مثيل له


هذه القصيدة نظمها الأستاذ محمد مصطفى حسّان وهو من رواد مسجد الرحمن الذي حفظوا القرآن الكريم كاملاً بالأحكام على يد فضيلة الأستاذ أحمد محمد علي عامر الذي لم يسع إلى الشهرة أبداً ولم يأمل في يوم من الأيام أن يمدحه أحد أو يثني عليه حتى يرفع عمله إلى السماء.

الشيخ السيد متولي عبد العال




http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L369xH378/art319-1-cde3d.gif



ولادته : ولد القارىء الشيخ سيد متولي بقرية الفدادنة مركز فاقوس بمحافظة الشرقية يوم 26 إبريل عام 1947م. في أسرة يعمل عائلها بالزراعة كبقية أهل القرية.


كان والده يتطلع إلى السماء داعياً رب العزة أن يرزقه ولداً بعد البنات الأربع ليكون لهم رجلاً وملاذاً بعد وفاته. وكانت الأم في شوق إلى ابن يقف بجوار شقيقاته الأربع بعد رحيلها حتى تطمئن على بناتها بوجود أخ لهن يأوين إليه عند الشدائد والملمات ويجدنه بجوارهن دائماً. وتأكيداً لرغبة الأم الشديدة في إنجاب غلام حليم دعت الله أن يرزقها الولد لتهبه لحفظ القرآن الكريم ليكون أحد رجال الدين وخادماً لكتاب الله عز وجل وعاملاً بحقل الدعوة الإسلامية. استجاب المولى لرجاء الوالدين ورزقهما بطفل ليبعث في نفسيهما الأمل ويبث في قلبيهما السكينة والإطمئنان. عم الخير أرجاء البيت بمقدم الوليد وسهرت الأم ليلها ونهارها ترقب نمو ابنها متمنية أن تراه رجلاً بين عشية أو ضحاها .. مرت الأيام مر السحاب وتعاقب الليل والنهار وتوالت الشهور وبلغ الابن الخامسة من عمره فأخذه أبوه وذهب به إلى كتّاب الفدادنة وقدمه إلى الشيخة (( مريم السيد رزيق )) التي ستقوم بتلقينه الآيات والذكر الحكيم . وتعاهد الاثنان والوالد والشيخة مريم على الإهتمام بالابن سيد متولي أدق ما يكون الإهتمام, ورعايته أفضل ما تكون الرعاية فتعاون البيت مع الكتاب وقدما العون للطفل ابن الرابعة حتى يتفرغ لحفظ القرآن ومراجعته وإجادة نطقه. وجدت الشيخ مريم علامات النبوغ ومؤشرات الموهبة لدى تلميذها فانصب اهتمامها عليه وعاملته معاملة متميزة لتصل به إلى حيث تضعه الموهبة دون تقصير ولا يأس, فهي المحفّظة التي تخرج على يديها وفي كتّابها مئات من الحفظة مما مكنها من معرفة إمكانات الموهوب وكيف تثقل موهبته كملقنة لها خبرتها ونظرتها الثاقبة.


يقول الشيخ سيد متولي عن مرحلة الطفولة : (( .. ولولا الشيخة مريم وفضلها عليّ ما استطعت أن أحفظ القرآن بهذا الإتقان. ومازلت أذكر محاسنها وإمكاناتها وأمانتها في التحفيظ والتلقين والصبر على تلاميذها وكيفية تعاملها مع الحفظة بطريقة تميزها على بقية المحفّظين بالإضافة إلى قناعتها بما كتبه الله , ولأنها كفيفة اعتبرت عملها رسالة ودعوة إلى الله وكانت تردد لنا قول النبي (ص) : (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) وعندما يتخرج في كتابها حافظ للقرآن كاملاً كنت تجدها أسعد من في الوجود وكأنها ملكت الدنيا في قبضتها واقتربت من أبواب الجنة باعتبارها من ورثة كتاب الله عزل وجل .. وهي الآن ما زالت تحفظ القرآن متمتعة بالقبول والرضا ويكفيها من الخير أنها تستضيف وفود الملائكة كل يوم بكتّابها يزفون إليها البشرى من ربهم بأن لها من الله أجراً عظيماً )). ولما بلغ الفتى القرآني سيد متولي السادسة من عمره ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية بالقرية فلم ينشغل بالدراسة عن الكتّاب لأن القرآن كنز الدنيا والآخرة.

عرف الشيخ سيد متولي بين زملاء المدرسة واشتهر بأنه قارىء للقرآن وسعد به المدرسون والتلاميذ الذين قدموه لتلاوة القرآن كل صباح بالمدرسة وكثيراً ما افتتح الحفلات التي كانت تقام في المناسبات المختلفة. ظل التلميذ الموهوب سيد متولي يتردد على كتّاب الشيخة مريم حتى أتم حفظ القرآن كاملاً وهو في سن الثانية عشرة. أصبح الشيخ سيد متولي قارىء القرية في المناسبات والمآتم البسيطة وأحيا ليلة الخميس والأربعين فنجح في ذلك بتفوق لأنه نال إعجاب الناس جميعاً فأشار بعضهم على والده أن يذهب به إلى الشيخ (( الصاوي عبد المعطي )) مأذون القرية ليتلقى عليه علم القراءات وأحكام التجويد, وخاصة أنه يجيد حفظ القرآن وتلاوته بصوت قوي وجميل ولا ينقصه إلا دراسة الأحكام .. استجاب الوالد لتوجيه المقربين إليه وذهب بابنه إلى الشيخ (( الصاوي )) حزن عليه تلميذه الشيخ سيد متولي لأنه كان صاحب فضل عليه حيث علمه أحكام التجويد برواية حفص باتقان مكنه من تلاوة القرآن بجوار عمالقة القراء.


ولم يقتصر هذا العطاء وهذا الفضل عند هذا الحد, ولكن شاء القدر أن يبقى ذكر الشيخ (( الصاوي )) محفوراً بذاكرة الشيخ سيد متولي وكيانه .. وخاصة بعدما حصل الشيخ سيد متولي على المأذونية خلفاً لأستاذه الشيخ (( الصاوي )) ليصبح الشيخ سيد قارئاً للقرآن ومأذوناً لقريته (( الفدادنة )) وحباً في تحصيل علوم القرآن وحرصاً على التمكن من كتاب الله ذهب طموح الشيخ سيد به إلى قرية العرين المجاورة للفدادنة ليتعلم علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ طه الوكيل فوجد اهتماماً ورعاية وأمانة واتقاناً وحرصاً من الشيخ الوكيل شجعه على الإغتراف من علمه وأثقل موهبته بما تلقاه من علوم قرآنية على يد هذا العالم الجليل .. بعد ذلك ذاع صيته في محافظة الشرقية وانهالت عليه الدعوات من كل أنحاء الشرقية وبدأ يغزو المحافظات الأخرى المجاورة لإحياء المآتم وكثيراً ما قرأ بجوار مشاهير القراء الإذاعيين أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ البنا والشيخ عبد الباسط والشيخ حمدي الزامل والشيخ السعيد عبد الصمد الزناتي .

يقول الشيخ سيد متولي : (( .. ولما بلغت العشرين عاماً ذاع صيتي ووصلت شهرتي إلى كل المحافظات المجاورة لمحافظة الشرقية ودعيت لإحياء المآتم الكبرى بجانب مشاهير القراء فلم تأخذني الرهبة لأنني تعلمت على يد واحدة من أفضل محفظي القرآن وهي الشيخة مريم التي مازلت أذكر بالفخار أنها أستاذتي ومعلمتي, وفي البداية لم أنظر إلى الأجر الذي لم يتعد جنيهاً واحداً عام 1961م وعام 1962م. وفي عام 1970 دعيت لإحياء مأتم كبير ففوجئت بوجود المرحوم الشيخ محمود علي البنا, فسعدت بأنني سأقرأ بجواره في سهرة واحدة ولو لم أحصل على أجر فإن سعادتي كانت أعظم, وبعدها قرأت مع المرحوم الشيخ عبد الباسط والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ الطبلاوي )).


بعد عام 1980م وصلت شهرة الشيخ سيد متولي إلى المحافظات وامتدت في نفس العام إلى خارج مصر .. فذاع صيته في بعض الدول العربية والإسلامية من خلال تسجيلاته على شرائط الكاسيت التي جعلته أشهر قارىء خارج الإذاعة وتفوق على كثير من قراء الإذاعة من حيث الشهرة وحب الناس له. ويرجع سبب هذا التفوق إلى إمكاناته المتعددة (( صحياً )) ما شاء الله لا قوة إلا بالله , وصوتياً متمتعاً بأحبال صوتية قوية جداً وطول في النفس بغير شهيق – كما يفعل بعض القراء – وصوت رخيم عريض جميل, وقدرته على التلوين وفهمه لمعاني كلمات القرآن. متميزاً على كل القراء بارتدائه الطربوش (( المغربي )) الذي كان يرتديه الشيخ أبو العينين شعيشع في بداية حياته مع القرآن.


قارىء الإذاعات العربية والإسلامية والسفر إلى الخارج : بعد شهور سيبلغ الشيخ متولي الخمسين عاماً ولم يلتحق بالإذاعة المصرية حتى الآن ولكنه قام بتسجيل القرآن لبعض الإذاعات العربية والإسلامية وله تسجيلات تذاع بالأردن وإيران وبعض دول الخليج. وهو الآن أصبح منافساً بقوة لمشاهير القراء الإذاعيين وخاصة بعدما دخلت تسجيلاته كل بيت وفي متناول كل يد وخاصة السيارات والمحلات المنتشرة في أكبر ميادين المدن الكبرى .. ويقول عن سبب شهرته وانتشاره بقوة : (( .. والسبب الحقيقي في شهرتي وذيوع صيتي هو أنني أراعي الله في تلاوتي لكتابه .. والقارىء إذا كان مخلصاً لربه وللقرآن وللناس فلن يجد إلا القبول والتوفيق .. وعن علاقاتي فهي طيبة مع كل الناس وخاصة زملائي القراء ولكن في حدود , لأني دائماً أراجع القرآن في أوقات الفراغ. وأما عن التقليد فلست من مؤيديه لأن المقلد سرعان ما ينتهي لأن الناس دائماً يحنون إلى الأصل, وهذا لا ينفي التقليد في البداية فكل قارىء يبدأ مقلداً ولكن في الوقت المناسب يجب أن يستقل بشخصيته وتكون له طريقته التي تميزه )) .. ولأن القرآن هو الثروة التي لا تعادلها ثروة في الحياة, حرص الشيخ سيد على أن يكون له ابن من حفظة القرآن ليكون امتداداً له.. فوجد إقبالاً شديداً من ابنه (( صلاح )) على حفظ القرآن فأرسله إلى كتّاب الشيخة مريم وهو الآن يحفظ ما يقرب من عشرين جزءاً حفظاً جيداً بجانب دراسته بالصف الرابع الثانوي بمعهد السلاطنة الديني.


سافر الشيخ سيد متولي إلى كثير من الدول العربية والإسلامية والأفريقية لإحياء ليالي شهر رمضان وتلاوة القرآن الكريم بأشهر المساجد هناك وله جمهوره المحب لصوته وأدائه في كل دولة ذهب إليها وهذا الحب والقبول أعز ما حصل عليه الشيخ سيد متولي على حد قوله. وخاصة إيران والأردن ودول الخليج العربي.

الإذاعة .. ورحلة كفاحه حتى وصل إلى هذه الشهرة : وعن التحاقه بالإذاعة يقول: الآن حان الوقت للتقدم للإذاعة والله أدعو أن يوفقني حتى أستطيع أن أخدم القرآن الكريم من خلال الإذاعة التي تدخل كل بيت داخل مصر وخارجها. والإذاعة صاحبة فضل على كل قارىء مشهور. ويعتبر الشيخ سيد متولي واحداً من أشهر القراء الذين دخلوا قلوب الناس وكتبوا لأنفسهم تاريخاً بالجهد والعرق والكفاح كالشيخ جودة أبو السعود والشيخ عبد الحق القاضي وغيرهما من القراء الموهوبين الذين قرأوا القرآن على أنه رسالة ولكن حظهم من الشهرة لم يبلغ قدرهم, ولكنهم كانوا يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى.

الشيخ الشحات محمد أنور



http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L267xH315/shahhat-490e6.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ الشحات محمد أنور قارىء مسجد الإمام الرفاعي, يوم 1 يوليو, عام 1950م في قرية كفر الوزير – مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية في أسرة صغيرة العدد .. وبعد ثلاثة أشهر من ولادته, مات أبوه فلم يتمكن الطفل من تمييز ملامح أبيه الذي ترك طفلاً يتيماً يواجه أمواج الحياة وتقلبات الأيام بحلوها ومرها.ولأن حنان الأم لا يعادله حنان, احتضنت الأم وليدها وانتقلت به للإقامة بمنزل جده ليعيش مع أخواله حيث الرعاية الطيبة التي قد تعوضه بعض الشيء وتضمد جراح اليتيم التي أصابته قبل أن تنبت له الأسنان.


قام خاله برعايته, وتبناه فكان خير أمين عليه لأنه قام بتحفيظه القرآن. كان لنشأته في بيت قرآن الأثر الكبير في إتمامه لحفظ القرآن وهو في الثامنة من عمره, وبواسطة خاله الشيخ حلمي محمد مصطفى رحمه الله راجع القرآن أكثر من مرة.. ولما بلغ العاشرة ذهب به خاله إلى إحدى القرى المجاورة وهي قرية (( كفر المقدام )) ليجود القرآن على يد المرحوم الشيخ علي سيد أحمد ((الفرارجي)) الذي أولاه رعاية واهتماماً خاصاً, لأنه لديه الموهبة التي تؤهله لأن يكون واحداً من أشهر قراء القرآن في مصر والعالم كله.

يقول الشيخ الشحات مسترجعاً أيام الطفولة : (( ... في تلك الفترة كنت سعيداً بحفظ القرآن سعادة لا توصف, وخاصة أثناء تجويدي للقرآن بعد ما أتممت حفظه .. ولأن صوتي كان جميلاً , وأدائي للقرآن يشبه أداء كبار القراء, تميزت على أقراني وعرفت بينهم بالشيخ الصغير, وهذا كان يسعدهم جميعاً وكان زملائي بالكتّاب ينتهزون أي فرصة ينشغل فيها الشيخ عنا ويطلبون مني أن أتلو عليهم بعض الآيات بالتجويد ويشجعونني وكأنني قارىء كبير. وذات مرة سمعني الشيخ من بعيد فوقف ينصت إليّ حتى انتهيت من التلاوة فزاد اهتمامه بي فكان يركز عليّ دون الزملاء لأنه توقع لي أن أكون ذا مستقبل كبير على حد قوله رحمه الله ... واذكر أنني أثناء تجويدي للقرآن كنت كثيراً ما أتلو على زملائي ففكر أحدهم أن يحضر علبة كبريت (( درج )) ويأخذ منها الصندوق ويضع به خيطاً طويلاً ويوصله بالعلبة فأضع أحد أجزاء العلبة على فمي وأقرأ به كأنه ميكرفون وكل واحد من الزملاء يضع الجزء الآخر من العلبة على أذنه حتى يسمع رنيناً للصوت فيزداد جمالاً وقوة.. كل هذا حدد هدفي وطريقي وأنا طفل صغير وجعلني أبحث جاهداً عن كل السبل والوسائل التي من خلالها أثقل موهبتي وأتمكن من القرآن حتى لا يفر مني وخاصة بعد ما صرت شاباً مطالباً بأن أعول نفسي ووالدتي وجدتي بعد وفاة خالي الذي كان يعول الأسرة, فكنت لما أسمع أن أحد كبار العائلات توفي وتم استدعاء أحد مشاهير القراء لإحياء ليلة المأتم كنت أذهب وأنا طفل في الثانية عشرة وحتى الخامسة عشرة. إلى مكان العزاء لأستمع إلى القرآن وأتعلم من القارىء وأعيش جو المناسبة حتى أكون مثل هؤلاء المشاهير إذا ما دعيت لمثل هذه المناسبة.

المنافسة : الشيخ جوده أبو السعود والسعيد عبد الصمد الزناتي والشيخ حمدي الزامل الذين أشعلوا المنافسة في المنطقة بظهورهم دفعة واحدة ولكن والحق يقال – ظهرت موهبة الفتى الموهوب فجأة لتدفعه بين عشية أو ضحاها ليكون نداً للجميع واحتل مكانة لا تنكر بينهم رغم صغر سنه فتألق كقارىء كبير يشار إليه بالبنان وهو دون العشرين عاماً.

كانت بداية الشيخ الشحات بداية قاسية بكل معايير القسوة لم ترحم تقلبات الحياة المرة طفلاً يحتاج إلى من يأخذ بيده وينشر له من رحمته ويحيطه بسياج من العطف والحنان وبدلاً من هذا عرف الأرق طريق الوصول إليه فكيف ينام أو تقر له عين ويسكن له جفن أو يهدأ له بال وهو مطالب بالإنفاق على أسرة كاملة فبدأ بتلبية الدعوات التي انهالت عليه من كل مكان وهو ابن الخامسة عشرة فقرأ القرآن في كل قرى الوجه البحري بأجر بسيط آنذاك لا يتعدى ثلاثة أرباع الجنيه إذ كانت السهرة بمركز ميت غمر تحتاج إلى سيارة وقد تصل إلى 7 جنيهات إذا لزم تأجير سيارة مهما يكن نوعها. فكان يعود من السهرة بما تبقى معه من الأجر ليسلمه إلى جدته ووالدته فتنهال عليه الدعوات مما يشجعه على تحمل الصعاب في سبيل التطلع إلى إلى حياة كريمة شريفة يتوجها بتاج العزة والكرامة وهو تلاوة كتاب الله عز وجل .

استطاع الشيخ الشحات في فترة وجيزة أن يكّون لنفسه شخصية قوية ساعده على ذلك ما أودعه الله إيّاه من عزة النفس وبعد النظر واتساع الأفق والذكاء الحاد والحفاظ على مظهره والتمسك بقيم وأصالة الريف مع التطلع بعض الشيء إلى الشياكة في المعاملة التي تغلفها رقة تجعل المتعامل معه يفكر ثم يفكر أبها تكلف أم أنها طبيعية وهذا ما سنجيب عنه قادماً. في تلك الفترة لم يكن الشيخ الشحات قد ارتدى زياً رسمياً للقراء ولكنه كان يلبس جلباباً أبيض والطاقية البيضاء وذات يوم ذهب ليقرأ مجاملة بمأتم خال القارىء الشيخ محمد أحمد شبيب بقرية دنديط المجاورة لكفر الوزير مباشرة, ولم يكن يتوقع أن ينال إعجاب الجمهور من الحاضرين بصورة لافتة للأنظار وخاصة الحاج محمد أبو إسماعيل معلم القرآن بالمنطقة وكان التوفيق حليفه والفتوح الرباني ملازمه بقوة وكان أحد الحاضرين خاله المرحوم الشيخ محمد عبد الباقي والذي كان مقيماً بمدينة بورسعيد وأبناؤه موجودون بها حتى الآن. فلما رأى المرحوم الشيخ محمد عبد الباقي إعجاب الناس الشديد بالشيخ الشحات فرح جداً وأحضر للشيخ الشحات زياً كاملاً من جملة ما عنده وقام بضبط الزي على مقاس الشيخ الشحات لأنه كان أطول منه قليلاً , وقام بلف العمامة البيضاء (( الشال )) على الطربوش وقال له بحنان الخال العامر قلبه بالقرآن .. مبسوط يا شحات أنت كده أصبحت شيخاً كبيراً وضحك الجميع سروراً وتمنى الموجودون للشيخ الشحات أن يكون أحد كبار ومشاهير القراء.

الموهبة وبداية الشهرة : وبعد أن تخطى العشرين عاماً بقليل صار للشيخ الشحات اسماً يتردد في كل مكان وانهالت عليه الدعوات من كل محافظات مصر وأصبح القارىء المفضل لمناطق كثيرة ظلت آمنة ساكنة لم يستطع أحد غزوها بسهولة لوجود المرحوم الشيخ حمدي الزامل والشيخ شكري البرعي وتربعهما على عرش التلاوة بها لدرجة أنها عرفت بأنها مناطق الشيخ حمدي الزامل رحمه الله. ولكن الموهبة القديرة لا تعرف حدوداً ولا قوانين حتى ولو كانت القوانين قوانين قلبية مغلقة.. فكانت الموهبة لدى الشيخ الشحات هي المفتاح السحري الذي يتطاير أمامه كل باب.

وبعد عام 1970م انتشرت أجهزة التسجيل في كل المدن والقرى بطريقة ملحوظة وخاصة بعد الإنفتاح وكثرة السفر للعمل خارج مصر. لدرجة أن كثيرين تمنوا السفر ليس لجمع المال ولكن ليكون لديهم جهاز تسجيل يسجلوا ويسمعوا عليه المشاهير أمثال الشيخ الشحات. وكان ذلك سبباً في شهرة الشيخ الشحات عن طريق تسجيلاته التي انتشرت بسرعة البرق, ولو تم حصر تسجيلاته في تلك الفترة لزادت على عشرة آلاف ساعة من التلاوات الباهرة الفريدة التي جعلت الملايين من الناس يتوقعون لهذا القارىء الموهوب أنه سيكون أحد النجوم المضيئة في الإذاعة لأنه كان يتمتع بمزايا شخصية وإمكانات صوتية لا تقل عن إمكانات عمالقة القراء من الرعيل الأول لقراء الإذاعة.

واقعة طريفة : حدثت عام 1978م بقرية (( التمد الحجر )) مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية وكان طرفاها الشيخ الشحات والمرحوم الشيخ حمدي الزامل وفي الحقيقة كان الشيخ حمدي الزامل هو القارىء الأول والأخير لهذه القرية إلى أن ظهر الفتى الموهوب الشيخ الشحات على حد تعبير أهل القرية فتقاسم النصيب من الحب مع الشيخ حمدي وتفوق بذكائه فتملك القلوب وحدث أن توفي اثنان من أهل القرية في يوم واحد بينهما ساعات.. فالذي توفي أولا ارتبط أهله مع الشيخ الشحات والثاني مع الشيخ حمدي الزامل وكان الشيخ الزامل وقتها مخضرم وقديم من حيث الشهرة وكان سنه 47 سنة والشيخ الشحات كان سنه 28 سنة والأول إذاعي والثاني غير إذاعي في زهرة شبابه ولكنه أظهر موقفاً لن ينسى حكّم عقله رغم أن القرية يومها كانت بمثابة مقر لمؤتمر عالمي كبير جاءتها الوفود من كل مكان لتستمع إلى قطبين في مجال التلاوة ولكن الشيخ الشحات كان حكيماً فالسرادقان متجاوران والصوت يدخل إليهما بسهولة فلم يستخدم الشيخ الشحات قوة صوته وصغر سنه ليجهد الشيخ حمدي لكنه كان يكتفي بأن يقرأ عندما يصدّق الشيخ حمدي الزامل تقديراً للزمالة وحفاظاًَ على جلال القرآن واحتراماً للموقف العظيم .

الإلتحاق بالإذاعة : كان لا بد لهذا الفتى المتألق دائماً الذي كان يتدفق القرآن من حنجرته كجدول الماء الجاري العذب أن يشق طريقه نحو الإذاعة, ولأن شهرته سبقت سنه بكثير وجّه إليه رئيس مركز مدينة ميت غمر في السبعينات المستشار حسن الحفناوي دعوة في إحدى المناسبات الدينية التي كان سيحضرها المرحوم د. كامل البوهي أول رئيس لإذاعة القرآن الكريم وذلك عام 1975 – 1976م يقول الشيخ الشحات : (( ... وكان لي صديق موظف بمجلس مدينة ميت غمر فقال لي رئيس المركز يدعوك لافتتاح احتفال ديني سيحضره كبار المسئولين ورئيس إذاعة القرآن والحفل سيقام بمسجد الزنفلي بمدينة ميت غمر فقبلت الدعوة وذهبت لافتتاح الحفل وسمعني المرحوم د. البوهي وقال لي لماذا لم تتقدم لتكون قارئاً بالإذاعة وأنت صاحب مثل هذه الموهبة والإمكانات وشجعني على الإلتحاق بالإذاعة فتقدمت بطلب وجاءني خطاب للإختبار عام 1976م ولكن اللجنة رغم شدة إعجاب أعضائها بأدائي قالوا لي أنت محتاج إلى مهلة لدارسة التلوين النغمي فسألت الأستاذ محمود كامل والأستاذ أحمد صدقي عن كيفية الدراسة فدلني الأستاذ محمود كامل على الإلتحاق بالمعهد الحر للموسيقى فالتحقت به ودرست لمدة عامين حتى صرت متمكناً من كل المقامات الموسيقية بكفاءة عالية. وفي عام 1979م تقدمت بطلب.. للإختبار مرة ثانية أمام لجنة اختبار القراء بالإذاعة.. طلب مني أحد أعضاء اللجنة أن أقرأ 10 دقائق أنتقل خلالها من مقام إلى مقام آخر مع الحفاظ على الأحكام ومخارج الألفاظ والتجويد والإلتزام في كل شيء خاصة التلوين النغمي وبعدها أثنى أعضاء اللجنة على أدائي وقدموا لي بعض النصائح التي بها أحافظ على صوتي وانهالت عليّ عبارات الثناء والتهاني من الأعضاء وتم اعتمادي كقارىء بالإذاعة عام 1979م.

وتم تحديد موعد لي لتسجيل بعض التلاوات القصيرة حتى تذاع على موجات إذاعة القرآن الكريم بالإضافة إلى الأذان وعدة تلاوات منها خمس دقائق وعشر دقائق وخمس عشرة دقيقة وبعد اعتمادي كقارىء بالإذاعة بحوالي شهر فقط كنت موجوداً باستوديو ((41)) إذاعة للتسجيل يوم 16/12/1979م اتصل بي الأستاذ أحمد الملاح المسئول عن الإذاعات الخارجية والتخطيط الديني آنذاك وقال لي: أنت جاهز لقراءة قرآن الفجر لأن القارىء اعتذر لظروف خاصة؟ فقلت طبعاً أنا جاهز وكانت مفاجأة لي وفرحتي لا توصف فأسرعت إلى القرية وقطعت المسافة بين ميت غمر والقاهرة في أقل من ساعة لكي أخبر الأسرة وأهل القرية بأنني سأقرأ الفجر الليلة فعمّت الفرحة أرجاء القرية ولم ينم أحد من أبناء قريتي حتى قرأت الفجر وعدت فوجدت مئات من المحبين والأهل والأقارب والأصدقاء في انتظاري لتهنئتي ليس على قراءة الفجر على الهواء فحسب وإنما على التوفيق كذلك لأن الله وفقني جداّ وبعدها جاءتني وفود من جميع محافظات مصر لتهنئتي لأنني كنت مشهوراً جداً في جميع المحافظات قبل الإلتحاق بالإذاعة وكانت دائرة علاقاتي كبيرة على مستوى الجمهورية.

نجح الشيخ الشحات في الاستقلال بنفسه وجعل له مدرسة في فن التلاوة وحسن الأداء. وأصبح يوم 16/12/1979م يوماً لا ينسى في حياة الشيخ الشحات وفي ذكريات عشاق صوته وفن أدائه إذ كان اليوم التاريخي الذي وصل فيه صوته إلى كل أقطار الدنيا عن طريق الإذاعة أثناء قراءة قرآن الفجر على الهواء, وبعد ذلك اليوم أصبح الشيخ الشحات حديث الناس جميعاً وخاصة مشاهير القراء .. وذات يوم قابله المرحوم الشيخ محمود علي البنا وهنأه على حسن أدائه وجمال صوته ونصحه بالحفاظ صوته لأنه سيكون أحد مشاهير القراء البارزين .. وقبل وفاته بأيام قال الشيخ البنا للأستاذ عصمت الهواري وهو يسمعه في قراءة الجمعة على الهواء: (( الشيخ الشحات سيكون من أعلام مصر في التلاوة )).

في الفترة من 1980م إلى 1984م تربع الشيخ الشحات على الساحة مع أعلام القراء واستطاع أن يحقق إنجازاً كبيراً وشهرة واسعة في فترة عزّ فيها العمالقة واختلطت فيها الأمور وماجت الساحة بكثير من الأصوات القرآنية التي تشابهت واختلطت لدرجة أن السامع تاه وفكر في الإنصراف إلى كل ما هو قديم. كان قرآن الفجر عبر موجات الإذاعة هو البوابة الرئيسية التي دخل منها الشيخ الشحات إلى قلوب الملايين من المستمعين بلا اقتحام وبلا تسلق ساعده على ذلك بقاؤه بمصر خلال شهر رمضان لمدة خمس سنوات بعد التحاقه بالإذاعة ولأن قرآن الفجر آنذاك كان مسموعاً جداً لأن شهر رمضان كان يأتي في فصل الصيف خلال تلك الفترة وكان الناس جميعاً يسهرون حتى مطلع الفجر, نجد أن هذا كان عاملاً مهماً من العوامل التي ساعدت الشيخ الشحات على الانتشار والشهرة التي كان مقابلها جهد وعرق وكفاح والتزام من جانب الشيخ الشحات. وكان هذا القارىء الموهوب يقرأ أربع مرات في شهر رمضان على الهواء في الفجر وأربع مرات في سرادق قصر عابدين بانتظام مما جعل جماهيره وعشاق صوته يتوافدون من كل المحافظات ليستمعوا إليه ثقة منهم في قدراته وإمكاناته التي تمكنه وتساعده على إشباع شوقهم بما لا يقل عن ثلاثين جواباً أثناء التلاوة الواحدة وأحيانا يصل جواب الجواب إلى أكثر من عشر مرات باتقان وتجديد والتزام شهد به المتخصصون في علوم القرآن.

في عام 1984م قرأ الشيخ الشحات في الفجر : أول (( غافر )) ثم قرأ في الفجر الذي يليه بعد أسبوع من سورة (( فاطر )) { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } ووفق لدرجة جعلت شهرته تزداد أضعافاً مضاعفة على المستويين المحلي والعالمي .. وخاصة تلاوة سورة فاطر التي لما سمعها الشيخ فرج الله الشاذلي وهو يمشي في مدينة إيتاي البارود يجري في الشارع مسرعاً ليتمكن من تسجيل بقيتها (( وهذا ما قاله الشيخ فرج الله للشيخ الشحات )) .. وهذه شهادة من قارىء عالم لقارىء موهوب .. وهكذا فرض الشيخ الشحات موهبته على الساحة ليكون أحد القراء الموهوبين الذين دوّن التاريخ أسماءهم على صفحة المشاهير. وكان أهم ما يميز الشيخ الشحات في تلك الفترة, الحيوية .. والرشاقة في الأداء والقدرة على التلوين أسفر ذلك كله عن أكثر من ثلاثمائة قارىء بمحافظات مصر يدعون إلى مآتم ومناسبات كبرى لأنهم يقلدون هذا القارىء الموهوب.

مدرسة الشيخ الشحات: أشهرهم على سبيل المثال. القارىء الشيخ ناصر الزيات, والشيخ (( شعبان الحداد )) والشيخ عبد اللطيف وهدان (( بكفر طنبول القديم )) السنبلاوين , والشيخ محمود بدران بالشرقية, والشيخ إسماعيل الطنطاوي المنصورة والشيخ ((محمد المريجي )) حدائق القبة والمحامي (( علاء الدين أحمد علي )) شبرا الخيمة وغيرهم من القراء الذين يقدر عددهم بحوالي ألف قارىء بمصر والدول الأخرى الذين قلدوا طريقته بخلاف ما لا يقل عن خمسة من قراء الإذاعة يأخذون كثيراً من (( النغم )) الذي ابتكره هذا القارىء الموهوب.. وأقرب الأصوات إلى خامة صوت الشيخ الشحات صوت نجله (( أنور الشحات )) الذي حباه الله صوتاً جميلاً وأداءً , قوياً متأثراً بأبيه الذي دائماً يقدم له النصائح الغالية.. أهمها تقوى الله في القراءة.. ولقد ظهرت موهبته جلية واضحة عندما قرأ في احتفال المولد النبي الشريف (ص) عام 1994م بالإسكندرية وكرّمه السيد الرئيس محمد حسني مبارك. والذي يشغل القارىء الصغير أنور الشحات عن التلاوة في الحفلات.. حرصه الشديد على التركيز في دراسته بجامعة الأزهر الشريف .. ويلي أنور في التلاوة الجيدة أخوه محمد الشحات والذي يتمنى أن يكون داعية – وإن كان يحتاج إلى التدريب على مواجهة الجمهور .. وأما محمود فصوته أكثر جمالاً إلا أنه يشعر بأنه صغير جداً ولكن والده يقول له دائماً : (( يا شيخ محمود كلنا كنا أصغر منك سناّ وبكره الصغير يكبر يا بني .. )) ودائماً يوجه الشيخ الشحات النصائح إلى أبنائه بالمحافظة على القرآن ليشار إلى العائلة بأنها عائلة قرآنية .. ولكنه يعطي الحرية الكاملة لبناته في الحفظ مما يساعدهم على المنافسة فيما بينهم .. فالكبرى نجلاء الشحات تحفظ أكثر من نصف القرآن .. وهي حاصلة على بكالوريوس زراعة وهي متزوجة من (( د. هاني الدّوّه )) . بكلية الزراعة جامعة الزقازيق. وأمينة التي تدرس بكلية التجارة جامعة الأزهر وحسنات بالثانوية وكريمة وأسماء وضحى يحفظن ما تيسر من القرآن الكريم .. ما شاء الله.

السفر إلى دول العالم : وللشيخ الشحات كثير من المجبين بصوته وأدائه في كل محافظات مصر, أشهرهم الرابطة التي كونها الحاج مصطفى غباشي بمحافظة الغربية.

وبعد ذلك كله كان لا بد من نقلة إلى آفاق عالية في عالم التلاوة تنبأ الناس له بمستقبل أكبر مما هو فيه, ولأنه يتمتع بذكاء وطموح ودبلوماسية في المعاملة استطاع أن يرتل القرآن ويفتح باباً لجملة من القراء ليرتلوا القرآن فأصبحوا كالمسبحة في عالم الترتيل.

بعد ما بنى الشيخ الشحات قاعدة شهرته العريضة اطمأن على أساسها المتين أراد أن ينطلق ليتم البناء ويشيده بالإنتشار والبحث عن المزيد من المجد والتاريخ في كل قارات الدنيا فلم يترك قارة إلا وذهب إليها قارئاً في شهر رمضان منذ 1985م وحتى عام 1996م فكان يسافر مرات مكلفاً ومبعوثاً من قبل وزارة الأوقاف المصرية ومرات بدعوات خاصة .. فتعلق به الملايين من محبي سماع القرآن خارج مصر المستمعين بالمركز الإسلامي بلندن ولوس أنجلوس والأرجنتين وأسبانيا والنمسا وفرنسا والبرازيل ودول الخليج العربي ونيجيريا وتنزانيا والمالديف وجزر القمر وزائير والكاميرون وكثير من دول آسيا وخاصة إيران.

وعلى حد قوله لم يبغ من وراء كل هذه الأسفار إلا وجه الله وإسعاد المسلمين بسماع كتاب الله العظيم .



الشيخ حمدي الزامل

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L172xH250/zamel-b6104.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ حمدي محمود الزامل يوم 22/12/1929م بقرية منية محلة دمنه مركز المنصورة بمحافظة المنصورة .. وتوفي يوم 12/5/1982م. حفظ القرآن الكريم بكتّاب القرية قبل سن العاشرة تلقياً من فم خاله المرحوم الشيخ مصطفى إبراهيم , وجوده على شيخه المرحوم الشيخ عوف بحبح .. بنفس القرية .. بالكتاب ظهرت علامات الموهبة لدى الفتى الموهوب حمدي الذي لفت إليه الأنظار لجمال صوته وقوة أدائه وهو طفل صغير فأطلق عليه أهل القرية وزملاء الكتّاب لقب ((الشيخ الصغير)) وكان ملتزماً بالمواظبة على الحفظ مطيعاً لشيخه الذي أولاه رعاية واهتماماً ليعده إعداداً متقناً لأن يكون قارئاً للقرآن له صيته وشهرته .. كان لهذا الاهتمام الدور الكبير في تشجيع الفتى القرآني حمدي الزامل على الإقبال على الحفظ عن حب ورغبة, فرضت الأسرة رقابة شديدة على الشيخ الصغير حمدي الزامل وأحاطوه بالحب والتقدير وأدخلوا على نفسه الثقة بجلوسهم أمامه يستمعون إليه وكأنه قارىء كبير, فزادوه ثقة بنفسه ليصبح حديث أهل القريتين التوأم اللتين يفصلهما بحر صغير يفصل بينهما من حيث الحدود فقط ولكنه بمثابة حبل الوريد الذي يغذي الجسد الواحد..

كان لنشأته بمنطقة تجارية سميت بمنطقة (( بلاد البحر)) الأثر الكبير في تعلقه بأن يكون قارئاً مشهوراً وذو صيت كبير مثل مشاهير القراء الذين تنافسوا فيما بينهم من خلال المآتم الخاصة بالعائلات الكبرى في منطقة بلاد البحر أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ عبد العظيم زاهر والشيخ أبو العينين شعيشع وغيرهم من قراء الرعيل الأول بالإذاعة .. كان القارىء الموهوب حمدي الزامل حريصاً منذ طفولته على حضور هذه السهرات فاستفاد بقوة من هذه المواقف وخاصة تعلقه وطموحه بأن يكون مثلهم في يوم من الأيام .. بدأ والده يشعر بأن مجد العائلة وعزًها سيرتبط بمستقبل ابنه حمدي الذي بدأ يقلد مشاهير القراء أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي ساعده على ذلك تمكنه من حفظ القرآن وجمال صوته وقوته بمساحاته التي أهلته لأن يكون قارئاً له وزنه وثقله بين القراء .. أشار أحد أقاربه على والده بأن يرسل ابنه حمدي إلى الزقازيق ليلتحق بالمعهد الديني الأزهري ما دام قد حفظ القرآن كاملاً في سن مبكرة حتى يكون أحد رجال الدين البارزين أصحاب المكانة المرموقة داخل نطاق المجتمع الريفي .. لم يتردد الوالد في قبول هذه النصيحة فألحق ابنه بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري فاستقبله شيخ المعهد بحفاوة وطلب منه أن يتلو عليه بعض آي القرآن ليتعرف على مدى حفظه فاكتشف أنه صييت صغير ينتظره شأن كبير ولم يصدق شيخ المعهد أذناه ولا عيناه بالمفاجأة التي جعلته يقول للفتى الموهوب ابن العاشرة (( تاني يا شيخ حمدي )) ربنا يفتح عليك )) وظل الشيخ يستمع لصاحب الصوت الجميل والأداء القوي الموزون المحكم , فقبّله ودعا له بالتوفيق وأوصى به أباه وأخبره بأن هذا الابن يعتبر ثروة لا تعادلها ثروة وسيكون له شأن كبير بين أهل القرآن وقرائه .. قضى الفتى القرآني حمدي محمود الزامل المرحلة الابتدائية الأزهرية بمعهد الزقازيق محمولاً داخل قلوب المشايخ والزملاء وبأعينهم لأنه كان يتلو ما تيسر من القرآن صباح كل يوم يفتتح اليوم الدراسي بخير الكلام بالقرآن الكريم .

بعد حصوله على الابتدائية الأزهرية ظهرت كل إمكاناته التي مكنته من تلاوة القرآن بطريقة لا تقل عن أداء كبار القراء فتدخل شيخه عوف بحبح لدى والده وأشار عليه بتفرغ الشيخ حمدي لتجويد القرآن في هذه المرحلة حتى ينطلق كقارىء ما دامت الموهبة موجودة والإمكانات تفوق سنه .. وافق الوالد مباشرة لأنه يتطلع إلى مجد يستطيع أن يرفع رأسه بين كبار العائلات بالقريتين المتجاورتين اللتين تشهدان منافسات بين العائلات .. لقد جاء اليوم الذي يستطيع فيه الحاج محمود أن يقول لهم : إذا كان التنافس بينكم في أحد طرفي الزينة الدنيوية وهو المال فإن الله وهبني طرفي زينة الحياة الدنيا من من خلال موهبة الشيخ حمدي .. وهذا ما جعل الحاج محمود يوافق على فكرة الشيخ عوف بحبح الذي سيتولى تجويد القرآن للشيخ حمدي الذي تلقى أحكام التجويد وعلوم القرآن من فمه مباشرة عن حب ورغبة شديدة في التمكن من تلاوة القرآن .. لما بلغ الشيخ حمدي الثانية عشرة من عمره ذاع صيته بمنطقة البحر كما أطلق عليها – فانهالت عليه الدعوات من هذه البلاد بداية من (( شها )) وصولاً إلى المنزلة التي اشتهر بها قبل بلوغه الخامسة عشرة وأثنى عليه الشيخ توفيق عبد العزيز وبشّره بعلو منزلة بين قراء القرآن المشاهير لأن الشيخ توفيق رحمه الله كان من العلماء المتخصصين في علوم القرآن وهو والد الإذاعية القديرة فضيلة توفيق وكانت شهادة الشيخ توفيق بمثابة وسام على صدر الشيخ حمدي الذي دخل قلوب الناس وأصبح قارئهم المفضل صاحب الصوت العذب الفريد المصّور لمعاني القرآن أبلغ ما يكون التصوير .

القارىء الموهوب : منذ عام 1944م وحتى وفاته عام 1982م قضى الشيخ حمدي ما يقرب من أربعين عاماً تالياً آي الذكر الحكيم بقوة وكفاءة عالية, فاستطاع بجدارة, أن يحصل على لقب (( كروان الدقهلية )) لأنه كان القارىء المفضل لجميع محافظات الدقهلية والمحافظات المجاورة لها .. بحق الجوار كان يوافق على قبول الدعوات من محافظة دمياط والشرقية لأنه كان قبولاً على حساب رفض .. حيث كان يطلب في اليوم لأكثر من سهرة فيأخذ الأولى أو التي تخص أصدقاءه وأقاربه الموجودين في أكثر من مكان بالدقهلية .. عشق الآلاف من السميعة المحترفين فن أداء وتلاوة الشيخ حمدي صاحب الصوت القوي الرخيم الخاشع المعبر وإمكاناته في التلاوة التي تهز المشاعر وتحرق الوجدان وتوقظ القلوب .. منحه الله مزماراً صوتياً من مزامير آل داود تجلت هذه القدرة وهذه العذوبة في أدائه بأنغام تحملها أوتار صوتية معدة ومجهزة تجهيزاً ربانياً تجعل السامع ينفعل بقلبه ومشاعره وأحاسيسه مع كل حرف يتلوه ولكل نغمة يؤديها ببراعة الإنتقال من مقام إلى مقام. تجده أنه قارىء فريد متميز متمكن, كان يقرأ الصعب قبل السهل لتمكنه من الحفظ والتجويد وشهد له بذلك الشيخ مصطفى وإسماعيل . وكانت براعة وإمكانات الشيخ حمدي تظهر فريدة من خلال تمهيده للتصديق في كلمة واحدة وهي آخر كلمة في التلاوة وكان يعطي السامع كل ألوان وإحساسات التمهيد في كلمة أو كلمتين بمهارة وتمكن لا ينافسه فيه أحد.

مكانته بين الناس : ظل الشيخ حمدي الزامل ما يقرب من عشرين عاماً القارىء المفضل لدى معظم قرى ومدن الدقهلية مع أمثاله من مشاهير القراء مما شغله عن الالتحاق بالإذاعة مبكراً .. واستمر هذا الانشغال بحب الناس له مع دخوله الإذاعة فلم يتمكن من الحصول على حقه كاملاً لأنه كان يعرف قدر نفسه تماماً وكان دائماً يضع إشباع رغبة عشاق فن أدائه فوق كل رغباته لأنه كان يعتبر المجد والعز والجاه والشهرة في تلاوة القرآن لا في الأضواء القاتلة التي لما أراد أن يسعى إليها على استحياء بضغط من أحبابه وجمهوره كانت سبباً في إسدال الستار عن موهبة قلما يجود الزمان بمثلها اسمها (( حمدي الزامل )) عاش حياته صديقاً لكل الناس فلم تخل قرية ولا مدينة في الوجه البحري من أكثر من صديق له مما وثّق الصلة بينه وبين آلاف المحبين له قارئاً وإنساناً .. دفع هذا الحب بعض العائلات إلى تأخير السهرة لأن الشيخ حمدي مرتبط .. ومن هؤلاء المقربين ابنه عمه أحد رجال الدين وحفظة القرآن المرحوم الشيخ فتحي الزامل وكذلك الحاج سيد سويلم عضو مجلس الشعب وعائلة سويلم بقرية برمبال مركز المنصورة والأستاذ محمود أمان بمحلة زيّاد مركز المحلة الكبرى.

احترامه الشديد للزميل واهتمامه بمظهره ومواعيده بالإضافة إلى تعلق الآلاف به كقارىء وصييت له مكانته بين مشاهير القراء. وضيف الشيخ أحمد أبو زيد القارىء والمبتهل الإذاعي الشهير حتى قبل دخوله الإذاعة .. كان أجره مثل أجر الشيخ مصطفى والشيخ البنا والشيخ عبد الباسط .. وأحياناً يدعى لمآتم ويرد نصف ما حصل عليه لأنه يجد أن أسرة المتوفى لا يتناسب ما دفعوه مع دخلهم.

الزامل ومصطفى إسماعيل : كانت بداية معرفة الشيخ مصطفى إسماعيل بالشيخ حمدي الزامل .. عام 1966م عندما كان الشيخ حمدي يقرأ مأتم بقرية شها مركز المنصورة وكان السرادق على الطريق وأثناء مرور الشيخ مصطفى على (( الصوان )) متجها إلى جهة المنزلة ليقرأ مأتم فقال للسائق انتظر لحظة وسمع الشيخ حمدي فسأل عنه فقيل له إنه الشيخ حمدي الزامل فأعجب بالصوت والأداء .. ومن هذه اللحظة بدأ الشيخ مصطفى يثني على الشيخ حمدي حتى قرأ معه في مأتم واحد. وكان القادم من مشاهير قراء الإذاعة إلى أي مكان بالدقهلية يعلم جيداً أن الشيخ حمدي مشغول وإلا كان هو البديل .. ولكن قليلاً جداً ونادراً ما كان يدعى قارىء مع الشيخ حمدي بسهرة واحدة ولكن الشيخ مصطفى إسماعيل الذي كان أشد المعجبين بالشيخ حمدي وذكاه أكثر من مرة واعترف به كأحد الموهوبين المتمكنين في تلاوة القرآن الكريم .. كثيراً ما التقى والشيخ الزامل الذي لفت الأنظار إليه بشدة في وجود الشيخ مصطفى الذي قال: (( المستقبل للمجيدين أمثال الشيخ حمدي )) ويقول الشيخ عبده الدسوقي وهو من حفظة القرآن الكريم بالمنصورة : (( نظراً لخبرتي الطويلة مع مشاهير القراء منذ عصر الشيخ مصطفى إسماعيل والشعشاعي والبنا وعبد الباسط وشعيشع وغيرهم سنحت لي أكثر من فرصة لأن أحضر منافسات ضارية بين فحول القراء .. وفجأة ظهر بينهم أحد العمالقة الموهوبين أصحاب الوزن والصيت المتين وهو الشيخ حمدي الزامل وحدث أن توفي أحد كبار الشخصيات بمدينة المنصورة وكان المأتم مهولاً والسرادق يمتد لأكثر من نصف كيلو متر أمام دار ابن لقمان مطلاً على البحر الصغير بالمنصورة وكان الشيخ مصطفى إسماعيل مدعواً لإحياء هذا المأتم في صيف عام 1960م – ولم يعلم الشيخ مصطفى بوجود قارىء معه بالسهرة ولكنه حضر متأخراً .. ولما دخل (( الصوان )) وجد الشيخ حمدي الزامل جالساً فسلّم عليه وقال له : (( هو أنت هنا يا شيخ حمدي !! )) أنت مدعو معي الليلة ؟ فقال له نعم يا عم الشيخ مصطفى فقال الشيخ مصطفى : (( أقسم بالله ما أقرأ إلا بعد ما أسمعك وأصر الشيخ مصطفى على ذلك وصعد الشيخ حمدي كرسي القراءة وقرأ قرآناً كأنه من الجنة وكلما أراد أن يصدق يقسم الشيخ مصطفى بأنه لن يصدق إلا إذا قال له الشيخ مصطفى وامتدت التلاوة لأكثر من ساعة ونصف وكانت ليلة من ليالي القرآن واستمرت إلى ما قبل الفجر بقليل .

الزامل وعبد الباسط عام 1970م : يقول الشيخ أحمد أبو زيد القارىء والمبتهل الإذاعي وابن القارىء الإذاعي المرحوم الشيخ حسين أبو زيد والذي قرأ مع الشيخ حمدي بالمنصورة أكثر من مرة : (( الشيخ حمدي الزامل كان أسطورة لن ينساه محبوه وعشاق فن أدائه أبداً سواء الذي عاصروه أو الذي يستمعون إلى تسجيلاته .. وقد حضرته عشرات المرات بعضها كقارىء ومعظمها كمستمع فعرفت قدره عند الناس ومدى كفاءة هذا القارىء الموهوب المميز الفريد وخاصة عندما دعي الشيخ عبد الباسط لإحياء مأتم أمام جمعية الشبان المسلمين بالمنصورة . بدار مناسبات مسجد النصر .. ودخل الشيخ عبد الباسط وسط آلاف المعزين الذي امتد بهم المجلس إلى خارج المكان .. فوجد الشيخ حمدي الزامل يقرأ, فقال الشيخ عبد الباسط لصاحب السهرة هو أنت دعوتني بمفردي أم معي الشيخ حمدي ؟ فقال للشيخ عبد الباسط الشيخ حمدي مدعو كذلك فقال له الشيخ عبد الباسط بكل تواضع أهل القرآن في وجود الشيخ حمدي يجب ألا يقرأ أحد لأنه يقدم كل فنون تلاوة القرآن السليم بصوت وطريقة عظيمة وجلس الشيخ عبد الباسط حتى ختم الشيخ حمدي وتعانق الاثنان وجلسا معاً دقائق بعدها صعد الشيخ عبد الباسط ليقرأ والمعزون كل في مكانه لم يتحرك أحد منهم بل تضاعف عددهم ليستمعوا إلى الشيخ عبد الباسط وبعد 15 دقيقة صدق الشيخ عبد الباسط وقال للشيخ حمدي اقرأ يا شيخ حمدي لأنني في اشتياق إلى سماعك لما سمعته عنك من الشيخ مصطفى إسماعيل.

الإذاعة والتليفزيون : يعتبر الشيخ حمدي الزامل من القراء القلائل الذين اعتمدوا بالإذاعة والتليفزيون في آن واحد .. ولكفاءته قرأ الجمعة بالتليفزيون وأذيعت تسجيلاته في دوره مع المشاهير مع بداية ونهاية إرسال التليفزيون حتى وفاته .. وقرأ جميع الاحتفالات والمناسبات على الهواء بالإذاعة ليصبح في فترة قصيرة من القراء المشاهير على مستوى العالم عن طريق الإذاعة, ولكنه لم يأخذ حقه كاملاً من التسجيلات نظراً لأمور شخصية جعلت ملايين الناس يتساءلون عن السبب في ذلك ولم يكن هناك شيء إلا اختلاف شخصي بينه وبين المسئولين عن الإنتاج الديني آنذاك ورحل الجميع القارىء والمسئولون عن ندرة تسجيلاته تاركين ملايين المستمعين عبر الأجيال يتساءلون : أين حظ هذا القارىء من الرصيد القرآني والتلاوات النادرة .. ألم يصل رصيده إلى الربع من الرصيد الذي تركه تلاميذه وتابعوهم من قراء العصر الحديث ؟ ! .

الزامل وقرآن الفجر : ظل الشيخ حمدي يتلو قرآن الفجر مرة كل عشرين يوماً طوال ست سنوات على الهواء مباشرة .. يؤدي أعلى وأبرع ما يكون فن الأداء والتلاوة بتميز وإبداع وتمكن وثقة .. كان يعرف لمكانته حقها ومنزلتها بين القراء وكان يقدر جمهوره وعشاق فن أدائه فلم يتكاسل مرة واحدة في أدائه بقوة إلا إذا مرض فيمتنع عن القراءة ويعتذر لأنه لم يعود نفسه ولا محبيه على أداء وسط, وكان يشعر بأنه لا بد أن يكون مميزاً بين القراء وخاصة في الحفلات الخارجية والفجر وكانت له بداية تميزه فيقول : (( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم )) ولشدة تميز صوته وطريقة أدائه كان يميزه عشاق صوته وفنه بصدى صوته الذي كان يداعب نسيم الهواء فجراً في غسق الليل فيتجاوب معه ما بين السموات والأرض من مخلوقات والملائكة الحافين حول العرش وما في قاع البحر وعلى أوراق الشجر وخفي تحت جذوع الشجر وتلألأ في ضوء القمر والرمال والجبال والحجر والطير وقت السحر كل قد علم صلاته وتسبيحه .. إنها لحظات تجلٍ من السماء على قارىء يتلو كلام ربه من صفوة خلقه وعباده أورثهم تلاوة وحفظ كتابه .. كان الشيخ حمدي أثناء تلاوته الآيات والذكر الحكيم . والذي فضّل تلاوة القرآن في مصر التي تربى على أرضها ونهل من علمها وخيرها فاعتذر عن عدم تلبيته لكثير من الدعوات التي تدفقت عليه خاصة وتكليفاً مكتفياً بالسفر إلى أطهر البقاع لأداء فريضة الحج ولم يفكر في ترك أهله وعشاق صوته والاستماع إليه ولو مرة واحدة في رمضان معترفاً بدور زملائه القراء الذين يلبون الدعوات ويسافرون إلى معظم دول العالم وما يستحقونه من تقدير جزاء ما يقومون به من عطاء قرآني لجميع المسلمين في كل مكان.

تراثه القرآني : لقد جند الله بعض المحبين لهذا القارىء الموهوب ليقوموا بالبحث عن تسجيلاته المتناثرة في كل مكان معلوم وغير معلوم .. منهم : الحاج طلعت البسيوني وهو من قرية (( منية محلة دمنة )) بلدة الشيخ حمدي والذي طاف معظم قرى ومدن الوجه البحري بحثاً عن تسجيل للشيخ حمدى مهما يكلفه من جهد ووقت ومال فتمكن من الحصول على عشرات التسجيلات من روائع ما تلى الشيخ حمدي الزامل. وكذلك فعل عادل أبو المعاطي وهو من قرية (( محلة دمنة )) توأم قرية الشيخ حمدي – وقد استطاع أن يحصل على كثير من التسجيلات النادرة للشيخ حمدي فكونا مكتبة بها أكثر من مائتي تلاوة نادرة للشيخ حمدي الزامل وإن كان بعضها متوسط الجودة من حيث طريقة التسجيل ولكن جمال الأداء وعذوبة الصوت يعوض هذا الجانب.

المرض والرحيل : عاش الشيخ حمدي أكثر من عشرين عاماً يصارع مرض السكر اللعين الذي يؤثر على نفسية القارىء ولكنه كان شديد المحافظة على نفسه حتى لا يزيد عليه السكر إلى أن جاء اليوم الذي كان سبباً في إسدال الستار على موهبة هذا القارىء الكبير جاءت غيبوبة السكر بقوة لتحمل الشيخ حمدي وما معه من قرآن وفن إلى حجرة بمستشفى المقاولون العرب بالقاهرة بصحبة ابن عمته (( الأستاذ إبراهيم سلامه )) وابن أخته (( طلعت محمد عبد الجواد )) لمدة أسبوع تدهورت فيه حالته الصحية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وفي يوم 12/5/1982م حملت الملائكة روحه على كتاب الله لتضعها في مكانها حيث أمرهم الله بين ما رحل من أهل القرآن متكئاً مرتقياً على الأرائك يقرأ ويرتل كما كان يرتل في الدنيا .. فهذه هي منزل صاحب القرآن, كما ورد عن النبي (ص).

مدرسة الشيخ حمدي الزامل : يعتبر الشيخ حمدي الزامل صاحب طريقة فريدة مميزة ولون مقبول لدى ملايين المستمعين المهتمين بمتابعة مشاهير القراء .. فاستحق أن يكون صاحب مدرسة التحق بها كثير من القراء الذين تأثروا به من حيث طريقة الأداء نقلاً عنه. أشهر هؤلاء القراء :

القارىء الشيخ محمد سيد ضيف الذي استطاع أن يصل إلى قلوب الناس من خلال شدة تأثره بالشيخ الزامل أما القارىء الشيخ محمد الحسيني الذي ارتبط بالشيخ حمدي نظراً للقرابة والجوار لأنه من نفس القرية – استطاع أن يتقن طريقة الشيخ حمدي لدرجة مكنته من تقمص طريقة الشيخ حمدي وخاصة في مواضع معينة من القرآن يصعب على السامع تحديد شخصية القارىء أهو الحسيني أم هو الزامل وصنع الشيخ الحسيني شهرة امتدت إلى معظم قرى محافظة الدقهلية بسبب إتقانه لطريقة الشيخ الزامل ولكن القوة والإمكانات التي وهبها الله للشيخ الزامل وقوة أحباله الصوتية جعلت الشيخ الحسيني يجهد نفسه تماماً ويضغط على حنجرته لتضاهي حنجرة الزامل فأصيبتا اللوزتان بالتهابات مستمرة أجبرت الشيخ الحسيني على عمل جراحة استئصال في الكبر فلم يستطع العودة إلى القراءة مرة أخرى فاكتفى بما حققه من شهرة ولزم بيته يسمع نفسه عبر بعض التسجيلات التي تذكره بنفسه والشيخ الزامل. وهناك كثير من القراء الذين ساروا على طريقة الشيخ الزامل أشهرهم الشيخ حسن البرعي (( القباب الصغرى )) مركز دكرنس – والشيخ السبع (( بلقاس )) والشيخ أحمد شعبان (( محلة دمنة )) الشيخ وصفي (( تمي الأمديد )) والشيخ كرم عبد الجيّد.

الوفاة وتشييع الجنازة : لم يصدق الآلاف من مستمعي الشيخ حمدي ومحبيه أن الصوت قد سكت والجسد سيوارى بعد لحظات والتاريخ القرآني لقارئهم قد أسدل ستاره ونهار شبابه قد ذهب في لمح البصر . فتجمعوا حول منزله استعداداً لتكريم جثمانه ولكنهم لم يتمكنوا لا لأنه رحل وإنما لأنهم وجدوا وفوداً من البشر غطت أرض الواقع على اختلاف أنواعهم وأعمارهم بنات وأطفال فتيات وشباباً نساءًُ ورجالاً شيباً وولداً بالآلاف جاءوا ينتحبون محتشدين فلم يستوعبهم المكان فامتد طوفان البشر إلى الحقول المجاورة وبصعوبة بالغة شيعوا الجثمان ليتقدمهم ثلاثة من المحافظين للدقهلية ودمياط والغربية ومديرو الأمن وقوة من الأمن المركزي ووفود من المحافظات المجاورة يتقدمهم اللواء سعد الشربيني محافظ الدقهلية آنذاك والذي كان صديقاً للشيخ حمدي الزامل. والكل يردد بلا انقطاع (( الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر )) حتى وصلوا به إلى مثواه الأخير ليعودوا حيث المكان المقام به سرادق العزاء في مساحة لا تقل عن فدان أو يزيد الكل يعزي نفسه لأنه كان لهم جميعاً بمثابة الغذاء الروحي الذي طالما رد إلى كل نفس شوقها بمتعة روحية مستمدة من عظمة كلام الله .. ومن يومها وحتى الآن وكلهم في انتظار تكريم اسم هذا القارىء العظيم بإطلاقه على أحد شوارع مدينة المنصورة ليعلم الجميع أن تكريم أهل القرآن ما هو إلا تكريم لهم جميعاً .

الأسرة : تعتبر عائلة الزامل من العائلات الكبرى بقرية (( منية محلة دمنة )) لما لها من مكانة مرموقة وخاصة بعد الشهرة الواسعة التي حققها الشيخ حمدي كواحد من أشهر القراء الذي بروزا على الساحة القرآنية, وكان قريباً جداً من أخيه محمود عزمي محمود الزامل (( أسم مركّب )) والذي يعمل أستاذاً للإقتصاد بكلية التجارة جامعة مانشستر بإنجلترا منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً .. وكانت أخته الشقيقة المرحومة الحاجة سعاد محمود الزامل تعتبر بالنسبة له (( أم أخيها )) لبرها الشديد به والذي كان يصل إلى أنها كانت تنتظر عودته من السهرة ولا تنام حتى مطلع الفجر لتطمئن عليه وإذا سافر إلى القاهرة ليتلو قرآن الفجر عبر موجات الإذاعة .. كانت تظل يقظانة لا يجرؤ النوم على الإقتراب من عينيها حتى تسمعه عبر موجات (( الراديو )) وتظل كذلك حتى يعود إلى البيت .. ولهذا الحب الخالص وهذا البر النقي أصرت الحاجة سعاد على أن تزوج أحد أبنائها (( المحاسب حمدي محمد عبد الجواد )) من ابنة أخيها الشيخ حمدي (( نهلة حمدي محمود الزامل )) حتى تضمن مزيداً من البر وصلة الرحم , وخاصة بعد رحيل زهرة الأسرة الشيخ حمدي, حتى يكون الأحفاد شركاء ومناصفة بينها وبين أخيها العزيز الغالي عليها جداً (( الشيخ حمدي )) ولكن سرعان ما لحقت الحاجة سعاد بأخيها على أمل اللقاء يوم يرد الخلق إلى ا لله جميعاً .. وهكذا رحل الشقيقان تاركين خلفهما الأحفاد هشام وميريهان وهاله حمدي محمد عبد الجواد يدعون لهما بالرحمة والغفران. وكان للشيخ حمدي أخ يحفظ القرآن كاملاً ولكنه مات في ريعان شبابه وهو الشيخ رفعت محمود الزامل. أما أبناء الشيخ حمدي فهم محمود الذي تفرغ لأعماله الخاصة ونهلة الحاصلة على بكالوريوس العلوم والمقيمة مع زوجها بالسعودية .. وميرفت حمدي الزامل الحاصلة على بكالوريوس التجارة من جامعة الزقازيق والتي تتطلع لأن تعمل كمذيعة كما كان يبشرها أبوها بذلك .. وأما رضا حمدي الزامل الطالب بكلية التجارة جامعة المنصورة فهو أشد الأبناء حرصاً على جمع والمحافظة على تراث أبيه القرآني ويحاول تقليد والده من خلال القدر الذي حفظه من القرآن ويحاول استكمال حفظ القرآن هذه الأيام. وآخر أبناء الشيخ حمدي هو رفعت الزامل.

الشيخ راغب مصطفى غلوش

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L226xH259/art322-1-1497c.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ راغب مصطفى غلوش قارىء المسجد الدسوقي بدسوق, يوم 5/7/1938م بقرية (( برما )) مركز طنطا بمحافظة الغربية.. أراد والده أن يلحقه بالتعليم الأساسي ليكون موظفاً كبيراً, ولكن تدبير الأمور بيد الخالق جلت قدرته. فالكتاتيب كثيرة بالقرية والإقبال عليها ملحوظ وملموس, وكان الناس في ذلك الوقت يهتمون بتحفيظ أبنائهم القرآن ليكونوا علماء بالأزهر الشريف لأن كلمة ( عالم ) لا تطلق في نظرهم إلا على رجل الدين وخاصة إمام المسجد الذي يلقي خطبة الجمعة, ولحكمة لا يعلمها إلا الله أشار أحد الأقارب على الحاج مصطفى غلوش بأن يأخذ ولده راغب ويسلمه لأحد المشايخ المحفظين لكي يحفظه القرآن ولأن النازع الديني موجود بقوة في قلوب أهل الريف أمثال الحاج مصطفى جعلته يوافق على هذه الفكرة وصرح لابنه (( راغب )) بالذهاب إلى الكتاب بعد انتهاء اليوم الدراسي ولكن الموهبة أعلنت عن نفسها فكان الطفل الصغير ابن الثامنة حديث أهل القرية وخاصة المحفظين والحفظة. وكان لجمال صوته الأثر الواضح في شدة اهتمام (( سيدنا )) به وإسداء النصح له والمراقبة الدائمة لأنه توسم به الخير وتوقع له مستقبلاً زاهراً بين مشاهير القراء وكان ذلك سبباً في تفوق الطفل راغب في حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة. وبعد حفظه التام للقرآن جوده بالأحكام على يد الشيخ عبد الغني الشرقاوي بقريته برما.

في الرابعة عشرة من عمره ذاع صيته بالقرى المجاورة حتى وصلت مدينة طنطا معقل العلماء. توالت الدعوات وانهالت عليه من القرى والمدن القريبة من قريته في شهر رمضان عام 1953 بقرية (( محلة القصب )) بمحافظة كفر الشيخ, وكان سنه ( 15 سنة ), كانت المهمة شديدة الصعوبة في البداية. كيف يحتل المكانة المرموقة وسط جو يموج بمنافسات ضارية بين جهابذة تربعوا على عرش التلاوة في هذه البقعة بوسط الدلتا والوجه البحري وخاصة محافظة الغربية التي نشأ فيها الشيخ راغب في ظل وجود عملاقين على مقربة منه كان الله في عون من حاول الاقتراب من مزاحمتها أو المحاولة لإثبات الوجود بينهما ا لأول الشيخ مصطفى إسماعيل, والثاني الشيخ محمود خليل الحصري, وكل منهما نشأ في إحدى قرى طنطا, والتي إحدى قراها قرية برما منشأ الشيخ راغب.

لم يعبأ القارىء الشاب والفتى الطموح بما يسمع وما يرى من احتدام للمنافسة التي أشعل فتيلها الشيخ مصطفى إسماعيل القارىء الفذ فكان لزاما على الشيخ راغب أن يبحث عن العوامل التي تساعده على الوقوف على أرض صلبة وقواعد متينة من خلالها يستطيع أن يلبي دعوة ربما يصادفه فيها واحد من هؤلاء ففطن إلى أن المجد لا يقبل من تلقاء نفسه وإنما يجب على طالبه أن يسعى إليه بالجهد والعرق والمثابرة فبحث الشيخ راغب عن شيخ متين في علوم القرآن ليتلقى عليه علمي التجويد والقراءات فاتجه إلى قبلة العلم القرآني بمدينة طنطنا والتحق بمعهد القراءات بالمسجد الأحمدي وتوّلاه بالرعاية المرحوم الشيخ إبراهيم الطبليهي. يقول الشيخ راغب : (( .. ووفقت لأن أجعل من وجود الشيخ مصطفى إسماعيل بمنطقتنا دافعاً ومثلاً أعلى فحاولت تقليده واتجهت إلى مدينة طنطا باحثاً عن عالم قراءات فوجهني أحد المعارف إلى رجل بالمعهد الأحمدي اسمه المرحوم الشيخ إبراهيم الطبليهي الذي علمني التجويد والأحكام السليمة وقرأت عليه ورش وأهلني لأن أكون قارئاً للقرآن كل يوم بالمقام الأحمدي., وخاصة بين أذان العصر والإقامة فالتف الكثيرون من حولي وبفضل الله دخلت قلوب الكثير من الناس, وخاصة لأنني كنت أقلد الشيخ مصطفى في أدائه الرائع المحبب لدى الناس جميعا ودعيت للسهر بمعظم قرى محافظة الغربية وعرفت بالمحافظات المجاورة مما جعلني أثق بنفسي تمام الثقة بالجهد والعرق والصبر والحرص الشديد على القرآن وتلاوته بالتزام وتقوى. استطاع القارىء الشاب راغب مصطفى غلوش أن يصنع له مجداً وهو صغير قبل أن يبلغ الثامنة عشرة حتى جاء حق الدفاع عن الوطن وطلب للتجنيد وأداء الخدمة الإلزامية (( الوطنية )) والتي لا بد عنها ولا مفر منها .. تقدم للتجنيد عام 1958م وكان سنه عشرين عاماً تم توزيعه على مركز تدريب بلوكات الأمن المركزي بالدراسة فيقول : (( .. ونظراً لالتحاقي بقوات الأمن المركزي بالدراسة كنت أتردد دائماً على مسجد الإمام الحسين (ع) عنه لأصلي وأتطلع لأن أقرأ ولو آية واحدة بأكبر مساجد مصر والقاهرة وأشهرها وكنت حريصاً على تقديم نفسي للمسئولين عن المسجد حتى تتاح لي الفرصة لأقرأ عشراً أو أرفع الأذان في هذا المسجد الكبير فتعرفت على شيخ المسجد الحسيني المرحوم الشيخ حلمي عرفه وقرأت أمامه ما تيسر من القرآن فأعجب بي جداً ... وذات يوم أفصحت له عما أتمناه وطلبت منه أن يسمح لي بالأذان وقراءة عشر قبل إقامة الصلاة .. فقال لي يا راغب إذا تأخر الشيخ طه الفشني فسيكون لك نصيب وتؤذن العصر وتقرأ العشر .. فدعوت الله من كل قلبي أن يتأخر الشيخ طه الفشني وكأن أبواب السماء كلها كانت مفتحة فاستجاب الله لي وتأخر الشيخ الفشني واقترب موعد الأذان فقال لي الشيخ حلمي جهز نفسك واستعد, وقال لملاحظ المسجد خذ راغب علشان يؤذن فأخذني وأوقفني بجوار الشيخ محمد الغزالي رحمه الله حتى انتهى من إلقاء الدرس بحلول موعد أذان العصر. كان وقتها الشيخ مصطفى إسماعيل يضيف عبارة في آخر الأذان ويقول: (( ... الصلاة والسلام عليك يا نبي الرحمة يا ناشر الهدى يا سيدي يا رسول الله )) فكنت أؤذن كما لو أن الشيخ مصطفى هو الذي يؤذن. كل ذلك وأنا مرتدي الزي العسكري الذي لفت أنظار الناس إليّ, وكان هذا في رمضان والصوت في الصيام يكون رخيما وناعماَ وجميلاً عذباً, وقرأت العشر وبدأت بسورة الحاقة فانقلب جو المسجد إلى ما يشبه سرادقاً في ميدان واندمجت في التلاوة بتشجيع الناس لي والله يفتح عليك يبارك فيك تاني الآية دي وقرأت آيات أكثر من مرة بناء على طلب الموجودين بالمسجد ووصل وقت التلاوة إلى أكثر من نصف ساعة. وعدت إلى المعسكر وفرحتي لا توصف وزادت ثقتي بنفسي مما جعل القائد يسلمني مسجد المعسكر كمسئول عنه طوال مدة خدمتي .. وللحق كان القائد يسمح لي بالخروج في أي وقت فكنت أتردد كثيراً على مسجد الإمام الحسين (ع) واشتهرت به وفرحت بذلك تماماً لأنني أقرأ بمسجد يقرأ السورة به المرحوم الشيخ محمود خليل الحصري ويؤذن به المرحوم الشيخ طه الفشني ويلقي الدرس به والخطبة المرحوم العالم الجليل الشيخ الغزالي إنه لشرف عظيم يتمناه كل من هو في سني , وكل من هو حافظ للقرآن .

من المسجد الحسيني إلى الإذاعة : وفي مسجد الإمام الحسين بدأت أنطلق إلى ما كنت أحلم به تعرفت على كبار المسئولين بالدولة وتقربت منهم وشجعوني على القراءة أمام الجماهير, وكانوا سبباً في إزالة الرهبة من نفسي, وكانوا سبباً قوياً في كثير من الدعوات التي وجهت إليّ لإحياء مآتم كثيرة بالقاهرة زاملت فيها مشاهير القراء بالإذاعة أمثال الشيخ مصطفى, والشيخ عبد الباسط والشيخ الحصري وغيرهم من مشاهير القراء.

وكان من بين رواد المسجد الحسيني الأستاذ محمد أمين حماد مدير الإذاعة آنذاك فقال له الحاضرون يا أستاذ إعط راغب كارت حتى يتمكن من دخول الإذاعة لتقديم طلب الإلتحاق كقارىء بالإذاعة وفعلاً أعطاني الكارت وقال تقابلني غداً بمكتبي بمبنى الإذاعة بالشريفين. ذهبت إلى مسجد الإمام الحسين فوجدت الشيخ حلمي عرفة وبصحبته اللواء صلاح الألفي واللواء محمد الشمّاع ووافق الثلاثة على الذهاب معي لمقابلة السيد مدير الإذاعة الذي أحسن استقبالي بصحبتهم وكتبت الطلب وبه عنواني بالبلد, وجاءني خطاب به موعد الاختبار كقارىء بالإذاعة وذلك قبل خروجي من الخدمة بشهر. وحسب الموعد ذهبت إلى الإذاعة ليتم اختباري أمام اللجنة, ووجدت هناك حوالي 160 قارئاً فقالوا لي: أنت ضمن الحرس؟ لأنني كنت مرتديا الزي العسكري – فقلت أنا زميل لكم وعندي امتحان مثلكم فتعجبوا وقال بعضهم ندعو الله لك بالتوفيق. ونادى الموظف عليّ في دوري المقرر فدخلت أمام لجنة القرآن لأن اللجنة كانت قسمين قسم للقرآن, والثاني للصوت فودتني أمام لجنة مكونة من كبار العلماء كالدكتور محمد أبو زهرة, والشيخ السنوسي, والدكتور عبد الله ماضي. ولجنة الصوت مكونة من الأستاذ محمود حسن إسماعيل الشاعر المعروف والأستاذ حسني الحديدي الإذاعي القدير والأستاذ محمد حسن الشجاعي, والدكتور أبو زهرة فقالوا لي: اقرأ من قوله تعالى : { مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) } الأنعام . وكنت موفقاً بفضل الله تعالى وأثنى عليّ أعضاء اللجنة ونصحوني بالمحافظة على صوتي, وكانت الساعة حوالي الواحدة صباحاً من السابعة مساء إلى الواحدة صباحاً ما بين انتظار دوري واختباري .. وبعد عشرين يوماً جاءني خطاب من الإذاعة بما حدث أثناء اختباري كقارىء بالإذاعة فأخذت الخطاب وذهبت إلى معهد القراءات بالأزهر وسألتهم عن مضمون الجواب وما قرره أعضاء اللجنة, فقال لي شيخ المعهد يا راغب أنت نلت إعجاب كل أعضاء اللجنة والقرار يوضح ذلك ودرجاتك مرتفعة في الحفظ والتجويد والأحكام وأنت ستدخل تصفية لإجراء الصوت فقط. توجهت إلى دار الإذاعة بالشريفين واطلعت على النتيجة فوجت أنني ضمن السبعة الناجحين من مائة وستين قارئاً ولنا تصفية للاختبار في الصوت ففرحت فرحة لا مثيل لها, وكدت أطير من شدة الفرح والسعادة. واكتسبت ثقة بنفسي لا حدود لها لأنني قطعت ثلاثة أرباع المسافة في طريق الوصول إلى الإذاعة واقتربت جداً من الدخول بين كوكبة من مشاهير القراء بالإذاعة وكانوا كلهم أفذاذاَ ومشاهير وأصحاب شهرة عالية, أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمد صديق المنشاوي والشيخ الفشني, والشيخ عبد العظيم زاهر, والشيخ البهتيمي, والشيخ عبد الباسط, والشيخ البنا وغيرهم من فحول القراء أصحاب المدارس المختلفة .. وبعد أقل من شهر دخلت اختبار التصفية, وكان التوفيق حليفي بفضل الله تعالى, فأديت أداءً رائعاً, ورأيت علامات البشرى في وجوه أعضاء اللجنة فازددت طمأنينة وثباتا وثقة بنفسي, وزالت الرهبة ونسيت أنني أمام لجنة امتحان, وقدمت كل ما لدي من جهد وإمكانات مع الحرص الشديد على الأحكام, ونسى أعضاء اللجنة أنهم يختبرون قارئاً فتركوني أقرأ مدة طويلة فشعرت أنهم يسمعون القرآن, استحسانا وإعجاباً بصوتي وأدائي, وبعد انتهائي من التلاوة جلست معهم بضع دقائق, ولم يخفوا إعجابهم بصوتي وطريق الأداء فنصحوني بالمحافظة على صوتي وخاصة من التدخين وتناول المشروبات المثلجة فازداد أملي في النجاح.

شاويش وقارىء بالإذاعة : بعد ذلك انشغلت بإنهاء إجراءات تسليم مهماتي وإخلاء طرفي من بلوكات الأمن بانتهاء مدة تجنيدي التي لم يتبق عنها إلا عشرين يوماً قمت بعدها بالحصول على شهادة تأدية الخدمة الوطنية وأقيم لنا حفل بسيط في الوحدة أنا وزملائي الذي دخلوا معي التجنيد. لم أنس النتيجة النهائية لاعتمادي قارئاً بالإذاعة, ولم أتوقع ظهور النتيجة قبل شهرين أو ثلاثة على الأقل ولكنها ظهرت أثناء إنهائي إجراءات الخروج من الخدمة ا لوطنية بالأمن المركزي , ولم أعلم إلا من هذا الموقف (( شاويش يدخل الإذاعة )) .

حصلت على شهادة إنهاء الخدمة وذهبت إلى بلدتي (( برما )) فوجدت ما لم أتوقع قابلني أهل القرية مقابلة غريبة عليّ .. الفرحة والسعادة تعمرهم ويقولون لي ألف مبروك يا راغب واحتضنوني وكادوا يحملونني على أعناقهم كل هذا وأنا غير مصدق لما يحدث فقلت لهم: هو أنتم عمركم ما شفتم عسكري خرج من الخدمة إلا أنا إيه الحكاية ؟ فقالوا هو أنت ما سمعتش الخبر السعيد ؟ فقلت لهم: وما هو الخبر السعيد ؟ قالوا: صورتك واسمك في كل الجرايد بالخط العريض )). (( شاويش ومقرىء )) وسبحان الله الذي ثبت فؤادي وألهمني الصبر وتحمل هذا الخبر السعيد جداً جداًَ والذي جاء في وقته, وكأنه كان مكافأة إنهاء خدمتي الوطنية عام 1962م, إنه كان خبراً قوياً وشديداً يحتاج إلى عقل وصبر جميل لعدم الإفراط في الفرحة حتى لا تأتي بنتيجة عكسية, ولما لا تكون فرحة كبرى وأنا في هذه السن التي لا تتعدى اثنين وعشرين عاماً وسأكون أصغر قارىء بالإذاعة في عصرها الذهبي وذلك عام 1962م.

السفر إلى دول العالم : سافر الشيخ راغب إلى معظم دول العالم في شهر رمضان لأكثر من ثلاثين عاماً متتالية قارئاً لكتاب الله عز وجل لم يرجو إلا ابتغاء مرضاة الله إيمانا منه بأنها رسالة جليلة يجب تأديتها بما يليق وجلالها .. له في منطقة الخليج العربي جمهور يقدر بالآلاف مما جعلهم يوجهون إليه الدعوات لإحياء المناسبات الرسمية وخاصة في الكويت والإمارات والسعودية .. في السنوات الأخيرة يفضل البقاء بمصر في شهر رمضان المبارك ليسعد الملايين من خلال تلاوته القرآن الفجر والجمعة والمناسبات المختلفة ليسد فراغاً يتسبب عنه سفر زملائه من مشاهير القراء إلى دول العالم لإحياء ليالي شهر رمضان , للشيخ راغب مصحف مرتل يذاع بإذاعات دول الخليج العربي صباح مساء .. وما زال هذا القارىء الفريد صاحب الصوت العذب الندي الجميل يتلو قرآن الفجر مرة كل شهر بأشهر مساجد مصر على الهواء مباشرة بالإضافة إلى تلاوته لقرآن الجمعة والمناسبات الدينية عبر موجات الإذاعة وشاشات التليفزيون ليستمتع الملايين من عشاق صوته والمتيمين لفذة أدائه وحسن تلاوته ووقار صوته وجماله من المواقف التي لا تنسى عبر رحلته مع القرآن خلال نصف قرن من الزمان .. جاب أقطار الدنيا كلها تالياً كتاب الله عز وجل .

مواقف في حياته لن ينساها : يقول الشيخ راغب : (( ... وأثناء تجنيدي ببلوكات الأمن بالدراسة عام 1961م حدث أن توفي أحد اللواءات بوزارة الداخلية وأقيم له (( مأتم )) كبير بميدان العباسية .. فوجئت بالسيد القائد يقول لي: يا راغب فيه مأتم بالعباسية والعزاء مساءّ والمتوفى أحد قيادات وزارة الداخلية . وأنا رشحتك لتقرأ مع الشيخ الإذاعي الذي دعي لإحياء المأتم .. فلم يزد ردّي على قولي للسيد القائد : تمام يا فندم , وقتها كنت أرتدي الزي العسكري ولكنني كنت أحتفظ بزي القراء الخاص بي بحقيبتي داخل المعسكر, ونظراً لقرب المعسكر (( بالدراسة )) من المكان المقام به العزاء – صليت المغرب وتوجهت إلى السرادق المقام بالعباسية. ولما اقتربت من الميدان وجدت سرادقاً لم أر مثله في ذلك الوقت من حيث المساحة وعدد المعزين من الرتب والمناصب الكبرى .. والصوت المنبعث من مكبرات الصوت المنتشرة في كل مكان حول السرادق – كان صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد .. فقلت لنفسي : (( ما الذي ستفعله يا راغب مع هذا العملاق ؟ لأن المرحوم الشيخ عبد الباسط كان صاحب إمكانات متعددة .. من الممكن أن تنزل الرعب على أي قارىء تأتي به الأقدار إلى سهرة هو قارئها .. ولأنه كان الاسم الذي زلزل الأرض تحت أقدام قراء عصره, وهذه كلمة حق .. دعوت الله أن يثبتني واستعنت به على مواجهة هذا الموقف .. جلست أمام الشيخ عبد الباسط , فلما رآني علم بذكائه وخبرته أنني قادم لمشاركته القراءة. فأنذرني بعدة جوابات متتالية تجلت فيها أروع فنون الأداء القرآني مستخدماً كل ما أنعم الله عليه من إمكانات صوتية وتجويدية وصحية, وبعد انتهائه من القراءة سلمت عليه ورحب بي وقال لي : موفق بإذن الله .. صعدت أريكة القراءة وقرأت قرآناً وكأنه من السماء وكأن التجلي الرباني والتوفيق الإلهي اجتمعا ونزلا عليّ فأديت بقوة ابن العشرين فانقلبت الموازين بتعاطف الموجودين معي مما ساعدني على مواصلة التلاوة بناء على رغبة الحاضرين )) , وبعد ما قلت صدق الله العظيم سمعت من عبارات الدعاء والثناء والإعجاب ما أبكاني من شدة الفرحة الغامرة .. وبعد انتهاء المأتم فوجئت بأحد القادة يعطيني (( ظرف جواب )) فرفضت أخذه .. فقال لي أترفض ما يقدمه لك أحد قادتك ؟ فقلت سيادتك أنا جئت من المعسكر تنفيذا لتعليمات السيد القائد .. فقال: والآن يجب أن تنفذ التعليمات كذلك . فأخذت (( ظرف الجواب )) ولما فتحته وجدت به ما يعدل ثلاثين سهرة بالنسبة لي (( وجدت به خمسة عشر جنيهاً )) بينما كنت أحصل على خمسين قرشاً في المأتم .. وهذا كان قبل عيد الأضحى بأيام فقلت الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله .. وموقف آخر في حياته لن ينساه أبداً وأرجو أن يقرأه قراؤنا لعلهم يعملون به.

يقول الشيخ راغب : (( .. وسنة 1965م وبعد التحاقي بالإذاعة بثلاث سنوات جاءني خطاب بموعد التسجيل باستوديو الإذاعة بالشريفين وبالخطاب تحديد الموعد من 12 ظهراً إلى الواحدة. في نفس اليوم ارتبطت بمأتم بالمنوفية .. فذهبت إلى الإذاعة قبل موعدي بساعة كاملة حتى أتمكن من الانتهاء من التسجيل بسرعة نظراً لارتباطي بمأتم ففوجئت بالمرحوم الشيخ محمد صديق المنشاوي يدخل الاستوديو قبل أن أجلس للتسجيل لأنه كان حاجزاً في نفس الوقت قبلي بساعة فقال لي حجزك الساعة كم يا شيخ راغب ؟ قلت له بعد ساعة, ولكن ظروفي كذا وكذا. فقال للمسئول عن التسجيل : نظراً لظروف الشيخ راغب أرجو تأجيل حجزي إلى غد أو بعد غد ودعا لي بالتوفيق في التسجيل وفي السهرة . وانصرف الرجل مبتسماً بعد ما ترك لي وقته كاملاً. ومرت الأيام ورحل فضيلته يحمل معه ما بقي من فضيلة اتّسم بها جيل كامل من العمالقة الأبرار بالقرآن وأهله .

الشيخ شعبان عبد العزيز الصياد

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L225xH264/shaabaan-b01fd.jpg

مولده :

· ولد الشيخ/ شعبان عبد العزيز الصياد بقرية صراوة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية وذلك فى 20/9/1940م. وهذه القرية تعرف بقرية القرآن الكريم حيث تتميز بكثرة الكتاتيب والمحفظين الأجلاء الذين حفظ وتخرج على أيديهم بعض الأعلام والمشاهير بجمهورية مصر العربية وفى مقدمتهم الشيخ شعبان الصياد.

نشأ الشيخ شعبان الصياد فى منزل ريفى متواضع عن أم ريفية وأب هو الشيخ/ عبد العزيز إسماعيل الصياد. الذى كان يتمتع بجمال فى الخلق والخلق إضافة إلى جمال وعذوبة صوته الذى كان يعرفه الجميع فى هذه القرية وفى القرى والمدن المجاورة. فقد كان صوته ملائكياً يشبه إلى حد كبير صوت الشيخ/ محمد رفعت. وذلك حسب روايات عديدة سمعناها ممن عاصروه. وكان الشيخ/ عبد العزيز (والد الشيخ شعبان الصياد) يدعى إلى السهرات والمناسبات وذاع صيته. وقدم نفسه إلى الإذاعة المصرية وكان ذلك فى أوائل الأربعينات وعندما ظهرت نتيجة امتحانه أمام لجنة الاستماع فى الإذاعة وتم إرسال خطاب له للحضور إلى الإذاعة. و كان هذا اليوم نفسه هو يوم وفاته فى عام 1944م. وكان وقتها الشيخ شعبان الصياد لم يتجاوز الرابعة من عمره.
نشأته:

إذا فقد نشأ الشيخ شعبان عبد العزيز الصياد فى بيت ملئ بآيات الله عن أب يحمل كتاب الله ويمتلك صوتاً جميلاً عذباً. فورث الشيخ شعبان الصياد هذا المسلك حيث كان يتردد بإنتظام على كتاب القرية (كتاب الشيخة زينب) وهى التى تخرج من كتابها العديد من المشاهير كما ذكرت. وقد كان الشيخ شعبان الصياد متميزاً بين أقرانه فى الكتاب حيث كان الأسرع حفظاً والأجمل صوتاً حتى أن المحفظة التى كانت تحفظه القرآن تثنى عليه دائماً وبين الحين والآخر تجعله يتلو بصوته الجميل ما حفظه من آيات أمام زملائه وغالباً ما كان يحظى بجوائز بسيطة للتشجيع والتحفيز على التميز باستمرار.

حفظ القرآن:

أتم الشيخ شعبان الصياد حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو فى السابعة من عمره.

التعليم الأزهرى قبل الجامعى:

· وكان طبيعياً أن يكمل المسيرة الدينية التى نشأ عليها. فالتحق بالمعهد الدينى الابتدائى وأثناء دراسته بالمعهد. كان أساتذته يعلمون موهبته الصوتية. فكانوا دائما يجعلونه يتلو عليهم بعض آيات الله البينات فى الفصل الدراسى. وذاع صيته حتى أنه كان يفتتح أى مناسبة بالمعهد الذى يدرس به. وأتم الشيخ شعبان الصياد المرحلة الابتدائية وكان وقتها قد عرف فى البلدة كلها بحلاوة صوته وعذوبته وتمكنه من التلاوة السليمة الصحيحة. فبدأ يظهر فى المناسبات العامة على أثر دعوات من أصحابها وهو فى سن الثانية عشرة وكان وقتها يتقاضى عدة قروش بسيطة. ثم أكمل الشيخ دراسته بالمعهد الدينى بمدينة منوف بمحافظة المنوفية وكان أثناء هذه الدراسة. يذهب إلى المناسبات المختلفة فى مدينة منوف والقرى المجاورة لها. حيث أتم دراسته الثانوية والتحق بجامعة الأزهر.

التحاقه بجامعة الأزهر الشريف:

التحق الشيخ شعبان الصياد بكلية أصول الدين شعبة العقيدة والفلسفة واضطر إلى السكن هناك وكانت أكثر إقامته فى صحن الأزهر الشريف. وكان يجمع بين الدراسة التى كان متفوقا فيها أيضاً وبين دعواته إلى المناسبات المختلفة. وذاع صيته وسمع به مشاهير القراء فى ذلك الوقت وفى إحدى الليالى كان الشيخ شعبان الصياد عائداً من مناسبة كان يتلو فيها كتاب الله. وعاد إلى صحن الأزهر الشريف حيث كان يستعد لإمتحان فى الكلية (أصول الدين) وذلك فى اليوم التالى لهذه السهرة. وعند عودته مباشرة بدأ فى الاستذكار وغلبه النوم. فنام وفى هذه الأثناء كان الشيخ مصطفى إسماعيل (القارئ المشهور) فى جامع الأزهر لصلاة الفجر وإذا به يرى الشيخ شعبان الصياد وهو نائم وفى يده كتابه الذى سوف يمتحن فيه صباحاً. فقال لمن معه. انظروا وتمعنوا فى هذا الشباب النائم أمامكم فإن له مستقبل عظيم فى دنيا تلاوة القرآن الكريم.


· وهكذا فإن موهبة الشيخ شعبان الصياد فرضت نفسها على الجميع بما فيهم كبار القراء الذين كان يتقابل معهم فى المناسبات المختلفة التى يتم دعوته إليها فكان دائما يثقل موهبته بكثرة الاستماع إلى قراء القرآن فى ذلك الوقت وأيضا السابقين وخاصة الذين كان يعجب بهم جداً ومنهم الشيخ محمد رفعت والشيخ محمد سلامة والشيخ مصطفى إسماعيل وهو قارئه المفضل وبرغم أنه لم يعاصر والده الشيخ/ عبد العزيز الصياد إلا أنه كان له دائما المثل الأعلى حسبما كان يروى له ويحكى له عن جمال صوته وعذوبته وشهرته برغم أنه لم يكن قد التحق بالإذاعة فى ذلك الوقت.

أتمام التعليم الجامعى:

· أتم الشيخ شعبان الصياد تعليمه الجامعى وتخرج من كلية أصول الدين شعبة العقيدة والفلسفة وحصل على الليسانس بدرجة جيد جداً فى عام 1966 ورشح للعمل بالسلك الجامعى كمحاضر بالكلية ولكنه رفض وكان رفضه من أجل القرآن الكريم حيث قال: أن الجامعة وعمله بها كمحاضر وأستاذ سيجعل عليه إلتزامات تجاه الجامعة والطلبة مما يعيقه عن رسالته التى يعشقها ويؤمن بها وهى تلاوة القرآن الكريم.

· فعمل كمدرس بالمعهد الدينى بمدينة سمنود بمحافظة الغربية وكان ينتقل إليها يومياً من مقر إقامته بمدينة منوف – محافظة المنوفية. ثم نقل إلى معهد الباجور الدينى ثم الى معهد منوف الثانوى ثم إلى مديرية الأوقاف بشبين الكوم حيث رقى إلى موجه فى علوم القرآن لأنه كان يقوم بتدريس القرآن والتفسير والأحاديث النبوية الشريفة ثم رقى إلى موجه أول حتى وصل إلى درجة وكيل وزارة بوزارة الأوقاف.

قبل دخوله الإذاعة:

· أنطلق الشيخ شعبان الصياد فى إحياء المناسبات المختلفة وذاع صيته فى جميع محافظات الجمهورية وكان معظم الناس يتمسكون به فى مناسباتهم حتى أنه كان هناك من يؤجل مناسبته إلى اليوم التالى فى حالة إنشغال الشيخ/ شعبان فى مناسبة ما فى نفس يوم مناسبته وبدأ الشيخ شعبان الصياد بتلاوة القرآن فى صلاة الجمعة فى عدة مساجد صغيرة فى مدينة منوف حتى وصل إلى أن يكون قارئ السورة فى مسجد الشيخ زوين بمدينة منوف (أكبر مساجدها) وذلك قبل ان يدخل (يلتحق) بالإذاعة المصرية. وكان يسهر فى شهر رمضان المبارك سنوياً فى جمعية تحفيظ القرآن الكريم ويحضرها يومياً كبار رجال المحافظة ومشايخ المدينة ليستمعوا ويستفيدوا من قراءة الشيخ شعبان الصياد حيث أنه كان يقرأ القرآن الكريم وهو ملم وعلى دراية بكل معانيه وتفسيره وهذا ما كان يميزه عن باقى القراء.

موقف طريف فى حياة الشيخ شعبان الصياد:

· وفى عام 1969 وجد الشيخ شعبان الصياد سيارات الشرطة تحاصر منزله وقد تجمع الجيران لمتابعة الموقف. وعند استفساره من أحد ضباط الحرس الجمهورى كما وضح بعد ذلك. تبين أنهم عندهم أوامر من رئاسة الجمهورية بإحضار الشيخ شعبان الصياد لإحياء ثلاثة ليالى بمحافظة بورسعيد وكان ذلك لوفاة الزعيم الراحل/ جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت .

دخوله الإذاعة عام 1975:

اتسعت شهرة الشيخ شعبان الصياد بجميع أنحاء الجمهورية. فتقدم للامتحان بالإذاعة والتليفزيون المصرى. وبعد الامتحان والعرض على لجنة الاستماع التى كانت تضم فطاحل العلماء فى ذلك الوقت أمثال الشيخ عبد الفتاح القاضى والشيخ محمد مرسى والشيخ عفيفى الساكت والشيخ رزق خليل حبة وغيرهم من العلماء كما استمع إليه أعضاء لجنة الموسيقى وكانت تضم كبار الموسيقيين مثل الأستاذ محمود الشريف الذى أثنى عليه ثناءاً غير عادى على نغمات وصوت الشيخ شعبان الصياد.

· اجتاز الشيخ شعبان الصياد امتحان الإذاعة والتليفزيون بنجاح باهر وتم إعتماده كقارئ للقرآن الكريم بالبرنامج العام مباشرة دون المرور على إذاعات البرامج القصيرة. ففى هذا الوقت كان أى قارئ للقرآن الكريم يتم اعتماده بالإذاعة لا يذيع أى إذاعات بالبرنامج العام مباشرة ، بل يذيع بضع آيات عبارة عن عشرة دقائق فقط فى البرامج القصيرة فقط ولا يستطيع إذاعة أى قرآن فى البرنامج العام أو فى صلاة الجمعة ولكن الشيخ شعبان الصياد لجمال وعذوبة صوته وتمكنه من التلاوة جعل لجان الإذاعة والتليفزيون يجيزون دخوله مباشرة للإذاعة فى البرنامج العام وجميع الإذاعات المحلية وكذلك لجنة امتحانات التليفزيون أجازته مباشرة حتى أنه فى أول شهر من التحاقه بالإذاعة والتليفزيون أسند إليه تلاوة القرآن الكريم يوم الجمعة من الإذاعة فى صلاة الجمعة وأيضاً اسند إليه تلاوة القرآن الكريم يوم الجمعة التالية مباشرة فى التليفزيون.

أول قارىء بمسجد القنطرة شرق بعد عودة سيناء:

· ذاعت شهرة الشيخ شعبان الصياد حتى أنه اختير كأول قارئ يتلو آيات الله فى مسجد القنطرة شرق بمحافظة سيناء فى حضور الرئيس الراحل أنور السادات وذلك بعد عودة سيناء إلى مصر من أيدى الاحتلال وقد أثنى الرئيس أنور السادات على أدائه فى هذا اليوم وشد على يده وعانقه وأمر له بجائزة فورية إعجاباً به وتقديراً لجمال تلاوته وعذوبة صوته.

ومثلما حدث فى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر ، دعى الشيخ شعبان الصياد على رأس بعض القراء لإحياء مناسبة وفاة الرئيس محمد أنور السادات رحمه الله.

استضافته:

تم استضافة الشيخ شعبان الصياد فى العديد من البرامج الإذاعية فى البرنامج العام وصوت العرب وإذاعة القرآن الكريم لمعرفة شخصيته والإطلاع على أسراره الخاصة.

· أثنى العديد من مشاهير القراء على الشيخ شعبان الصياد مثل الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ أبو العينين شعيشع والشيخ محمود على البنا وذلك فى عدة برامج فى الإذاعة والتليفزيون. كما أثنى عليه الكثير منهم على صفحات الجرائد والمجلات وتوقعوا له مستقبلاً باهر فى دنيا تلاوة القرآن الكريم.

رحلته مع التلاوة والسفر خارج مصر:

كان دائما يدعى فى شهر رمضان المبارك للسفر إلى معظم الدول العربية والإسلامية والأجنبية لإحياء شهر رمضان هناك وأول دعوة له فى شهر رمضان بعد دخوله الإذاعة مباشرة كانت إلى دولة الكويت وتلا آيات الله فى معظم مساجدها وأشهرها وكان معه فى هذا الوقت الشيخ محمد محمود الطبلاوى ، والشيخ راغب مصطفى غلوش وهم من مشاهير قراء القرآن الكريم بجمهورية مصر العربية. فقضوا معاً شهر رمضان المبارك فى دولة الكويت وقاموا بالتسجيل فى الإذاعة والتليفزيون الكويتى ، بل قاموا بتسجيل القرآن الكريم مرتلاً بالتناوب بعضهم مع بعض حتى تم تسجيله كاملاً. ودعى فى العام التالى إلى دبى وذلك لإحياء شهر رمضان هناك. وكانت وقتها تقام مسابقة القرآن الكريم فى وزارة الداخلية بدبى وكان الشيخ شعبان الصياد هو رئيس لجنة التحكيم واختبار القراء هناك. وتتابعت الدعوات عاماً تلو الآخر معظم الدول العربية والإسلامية والأجنبية ، ومنها دولة إيران ، التى تعشق صوت الشيخ شعبان الصياد. فكان عندما يفرغ من تلاوته بإحدى المساجد هناك، كان المستمعون يقومون بحمل الشيخ شعبان الصياد على الأعناق بحيث لا تلمس قدمه الأرض حتى السيارة المخصصة لنقله إلى مكان إقامته

حياته الخاصة:

· فلقد نشأ الشيخ شعبان الصياد يتيم الأب لا يملك شئ وسط أسرة فقيرة. فكان هذا دافعاً لأن يأخذ حياته منذ الطفولة مأخذ الجد والكفاح فلم يعرف معنى الطفولة حتى إنه فى إحدى برامج الإذاعة حين استضافته وسؤاله عن طفولته ، فأجاب لقد ولدت رجلاً. هكذا كان إحساسه منذ بداية عهده بالدنيا فكان لا يعرف غير العمل حتى فى تربيته لأولاده كان دائما يذكرهم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم) وذلك حتى يحث أفراد الأسرة على الاجتهاد وتحمل المسئولية كما تحملها هو منذ الصغر. وكان دائما يضع نصب عينيه أنه لابد وأن يكون إنسان ذو شأن ومكانة عظيمة فى المجتمع الذى يعيش فيه وذرع ذلك فى أفراد أسرته الذين تبوؤوا أعلى المناصب الأدبية فمنهم الضابط والطبيب والمحاسب والمحامى. وكان حريصاً أشد الحرص على انتظام أفراد أسرته فى الصلاة وفى حفظ القرآن الكريم حتى أنه كان يحضر لهم محفظا للقرآن فى المنزل لتحفيظهم القرآن وتعليمهم أحكامه. وكان الشيخ شعبان الصياد يتمتع بالذكاء الشديد وذاكرة شديدة القوة كما أنه كان شديد الثقة بالنفس كما كان متواضعاً جداً. وكان يحترم قراء القرآن الكريم أصغرهم وأكبرهم.

الثقة بالنفس:

· كان فضيلة الشيخ شعبان الصياد قوى الإرادة يحب التحدى فعلى سبيل المثال. كان الشيخ شعبان الصياد مدعو فى إحدى المناسبات وكان معه زميل قارئ للقرآن وكان هذا الزميل يقيم فى نفس البلدة التى كانت تقام فيها هذه المناسبة فأوصى عامل الميكرفون أن يجعل السماعات تحدث صفيراً أثناء تلاوة الشيخ شعبان الصياد ، ولذكاء الشيخ شعبان الصياد ، لاحظ هذه المؤامرة فما كان منه إلا أن أمر بإبعاد الميكرفون والسماعات وقرأ القرآن بصوته فقط ، ولقوة وجمال صوته كان يصل بصوته إلى آخر المكان الذى تقام فيه هذه المناسبة بل وكان يصل إلى خارج السرادق ليسمعه من بالخارج ونال استحسان وتشجيع كل من كان موجود فى هذه المناسبة.

رحلته مع المرض حتى وفاته:

· ظل الشيخ شعبان الصياد فى عطائه المستمر فى تلاوة القرآن الكريم فى كافة أنحاء المعمورة إلى أن فاجأه المرض عام 1994م. فأصيب بمرض الفشل الكلوى ، فاستمر فى تلاواته ولكن فى أضيق الحدود حتى أقعده المرض تماماً. وقد أحسن المولى عز وجل ختامه ولبى نداء ربه وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها فى صباح فجر يوم من أعظم الأيام فى الإسلام 19/1/1998م. الموافق الأول من شهر شوال (عيد الفطر) عام 1419 هجرية. سبحان الله حتى يوم وفاته كان يوم عيد . وكانت جنازته فى مسقط رأسه بقرية صراوة مركز أشمون – محافظة المنوفية حيث دفن فى مدافن الأسرة ، وحضر الجنازة جمع غفير من جميع المحافظات وعلى رأسهم مندوب عن السيد رئيس الجمهورية حسنى مبارك الذى أرسل برقيتين للتعزية كما أرسل السيد رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء وجميع كبار رجال الدولة ببرقيات تعازى فى وفاة المغفور له الشيخ شعبان الصياد ، ونقلت القناة السادسة بالتليفزيون مشهد الجنازة العظيمة وأذاعته مباشرة إذاعة القرآن الكريم. ,و حضر الجنازة أ الشيخ عبد العاطى ناصف والشيخ صلاح يوسف.


· رحم الله العالم الجليل والقارئ ذو الحنجرة الذهبية والمدرسة الفريدة فى قراءة القرآن الكريم فضيلة القارىء الشيخ (شعبان عبد العزيز الصياد) رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته جزاءاً بما قدم للإنسانية من علم ينتفع به وتلاوات سوف تظل على مدى الدهر يسمعها ويستفيد منها محبى سماع القرآن الكريم.

الشيخ عبد الباسط عبد الصمد

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L267xH315/abdbst-bd5f7.jpg

ولادته ونسبه : ولد القارىء الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد عام 1927 بقرية المراعزة التابعة لمدينة أرمنت بمحافظة قنا بجنوب مصر . حيث نشأ في بقعة طاهرة تهتم بالقرآن الكريم حفظاً وتجويدا ..فالجد الشيخ عبد الصمد كان من الأتقياء والحفظة المشهود لهم بالتمكن من حفظ القرآن وتجويده بالأحكام , .. والوالد هو الشيخ محمد عبد الصمد , كان أحد المجودين المجيدين للقرآن حفظا وتجويدأ .

أما الشقيقان محمود وعبد الحميد فكانا يحفظان القرآن بالكتاب فلحق بهما أخوهما الأصغر سنا. عبد الباسط , وهو في السادسة من عمره .. كان ميلاده بداية تاريخ حقيقي لقريته ولمدينة أرمنت التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه. التحق الطفل الموهوب عبد الباسط بكتّاب الشيخ الأمير بأرمنت فاستقبله شيخه أحسن ما يكون الإستقبال , لأنه توسم فيه كل المؤهلات القرآنية التي أصقلت من خلال سماعه القرآن يتلى بالبيت ليل نهار بكرة وأصيلا. لاحظ الشيخ (( الأمير )) على تلميذه الموهوب أنه يتميز بجملة من المواهب والنبوغ تتمثل في سرعة استيعابه لما أخذه من القرآن وشدة انتباهه وحرصه على متابعة شيخه بشغف وحب , ودقة التحكم في مخارج الألفاظ والوقف والابتداء وعذوبة في الصوت تشنف الآذان بالسماع والاستماع .. وأثناء عودته إلى البيت كان يرتل ما سمعه من الشيخ رفعت بصوته القوي الجميل متمتعاً بأداء طيب يستوقف كل ذي سمع حتى الملائكة الأبرار.

يقول الشيخ عبد الباسط في مذكراته : (( .. كان سني عشر سنوات أتممت خلالها حفظ القرآن الذي كان يتدفق على لساني كالنهر الجاري وكان والدي موظفاً بوزارة المواصلات , وكان جدي من العلماء .. فطلبت منهما أن أتعلم القراءات فأشارا علي أن أذهب إلى مدينة طنطا بالوجه البحري لأتلقى علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ (( محمد سليم )) ولكن المسافة بين أرمنت إحدى مدن جنوب مصر وبين طنطا إحدى مدن الوجه البحري كانت بعيدة جداً . ولكن الأمر كان متعلقاً بصياغة مستقبلي ورسم معالمه مما جعلني أستعد للسفر , وقبل التوجه إلى طنطا بيوم واحد علمنا بوصول الشيخ محمد سليم إلى (( أرمنت )) ليستقر بها مدرساً للقراءات بالمعهد الديني بأرمنت واستقبله أهل أرمنت أحسن استقبال واحتفلوا به لأنهم يعلمون قدراته وإمكاناته لأنه من أهل العلم والقرآن , وكأن القدر ساق إلينا هذا الرجل في الوقت المناسب .. وأقام له أهل البلاد جمعية للمحافظة على القرآن الكريم (( بأصفون المطاعنة )) فكان يحفظ القرآن ويعلم علومه والقراءات . فذهبت إليه وراجعت عليه القرآن كله ثم حفظت الشاطبية التي هي المتن الخاص بعلم القراءات السبع .

بعد أن وصل الشيخ عبد الباسط الثانية عشرة من العمر انهالت عليه الدعوات من كل مدن وقرى محافظة قنا وخاصة أصفون المطاعنة بمساعدة الشيخ محمد سليم الذي زكّى الشيخ عبد الباسط في كل مكان يذهب إليه .. وشهادة الشيخ سليم كانت محل ثقة الناس جميعاً .

زيارته للسيدة زينب في ذكرى مولدها : في عام 1950م ذهب ليزور آل بيت رسول الله (ص) وعترته الطاهرين وكانت المناسبة التي قدم من أجلها مع أحد أقربائه الصعايدة هي الإحتفال بمولد السيدة زينب .. والذي كان يحييه عمالقة القراء المشاهير كالشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد العظيم زاهر والشيخ أبو العينين شعيشع وغيرهم من كوكبة قراء الرعيل الأول بالإذاعة. بعد منتصف الليل والمسجد الزينبي يموج بأفواج من المحبين لآل البيت القادمين من كل مكان من أرجاء مصر كلها .. استأذن أحد أقارب الشيخ عبد الباسط القائمين على الحفل أن يقدم لهم هذا الفتى الموهوب ليقرأ عشر دقائق فأذن له وبدأ في التلاوة وسط جموع غفيرة وكانت التلاوة من سورة الأحزاب .. عم الصمت أرجاء المسجد واتجهت الأنظار إلى القارىء الصغير الذي تجرأ وجلس مكان كبار القراء .. ولكن ما هي إلا لحظات وانتقل السكون إلى ضجيج وصيحات رجت المسجد (( الله أكبر )) , (( ربنا يفتح عليك )) إلى آخره من العبارات التي تصدر من القلوب مباشرة من غير مونتاج.. وبدلاً من القراءة عشر دقائق امتدت إلى أكثر من ساعة ونصف خيل للحاضرين أن أعمدة المسجد وجدرانه وثرياته انفعلت مع الحاضرين وكأنهم يسمعون أصوات الصخور تهتز وتسبح بحمد ربها مع كل آية تتلى بصوت شجي ملائكي يحمل النور ويهز الوجدان بهيبة ورهبة وجلال.

الشيخ الضباع يقدم الشيخ عبد الباسط للإذاعة : مع نهاية عام 1951 طلب الشيخ الضباع من الشيخ عبد الباسط أن يتقدم إلى الإذاعة كقارىء بها ولكن الشيخ عبد الباسط أراد أن يؤجل هذا الموضوع نظراً لارتباطه بالصعيد وأهله ولأن الإذاعة تحتاج إلى ترتيب خاص . ولكن ترتيب الله وإرادته فوق كل ترتيب وإرادة . كان الشيخ الضباع قد حصل على تسجيل لتلاوة الشيخ عبد الباسط بالمولد الزينبي والذي به خطف الأضواء من المشاهير وتملك الألباب وقدم هذا التسجيل للجنة الإذاعة فانبهر الجميع بالأداء القوي العالي الرفيع المحكم المتمكن وتم اعتماد الشيخ عبد الباسط بالإذاعة عام 1951 ليكون أحد النجوم اللامعة والكواكب النيرة المضيئة بقوة في سماء التلاوة.

بعد الشهرة التي حققها الشيخ عبد الباسط في بضعة أشهر كان لابد من إقامة دائمة بالقاهرة مع أسرته التي نقلها من الصعيد إلى حي السيدة زينب ليسعد بجوار حفيدة الرسول (ص) والتي تسببت في شهرته والتحاقه بالإذاعة وتقديمه كهدية للعالم والمسلمين والإسلام على حد قول ملايين الناس . بسبب إلتحاقه بالإذاعة زاد الإقبال على شراء أجهزة الراديو وتضاعف إنتاجها وانتشرت بمعظم البيوت للإستماع إلى صوت الشيخ عبد الباسط وكان الذي يمتلك (( راديو )) في منطقة أو قرية من القرى كان يقوم برفع صوت الراديو لأعلى درجة حتى يتمكن الجيران من سماع الشيخ عبد الباسط وهم بمنازلهم وخاصة كل يوم سبت على موجات البرنامج العام من الثامنة وحتى الثامنة والنصف مساءً . بالإضافة إلى الحفلات الخارجية التي كانت تذاع على الهواء مباشرة من المساجد الكبرى .

زياراته المتعددة إلى دول العالم : بدأ الشيخ عبد الباسط رحلته الإذاعية في رحاب القرآن الكريم منذ عام 1952م فانهالت عليه الدعوات من شتى بقاع الدنيا في شهر رمضان وغير شهر رمضان .. كانت بعض الدعوات توجه إليه ليس للإحتفال بمناسبة معينة وإنما كانت الدعوة للحضور إلى الدولة التي أرسلت إليه لإقامة حفل بغير مناسبة وإذا سألتهم عن المناسبة التي من أجلها حضر الشيخ عبد الباسط فكان ردهم (( بأن المناسبة هو وجود الشيخ عبد الباسط )) فكان الإحتفال به ومن أجله لأنه كان يضفي جواً من البهجة والفرحة على المكان الذي يحل به .. وهذا يظهر من خلال استقبال شعوب دول العالم له استقبالاً رسمياً على المستوى القيادي والحكومي والشعبي .. حيث استقبله الرئيس الباكستاني في أرض المطار وصافحه وهو ينزل من الطائرة .. وفي جاكرتا بدولة إندونيسيا قرأ القرآن الكريم بأكبر مساجدها فامتلأت جنبات المسجد بالحاضرين وامتد المجلس خارج المسجد لمسافة كيلو متر مربع فامتلأ الميدان المقابل للمسجد بأكثر من ربع مليون مسلم يستمعون إليه وقوفا على الأقدام حتى مطلع الفجر .

وفي جنوب أفريقيا عندما علم المسئولون بوصوله أرسلوا إليه فريق عمل إعلامي من رجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون لإجراء لقاءات معه ومعرفة رأيه عما إذا كانت هناك تفرقة عنصرية أم لا من وجهة نظره , فكان أذكى منهم وأسند كل شيء إلى زميله وابن بلده ورفيق رحلته القارىء الشيخ أحمد الرزيقي الذي رد عليهم بكل لباقة وأنهى اللقاء بوعي ودبلوماسية أضافت إلى أهل القرآن مكاسب لا حد لها فرضت احترامهم على الجميع .

كانت أول زيارة للشيخ عبد الباسط خارج مصر بعد التحاقه بالإذاعة عام 1952 زار خلالها السعودية لأداء فريضة الحج ومعه والده .. واعتبر السعوديون هذه الزيارة مهيأة من قبل الله فهي فرصة يجب أن تجنى منها الثمار , فطلبوا منه أن يسجل عدة تسجيلات للمملكة لتذاع عبر موجات الإذاعة .. لم يتردد الشيخ عبد الباسط وقام بتسجيل عدة تلاوات للمملكة العربية السعودية أشهرها التي سجلت بالحرم المكي والمسجد النبوي الشريف (( لقب بعدها بصوت مكة )) .. ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي زار فيها السعودية وإنما تعددت الزيارات ما بين دعوات رسمية وبعثات وزيارات لحج بيت الله الحرام .

ومن بين الدول التي زارها (( الهند )) لإحياء احتفال ديني كبير أقامه أحد الأغنياء المسلمين هناك .. فوجيء الشيخ عبد الباسط بجميع الحاضرين يخلعون الأحذية ويقفون على الأرض وقد حنّوا رؤوسهم إلى أسفل ينظرون محل السجود وأعينهم تفيض من الدمع يبكون إلى أن انتهى من التلاوة وعيناه تذرفان الدمع تأثراً بهذا الموقف الخاشع . لم يقتصر الشيخ عبد الباسط في سفره على الدول العربية والإسلامية فقط وإنما جاب العالم شرقاً وغرباً .. شمالاً وجنوباً وصولاً إلى المسلمين في أي مكان من أرض الله الواسعة .. ومن أشهر المساجد التي قرأ بها القرآن هي المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة بالسعودية والمسجد الأقصى بالقدس وكذلك المسجد الإبراهيمي بالخليل بفلسطين والمسجد الأموي بدمشق وأشهر المساجد بآسيا وإفريقيا والولايات المتحدة وفرنسا ولندن والهند ومعظم دول العالم , فلم تخل جريدة رسمية أو غير رسمية من صورة وتعليقات تظهر أنه أسطورة تستحق التقدير والإحترام .

تكريمه : يعتبر الشيخ عبد الباسط القارىء الوحيد الذي نال من التكريم حظاً لم يحصل عليه أحد بهذا القدر من الشهرة والمنزلة التي تربع بها على عرش تلاوة القرآن الكريم لما يقرب من نصف قرن من الزمان نال خلالها قدر من الحب الذي جعل منه أسطورة لن تتأثر بمرور السنين بل كلما مر عليها الزمان زادت قيمتها وارتفع قدرها كالجواهر النفيسة ولم ينس حياً ولا ميتاً فكان تكريمه حياً عام 1956 عندما كرمته سوريا بمنحه وسام الاستحقاق ووسام الأرز من لبنان والوسام الذهبي من ماليزيا ووسام من السنغال وآخر من المغرب وآخر الأوسمة التي حصل عليها كان بعد رحيله من الرئيس محمد حسن مبارك في الاحتفال بليلة القدر عام 1990م.

رحلته مع المرض والوفاة : تمكن مرض السكر منه وكان يحاول مقاومته بالحرص الشديد والإلتزام في تناول الطعام والمشروبات ولكن تضامن الكسل الكبدي مع السكر فلم يستطع أن يقاوم هذين المرضين الخطيرين فأصيب بالتهاب كبدي قبل رحيله بأقل من شهر فدخل مستشفى الدكتور بدران بالجيزة إلا أن صحته تدهورت مما دفع أبناءه والأطباء إلى نصحه بالسفر إلى الخارج ليعالج بلندن حيث مكث بها أسبوعاً وكان بصحبته ابنه طارق فطلب منه أن يعود به إلى مصر وكأنه أحسّ أن نهار العمر قد ذهب , وعيد اللقاء قد اقترب . فما الحياة إلا ساعة ثم تنقضي , فالقرآن أعظم كرامة أكرم الله بها عبده وأجل عطية أعطاها إياه فهو الذي استمال القلوب وقد شغفها طرباً وطار بها فسافرت إلى النعيم المقيم بجنات النعيم , وقد غمر القلوب حباً وسحبهم إلى الشجن فحنت إلى الخير والإيمان وكان سبباً في هداية كثير من القلوب القاسية وكم اهتدى بتلاوته كثير من الحائرين فبلغ الرسالة القرآنية بصوته العذب الجميل كما أمره ربه فاستجاب وأطاع كالملائكة يفعلون ما يؤمرون .

وكان رحيله ويوم وداعه بمثابة صاعقة وقعت بقلوب ملايين المسلمين في كل مكان من أرجاء الدنيا وشيّعه عشرات الألاف من المحبين لصوته وأدائه وشخصه على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وكانت جنازته وطنية ورسمية على المستويين المحلي والعالمي فحضر تشييع الجنازة جميع سفراء دول العالم نيابة عن شعوبهم وملوك ورؤساء دولهم تقديراً لدوره . في مجال الدعوة بكافة أشكالها حيث كان سبباً في توطيد العلاقات بين كثير من شعوب دول العالم ليصبح يوم 30 نوفمبر من كل عام يوم تكريم لهذا القارىء العظيم ليذكّر المسلمين بيوم الأربعاء 30/11/1988م الذي توقف عنه وجود المرحوم الشيخ عبد الباسط بين أحياء الدنيا ليفتح حياةً خالدةً مع أحياء الآخرة يرتل لهم القرآن الكريم كما كان يرتل في الدينا .

الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L253xH328/sha3sha3i-1-29db9.jpg

ولد الشيخ عبد الفتاح يوم 20/3/1890م .ذاع صيت الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي من الرعيل الأول للإخوان المسلمين, ثم دعي للقراءة في الإذاعة المصرية عام 1936م وكان ثاني اثنين مع الشيخ محمد رفعت رحمهما الله, فكانا أول من تبادل قراءة القرآن في الإذاعة. عين الشيخ عبد الفتاح مقرئاً لمسجد السيدة زينب رضي الله عنها بالقاهرة ما يقرب من خمسين عاماً قارئاً للسورة وفي عام 1925م سعي لتجميع قراءة القرآن الكريم في شكل رابطة تضمهم فاختاروه رئيساً لرابطة القراء المصرية وكان أول اقتراح له هو إقامة حفل ديني أول كل شهر عربي يذاع من الإذاعة ويشارك فيه كبار القراء حتي يناهض ما تفعله حفلات أم كلثوم الشهرية. اشتهر عنه تواضعه الجد والتزامه بكتاب الله قولاً وعملاً. بعد وفاته منح وسام الجمهورية في عام 1990م ورحل عن دنيانا في 11 نوفمبر عام 1962م عن عمر يناهز 72 سنة.



الشيخ علي محمود

http://blogs-static.maktoob.com/userFiles/d/j/djodaba/images/cheikhalimahmoud.jpg

المصدر : مجلة بستان عدد رمضان 1422

الشيخ علي محمود (1878- 1949)

لقد نال الإعجاب أيضا بسبب إنشاده (سجل عددا من التسجيلات التجارية)، والشيخ علي محمود هو أحد النماذج الرفيعة للقراءة الموسيقية. ويقال إنه كان يؤذن في كل يوم من أيام الأسبوع في مسجد الإمام الحسين، بمقام موسيقي مختلف. وثمة عدد من القراء مثل الشيخ محمد سلامة، والشيخ محمود محمد رمضان، يؤكدان ويعترفان بتأثيره علي أسلوبيهما في القراءة. وتتسم طريقة الشيخ علي محمود بالإيقاعات النغمية، وكثافة التغيير في طبقة الصوت ومقاماته.

الشيخ كامل يوسف البهتيمي

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L309xH351/art297-1-3bf31.jpg

المصدر : مجلة بستان عدد رمضان 1422

من مواليد منطقة بهتيم، في شبرا الخيمة، محافظة القليوبية. وهو ربيب الشيخ محمد سلامة، ويقال إن تأثير مرشده ومربيه يظهر في قدراته الصوتية العالية المصطلح عليها باسم الجواب ، وفي قفلاته . ويظهر تأثير الشيخ محمد رفعت في قدراته الصوتية المنخفضة المصطلح عليها باسم القرار . وقد درس الشيخ كامل فن الموسيقي مع عازف القانون المشهور أحمد صبره. ويحظى البهتيمي بالإعجاب بوجه خاص لخامة صوته المتميز، وهو واحد من القراء القلائل ذوي الصوت الصافي والقوي علي حد سواء، والمرسل علي سجيته في الإيقاعات النغمية العالية الجواب ، والمنخفضة القرار . وهو أحد القراء القلائل كما يقال الذين كان لتسجيلاتهم في الأستوديو تأثير مماثل لتسجيلاتهم الحية المباشرة.

الشيخ محمد أحمد شبيب

http://www.tmanetk.com/up//uploads/images/tmanetk-5f0f1ed0cc.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ محمد أحمد شبيب يوم 25/8/1934م بقرية ((دنديط)) مركز ميت غمر – دقهلية حيث الكتاتيب المتعددة بالقرية التي يهتم أهلا بالقرآن حفظاً وتجويداً.

تعد عائلة (( شبيب )) من العائلات الكبرى بالقرية مما جعل الحاج أحمد شبيب يفكر ليل نهار في صياغة مجد لهذه العائلة يرفع شأنها بين العائلات التي تتنافس فيما بينها في كثير من الجوانب التي تميّزها. كان الإهتمام بالمآتم واستقدام مشاهير القراء نوعاً من أنواع التنافس .. ولذلك شهدت هذه القرية مواقع قرآنية شهيرة بين مشاهير القراء أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ عبد العظيم زاهر وكان الحاج أحمد شبيب والد الشيخ محمد أكثر المهتمين المتيّمين بسماع هذه الكوكبة من مشاهير القراء فتمنى أن يكون له ولد محب للقرآن ليهبه لحفظه وتجويده .وفي عام 1934م مع بدء الإرسال الإذاعي رزق الحاج أحمد بابن سماه محمداً وجاء هذا الوليد مع انطلاق صوت الشيخ محمد رفعت عبر موجات الراديو فازداد شوق الحاج أحمد شبيب للقرآن وأهله .. ولمّا بلغ الطفل محمد الثانية من عمره أصيب بمرض كاد يودي بحياته ولكنّ الله سلّم, وكان الوالد قد نذر أنه سيهبه للقرآن وحفظه إذا شفي من مرضه بإذن الله ومشيئته .. استجاب رب العزة وشفي الابن فصدق الوالد ووفى بالنذر وذهب بابنه محمد إلى كتّاب الشيخ توفيق إبراهيم نفس القرية (( دنديط )) وقص عليه ما حدث لابنه فاستوصى به الشيخ خيراً وأعطاه من الاهتمام والرعاية والمراقبة ما جعله يقبل على حفظ القرآن بحب شديد مكّنه من القرآن فتمكن القرآن منه .

لم ينتظر الحاج أحمد إتمام ابنه محمد حفظ القرآن كاملاً حتى يطلق عليه ((الشيخ محمد )) ولكنه أعطاه اللقب قبل أن يحفظ جزءاً واحداً من القرآن فكان ينتظر حضوره من الكتّاب إلى البيت فيسأله عما حفظه في يومه ويطلب منه أن يتلوه عليه مجوداً ليتدرب على التلاوة بصوته لجميل .. كان إخوته يتغامزون عليه ويضحكون وكان الأب يقول لهم: إن شاء الله, أخوكم هذا الذي تضحكون عليه سيكون له شأن كبير بإذن الله .. ظل الوالد على هذه الحال مع ابنه إلى أن زالت الهيبة والرهبة من مواجهة المستمعين مما جعل الطفل الموهوب (( محمد )) يطلب من شيخه أن يخصص له كل يوم بعض الوقت ليسمعه ما تيسر من القرآن على طريقة المشاهير من القراء .. رحّب الشيخ برغبة تلميذه وسعد أقرانه بجمال صوته وحسن تلاوته فعرف بينهم بأنه قارىء مجيد للقرآن فذاع صيته في القرية وهو في التاسعة من عمره فلم يمر على أحد أو جماعة يجلسون إلا نودي من قبلهم ليقرأ عليهم ما تيسر من القرآن حباً في طريقة أدائه وموهبته التي ظهرت واضحة من خلال أدائه المتمكن لما يتلو من الذكر الحكيم .. في هذه المرحلة كان قد وصل مع شيخه في الحفظ إلى 17 جزءاً, بعدها رحل الشيخ توفيق إلى جوار ربه فانتقل الفتى القرآني الموهوب (( محمد أحمد شبيب )) إلى كتّاب الشيخ محمد إسماعيل بنفس قريته (( دنديط )) ليستكمل ما تبقى من القرآن ولكن الشيخ محمد رأى أن يبدأ معه القرآن من بدايته فكانت هذه فرصة للتمكن من حفظ القرآن وطريقة تلاوته .. وبعد أن أتم القرآن حفظاً لم يغادر الكتّاب ليراجع القرآن فكان الحفظ حليفه عندما حضر مع أكثر من مجموعة من الحفظة الذين حضروا لتجويد القرآن على الشيخ محمد إسماعيل أحد المتخصصين المشهود لهم بالتمكن في علوم القرآن .. وكان الشيخ محمد إسماعيل سبباً في تمكين تلميذه (( محمد )) من تلاوة القرآن في المناسبات المختلفة باتقان قبل أن يبلغ الخامسة عشرة من عمره, فعرف بدنديط وما حولها وأصبح يدعى في بعض الاحتفالات التي لم يحصل فيها على مقابل لقراءته , ولكنه كان يريد أن يشبع رغبته القوية في تلاوة القرآن أمام جموع الناس الذي شجعوه على ذلك ولقبوه بالشيخ (( محمد )) وتدفّقت عليه عبارات الثناء والدعوات فاقترب من الناس واكتسب ثقة بنفسه مكّنته من التفوق والإجادة ومجالسة من هم في مثل سن والده.

التحاقه بمعهد الزقازيق : بعد تجويده القرآن ومعرفة أحكامه أراد والده أن يلحقه بمعهد القراءات بالقاهرة حتى يكون قارئاً وصييتا كبيراً عن علم ودراية بعلوم القرآن, ولكن الشيخ محمد تعلق بقريته وأهلها وأصدقائه من الزملاء المقربين إليه مما جعله يرفض حياة الغربة ولكن الرفض كان بمشورة الوالد حتى لا يغضب .. نقل الابن رغبته إلى والده في أن يسمح له بالإلتحاق بمعهد الزقازيق الديني الذي يهتم بعلوم القرآن إلى جانب المواد الأزهرية .. وافق الوالد مادام هذا لن يبعد ابنه عن تلقي علوم القرآن وقراءاته .. وفي عام 1951م التحق الشيخ محمد بمعهد الزقازيق فاشتهر هناك بأنه يتلو القرآن بصوت عذب شجي فتمسك به مشايخ المعهد وطلبوا منه أن يفتح لهم اليوم الدراسي بالقرآن, بالإضافة إلى المشاركة في جميع الاحتفالات التي تقام بالشرقية عن طريق الأزهر الشريف ليصبح الطالب محمد أحمد شبيب محل ثقة كل الناس وعرف بمنطقة الشرقية الأزهرية وامتدت شهرته إلى البلاد المجاورة التابعة لمحافظة القليوبية بالإضافة إلى منطقة ميت غمر .

بداية الشهرة ومواقف لن ينساها : يقول الشيخ محمد أحمد شبيب : بدأت التلاوة في المآتم والحفلات الدينية الكبرى وخاصة في الموالد التي كانت تقام للأولياء القريبين من بلدتنا وخاصة مولد الشيخ (( جوده أبو عيسى )) بمنيا القمح بالشرقية والذي كان يتوافد عليه الآلاف من كل محافظات مصر, وكان الشيخ مصطفى إسماعيل يقرأ ليلة الأربعاء تطوعاً واحتفاءً بهذا الولي الصالح .. وجّهت إليّ الدعوات لإحياء المأتم أثناء دراستي بالمعهد الديني بالزقازيق وسبب هذا أن والدي أحضر لي زيًا يتناسب معي كقارىء أولاً, ثم لأذهب به إلى المعهد وكنت صغيراً, ولكن الزّيّ أعطاني هيبة ووقاراً, بالإضافة إلى حسن التلاوة والتجويد مما جعل أهل قريتي والقرى المجاورة يوجّهون إليّ الدعوات بمفردي لإحياء المناسبات, وأذكر أنني دعيت لإحياء مأتم بقرية (( ميت ناجي )) مركز ميت غمر عام 1950م وحصلت على ( 35 قرشاً )) وكانت الدعوة من أحد المشايخ الكبار المعاصرين لجيل الشيخ رفعت وهو الشيخ (( أمين عامر)) وبعد انتهاء السهرة هنّأني وأثنى على أدائي ووجّه لي الدعوة لأسهر شهر رمضان كاملاً بمنزله الذي كان يتوافد عليه المئات لسماع القرآن في شهر رمضان واتّفق معي على خمسة جنيهات مقابل السهرة طوال الشهر وكنت سعيداً جداً ليس بما حصلت عليه, وإنما لأنني أصبحت أحد القراء المعروفين بالمنطقة, ومن هنا عرفت كقارىء وصييت فانهالت علي الدعوات وارتفع ما أحصل عليه في السهرة إلى جنيه .. وبعد أن قضيت أربع سنوات بالمعهد الديني بالزقازيق لم أستطع التوفيق بين الدراسة وقبول السهرات فتفرغت لتلاوة القرآن , في هذه الفترة توفي والدي مطمئناً راضياً بما وصلت إليه من شهرة كقارىء للقرآن الكريم )) .

في عام 1957م دعي لإحياء مأتم محمد بك الجمل بمدينة المنصورة مع المرحوم الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وكان العزاء يضم نخبة كبيرة من كبار رجال الدولة والآلاف القادمين لأداء واجب العزاء من أرجاء محافظة الدقهلية والمحافظات المجاورة .. لم يخش الشيخ شبيب هول الموقف وكثرة الناس ولم يتأثّر أداؤه بوجود رئيس رابطة القراء وشيخهم في ذلك الوقت الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي الذي هنأه على حسن الأداء وبشّره بمستقبل عظيم إذا ظل على هذا المستوى, وكان هذا المأتم بمثابة انطلاقة للشيخ شبيب الذي كان يسهر شهر رمضان ببيت الأمة بمدينة المنصورة لدى عائلة الشناوي .

يقول الشيخ شبيب : (( .. وبعد انتهاء مأتم محمد بك الجمل عدت لأستكمل ليلتي الرمضانية ببيت الأمة فسمعت بعض الحاضرين يقولن: كان فيه قارىء صغير السن مع الشيخ الشعشاعي الليلة بمأتم الأستاذ الجمل ولكن كان صوته جميلاً وأذهل الحاضرين بأدائه فضحكت , وقال لهم أحد الحاضرين إنه هو الشيخ الجالس أمامكم الآن فتعجبوا وأثنوا على أدائي .. وفي الليلة التالية ازداد عدد الحاضرين وهكذا كل ليلة حتى انتهى شهر رمضان )).

يقول الشيخ شبيب : كان الشيخ البنا مدعواً في أحد السرادقات المقامة بساحة المقامة بساحة الاحتفالات بمولد الشيخ جوده في حضور الآلاف من المحبّين من كل محافظات مصر وكان السرادق المدعو إليه الشيخ البنا خاصاً بعائلات الأباظية وكان بالسرادق ما لا يقل عن خمسة آلاف نفس جاءوا للإحتفال بالمولد ولسماع الشيخ البنا يتقدمهم السيد اللواء وجيه أباظة .. ولأنني كنت متواجداً بالسرادق للإستماع إلى الشيخ البنا مرتدياً الزي الرسمي جاءتني الفرصة على طبق من ذهب كما يقولون وفوجئت بعامل الفراشة يحضر إليّ ويهمس في أذني قائلاً : ممكن تنقذ الموقف وتخرجنا من هذا المأزق لأن الشيخ البنا اعتذر الآن ووضعنا في حرج شديد مع الناس ؟ فقلت له: ممكن ودعوت الله أن يثبّتني ويوفّقني لمواجهة الجمهور لأنني سأجلس لأحل محل الشيخ البنا.. وصعدت لأجلس استعداداً للقراءة ففوجئت بأن الحاضرين يجلسون كل اثنين على كرسي واحد من كثرة الناس وبدأت التلاوة بثقة لأني سأنقذ الموقف وإن لم أوفق لن يحاسبني أحد, ولكن الله وفّقني وجاءني الفتوح الرباني وكأن الله أمدني بمدد من السماء ولأنني في مقتبل العمر أدّيت بقوة مع التزامي الشديد بأحكام التلاوة, وواصلت التلاوة لأكثر من ساعة ونصف الساعة. وقبل انتهاء التلاوة صعد الحاج فؤاد شرف الدين وأعطاني عشرة جنيهات وقال لي وجيه بك قال لي : قل للشيخ يستمر في القراءة وواصلت التلاوة وسط تشجيع من الحاضرين)).

وفي نفس المكان وذات المناسبة كان الشيخ مصطفى إسماعيل أحد القراء المشاهير المواظبين والمهتمين بحضور الاحتفال بمولد الشيخ جوده كل عام دون انقطاع ولا اعتذار وكان آلاف المحبّين من عشّاق فن تلاوة الشيخ مصطفى يتوافدون من كل مكان للاستمتاع بصوته وتلاوته.

يقول الشيخ شبيب : (( .. وفي أحد الإحتفالات بمولد الشيخ جوده بمنيا القمح والتي كان الشيخ مصطفى يحضرها كل عام ذهبت إلى السرادق الخاص بالشيخ مصطفى وبعد انتهاء الشيخ مصطفى من التلاوة انفض الناس ولم يتبق في السرادق إلا عدد قليل وصعدت لأقرأ ما تيسر من القرآن وإذا بالسرادق يمتلىء مع مرور الوقت حتى وصل عدد الحاضرين إلى نفس العدد الذي كان يستمع إلى الشيخ مصطفى وكانت هذه الليلة بمثابة ميلاد حقيقي لشهرتي )) .

وفي عام 1961م أصيب الشيخ شبيب بالتهاب في الحنجرة كاد يمنعه عن القراءة ولكن عناية الله أنقذته على يد الدكتور علي المفتي الذي أزال حبة كانت هي السبب في الالتهاب بالحنجرة .. يقول الشيخ شبيب : (( وبعد الشفاء عدت بحمد الله وقدرته إلى تلاوة القرآن بقوة وكفاءة أشعرتني بأن الله أراد لي الخير بعد هذا المرض, وتدفّقت عليّ الدعوات من كل محافظات مصر وأعطاني رب العزة جمالاً في الأداء وجودة في التلاوة وابتكارا في التلوين النغمي وليد اللحظة فأسعد هذا الأداء الناس وشجّعني على الإبداع بفضل الله وتوفيقه.

إلتحاقه بالإذاعة : يقول الشيخ شبيب : (( جاءتني دعوة من عائلة حمودة بالشرقية لإحياء مأتم عميد العائلة.. وحضر العزاء حفيد المتوفى (( الأستاذ علي حمودة )) الذي كان يعمل بالإذاعة فاستحسن أدائي وصوتي وطريقة تلاوتي وأثنى عليّ كقارىء للقرآن يجب أن أكون أحد قراء الإذاعة وأشار عليّ بالتقدم للإذاعة حتى يتم اختباري .. ولأنني لم أكن مستعداً نفسياً لم أتقدم بطلب, ولكنني فوجئت بخطاب من الإذاعة بتحديد موعد الاختبار فذهبت إلى الأستاذ علي حمودة ليؤجل اختباري ستة أشهر بعدها دخلت لجنة الاختبار واعتمدت قارئاً بالإذاعة عام 1964م لأقرأ القرآن عبر الإذاعة مع كوكبة من القراء أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والبنا وعبد الباسط وشعيشع والبهتيمي والمنشاوي وغيرهم من المشاهير. وأصبح اسمي يتردد على الأسماع من خلال تلاوتي المتعددة بإذاعات جمهورية مصر العربية )) .

وفي عام 1973م الذي لم ينسه مسلم ولا عربي عبر الزمان حتى تقوم الساعة وبالتحديد يوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر كان الشيخ محمد أحمد شبيب هو قارىء فجر السبت السادس من أكتوبر يقول : (( .. أثناء تلاوتي لقرآن الفجر في يوم العبور كنت أشعر بأهمية هذا الفجر بالنسبة لي كقارىء وأديت أداءً من القلب وتجاوب معي الموجودون بمسجد الإمام الحسين (ع) وتلوت أروع وأقوى التلاوات في حياتي بإحساس وشعور غريب وبعد انتهاء شعائر صلاة الفجر ذهبت إلى شقتي بالقاهرة لأستريح وأنام فاستيقظت ظهراً على خبر سعيد جداً وهو نبأ عبور قواتنا المسلحة قناة السويس وتفوق قواتنا المسلحة فدعوت الله أن يتم علينا نوره ونصره حتى يعود الحق إلى أهله . وكنت أنا الذي سأقرأ السهرة بسرادق عابدين في نفس يوم 6 أكتوبر 10 رمضان ففوجئت بالسرادق مليء عن آخره بالناس ولم يكن هناك موضع لقدم وكأن الناس يريدون أن يهرعوا إلى هذا المكان الذي يتلى فيه القرآن والذي تحفه الملائكة لشعورهم بأن السماء قريبة جداً من هذا المكان حتى يقبل الله منهم الدعاء . وتلوت آيات النصر من سورة آل عمران ووفّقت وشعرت بأنني في الجنة حيناً وعلى جبهة القتال أحياناً وهكذا كان شعور الحاضرين كلهم وكانت حقاً تلاوة تاريخية لم ولن أنساها أبداً وهي ذكرى غالية على قلبي ما دمت حياً . وكان مقرراً أن أسافر إلى سوريا في النصف الآخر من شهر رمضان لإحياء ليالي شهر رمضان بين الأشقاء بسوريا ولكن ظروف قيام الحرب جعلت المسئولين يكلفونني ومعي زملائي من الموجودين بمصر من المشاهير بأن نتناوب التلاوة بسرادق عابدين والمساجد الكبرى بالقاهرة طوال شهر رمضان وحيث يلجأ الناس إلى بيوت الله للإطمئنان واللجوء إلى الله راجينه تحقيق النصر للأمة الإسلامية في حرب إعادة الثقة والعزة والكرامة للمسلمين وكل الأمة العربية.

الأسرة: بعد هذه الرحلة القرآنية تالياً كتاب الله داخل مصر وخارجها متمتعاً بحب الناس يدخل الطمأنينة على قلبه بأن توفيقه يدل على حب الله له .. كل هذا يجعل الشيخ شبيب يهفو إلى تحفيظ القرآن لحفيده محمد حمد محمد أحمد شبيب ابن نجله الأكبر (( أحمد محمد شبيب )) ضابط الحركة بمطار القاهرة الدولي والذي يحتفظ بمجموعة من الأشرطة التي تضم التراث القرآني لأبيه على مدى هذه الرحلة الحافلة مع كتاب الله عز وجل. وإذا أردت أن تحصل على ذكريات الشيخ شبيب فعليك أن تسمع إلى الأستاذ أحمد محمد شبيب الذي يحمل كل المواقف في حياة أبيه داخل قلبه وذاكرته .. وكذلك الابن إسماعيل محمد أحمد شبيب الطالب بكلية التجارة جامعة الزقازيق والذي يهتم بجمع التراث القرآني لوالده ويحفظ كل تسجيلاته الناتجة عن هذا العمر القرآني لأبيه ويحاول الشيخ محمد تحفيظ القرآن داخل هذه العائلة . وللشيخ شبيب بنتان متزوجتان الأولى أمل محمد أحمد شبيب المتزوجة من الأستاذ المحامي محمد نجيب نافع أما الابنة أزهار محمد أحمد شبيب فهي متزوجة من المهندس حسام عبد الحميد الضابط بالقوات المسلحة.

السفر إلى دول العالم : كان لا بد لهذا القارىء الذي حقق شهرة امتدت إلى جميع أقطار الدنيا عبر الزمان والمكان أن يطلب لإحياء ليالي شهر رمضان بكثير من دول العالم فكانت له زيارات متعددة منها السفر إلى قطر عام 1982م بدعوة خاصة ثم إلى (( أبوظبي )) عام 1986م وسافر إلى الجابون عام 1987م.

رحلة القدس : في عام 1994م قررت وزارة الأوقاف إيفاد الشيخ شبيب إلى إيطاليا لإحياء ليالي شهر رمضان بالمركز الإسلامي بروما ولكنه اعتذر, مفضلاً البقاء بمصر بين أهله وعشاق صوته وتلاوته .. وقبل حلول شهر رمضان بيوم واحد أخبره الأستاذ جمال الشناوي وكيل أول وزارة الأوقاف بأن هناك دعوة باسمه من قبل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لإحياء ليالي شهر رمضان بالمسجد الأقصى بالقدس فلم يتردد في قبول هذه الدعوة ليشارك الأشقاء الفلسطينيين فرحتهم واحتفاءهم بأول رمضان بعد إقامة دولتهم .. وعند وصوله وجد حفاوة واهتماماً وتكريماً بأن وجه إليه الرئيس عرفات الدعوة للإفطار معه بمقر الرئاسة .. وكانت سعادته لا توصف عندما تلا قرآن الجمعة اليتيمة بالمسجد الأقصى بين ما يقرب من نصف مليون فلسطيني يتقدمهم الرئيس عرفات وقرأ نفس التلاوة التي قرأها في سرادق عابدين يوم العبور عام 1973م من سورة آل عمران , وظل يكرر قول الله تعالى { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } . (آل عمران: 160 ) أكثر من عشرين مرة بناء على رغبتهم وبعد انتهاء الرحلة كرّمه الرئيس عرفات بمنحه شهادة تقدير ونيشان السلطة الفلسطينية تقديراً لدوره كأول قارىء يتلو القرآن بالمسجد الأقصى بعد العودة

الشيخ محمد السيد ضيف

http://www.islamophile.org/audio/downloads/coran/deif/deif.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ محمد السيد ضيف يوم 13/8/1945م بقرية طناح مركز المنصورة بمحافظة الدقهلية في أسرة متوسطة الدخل ولكن والده الحاج سيد ضيف كان حريصاً كل الحرص على تعليم ابنه القرآن الكريم وعلومه حتى يصبح واحداً من حفظة القرآن الكريم في قرية تعشق القرآن وقارىء القرآن وكانت تتميز باستضافة مشاهير القراء لإحياء ليالي العزاء نظراً لكثرة تعداد سكانها وكثرة المتعلمين فيها وكانت هذه القرية وقتذاك وحتى اليوم أكبر قرى المنطقة واشتهر أهلها بالتجارة إلى جانب الزراعة وكان أهالي القرية المجاورة لها يتطلعون إليها وينظرون إلى أهلها نظرة إحترام لأنها قرية تهتم بالتعليم وارتقى بعض أبنائها أكبر الوظائف على مستوى محافظة الدقهلية فكان ذلك سبباً في حرص الحاج سيد ضيف في أن يدفع بابنه محمد إلى اشرف مكان وهو كتّاب القرية ليتلقى أعظم كلام وهو القرآن الكريم.

لما بلغ الابن (( محمد )) سن السابعة ألحقه والده بالكتّاب بنفس القرية التي ولد بها (( طناح )) فلم يجد مشقة لأن الكتّاب كان قريباً من البيت. ولأن الله هو الذي يملك تحديد مصائر عباده ((وكل شيء عنده بمقدار )) استطاع الطفل الصغير ابن السابعة أن يواظب بحب وشغف على التردد صباح مساء على الكتّاب يحمل المصحف في يده وأحياناً يضمه إلى قلبه كما يقول واعتبره جزءاً أو قطعة من جسده.

يقول الشيخ ضيف : كنت سعيداً كل السعادة لترددي على كتّاب سيدنا وكلما كنت أذهب إلى الكتّاب حاملاً مصحفي في يدي أتخيل أنني سأكون ذا شأن ومكانة بفضل هذا الكتاب الذي هو بيدي فكنت أضمه إلى صدري متخيلاً أنه جزء لا يتجزأ مني لأن فيه مستقبلي في الدنيا والآخرة, كما تعلمت من أهل الفضل الذين قاموا بتحفيظي القرآن وأحكامه, وكانت سعادتي لا توصف وأنا طفل صغير عندما كنت أتم الجزء من القرآن وأراجعه أكثر من مرة على سيدنا حتى أتمكن من القرآن وقبل بلوغي الحادية عشرة كنت بفضل الله حافظاً للقرآن الكريم حفظاً جيداً. وظهرت الموهبة لدي وأنا بالكتّاب فكنت أستغل فرصة انشغال سيدنا أو تأخره عن الحضور إلى الكتّاب فأتخيل نفسي قارئاً وملائي مستمعين وأتلو عليهم بعض الآيات بصوت جميل لفت أنظارهم إليّ فكانوا يلقبونني بالشيخ ((مصطفى)) أي الشيخ مصطفى إسماعيل لأن المرحوم الشيخ مصطفى إسماعيل كان يأتي كثيراً إلى قريتنا (( طناح )) لإحياء المآتم ولذلك أثّر فيّ الشيخ مصطفى لأنه كان كثير الحضور إلى بلدتنا وكان أسطورة يتحدث عنه والدي وأصدقاؤه من أهل القرية وأنا أسمع لهم بشغف فالحديث عذب يؤثر في السامع فعزمت النية على أن أكون مثل الشيخ مصطفى وطلبتها من الله, فوقفت ذات ليلة في الظلام الحالك وقلت: يا رب تجعلني قارئاً مشهوراً مثل الشيخ مصطفى إسماعيل, وكان سني وقتها 15 سنة وكأن أبواب السماء كانت مفتّحة على مصارعها واستجاب الله لي وأصبحت قارئاً للقرآن بالإذاعة والتليفزيون وأدعى للمحافل الكبرى, كما يدعى المرحوم الشيخ مصطفى ودائماً أتذكر الليلة التي دعوت الله فيها أن أكون مثل هذا القارىء الفذ وخاصة عندما أقلده في جواب أثناء القراءة ويقول لي المستمعون : (( والله أنت فكرتنا بالشيخ مصطفى إسماعيل)). ويعتّز الشيخ ضيف بتسجيلاته التي تزيد على عشرة آلاف ساعة قام بتسجيلها في المآتم والحفلات بمساعدة نجله محمد الذي يعمل مذيعاً خاصاً لوالده في السهرات.

بداية الشهرة : بعد مرحلة الطفولة وظهور علامات الموهبة والنبوغ القرآني للشيخ محمد ضيف ذهب به والده رحمه الله إلى قرية ((أويش الحجر)) مركز المنصورة والتي تبعد عن (( طناح )) بأكثر من عشرين كيلومتر ليتلقى علوم القرآن وأحكامه والقراءات السبع حتى يتمكن من تلاوة القرآن في السهرات الخاصة التي كان يدعى إليها وهو في الخامسة عشرة من عمره وذلك عند مشايخ وعلماء عائلة الجمل وخلال عامين أصبح الشيخ محمد ملماً بأحكام التلاوة والتجويد والقراءات مما شجعه على قبول الدعوات للقراءة بالمآتم والسهرات بقريته (( طناح )) والقرى المجاورة لها وفي العشرين من عمره قرأ مع الشيخ حمدي الزامل والشيخ شكري البرعي رحمهما الله .

يقول الشيخ محمد ضيف : (( كان حلماً يراودني ليل نهار أن أقرأ بجوار واحد من اثنين وتجمعني مع أحدهم سهرة قرآنية واحده الأول المرحوم الشيخ حمدي الزامل والثاني المرحوم الشيخ شكري البرعي لأنها كانا نجمين يضيئان المنطقة التي نشأت بها داخل محافظة الدقهلية, وكان لقربهما من قريتي أثر كبير في حبي الشديد لهما لدرجة أنني كنت أقلد الاثنين في تلاوة واحدة أقرأ آية بطريقة الشيخ شكري والثانية بطريقة الشيخ حمدي, وتعلمت منهما شيئاً مهماً وهو احترام الزميل حتى ولو كان قريباً مني من حيث محل الإقامة وكان الشيخ حمدي الزامل وهو من قرية محلة ((دمنه)) والشيخ شكري وهو من قرية ((القباب)) ونظراً لقرب القريتين جداً كان من الممكن أن يختلف الاثنان في بعض الأمور ولكن لم يحدث شيء من هذا ولم ير أحد منهما إلا الحب والقرب والاحترام المتبادل بينهما وربما بهذا يرجع لسبب مهم وهو أن كل واحد منهما يثق بنفسه من حيث التمكن والجماهيرية أو الشعبية وحسن الصوت وقوة الأداء والإلتزام في تلاوته والثقة التي كانت تنعكس على تصرفاتهما معاً هي الثقة في الله وفي قدرة الله فكانت التقوى في التلاوة والمعاملة أهم ما يميزهما, ولذلك نجح الاثنان الشيخ حمدي والشيخ شكري في جذب الناس إليهما واحترام الجميع لهما, ولكن الشيخ حمدي الزامل كان بالنسبة لي هو عميد الجامعة التي تخرجت فيها لأن قريته (( محلة دمنه )) هي الأقرب لقريتي ولأن طبقات صوتي أخذتني إلى الميول بقوة إلى طريقة الشيخ حمدي الذي أخذ شهرة واسعة في مصر والعالم وخاصة بعد التحاقه كقارىء بالإذاعة والتليفزيون.

كان العامل الرئيسي في مساعدة الشيخ محمد ضيف على الشهرة والإستمرار كقارىء وثقل موهبته هو تواضعه في قرية كبيرة بها نسبة عالية من الموظفين أرباب الوظائف المرموقة, مما جعل أهالي القرية المولعين بمشاهير القراء – يأملون في أن يخرج من أبنائها واحد يكون في شهرة الشيخ مصطفى والشيخ البهيتمي والشيخ شعيشع وغيرهم من عماليق القراء.

بدأ الشيخ محمد ضيف مقلداً لأكثر من قارىء معتمداً على ذكائه وسرعة البديهة التي ساعدته على الإستمرار بقوة وفي البداية لأن حسن التصرف قد يسعف أحياناً ولأن لكل قرية قارئها المفضل فكان الشيخ محمد يبدأ بمدرسة الشيخ مصطفى والتي منها الشيخ حمدي الزامل فإذا انسجم المستمعون مع التلاوة استمر الشيخ محمد حتى النهاية وإذا وجد منهم شوقاً إلى ما يشبع روحهم زادهم بقرار أو أكثر بطريقة الشيخ محمد رفعت, كما لو أن السامع يستمع إلى صوت الشيخ رفعت لشدة الإتقان البارع المحكم الذي ينبىء عن ذكاءه وتمكن الشيخ ضيف كل هذا كوّن شخصية الشيخ محمد ضيف القرآنية حتى أصبح أحد قراء محافظة الدقهلية ومحافظات الوجه البحري وذاع صيته وانتشرت شهرته, وأصبح له لونه الخاص الذي يميّزه بعد أن تخلص من التقليد رويداً رويداً لأنه رأى القارىء إذا بدأ مقلداً بعدها يجب أن تكون له شخصيته المستقلة.

لم يخف الشيخ ضيف سراً عندما قال : (( .. ولم أكن أتوقع أبداً أن يأتي اليوم الذي أكون فيه قارئاً بالإذاعة والتليفزيون لأنني عندما كنت أستمع إلى أعلام القراء أمثال الشيخ أبوالعينين شعيشع والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ البنا والشيخ عبدالباسط وغيرهم من نجوم التلاوة كنت أعتبر نفسي مستمعاً لهم ولما كنت أجلس مع أحدهم تتملكني الهيبة والرجفة لما لديهم من وقار وجلال وعزة وقوة استمدوها من وقار وجلال وعزة القرآن .. ومرت الأيام ورحل كل هؤلاء العمالقة وبقيت ذكرياتهم الطيبة في نفس الشيخ محمد ضيف وفي نفوس الملايين من المستعين .. إلتحق الشيخ ضيف بالإذاعة كقارىء بها ثم بالتليفزيون, وأصبح واحداً من مشاهير القراء في مصر والعالم كله هذا بفضل الله ثم بفضل الأجهزة الحديثة التي جعلت العالم كقرية صغيرة جداً.

الإلتحاق بالإذاعة : في عام 1984م التحق الشيخ محمد السيد ضيف بالإذاعة ونال إعجاب أعضاء اللجنة لأنه تشبع بطريقة الشيخ حمدي الزامل وصارحوه بهذا فكان سعيداً لأنه متواضع جداً جداً ومحب للشيخ حمدي بحجم تواضعه ولكن لجنة إختبار القراء بالإذاعة وجهوه ببعض النصائح وأمهلوه ستة أشهر حتى يتمكن من دراسة المقامات الموسيقية دراسة جيدة ويثقل نفسه حتى يستطيع أن يحصل على تصريح اللجنة له بتسجيل نصف ساعة للعرض مرة أخرى لمعرفة إمكاناته كلها من خلال 30 دقيقة وبعد 6 شهور عاد إلى اللجنة للإختبار , فاعتمد كقارىء بالإذاعة ولكن قراءات قصيرة وظل كذلك حتى تقدم بطلب إلى اللجنة للسماح له بتسجيل نصف ساعة للعرض لمعرفة ما إذا كان يستطيع أن يقرأ نصف ساعة, بالإضافة إلى الإذاعات الخارجية على الهواء فسمح له المسئولون وتم عرض الشريط على اللجنة فأجازوا له الشريط واعتمد كقارىء قراءات طويلة وخارجية على الهواء مباشرة ليكون قارئاً معروفاً في جميع دول العالم ولم يتبق إلا أن يكون متحدثاً بنعمة الله عليه ويتقي الله حيثما كان ويذكر نعمة الله عليه.

السفر إلى دول العالم : منذ أكثر من عشرين عاماً والشيخ محمد السيد ضيف يزور المسلمين في شتى أنحاء الدنيا لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك في أشهر المساجد والمراكز الإسلامية سافر إلى أمريكا قبل أن يلتحق بالإذاعة من خلال مسابقة عقدت بشئون القرآن بوزارة الأوقاف لإبعاث القراء إلى الخارج وكان ترتيبه الثالث على الجمهورية وقرأ بأشهر المساجد في كثير من الدول العربية والإفريقية سافر مع المرحوم الشيخ محمود علي البنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1978م وكانت ذكرياته مع الشيخ البنا بمثابة وسام على صدره ثم سافر إلى كثير من دول شمال آسيا ودول الخليج العربي وسافر مبعوثاً من قبل وزارة الأوقاف إلى العديد من الدول التي بها جاليات إسلامية ضخمة.

يقول الشيخ ضيف : (( تأثرت كثيراً وفاضت بالدمع عيناي لما وجدت المسلمين بالمركز الإسلامي بلندن متعطشين لسماع القرآن ويبكون تأثراً بكلام الله المعجز وسبحان الله يسمعون القرآن ويفهمونه ويطربون بموسيقاه الداخلية وبالنغم والمقامات وأداء القارىء بخشوع وخاصة إذا كان القارىء متأثراً بما يقول وهذا الإقبال النفسي والروحي منهم جعلني أقوم بتسجيل القرآن كاملاً مجوداً وأهديته لهم ولكل مسلمي العالم وخاصة الجاليات المسلمة في بلاد الغربة التي يشعر فيها المسلم بالأنسة مع القرآن الذي يجمع شمل النفس ويجمع القلوب المؤمنة حوله وهذا هو سر إعجازه فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة التي مكننا منها ربنا وأدعو الله أن يهب كل الناس نعمة القرآن وحفظه حتى يرضى الله عنا جميعاً. وأدعو الله أن يهبنا رضاه ورضا خلقه, لأن الناس شهود الله في أرضه وهذا يذكرني بما قاله الإمام الفاضل الشيخ متولي الشعراوي عني في إحدى الصحف : (( .. ومن القراء الجدد يعجبني الشيخ محمد السيد ضيف الذي يجمع بين القديم والحديث في تلاوته )) وهذا وسام أفخر به ويضاف إلى وسام حب الناس لي وخاصة أهل قريتي (( طناح )) مركز المنصورة بمحافظة الدقهلية .

الشيخ محمد بدر حسين

http://www.islamophile.org/spip/local/cache-vignettes/L178xH210/resize_of_badr-27247.jpg

ولادته : ولد القارىء الشيخ محمد بدر حسين بمدينة (( السنطة )) مركز طنطا – محافظة الغربية في 3/1/1937م. في أسرة دينية, حيث كان والده (( رحمه الله )) يحفظ القرآن إلى جانب اهتماماته بأمور دينه ولقب بالشيخ لأنه كان تقياً مطيعاً لربه, ومصدر خير بين الناس .. يسدي النصح لكل من يجالسه أو يتعامل معه .. لم يتطلع الشيخ بدر إلى زخارف الدنيا بقدر ما تمنى أن يعمل للأخرة, ولم يطلب من الله أن يرزقه بولد ليكون زينة في الحياة الدنيا وإنما كان يرجو الولد ليهبه للقرآن وحفظه .. لم يتوقع الشيخ بدر أن يكون الوليد الذي أسماه (( محمداً )) قارئاً مشهوراً في كل أنحاء الدنيا وأحد النجوم الساطعة في سماء تلاوة القرآن الكريم .. ولما بلغ الرابعة من عمره ذهب به والده إلى الكتّاب الذي يعد صاحب الفضل العظيم عليه في التمكن من القرآن حفظاً وتجويداً .. ولنبوغه وسرعة استيعابه لكلمات الله أشير إليه بالبنان وشهد له شيخه بالإلتزام والإستجابة السريعة لتوجيهاته ونصائحه له. يقول الشيخ محمد بدر حسين (( في الكتّاب كان مولدي الحقيقي بين أحضان كلمات الله المباركات ووجدت اهتماماً كبيراً من كل المحيطين بي مما شجعني على الإقبال بلهفة وشوق لحفظ القرآن الكريم فكنت أتوجه إلى حيث يتلى كتاب الله, وكان جهاز الراديو قبلتي التي أجلس إليها في هدوء لأستمتع بما يتلى من قرآن بأصوات نوابغ القرآن أمثال أساتذتنا الكبار كالشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ أبو العينين شعيشع والشيخ البنا والشيخ البهتيمي والشيخ عبد الباسط وغيرهم من أصحاب الأسماء اللامعة والشهرة الواسعة .. وكان والدي يحاول أن يوفر لي كل شيء من الممكن أن أصل من خلاله إلى أن أنال شرف الإرتقاء إلى منازل هؤلاء العباقرة من قراء القرآن الكريم .. جلس والدي أمامي كثيراً ليستمع إلى أدائي وطريقة التلاوة حتى يثقل موهبتي ويوجهني منذ الصغر لإتقان التلاوة لأنها من وجهة نظره الصحيحة هي ليست مهنة ولكنها رسالة وأمانة يجب أن تؤدى غير منقوصة .. ولأن والدي كان قريباً من مجالسة العلماء والفقهاء ورجال الدين تمنى أن أكون عالماً وقارئاً فألحقني بالأزهر الشريف فتلقيت علوم القرآن إلى جانب العلوم الأزهرية وتفوقت بفضل الله ثم بفضل حفظي للقرآن ودرايتي بعلومه .. لم يكتف الشيخ محمد بدر حسين بالتحاقه بالأزهر ولكنه عشق تلاوة القرآن فسرى حبه للتلاوة سريان الدم في عروقه فأتقن تقليد الشيخ مصطفى إسماعيل وقبل الدعوات البسيطة لإحياء المآتم والمناسبات والسهرات المتواضعة وهو ما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة من عمره, كما كان لمشايخه بالمعهد الديني الأثر الأكبر في انتشاره كقارىء صغير حيث رشحوه لافتتاح كل احتفالاتهم الدينية بتلاوة القرآن أمام كبار الشخصيات والضيوف وعلماء الأزهر الشريف .. ولأن المعهد الديني بطنطا كان يستوعب الآلاف من الطلاب من أنحاء المحافظات .. استطاع الشيخ محمد بدر حسين أن ينتشر عن طريق زملائه الذين حرصوا على توجيه الدعوات إليه لزيارتهم ومشاركتهم إحياء بعض الحفلات في بلادهم.

حصل الشيخ محمد بدر حسين على الشهادة الثانوية الأزهرية عام 1959م-1960م والتحق بكلية أصول الدين جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة التي التقى فيها بكثير من العلماء وكوكبة من القراء المشاهير , فسعد بانتقاله إلى بلد الأزهر الشريف واقترابه من الأضواء وعوامل الشهرة التي تطلع إليها منذ الصغر ليوظف موهبته توظيفاً مفيداً يستحق المزيد من الجهد والكفاح بصبر ومثابرة.

بعد إلتحاقه بكلية أصول الدين بالقاهرة فكر في كيفية الالتحاق بالإذاعة التي كانت أملاً صعب المنال في ذلك الحين .. يقول الشيخ محمد بدر حسين : (( .. بعد انتقالي إلى القاهرة لم يستهويني شيء من بريقها بقدر ما تعلقت بمعالمها الدينية وخاصة الأزهر الشريف وجامعه الذي سيكون هو والمسجد الحسيني والمسجد الزينبي أهم المنابر القرآنية التي فيها يتعرف عليّ المسئولون بعد ما أوفق في تلاوة القرآن أمامهم وفي مجالسهم .

كنت أقتنص أي فرصة تسنح لي لأتلو القرآن بأحد تلك المساجد ولو لمدة خمس دقائق .. كانت الرهبة في البداية تتملكني لهيبة المكان الذي يتردد عليه أساطين قراء القرآن الذي لا مجال فيه لقارىء غير متمكن وحتى الرواد بتلك المساجد ما هم إلا مجموعات من أجود المستمعين المتعصبين لنجومهم المفضلة من المقرئين الموهوبين السالف ذكرهم .. كان صعباً على هاو أو شبه قارىء التعرض لوضع نفسه في موقف لا يحسد عليه فيطلب السماح له بالتلاوة في مثل هذه المحاريب .. ولكنني بتوفيق من الله استطعت أن أصنع لي اسماً وشخصية قرآنية جعلت كثير من كبار المهتمين بتلاوة القرآن يشجعونني على التقدم للإلتحاق بالإذاعة كقارىء بها.

الإلتحاق بالإذاعة : تقدم للإذاعة بطلب للإختبار أمام اللجنة .. صادف ذلك تقدم أكثر من مائة وستين قارئاً دفعة واحدة للإذاعة. ولأن التقدم للإذاعة من حق الجميع كان لا بد أن نرى مثل هذا العدد الذي تم تصفيته إلى أربعة قراء توافرت لديهم الشروط الواجب توافرها فيمن يتطلع إلى الشهرة والمجد عن طريق الإذاعة. يقول الشيخ محمد بدر حسين : ((.. تقدمت للإذاعة عام 1961م وكان عمري وقتذاك لا يتعدى أربعة وعشرين عاماً .. وتمت التصفية إلى أن أعتمد أعضاء اللجنة أربعة فقط من المئات التي تقدمت للإختبار أمام اللجنة التي لم تجز إلا هؤلاء : راغب مصطفى غلوش, عبد العزيز علي فرج, محمد ساعي نصر الحرزاوي, محمد بدر حسين .. وكان القارىء الذي يمر على تلك اللجنة وينجح كان يعتبر فلتة من فلتات الزمان لأن اللجنة كانت تضم كوكبة من العلماء وكبار الإذاعيين والموسيقيين في مصر, حيث كانت اللجنة تتكون من المرحوم الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود رئيساً ومن بين الأعضاء الشيخ أحمد السنوسي والمؤرخ الموسيقي الأستاذ محمد حسن الشجاعي والشاعر الأستاذ هارون الحلو والإذاعيين الأستاذ عبد الحميد الحديدي والأستاذ أمين عبد الحميد .. ودخلت اللجنة فانهالت عليّ الأسئلة من كل اتجاه في الحفظ والأحكام وعلوم القرآن .. وبعد أكثر من ساعة هنأني أعضاء اللجنة وقدموا لي بعض النصائح حتى أستطيع أن أحافظ على صوتي وأدائي للقرآن )).

بعد التحاقه بالإذاعة ذاع صيته وأصبح في مقدمة المشاهير, مكنه من ذلك مواصلته الدراسة بجامعة الأزهر الشريف وتخرجه في كلية أصول الدين عام 1968م .. مما أتاح له الفرصة لأن ينهل من علوم القرآن ما يؤهله لأن يتلوه عن علم ودراية بتمكن وجعله يجيد التحدث مع كل طبقات المجتمع ليخطو خطوات سريعة نحو الشهرة والعالمية لمكانته العلمية والثقافية إلى جانب موهبته في تلاوة القرآن بصوت عذب شجي جعل المسئولين يوجهون إليه الدعوات لإحياء المناسبات الكبرى داخل مصر وخارجها وأطلق عليه بعضهم كروان الإذاعة والقارىء المغرد والقارىء العالم والقيثارة .

التدرج في الوظيفة : تدرج الشيخ محمد بدر حسين في السلك الوظيفي حيث عمل مدرساً بالمعاهد الأزهرية بمنطقة البحيرة ثم مدرساً أول بمعهد دمنهور الثانوي الأزهري إلى أن تم ترقيته عام 1980م للعمل بالتفتيش العام على المعاهد الأزهرية بالبحيرة والآن هو أحد الموجهين العموم بالمنطقة الأزهرية بمحافظة البحيرة .. لم يقتصر دور الشيخ محمد بدر حسين عند هذا العطاء العلمي والقرآني ولكنه شارك في المؤتمرات الكبرى بصفته عضواً بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية .. وكانت آراؤه واقتراحاته دائماً في صالح حفظة القرآن الكريم .. ولذلك وجدناه كثيراً ممثلاً لمصر في المسابقات العالمية والدولية كمحكم في كثير من دول العالم وقد ظهرت صوره كثيراً بالمحافل الدولية والعالمية بين الملوك والزعماء وكبار الشخصيات وكان نجماً ساطعاً يرفع راية مصر عالياً لاعتزازه بالعلم والقرآن وبأنه مصري يحب وطنه كثيراً .. وللشيخ محمد شخصية تميزه في أدائه وتلاوته بصوت شجي يستطيع السامع أن يميزه من أول لحظة مما يدل على أنه صاحب مدرسة فريدة لا ينافسه فيها أحد.

خلال رحلته التي تقترب من نصف قرن من الزمان قضاها في تلاوة القرآن وخدمته .. استطاع الشيخ محمد بدر حسين أن يلتقي بأجلاء العلماء .. فتتلمذ على أيديهم ونهل من علمهم واستمع إلى نصحهم ولم يخل له حديث من ذكر مناقبهم وفضائلهم عليه وأنهم سبب قوي في تكوين شخصيته القرآنية وشهرته العالمية .

وأول هؤلاء الكواكب التي أضاءت الطريق ومهدته أمام الشيخ محمد بدر حسين .. المرحوم العالم الجليل الشيخ المتين عبد الفتاح القاضي الذي كان يقول للشيخ محمد بدر حسين أنت (( ابني يا شيخ محمد )) .. وكانت هذه العبارة تعطي الشيخ محمد بدر دفعة نحو تحصيل العلوم القرآنية وتساعده على الإبداع في التلاوة لأن شهادة الشيخ القاضي كانت بمثابة وسام على صدر كل من يعترف به الشيخ القاضي .

ذكريات لا ينساها : ومن الذكريات التي لن ينساها الشيخ محمد بدر حسين .. عام 1962م دعي لإحياء احتفال بمدينة دمنهور في حضور كبار المسئولين يتقدمهم السيد / المحافظ وجيه أباظة.. وكان الشيخ مصطفى إسماعيل هو قارىء الحفل الأول فاستقبله السيد المحافظ استقبالاً رسمياً واحتفى به أيما احتفاء. وكان الحفل محشوداً بالشخصيات الدينية وكبار المسئولين .. ولكن السيد المحافظ فوجيء بالشيخ مصطفى إسماعيل يسلم على أحد الشيوخ الحاضرين ويقبل يده فسأل السيد المحافظ عن هذا الرجل الذي قبل الشيخ مصطفى إسماعيل يده .. فقيل له إنه الشيخ عبد الفتاح القاضي أكبر عالم قراءات في مصر وفي العالم كله .. وهو أستاذ المشايخ كلهم. فقال المحافظ: وهل لهذه القراءات معهد تدرّس فيه فقيل لسيادته لا يوجد إلا بالقاهرة . فأمر المحافظ بإنشاء معهد للقراءات بدمنهور تكريماً للشيخ القاضي ليكون ثاني معهد للقراءات بمصر بعد معهد قراءات القاهرة في ذلك الوقت .. ومن العلماء الأجلاء الذين تتلمذ الشيخ محمد بدر حسين على أيديهم الإمام الراحل الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود الذي تتلمذ الشيخ محمد بدر على يديه بكلية أصول الدين .. والذي عندما تولى مسئولية الإمام الأكبر وشيخ الأزهر .. والتقى الإمام بتلميذه في احتفال رسمي كانت سعادته كبيرة بتلميذه محمد بدر حسين وهو يتلو القرآن عبر موجات الإذاعة والتليفزيون والعالم كله يستمع إليه .. ومن العلماء الذي الذي أثروا في شخصية الشيخ محمد على حد قوله فضيلة الشيخ رزق خليل حبه شيخ عموم المقارىء المصرية والذي يعد أستاذاً للشيخ محمد بدر في علوم القرآن.

السفر إلى معظم دول العالم : بدأت رحلته مع كتاب الله عز وجل خارج مصر منذ عام 1963 وكان سنه 26 سنة كان مبعوثاً إلى الهند وباكستان .. وسافر إلى الجزائر عام 1964م وقرأ بأشهر مساجدها .. وفي عام 1966م سافر إلى اليمن وعام 1967 سافر إلى تونس وقرأ بأكبر مساجدها وفي عام 1970م سافر إلى السودان . وتم اختياره عام 1970م ليكون عضواً بلجنة التحكيم بماليزيا في المسابقة الدولية التي أقيمت هناك لاختيار الأول على العالم في حفظ القرآن وتجويده , وكان سنه 33 سنة فكان اصغر محكم ولكنه كان كبيراً بعلمه .. ومن عام 1972م إلى عام 1974م وجهت إليه الدعوات من الحكومة البحرينية لإحياء شهر رمضان لتعلق أهلها بحسن تلاوته .. بعدها سافر عام 1975م إلى الولايات المتحدة الأمريكية وقرأ بأكثر من عشر ولايات بدعوات وجهت إليه من الجاليات المسلمة هناك . سافر إلى الكويت عام 1977م بدعوة من حكومتها لإحياء ليالي شهر رمضان .

وبعد 12 سنة قضاها الشيخ محمد متنقلاً بين أكبر المساجد والمراكز الإسلامية في معظم قارات الدنيا .. عاوده الشوق والحنين إلى مساجد آل بيت النبي (ص) وإلى جمال أيام وليالي شهر رمضان وحلاوتها ومتعتها بمصر والتي لا تعادلها متعة في الوجود, فاعتذر عن عدم قبول عشرات الدعوات التي جاءته من مختلف دول العالم .. ولأن الحب والتكريم يجب أن يقابل بمثله, سافر إلى دولة الإمارات عام 1990م لإحياء شهر رمضان وإلى البرازيل عام 1991م و 1994م ثم عاد لإحياء شهر رمضان عام 1996م بدولة الإمارات العربية .

وللشيخ بدر حسين مع هذه الأسفار المتعددة ذكريات لا تنسى .. في الهند عام 1963م كان بصحبة الشيخ الحصري لإحياء ليالي شهر رمضان بالعاصمة (( نيودلهي )) وكان بها مسجد يسع لأكثر من 25 ألف مصلٍ .. وكانوا يستمعون إلى القرآن وهم يقفون على أقدامهم لأكثر من ساعتين ويبكون بصوت مسموع من شدة تأثرهم بتلاوة القرآن مع أن معظمهم لا يفهم اللغة العربية ولكن هذا سر إعجاز القرآن الكريم, الذي ينفذ إلى القلوب بجلاله وجماله وموسيقاه الطبيعية المرسلة التي ليست من صنع البشر.

والمنظر الذي أثر في كيان الشيخ بدر هناك عندما رأى ((المحرقة)) وألسنة النار تلتهم أجساد الموتى من البشر. وفي تونس عام 1967م قضى الشيخ محمد بدر حسين أمتع أيام حياته من شدة اهتمام التوانسة بسماع القرآن والإحتفاء بالقارىء والأعداد التي تقدر بالآلاف ولكن لم تكتمل البهجة بعد 16 يوماً من الرحلة. ففي المسجد الكبير بالعاصمة أقيم احتفال رسمي كبير حضره الرئيس الراحل ((الحبيب بورقيبة)) بمناسبة ذكرى ليلة بدر يوم 16 رمضان وكان الإحتفال مذاعاً عبر موجات الإذاعة وشاشات التليفزيون وطلب الحاضرون من الشيخ بدر الإستمرار في التلاوة بناء على رغبة الرئيس بورقيبة وبذل الشيخ بدر جهداً مضاعفاً لدرجة أن الدم نزف من أنفه في نهاية القراءة..

انشغل الشيخ بدر بسبب ما حدث وقال في نفسه لابد أن حدث شيء لعزيز لديّ بمصر وانشغل على والده كثيراً فاتصل بأهل زوجته بالمحلة الكبرى فلم يجدهم فاتصل بالجيران فأخفوا عنه خبر وفاة أبيه فقال لهم يبدو أن والدي (( مات )) وعاود الاتصال فلم يعلمه أحد بخبر وفاة أبيه إلا بعد عودته .. ليجد أن القدر حال بينه وبين رؤية أبيه الذي كان بدراً فارق الحياة ليلة بدر ليتعانق البدران, الذكرى والإنسان فأصبح احتفال الشيخ محمد بدر بليلة السابع عشر احتفالاً قرآنياً يقرأ فيه القرآن على روح والده الطاهرة وعلى أرواح شهداء بدر الأبرار.

وفي عام 1970م سافر الشيخ محمد بدر حسين إلى دولة ماليزيا لإحياء ليالي شهر رمضان وتم اختياره ضمن لجنة التحكيم بالمسابقة الدولية لحفظ القرآن الكريم بين أوائل الحفظة على مستوى دول العالم وأقيمت المسابقة باستاد ماليزيا الرياضي الذي أعد وجهز بأعلى الإمكانات لانعقاد المسابقة وفي المدرجات يجلس آلاف المسلمين للإستمتاع بما يتلى من قرآن في المسابقة والتي تقدم للحاضرين فيها ملك ماليزيا. وفي عام 1989م وجهت إليه الدعوة لافتتاح مسجد (( الملك عبدالله )) جد الملك حسين وفي نفس العام سافر إلى العراق كعضو بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ممثلاً للجنة القرآن وعلومه في مؤتمر ( السلام في الإسلام ) الذي انعقد في بغداد وبدأت أولى جلسات المؤتمر بتلاوة آي الذكر الحكيم للقارىء الشيخ محمد بدر حسين. وفي عام 1994م سافر الشيخ محمد بدر حسين إلى دولة الإمارات لإحياء ليالي شهر رمضان في (( أبوظبي )) حيث سعد بصحبة الشيخ أحمد الرزيقي والشيخ محمد صديق المنشاوي .

تكريم الشيخ محمد بدر حسين خلال أسفاره المتعددة : أعز ما حصل عليه من تكريم خلال هذه الرحلات المتعددة هو جسور الصداقات التي أقيمت بينه وبين الآلاف من المسلمين وأعضاء الجاليات الإسلامية بالخارج , بالإضافة إلى بعض الهدايا التذكارية التي قدمت إليه من بعض الملوك والرؤساء والمسئولين أقربها إلى قلبه قطعة من كسوة الكعبة أهداها له الملك فهد بن عبد العزيز الذي وجه إليه الدعوة لحضور غسل الكعبة وتبديل كسوتها . وكذلك أعطاه خادم الحرمين تسجيلاً كاملاً للقرآن بصوت الشيخ الحذيفي .. قدم له ملك ماليزيا ( الزي الرسمي الماليزي ) وهو زي الملك إهداءً وتقديراً لدوره كعضو بلجنة التحكيم بمسابقة القرآن العالمية بالإضافة إلى طبق من الفضة مكتوب عليه تاريخ المسابقة .. وقدم له الرئيس بورقيبة عام 1967م ساعة يد من الذهب الخالص كهدية تقديراً لجهوده في مجال خدمة القرآن وتلاوته .. وأهداه الملك حسين ملك الأردن ساعة يد قيمة جداً أثناء حضوره الاحتفال بافتتاح مسجد الملك (( عبد الله )) وأعظم منحة قدمت إليه عندما طلب منه المسئولون بالمركز الإسلامي بواشنطن أن يكون شاهداً على اعتناق خمسة أشخاص للدين الإسلامي ونطقوا أمامه شهادة .. (( أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )).

أسرة الشيخ محمد بدر حسين : إن البدر لا ينتج إلا النور وخاصة عند اكتماله ليضيء الدنيا وليس غريباً أن يكون هذا البدر المحمدي الحسيني مصدر نور في مملكة تغذى طاقمها بزاد القرآن ورحيقه وعذب كلامه شاركه في صياغة كواكب هذه المملكة وتلك النجوم الزاهرة سماء حملت النجوم الأربعة وقدمت لهم الرعاية الكاملة المستمدة من البدر القرآني والتوصيات المحمدية ليخيم جو رطب على هذه الأسرة التي تشع أخلاقاً كريمة وقيماً نبيلة. فالابن الأكبر ضابط الشرطة صاحب الخلق الرفيع الرائد أحمد محمد بدر حسين رئيس حرس جامعة الأزهر فرع البحيرة. لا يفارق والده عند الإحتفالات الرسمية والدينية وخاصة أثناء تلاوته سورة الجمعة وهو جامع تراث والده ويهتم بكل صغيرة وكبيرة يسجلها كتاريخ قرآني علمي لوالده. وأما الابن الثاني ضابط الشرطة النقيب محمود محمد بدر حسين فهو يسر على درب أخيه وشقيقه الأكبر أحمد يقتدي به وكلهم اقتدى بالقرآن الذي تلي في بيتهم ليل نهار .. بكرة وأصيلا.

ولدى الشيخ محمد بدر حسين بنتان متزوجتان الأولى أمل والثانية إيمان محمد بدر حسين وكم تغمره السعادة عندما يجلس بين أحفاده وخاصة المسمى باسمه الطفل محمد أحمد بدر حسين نجل الضابط أحمد والدكتورة سحر حلمي .. وكذلك الحفيدة دينا ابنة المهندس المعماري سامي أحمد زوج السيدة أمل محمد بدر حسين.

يقول الشيخ محمد بدر حسين بعد هذه الرحلة العظيمة : إن حملة القرآن وحفظته هم أهل الله وخاصته .. إذا عملوا بما استأمنهم عليه رب العزة وما منحهم من خير في الدنيا والآخرة .. ويقول : إن الفضل كله لله ثم لوالدي ورضائهما عليّ ثم لأصحاب الفضيلة من العلماء الذين تركوا بصمات واضحة في حياتي كانت سبباً في هذا الفضل الرباني والنعمة الإلهية والخير القرآني .. اللهم اجزهم عما قدموا لي خير الجزاء اللهم آمين.