الاثنين، 2 أبريل، 2012

عبد الرحمن الشرقاوى ، رد الاعتبار إلى عملاق مصرى كبير أهملوه ودفنوه وتجاهلوه وتناسوه عن قصد وعمد - الجزء الاول


يمكنكم تحميل أعماله من هنا :

مسرحية الحسين ثائرا والحسين شهيدا (ثأر الله)

مسرحية عرابى زعيم الفلاحين

http://www.4shared.com/document/J-DACc0F/____-___.html
 


مسرحية الفتى مهران

http://www.4shared.com/office/fB5d1Bx0/___-____.html
 

الشوارع الخلفية

http://www.4shared.com/office/e8iP5DHv/____.htm
 

أئمة الفقه التسعة

http://www.4shared.com/office/AwOr4nMz/____--___.htm
 

محمد رسول الحرية

http://www.4shared.com/office/seTrtjQn/__-___.htm
 


ملحق جريدة القاهرة عن الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى

http://www.4shared.com/rar/hfssMf0y/_________.htm


 

على إمام المتقين - الجزء الأول



على إمام المتقين - الجزء الثانى


أو من هنا

الجزء الأول



الجزء الثانى


****


 
عبـد الرحمـن الشرقـاوى

شـرف الإنسـان.. الكلمـة





المبدع منحاز دوما.. يشغله انحيازه.. ويشغلنا نحن أين تتجه (بوصلة) انحيازه.. فالمبدع الحقيقى -صاحب الرسالة والقضية ينحاز إلى قيم العدل والخير والجمال. يقف على يسار السلطة، يصنع من كلماته شموسا تضىء دروب الظلمة أمام الجموع. وهكذا كان العملاق الكبير عبد الرحمن الشرقاوى مبدعا من طراز فريد، يؤمن برسالته ويدافع عن قضيته التى كانت وما زالت قضية الغالبية الساحقة فى كل العالم وهى (كيف تتحقق العدالة؟) العدالة فى كل صورها وتجلياتها، ورغم التطور الفكرى عند الشرقاوى بداية من الماركسية وانتهاءً بالصوفية المستنيرة، إلا أنه كان فى كل مراحله الفكرية مبشرا بالعدالة ومدافعاً عن المظلومين وقد تحولت هذه الفكرة الأساسية إلى (عمود فقرى ) فى كل أعمال الشرقاوى ذلك المبدع الموسوعى الذى كتب الشعر والقصة والرواية والمسرحية الشعرية والدراسات الإسلامية وقد استطاعت بصمات النشأة أن تنطبع على جينات الإبداع لدى الشرقاوى لتجعل منه ذلك المبدع النبيل- حيث نشأ فى قرية (مناضلة) هى الدلاتون مركز شبين الكوم بالمنوفية.. ومنذ وعى الحياة فى نهاية العشرينيات من القرن الماضى (ولد فى 10 نوفمبر 1920) كان يرى المظاهرات تنفجر من القرية وتخرج إلى شاطئ النيل (ببحر شبين).. الفلاحون يحملون الفؤوس ويهتفون بقوة وبسالة.. يحيا العدل.. وتحيا مصر حرة.. يحيا الاستقلال التام.. يسقط الإنجليز - يحيا الوطن.

وكان الطفل عبد الرحمن الشرقاوى يخرج مع أطفال القرية ويسيرون خلف هذه المظاهرات ويرددون بحماس نفس الهتافات ورغم أنهم أطفال لا يدركون من هو هذا العدو إلا أنهم كانوا يعرفون أنه شىء فظيع من كثرة ما رأوا وعرفوا عن الفلاحين الذين يساقون إلى سجون المدينة لأنهم - مثلا - رفضوا أن يعطوا أصواتهم فى الانتخابات لممثل حكومة الإنجليز أو الحزب الذى يخدم أهدافها. كما كان الشرقاوى ورفاقه من الأطفال يرون آباءهم وأقاربهم يعملون طوال النهار تحت الشمس المحرقة أو البرد القارص وحصادهم فى النهاية لا يكفى قوت يومهم، كما عايشوا الثلاثى المرعب الفقر والجهل والمرض وهو يقتل الغلابة بلا رحمة أو شفقة..

وقد أتم الشرقاوى تعليمه الأولى فى مدرسة القرية ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بمدرسة (المحمدية) الابتدائية وكان وعيه قد تفتح وعرف أن العدو الذى كانت المظاهرات تخرج ضده فى القرية هو الاحتلال الإنجليزى.. وعندما جاء الشرقاوى إلى القاهرة اصطدم مباشرة بهذا العدو فى مظاهرات الطلبة خلال بداية الثلاثينيات وتحديدا عام 1932 عندما خرجت مدرسة الخديوية فى مظاهرة تهتف بالاستقلال التام والحرية والدستور وسقوط الإنجليز.. وطافت المظاهرة بمدارس الحى لتخرج طلبتها ومن ضمنها مدرسة المحمدية وسارت جموع الطلبة إلى دار المندوب السامى الإنجليزى وفى ميدان الحلمية سد الإنجليز كل الطرق وأطلقوا الرصاص على الطلبة وسقط كثير من الصغار تحت سنابك الخيل.. وقد تجسد هذا المشهد الدرامى بكل ما فيه من وحشية وظلم صارخ فى نفس الشرقاوى فصمم على أن تكون الحياة مقاومة مستمرة ونضالاً فى سبيل العدل والحرية لسحق هذا الظلم وتلك الهمجية.

وانتقل الشرقاوى إلى الخديوية الثانوية وتكررت نفس المشاهد فى سنة 1935 بدرجة أعنف؛ حيث تساقط الطلبة برصاص الإنجليز وانفتحت بيوت المصريين وخرجت النساء مكشوفات الوجوه (رغم وجود الحجاب فى ذلك الوقت) ليحمين الطلبة داخل البيوت.. وتعمق فى وجدان الفتى الإحساس بالغضب والقهر حيث رأى الإنسان ينتهك ويلقى حتفه تحت سنابك الخيل ويمزقه الرصاص لأنه يطالب بحقه فى العدل والحرية. وتفجرت فى نفس الشرقاوى كل عوامل الثورة على ذلك الواقع البغيض وقرر أن يقاتل بالكلمة لكى ينتصر العدل وتسود الحرية ويأتى الزمن الذى لا تنتهك فيه كرامة الإنسان المصرى.. ولم يكن قرار الشرقاوى باتخاذ الكلمة سلاحا وليد انفعال لحظى ولكنه كان نتيجة طبيعية لرحلته مع القراءة والكلمة تلك الرحلة التى بدأت فى سن مبكرة فبعد أن تعلم القراءة والكتابة في مدرسة القرية كان يصغى فى ليالى الأفراح إلى (الشاعر) وهو يغنى السير الشعبية وقد هزته بعنف سيرة عنترة بن شداد ربما لأنه الفارس الذى حارب طويلا من أجل العدل والحرية وظل الفتى يستمع إلى تلك السير الشعبية عنترة - سيف بن ذى يزن - أبو زيد الهلالى - إلخ..إلى أن وقع فى يده كتاب أصفر قديم هو (تاريخ الجبرتى) والذى يقدم الحياة المصرية فى يوميات ولفت نظر الفتى الصغير أن الكتاب يزخر بقصص الرجال والنساء من البسطاء والغلابة ويقدم كفاحهم اليومى ضد الظلم وقسوة الحكام وضد السلب والخوف.. وربط الفتى بين ما يحويه الكتاب من تاريخ وبين ما يراه من واقع مماثل حيث يقاتل الفلاحون البسطاء المحتل الإنجليزى.. وتحول كتاب الجبرتى إلى مدرسة تعلم فيها الشرقاوى أن الشعب المصرى - بكل بساطته - يملك القدرة الخلاقة التى تجعله قادراً على أن يصنع تاريخه بيديه وأن يحطم كل أشكال استغلال الإنسان للإنسان كما تحول الواقع الذى يعيشه الشرقاوى مع كفاح الفلاحين إلى مدرسة أخرى تعلم فيها أن هذا الفلاح الفقير يملك من طاقات المقاومة ما يمكنه من أن يصوغ لنفسه المستقبل الذي يحلم به، كما تعلم أن دور الكلمة أن تصوغ فى الإنسان وجدانه الذى يمكنه من السيطرة على مصيره ليصنع العالم الذى يحلم به.

وقد رسب هذا التلاقى بين التاريخ الذى قرأه الشرقاوى مع الواقع الذى يعيشه ضرورة أن تتفاعل الثقافة والواقع وأن يلتحم الفكر والحياة. كما اكتشف أن خلاصة التجربة الإنسانية التى يعكسها قادة الفكر بكلماتهم كانت متجسدة فى كفاح الفلاحين بقريته دون أن يقرأوا لهؤلاء المفكرين..

المهم أن الشرقاوى خرج من تجربة معايشة كفاح البسطاء فى قريته بإحساس متزايد بكراهية الظلم وحب العدل وضرورة الكفاح فى سبيل الحرية. كما تطورت رحلته مع الكلمة التى بدأها بأغانى الفلاحين والمواويل الشعبية التى ساهمت فى تشكيل وجدانه وأسلمته إلى الجبرتى لتصبح سياحة فى شتى مجالات المعرفة، بدأت بالتعرف على الأدب العربى أولا من خلال طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل والمازنى ثم توفيق الحكيم كما راح يتعرف على الأدب الأجنبى من خلال ترجمات المنفلوطى ثم مترجمات أحمد حسن الزيات ومحمد عوض محمد ومترجمات مطران لشكسبير وترجمات الروايات والقصص العلمية التى كان يقدمها محمد السباعى وعباس حافظ ثم الشعر الأجنبى الذى كان يقدمه العقاد ثم ما ترجمه سليم حسن عن الأدب المصرى القديم كما تعرف الشرقاوى على مسرح شوقى من خلال القراءة والمسرح وتأثر كثيرا بهذه المسرحيات؛ مما دفعه إلى دراسة الشعر العربى القديم فحفظ المعلقات وأراجيز العرب وأجزاء كاملة من ديوان الحماسة وأشعار المتنبى وأبى تمام وابن الرومى والمعرى... ويلخص الشرقاوى أهم محطات ومراحل تكوينه الفكرى والأدبى فيقول (قرأت القرآن وتفاسيره ورأيت فيه استجابة لأشواق الإنسان إلى العدل ولعنة شديدة على الظلم.. وأول ما أحببته من القراءة شعر الشعراء الصعاليك العرب وعندما درست اللغات الأجنبية أحببت الشعراء الصعاليك الأجانب لأن أدب الصعاليك يمثل صرخة احتجاج على الظلم وتمرداً على الأوضاع الجائرة. كما استهوانى الفكر الإنسانى الذى يتحدث عن قضايا حق الإنسان فى ممارسة العدل وأن يحيا سعادته وأن يحقق بعمله كل أحلامه وأن يمنحه المجتمع الحب والفضائل.

وفى الفكر العربى استهوانى الثوار من أيام على بن أبى طالب أولئك الذين كان لديهم الطموح فى أن يحولوا الدنيا إلى جنة للحب والإخاء وأن يجعلوا شرف الإنسان أقوى من كل شىء وأن يرتفعوا فوق الطمع والخوف.. وفى هذا الإطار أيضا بهرنى فكر المعتزلة والمتصوفة وشخصية الحسين وشعر المعرى والمتنبى - وثوريات طه حسين واقتحامات توفيق الحكيم وتفتح إسماعيل أدهم وإسماعيل مظهر وكتابات سلامة موسى عن الاشتراكية والأدب ونظريات محمد مندور المتطورة فى نقد الشعر. أما فى الفكر الأجنبى فقد استهوانى ماركس وكتابات لينين وتمرد فرانسوا فيون وصلابة فيكتور هوجو وتمرد شكسبير وأحلام الرومانتيكيين بيرون - شيللى - بلزاك - ديكنز - شو - توماس مان.. كما بهرتنى كتابات بوشكين - دوستوفيسكى - تولستوى - تشيكوف - جوركى - أراجون - هيمنجواى - لوركا.. وهناك من المفكرين والأدباء من يدفعك إلى اتخاذ موقف آخر مثل جويس - إليوت - سارتر - كامى).

وقد خرج الشرقاوى من هذه الرحلة المثيرة فى عوالم الفكر والأدب بنتيجة تؤكد على أن التكوين الفكرى للإنسان يأتى من القراءة والحياة معا.. أما التكوين اللغوى فيأتى من القراءة وحدها والأهم أن واقع حياتنا وممارستنا لهذا الواقع ومحاولة صياغته من جديد هى الأشياء التى تصوغ لنا الفكر والقيم..

كما خرج الشرقاوى من رحلته المثيرة فى عوالم الفكر والأدب بتأكيد فكرته المحورية التى اكتسبها من مقاومة الفلاحين ومظاهرات الطلبة وهى ضرورة تحقيق (العدالة). تلك الفكرة التى حددت توجهاته السياسية حيث بدأ رحلته مع السياسة ماركسيا وذلك انطلاقا من مبادئ الاشتراكية والعدالة التى جاء بها ماركس وانضم الشرقاوى إلى المنظمات الشيوعية المصرية وانضوى لفترة قصيرة تحت لواء (حدتو) ثم قرر مبكرا أن يكون مستقلا فخرج من كل التنظيمات والمنظمات وإن ظل طوال الوقت يساريا تقدميا يقف دوما على يسار السلطة يدافع عن الغلابة والمظلومين. ثم اكتشف الشرقاوى أن الفكر الإسلامى يؤكد فكرة العدالة ويجعل منها (فريضة) فكان الفكر الإسلامى (المرفأ الأخير) الذى رست عليه المركب الفكرية للشرقاوى فانطلق إلى آفاق رحبة من الفكر والإبداع جسدته دراساته الإسلامية العبقرية والتى تحتل ركنا شديد الأهمية من مكتبة الفكر والإبداع العربى.

وبعد أن توقفنا عند أهم الملامح الإنسانية والفكرية والسياسية لدى عبد الرحمن الشرقاوي نتوقف عند أهم ملامح تجربته الإبداعية التى بدأت فى عام 1935 بكتابة الشعر التقليدى ثم أصبح واحدا من أهم رواد التجديد فى الشعر العربى حيث كان من أوائل من كتبوا شعر التفعيلة فى نهاية الأربعينيات وتوج هذا التجديد بقصيدته الرائعة والشهيرة (من أب مصرى إلى الرئيس ترومان) والتى كتبها عام 1950 وبعد أن كتب الشرقاوى الشعر فى سن مبكرة اكتشف عوالم أخرى وتأكد من أن القصيدة وحدها لا تستطيع أن تعبر عن مثل هذه العوالم والعلاقات المتشابكة بين الأشخاص بعضهم البعض وبين الأشخاص والحياة من خلال التفاعل المتطور بين الإنسان وواقعه فعبر عن كل هذا بكتابة القصة وله فى هذا المجال مجموعتان قصصيتان، الأولى (أرض المعركة) وصدرت عام 1954 والثانية (أحلام صغيرة) وصدرت عام 1957، ثم اكتشف الشرقاوى فى الرواية مجالا أرحب من القصة فكتب رواياته : الأرض - الشوارع الخلفية - الفلاح - قلوب خالية، وأصبح أبرز من تناول مأساة القرية المصرية حيث تكشف رواياته عن الصراع بين الفلاحين وصغار الملاك مع الإقطاعيين والانتهازيين ذوى النفوذ ومدى تضامن أهل القرية فى هذا الصراع. وتعد روايته (الأرض) درة الرواية الواقعية فى الأدب العربى وقد تحولت إلى واحد من أنجح وأهم أفلام السينما المصرية أخرجه يوسف شاهين.

وبعد أن تنقل الشرقاوى ما بين الشعر والقصة والرواية وجد أنه بحاجة إلى وسيط للتعبير يجمع بين القصيدة بتكثيفها وتركيزها ونبضها وبين الرواية بسعتها وتناولها للعلاقات وقدرتها على النفاذ إلى الأعماق وتصوير تدفق الحياة فكانت المسرحية الشعرية شكلا مناسبا عن هذه العوالم. وبدأ الشرقاوى رحلته مع المسرح الشعرى عام 1953 بمسرحية لم تأخذ حظها من الشهرة والذيوع بعنوان (الأسير) عن تجربة أسر شعب مصر لملك فرنسا لويس التاسع.. وتؤكد المسرحية قدرة الشعب المصرى على قهر الغزو الأجنبى حتى فى حالات الانفصال بين الشعب وقادته. ثم كانت مسرحيته الثانية (مأساة جميلة) عام 1959 تخليدا لملحمة الكفاح الجزائرى من أجل الاستقلال ولم تعرض هذه المسرحية إلا فى عام 1962، ثم كانت مسرحية (الفتى مهران) عام 1963 والتى تقدم مأساة بطل يريد أن يمارس حقه فى الاختيار ومأساة بشر يريدون أن يعيشوا مجتمعا عادلا. وبعد هزيمة 1967 كتب الشرقاوى مسرحية مهمة لم تأخذ حقها من الشهرة والذيوع بعنوان (تمثال الحرية) يندد فيها بالاستعمار الأمريكى وخداعه للدول النامية بشعارات الحرية. ومثل هذه المسرحية المهمة هل تجد من يخرجها من الأضابير ليقدمها للناس لعلها تساهم فى (إفاقة العرب) بعد أن وصل خداع أمريكا بوهم الحرية إلى ذروته بعد اجتياح العراق واحتلال أراضيه.

وواصل الشرقاوي سيرته مع المسرح الشعرى فكتب «الحسين ثائراً» و«الحسين شهيدا» عام 1968 وفى هاتين المسرحيتين يعلى الشرقاوى من قيمة الاستشهاد دفاعا عن القيم الفاضلة حيث كان الإمام الحسين يؤمن بأن الموت دفاعا عن الحق خير من حياة مذعنة للباطل، ويقول الشرقاوى على لسان الحسين «طوبى لمن يعطى الحياة قيمة أغلى عليه من الحياة». أما مسرحيته الأخيرة فكانت «وطنى عكا» وفيها يخلد كفاح الفلسطينيين فى سبيل الحرية والعدل تحت ظروف صعبة من القهر والتزييف والخديعة ويتسم أبطال كل هذه المسرحيات بالإحساس بالمسئولية إزاء المجتمع والعصر مع الإدراك الشمولى للعيوب والشعور الوجدانى والفكرى الذى يبلغ درجة أعلى من الوعى بما يجب عمله.

وبعد أن طوف الشرقاوى مبدعا فى كافة حدائق الإبداع بلغ ذروة النضج الإنسانى والفكرى فجاءت دراساته الإسلامية قمة فى الإبداع وشمولية الرؤية والقدرة على تقديم الصورة المستنيرة للإسلام من خلال تقديم السيرة الذاتية لمجموعة من قادة الإسلام الأوائل يأتى فى مقدمتهم «محمد صلى الله عليه وسلم» وتوالت هذه الدراسات «محمد رسول الحرية - أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين - الفاروق عمر - على إمام المتقين - الإمام الشافعى - أئمة الفقه التسعة - ابن تيمية.

وتقف دراسات الشرقاوى على قدم المساواة مع عبقريات العقاد الخالدة عن نفس هذه الشخصيات.. وبالطبع توجد العديد من الفروق بين عبقريات العقاد ودراسات الشرقاوى أهمها (بوصلة الفكر) حيث ظل الشرقاوى حتى النهاية اشتراكى النزعة رغم استنارته الإسلامية وكأنه يتمثل شعر أمير الشعراء شوقى فى مدح النبى عليه الصلاة والسلام عندما قال (الاشتراكيون أنت إمامهم.... لولا دعاوى القوم والغلواء) ورغم الخلافات ما بين العقاد والشرقاوى فى طريقة تناولهما لهذه القمم الإسلامية إلا أنهما ينطلقان من قيم واحدة ويؤكدان على هدف واحد وهو أن الإعجاز فى هذه الشخصيات العملاقة وفى مقدمتهم الرسول عليه الصلاة والسلام ينبع من بشريتهم حيث يضع الشرقاوى على غلاف كتاب محمد رسول الحرية هذا الجزء الموحى من القرآن الكريم والذى يقول «إنما أنا بشر مثلكم» وتنبع أهمية مثل هذا التوجه فى أن هذه الكتب يقرؤها المسلم وغير المسلم ويقتنع كلاهما بما تؤكده هذه الدراسات من عظمة الإسلام ورسوله الكريم وقادته الكبار ونعتقد أن ترجمة مثل هذه الكتابات في الوقت الراهن إلى كل لغات العالم سوف يعمل على إظهار الوجه المضىء للإسلام دين المحبة والسلام.

وفى النهاية لم يتبق لنا فى هذه الوقفة السريعة مع شخصية الشرقاوى الموسوعية مترامية الأطراف إلا أن نتوقف عند بعض (المناصب) التى تولاها حيث عمل بعد حصوله على ليسانس الحقوق مفتشا للتحقيقات بوزارة التربية والتعليم ثم ترك العمل الحكومى وتفرغ للكتابة وتدرج فى العمل الصحفى حتى أصبح رئيسا لمجلس إدارة روزا اليوسف عام 1971.. ثم رئيسا لجمعية حقوق الإنسان ورئيسا لمنظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية ورئيسا للمركز المصرى للهيئة العالمية للمسرح ورئيسا للجنة العليا للرقابة على المصنفات الفنية وسكرتيرا عاما للمجلس الأعلى للفنون والآداب بدرجة وزير وعضوا فى لجنة تحكيم أكبر جوائز منظمة اليونسكو. ومن المؤكد أن كل هذه الوظائف والمناصب الإدارية وفي العمل العام قد أثرت سلبا على الشرقاوى ( المبدع ) ، ورغم هذا كان وسيظل بصمة مصرية شديدة التميز ، وصوتاً إنسانياً نبيلاً ناضل طويلاً من أجل الحرية والعدالة .


 

****
 


مأساة عبد الرحمن الشرقاوي ومأساة الحسين!!


دكتور أحمد راسم النفيس


 في أوائل السبعينات وفي فترة النشاط الطلابي قمت بدعوة الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي وقت أن كان رئيسا لتحرير روز اليوسف لحضور ندوة في كلية طب المنصورة وعندما ذهبت إليه لتحديد الموعد النهائي وجدته في حالة من الغضب الشديد بعد أن جرى إلغاء مسرحيته الرائعة (الحسين ثائرا شهيدا) وكان أن اعتذر عن حضور الندوة.

ورغم أن الجميع يتحدثون في منتديات النفاق السياسي عن تشجيع الفن والثقافة والإبداع إلا أنهم يتنافسون بينهم (أيهم أشد وطأة وأثقل يدا على الإبداع) ويبقى (وأدهم) للحسين (شهيدا) شاهدا على البون الشاسع الذي يفصل ادعاءاتهم عن الحقيقة والصدق.

حينما يتعلق الأمر بواحد من خلفاء الفسق والفجور والمجازر الجماعية فلا بأس ولا اعتراض ولا حديث عن الفتنة التي تطل برأسها إذا علم الناس ب(الحقيقة) فالمهم هو تحسين صورة معاوية وهارون والحجاج (المفترى عليهم ورضي الله عنهم)!!.
إذا تعلق الأمر بعلي بن أبي طالب (باب مدينة علم رسول الله) والحسين (سيد شباب أهل الجنة) فعلى الفور تنطلق صفارات الإنذار وتدق أجراس الخطر (خوفا من الفتنة).. ألا في الفتنة سقطوا!!.

علي إمام المتقين

رغم أنني لم أتابع وقتها بدقة ملف كتاب (علي إمام المتقين) ولا ملف مسرحية (الحسين ثائرا شهيدا) إلا أنني أذكر تعليقا أوردته إحدى المجلات (في أي صورة سيقدم لنا الشرقاوي الحسين بن علي! في صورة ابن النبي أم في صورة جيفارا؟!) وهو تعليق يكشف عن خبث ودهاء ومحاولة وصم الكاتب العظيم بأنه عدو للدين يحرف الكلم عن مواضعه خدمة لأهداف الماركسية الصهيونية الخبيثة وكأن المقاتلين دفاعا عن الإمبراطورية الأمريكية في أفغانستان لم يكونوا كذلك لأنهم لم يكونوا ماركسيين!!.

ورغم أن الشرقاوي حاول في مقدمة كتابه (علي إمام المتقين) أن يخفف من تلك الحملة الضارية عندما قال: (ليس هذا الكتاب بحثا تاريخيا ولا هو كتاب سيرة ولا هو مفاضلة بين الصحابة ولا هو بدفاع عن حق أحد في الخلافة.. فمن كان يلتمس في هذا الكتاب شيئا من هذا فليعدل عنه إلى غيره).

(ذلك أن الإمام علي تجسدت فيه أخلاق الإسلام ومُثله فقد تعهده الرسول طفلا ورباه فتيا وقال عنه أنا مدينة العلم وعلي بابها. وقد علم الصحابة مكانة علي عند الرسول وأنهم ومعهم المسلمون في كل مكان وزمان ليقولون في كل صلاة: اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد).

إلا أن شيئا من هذا لم ينفع والسبب في ذلك أن غضب القوم لا يتعلق بطريقة تعاطى الكاتب مع المادة التاريخية بل لتعاطيه مع ما يود القوم طمسه وإبقائه طي الكتمان.


الهجمة على الشرقاوي

يقول الراحل الكبير (كنت أنشر هذا الكتاب في جريدة الأهرام كل أربعاء منذ رمضان الماضي وعندما وصلت إلى موقف علي وأبي ذر من المال, كتب الصديق ثروت أباظة معلنا خلافه معي حول هذا الموقف من المال وزعم أنه موقف الشيوعية لا موقف الإسلام فرددت عليه في ظل من الاحترام والود المتبادل ولكن الصديق ثروت لم يكد يعلن رأيه حتى انفجرت ضدي ثورة سماها الصديق الجليل الدكتور الطيب النجار ثورة ظالمة. وكأن الذين أشعلوها كانوا ينتظرون إشارة البدء فقد استغلوا كلام الصديق ثروت أباظة وأولوه ضدي مما اضطره إلى أن يكتب مرة أخرى ليزجرهم وينهاهم عن استغلال اختلاف خلاف الرأي فيما بيننا).

قتال أهل البغي!!

(ولقد أجمع أئمة الإسلام على أن أحكام قتال أهل البغي إنما وضعها الإمام علي خلال حروب الفتنة الكبرى وفصل الإمام الشافعي ذلك في موسوعته "الأم" وهذه نتيجة انتهى إليها أئمة أهل السنة من قبله ووصى بها الإمام أحمد بن حنبل أصحابه من بعده فقال لهم (ما ابتلي أحد قبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقتال أهل البغي).

(وما أظن أحدا يستطيع أن يتهم أئمة أهل السنة بإهانة الصحابة وهم أكثر معرفة بمكانتهم من العلماء المعاصرين).

(وأود آخر الأمر أن أؤكد للذين اتهموني بالأخذ بالروايات الضعيفة أو بالاعتماد على كتب غلاة الشيعة أنهم لم ينصفوا أنفسهم إذ خالفوا الحقيقة فقد تحريت ألا أعتمد إلا على المراجع الموثوق بها من كتب وموسوعات أهل السنة وحدهم لأسد الذرائع أمام من يحاولون إثارة الفرقة أو إيقاظ الفتنة النائمة بين الشيعة والسنة لا لأني أشك فيما كتبه مؤرخو الشيعة وفيهم مؤرخون ثقات). (وأود آخر الأمر أن أؤكد أننا في مصر لا نعرف هذا الخلاف الغريب بين المذاهب الإسلامية ونحن نصلي وراء الإمام الصالح شيعيا كان أم سنيا مالكيا كان أم حنفيا ونحن ننتمي إلى الإسلام ونحترم كل أئمته على السواء لا نفرق بين أحد منهم ولا نعرف هذا الخلاف بين المذاهب).

أزمة مصادر أم أزمة ضمير؟؟

ما قدمه الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي من دفوع لا ينفع شيئا مع أناس لا هم لهم إلا طمس الحقيقة وهم غير مهتمين بالبحث والتحري ولا الرواية أو الدراية وبالتالي فلا جدوى من إثبات سنية المصدر أو الحديث عن وثاقته فهم لا يختلفون شيئا عن أولئك الذين قالوا (قلوبنا غلف)!!.

الأمر الثاني يتعلق بمحاولة وصف ما قدمه الكاتب الراحل بأنه مؤامرة (ماركسية) لتصوير الحسين باعتباره (جيفارا) المسلمين وهو أسلوب تافه يمثل امتدادا لادعاء السبأية الأكثر تفاهة والمهم أن بئر التفاهة لا ينضب!!.

أحد أهم أسباب الغضبة (المضرية) من الشرقاوي هو تأكيده على اعتماد الإمام علي لمبدأ العدالة والمساواة في مواجهة التمييز بين البشر لأسباب سياسية أو دينية أو حتى جهادية ولا نظن أن عاقلا يمكن له أن يزعم أن العدالة الاجتماعية هي اختراع ماركسي مثلما يصر منزوعو الأدمغة.

يعرض الشرقاوي لبعض أسباب الأزمة الكبرى التي مرت بها الأمة الإسلامية في صدر تاريخها والتي نشأت بسبب (سياسات عثمان المالية) حيث يقول مدافعا عن عثمان (أسرف أقوام على عثمان في الملامة إسرافا شديدا وأعرضوا عنه إعراضا حتى لقد سلبوه محاسن نفسه. من أجل ذلك اضطر علي للدفاع عن عثمان فيما يعتقد أنه أحسن فيه على الرغم من أنه أخذ عليه أمورا كان لا يألوه فيها نصحا وموعظة. ومهما يكن فقد شجع الخليفة عثمان على الإغداق في العطايا اتساع الفتوحات وتدفق الأموال والثروات على نحو لم تعرفه الأمة من قبل حتى لقد أصبح عند الزبير بن العوام ألف فرس وألف أمة وبلغت غلة طلحة من العراق ألف دينار يوميا وكان عند زيد بن ثابت الأنصاري من الذهب والفضة ما يكسر بالفئوس غير الضياع وكان لآخرين من بني أمية مثل هذا أو أكثر. ما من أحد يجد في هذه الثروات حرجا لا الخليفة ولا كبار الملاك فهي من أموال الغنائم إلا علي بن أبي طالب ومعه نفر من الصحابة منهم أبو ذر وسلمان.

وقد رأى علي أن الاستكثار من الأموال مذموم بل حرام إن كان في الأمة محتاجون أو جياع. وكان علي يرى أن ما فاض عن حاجة لمسلم لا يحق له وفي الأمة أصحاب حاجة فليجد به على أخيه الذي لا يجد وقد ظل يوصيهم بهذا حتى حسبوا أنه لا حق لأحد منهم في الفضل وأن حق الملك قائم في أساسه على العمل, على ما يكسبه الإنسان بعمله وأن الإسلام حرم أن يكون المال دولة بين الأغنياء ومن هنا اجتهد عمر وعلي وأيدهما عثمان فظلت الأرض الشاسعة المفتوحة في أيدي زارعيها على أن يكون خراجها ملكا للدولة. أما الأرض التي كان يملكها ملوك وأمراء وأغنياء البلاد المفتوحة فأصبحت بلا مالك وضمها عمر إلى بيت المال. فلماذا جعل عثمان هذا النوع من الأراضي قطائع أقطعها لبعض المسلمين بدلا من ضمها إلى بيت المال).

استخدم الشرقاوي إذن أسلوبا توفيقيا ولم يصدر أي إدانات وربما حاول الرجل تقديم اعتذارات لا يقدرون هم على صياغتها ومع ذلك يصر الكارهون للعدالة والحقيقة على إدراج ما كتبه في خانة (الشيوعية الحاقدة) وهو منهج قديم يكشف بوضوح عن أسلوب ضرب الفكرة من خلال طعن الكاتب في ضميره وتصوير الأمر للدهماء باعتباره جهادا في سبيل الله بقيادة هؤلاء الشيوخ في مواجهة كفار قريش بقيادة الشرقاوي!!.

وهب أن يهوديا أو نصرانيا قام بما تقاعس القوم عن القيام به وقد حدث هذا بالفعل, ألا يعد هذا عارا عليهم وليس عيبا فيه؟!.

الشرقاوي والفتنة الكبرى

يعرض الشرقاوي في كتابه (علي إمام المتقين) بأسلوب توفيقي لما سمي بعد ذلك بالفتنة الكبرى فهو على سبيل المثال يعرض لنفي أبي ذر إلى الشام باعتباره (مهمة كلفه بها عثمان) بينما تقول لنا مصادر التاريخ المختلفة أن الأمر كان نفيا إلى الشام.

(أرسل عثمان أبا ذر إلى الشام ليعمل بها ووجه عمارا إلى مصر وغيره من كبار الصحابة إلى الأمصار ليحققوا فيما يصنعه العمال فأقام أبو ذر فترة في الشام ثم عاد إلى الحج واستأذن الخليفة أن يبقى في مكة قليلا بجوار رسول الله فراعه أن الخليفة يغدق كل يوم جديد رزقا جديدا على بعض صحبه وقرباه. ولما رأى أبو ذر ذلك أنكر أن يكون مال المسلمين دولة بين الأغنياء من قرابة عثمان وأصدقائه. وجعل أبو ذر يقول "بشر الكافرين بعذاب أليم" ويرفع صوته ويتلو قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) التوبة 34 فأبلغ مروان بن الحكم مقالة أبي ذر إلى عثمان مرارا و هو ساكت ثم أنه أرسل إليه الخليفة وزيره مروان فقال له في خشونة أن أنته عما بلغني عنك فقال أبو ذر أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله!.)

كما أنه يلقي على عاتق مروان ابن الحكم مسئولية الوقيعة بين أبي ذر وعثمان بن عفان وهو كما أسلفنا محاولة من الشرقاوي لتخفيف جرعة الحقيقة وإلقاء العبء الأكبر على مروان على خلاف الواقع التاريخي الذي لا يعطيه كل هذا الدور.

ويواصل الشرقاوي استعراض محنة أبي ذر الذي قال: (فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أسخط الله برضاه فنقل مروان كلام أبي ذر إلى عثمان على نحو أغضبه وصور له أبا ذر متحديا سلطانه ذلك ولكن عثمان صبر على أبي ذر. وجاء أبو ذر إلى عثمان وعنده جماعة من المسلمين فيهم كعب الأحبار وهو حديث عهد بالإسلام فسألهم عثمان: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئا قرضا فإذا أيسر قضى الدين؟. فقال كعب الأحبار لا بأس بذلك فقال أبو ذر يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فاحتج عليه مروان فأغلظ له أبو ذر فغضب عثمان وقال: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي إلحق بمكتبك بالشام).

(وما كاد أبو ذر يستقر بدمشق حتى بدأ ينكر على معاوية وصحبه بعض ما يفعلون. وكان أبو ذر يقول بالشام والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم و الله إني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيا وصادقا مكذبا وأثرة بغير تقى).

استخلاف علي بن أبي طالب

ثم ينتقل الشرقاوي إلى المنطقة الأخطر وهي انفجار الصراع بعد مقتل عثمان والبيعة لعلي بن أبي طالب حيث يورد خطبة الإمام علي عند استلامه الخلافة التي قال فيها: (ألا وإن كل ما أقطعه عثمان من مال الله مردود إلى بيت مال المسلمين فإن الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته تفرق في البلدان لرددته فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق. ثم قال ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم فقد حذرتموها واستتموا نعم الله عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله والذل لحكمه جل ثناؤه فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثره وقد فرغ من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا وعهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله و الحاكم بحكم الله لا وحشة عليه).

يتحدث الشرقاوي في كتابه إذن عن تلك الصدمة التي أحس بها البعض لدى استلام الإمام علي للخلافة وإصراره على العودة إلى نهج النبي الأكرم ص القاضي بالمساواة بين المسلمين في العطاء وقراره بمصادرة كل ما جرى تملكه خارج إطار الشرعية الإسلامية الثابتة (لأن الحق القديم لا يغيره شيء).

كما يتحدث عن أسباب تمرد الحزب الأموي على الإمام علي (ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فجاء إلى علي فقال يا أبا الحسن إنك وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا وخذلت أخي يوم الدار بالأمس وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب وكان ثور قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام).
فقال الإمام علي: (أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم أما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم وإن خفتكم أن أسيركم فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم وافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف).

ويورد أيضا حوارات الإمام علي مع طلحة والزبير ومطالبتهم بنصيب من السلطة (نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره قالا نعم, قال غير مجبرين ولا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما قالا نعم قال فما دعاكما بعد إلى ما أرى قالا أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي الأمور ولا تقطعها دوننا وأن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت).

سياسات الإمام علي المالية

يقول الشرقاوي: وجاءه مال كثير من الخراج فقال الإمام اعدلوا فيه بين المسلمين ولا تفضلوا أحدا لقرابته ولا لسابقته فدفع عمار ومساعدوه إلى كل واحد ثلاثة دنانير لم يفرقوا بين عربي وعجمي وكان من بين هؤلاء طلحة والزبير اللذين اعتبرا هذا حرمانا لهما من حقهم المشروع.

لقد اجتمعت تلك الأسباب كلها وقادت القوم للوقوع في فخ الفتنة والفتنة هنا بمعنى الوقوع في الخطيئة لا بمعنى انعدام الرؤية والبصيرة التي يسعى البعض لأن يجعل منها قدر الأمة ومصيرها المحتوم.

الذي نخلص إليه أن الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي اجتهد أن يقدم في كتابه علي إمام المتقين صورة أقرب ما تكون إلى الواقع وأنه بذل جهدا كبيرا ومشكورا من أجل تحقيق ذلك فكان أن دفع ثمنا غاليا وهذا هو الطبيعي والمنطقي في عالم تسيطر عليه ثقافة العناوين والشعارات الفارغة من أي مضمون علمي أو أخلاقي.

الحسين ثائرا شهيدا

إنها مسرحية شعرية رائعة بذل الكاتب في تأليفها جهدا خارقا. ويمكن لكل من يقرأ المسرحية أن يلحظ كيف استطاع الأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي أن يستوعب النصوص والوقائع التاريخية وأن يعيد صياغتها بلغة الشاعر المرهف المحب للحسين الذي يتفاعل مع كل حرف كتبه.

ها هو يحكي لنا كيف بدأت الأحداث بهلاك طاغية بني أمية المؤسس معاوية ابن أبي سفيان وكيف ابتهج المظلومون من أمة محمد بهلاكه:

المنظر الأول: زال الطاغية الأكبر/ سقط الدجال الأكبر/ هلك الفرعون المتجبر/ مات معاوية يا قوم/ فالحرية منذ اليوم أبشر يا (بشر) إذن أبشر.

يرد (أسد) وهو أحد المتنسكين المزيفين الذين ابتليت بهم أمتنا: أتشتم رجلا هو من صحب رسول الله/ وقد بشره بالجنة؟ فأبشر أنت بنار سقر.

سعيد: لا بل رجل لما آل الأمر إليه انفرد به حتى استأثر/ فعطل أصلا في الإسلام/ وزيف قاعدة الشورى/ وخالف نصا في القرآن/ وأهدر أحكام السنة/ قاتل جدي وهو يصلي/ لما اعترض على رأيه.
أسد (المتنسك): قد كان يشاورنا في الأمر.

بشر: ليستكمل أبهة الحكم/ أنتم آفتنا الكبرى/ كنتم شكلا للشورى وكان رضاكم يسبقكم/ لم تفتح أفواهكم أبدا إلا لتقول نعم/ أخالف أحد منكم رأيا لمعاوية ثم نجا؟/ أنتم أنتم من ملكه/ فتعود ألا يسمع لا.

سعيد: آه منكم يا سراة الناس في هذا الزمن!/ أنتم يا من تألبتم على حكم علي عندما حاسبكم عما اقتنيتم/ عندما رد لبيت مال المسلمين ما كنتم كنزتم/ عندما نازعكم إقطاعكم/ ثم سوى بين كل المسلمين.

ثم يعرض لنا لمحة من الخطاب الحسيني السابق على رحيله من مدينة رسول الله حاملا معه موقف الرفض والإباء لقبول الظلم والطغيان وهو موقف عز على المتنسكين المزيفين قبوله وفهمه لأنهم يريدون أن يكون كل المسلمين مثلهم.

الحسين: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إذ أبعد عنك/ وأنا قرة عينك/ إنني أرحل عن أزكى بلاد الله عندي/ خارجا بالرغم مني/ غير أني../ أنا لا أعرف ما أصنع في أمري هذا فأعني/ أنا إن بايعت للفاجر كي تسلم رأسي/ أو ليسلم غيري لكفرت/ ولخالفتك فيما جئت للناس به من عند ربك/ وإذا لم أعطه البيعة عن كره قتلت!/ وإذا عشت هنا كي أحسد الناس عليه/ خاض من حولك بحرا من دماء الأبرياء!/ موقف ما امتحن المؤمن من قبل به/ أو سيق إنسان إليه/ امتحان كامتحان الأنبياء/ أترى أمنحه بيعة ذل؟/ بعدها آمن في بيتي وأهلي/ مثل شاة في قطيع!/

أنا ذا أرحل مقهورا –ولا حيلة-/ عن أرض المدينة/ ملعبي عند الطفولة/ ومراحي في الشباب/ ومنار العلم ومهد الغزوات/ حرم الله وحضن الذكريات/ ومثابات الخيال/ آه يا نبع الأماني الشريفة/ أنا ذا أخرج منها هائما تحت الظلام/ أنا ذا أحمل آلامي وأحلام الجميع/ كالمسيح المضطهد/ تتلقاه حراب الظلم في كل بلد/ وهو يمضي يغرس الأقدام في شوك السلام/ ليزيح الشوك من كل الربوع/ مثل موسى خارجا يوجس خيفة/ هاربا من بطش فرعون إلى التيه الفسيح المترامي/ ما علي النفس يخاف/ إنما يشفق أن يغلب الظلم ودولات الضلال/ إنني أخرج كي أنقذ أعناق الرجال/ إنني أخرج كي أصرخ في أهل الحقيقة:/ أنقذوا العالم, إن العالم المجنون قد ضل طريقه/ أنقذوا الدنيا من الفوضى وطغيان المخاوف/ أنقذوا الأمة من هذا الجحيم.
الحسين: ربي إلى من توكل العبد الضعيف؟/ أنا ذاك أدعوك مثل جدي/ حين طارده رجال من ثقيف/ قد أتاهم بالهداية/ إن لم يكن بك رب من غضبٍ علي فما أبالي!/ إني فزعت إليك من دنيا يزيد/ وهرعت نحو رحابك القدسي بالخير الطريد/ وبكل أحلام السلام وكل آمال العدالة/ أنا ذا لجأت إليك يا ذا الحول والجبروت يا رب الجلالة/ بضنى الفقير وعزة المستضعفين/ فليفعل الأعداء بي ما يشتهون/ أنعم علي بفيض نور بصيرتك/ أنا لن أذل بعز جاهك/ يا من أرجي نوره الوهاج في سود الليالي/ أنعم علي بفيض نور بصيرتك/ لأرى الطريق إلى النجاة/ أنعم علي برحمتك/ ليظل قلبي قلعة للحب لا تتسلق الأحقاد فوق جدارها/ أو يسرب الشنآن من أبوابها/ أو تضرب الأطماع في أسوارها/ يا منتهى الرغبات يا أملي وغاية كل غاية/ أنت البداية والنهاية/ يا أيها الموجود بالذات العلية/ يا عالم الأسرار وحده/ يا أيها المعشوق وافاك المحب يبث وجده/ فامنحه شيئا من رضاك/ وأفض عليه بحكمتك/ فأرى الصواب من الجنون فلا أضل ولا أضل/ أنا ذا أذوب واضمحل/ وليس بالمعشوق بخل/ إني أعيذك أيها المعشوق عن كل الصفات/ فأنت موصوف بذاتك/ أنا لست أطمع في العبارة/ فالعبارة قد خصصت بها الكليم/ إني لأضرع طالبا منك الإشارة/ فالإشارة رائد فوق الطريق المستقيم/ إن كان ما بي مطمع للملك والمجد الموثل/ إن كان ما بي رغبة في أن أكون أنا أمير المؤمنين/ إن كنت مفتونا بأعراض الحياة ولا أحس/ إن كان ما بي شهوة للملك ولا تبين/ قد خالطت كوساوس الشيطان عقلي فالتبس/ ومضت تخادعني لتبرير الخطيئة مثل آدم/ فأظن أن تطلبي الدنيا دفاعا عن حقوق المسلمين/ وأخال أن تطلعاتي ثورة ضد المظالم/ إن كان بي هذا الفتون/ إن كان بي زهو خفي لابس زهد التقي/ فاسكب على قلبي شعاعا من جلال حقيقتك/ لأرى اليقين/ لأرى الحقيقة والخديعة في الذي هو كائن حولي وفيما قد يكون.


ثم يورد لنا خطاب الحسين وهو على أعتاب نيل شرف الشهادة ليصبح رمزا داميا للموت من أجل الحقيقة والإباء.
الحسين: فأنا الشهيد هنا على طول الزمان/ أنا الشهيد/ فلتنصبوا جسد الشهيد هناك في وسط العراء/ ليكون رمزا داميا/ للموت من أجل الحقيقة والإباء/ قطراته الحمراء تسرح فوق أطباق السحب/ كي تصبغ الأفق الملبد بالعداء/ ببعض ألوان الإخاء/ من قلبي الدامي ستشرق روعة الفجر الجديد/ من حر أكباد العطاش سينبع الزمن السعيد/ طوبى لمن يعطي الحياة لقيمة أغلى عليه من الحياة/ طوبى لأبناء الحقيقة أدركوا أن الإباء/ هو الطريق إلى النجاة/ وتذكروني دائما/ فلتذكروني كلما استشرت طواغيت الظلام/ وإذا عَدَتْ كِسفُ الجوارح فوق أسراب الحمام/ وإذا طغت نوب الحروب على نداءات السلام/ وإذا تمطى الوحش في الحقل الندي/ يلوك أحشاء الصغار/ وإذا طغت قطع الغمام/ على وضاءات النهار/ وإذا تأجج في النجوم بريقها تحت العواصف/ وإذا تمزق آمن تحت المخاوف/ وإذا مشى الفقهاء مخذولين/ يلتمسون عطف الحاكمين/ وإذا انزوى العلماء خوفا من صياح الجاهلين/ وإذا أوى الضعفاء للأحلام يقتاتون بالأمل الحزين/ وإذا دجى ليل الخطايا/ وإذا تبجحت الدنايا/ وإذا الفضائل أصبحت خرساء عاجزة/ وصوت الشر صداح مبين.

كتب الشرقاوي عليه رحمة الله ملحمة استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب كما لم يكتبها شاعر فكان أن استحق غضب من يزعمون أنهم يخافون على الأمة من الفتنة.

أي فتنة يخافون؟!.

فتنة الضلال والجهل الذي يعمه فيه المسلمون تحت توجيههم أم فتنة التحريض على القتل وسفك الدماء والاحتراب الداخلي التي ازدهرت وترعرعت بسبب هذا الجهل!!.

لم أر أمة يخالف فعلها قولها كهذه الأمة التي يزعم قادتها صباح مساء بأنهم يحبون أهل بيت نبيهم ثم يقتلونهم بهذه الطريقة البشعة ويصرون لمدة 14 قرن على أن من ينعاه ويبكيه ويحكي قصة ثورته واستشهاده هو مثير للشغب والفتنة وأنه شيعي سبأي وأخيرا ماركسي!!.


يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.


شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 14 تشرين الثاني (نوفمبر) /2007
 



****
 

عبد الرحمن الشرقاوي

هو الشاعر والمؤلف الروائي والمسرحي، وكاتب التراجم الإسلامية، والناقد الثقافي المصري الكبير وأحد كبار رواد حركة التجديد الشعري العربية في نهاية الأربعينات، وهو أيضا أحد كبار رواد الاتجاه الواقعي الاجتماعي النقدي في الإبداع الأدبي العربي الحديث، وأول من كتب المسرحية الشعرية العربية مستخدماً الشعر الحديث (شعر التفعيلة) الذي كان أحد رواده، وهو أيضا أحد أبرز الأدباء الذين عملوا بالصحافة ووصلوا إلي أرفع مناصبها، والذين اشتغلوا بالعمل السياسي الاجتماعي العام، وقد تضاعف تأثيره علي المناخ السياسي والثقافي والفكري في مصر والعالم العربي من خلال دفاعه عن الديمقراطية والعدل الاجتماعي.

وُلد عبد الرحمن الشرقاوي في 10/11/1920 بإحدى قري محافظة المنوفية، وبدأ تعليمه في كتاب القرية ولكنه انتقل بسرعة إلي المدارس الحكومية المدنية وتخرج في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول عام 1943.

وعندما نشر الشرقاوي قصيدته الطويلة "رسالة من أب مصري إلي الرئيس ترومان"عام 1951 كان للقصيدة أثرها القوي لدي الجمهور القارئ في مصر بقدر ما كانت علامة علي التغيير علي دربه الشعري. ونشر روايته الأولي "الأرض" في كتاب عام 1954 والتي كانت أول تجسيد واقعي في الإبداع الأدبي العربي الحديث.

واصل الشرقاوي دوره الريادي فنياً وفكرياً متنقلاً إلي المسرح الشعري حين نشر مسرحيته الشعرية الأولي "مأساة جميلة" عام 1962، ولم تكن هذه أول دراما تكتب بالشعر الحديث فحسب ولكنها تميزت بما اكتسبه من ميل البناء الدرامي عند الشرقاوي إلي الملحمية.

وفي التراجم الإسلامية يرتاد الشرقاوي منهجاً جديداً وأصيلاً بدأه بكتابه الفني الفذ "محمد رسول الحرية" ـ "الفاروق عمر" ـ "علي إمام المتقين" ـ "الصديق أول الخلفاء" ـ "عثمان ذو النورين".

منحه الرئيس أنور السادات جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1974، ومنحه معها وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولي.

توفي عبد الرحمن الشرقاوي في 10 نوفمبر 1987.

 

****


عبد الرحمن الشرقاوي

( 1920 - 1987 م)

سيرة الشاعر:

عبد الرحمن أحمد الشرقاوي.

ولد في قرية «الدلاتون» (مركز شبين الكوم - وسط الدلتا المصرية) وتوفي في القاهرة.

عاش في مصر، وزار عددًا من العواصم العالمية شرقًا وغربًا.

في كتّاب القرية حفظ بعضًا من القرآن الكريم، ثم تلقى تعليمه الإلزامي (الأولي) بمدرسة قرية مجاورة، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية في مدينة شبين الكوم (1928) غير أنه حصل على الشهادة الابتدائية من المدرسة المحمدية بالقاهرة، من ثم التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية بالقاهرة فحصل على شهادة إتمامها (1938).

اتجه إلى دراسة الحقوق، بجامعة فؤاد الأول، فحصل على درجة الليسانس عام 1943، وكانت عنايته بالأدب تفوق اهتمامه بالقانون، فتابع محاضرات كلية الآداب منصرفًا عن محاضرات الحقوق مما أدى إلى رسوبه في السنة النهائية وتأخر تخرجه عامًا كاملاً.

مارس المحاماة مدة عامين، ثم اتجه إلى الصحافة فشارك في تحرير عدة صحف ومجلات، كما كان مديرًا لتحرير مجلة «الغد»، ورئيسًا لتحرير مجلة «الطليعة» ورئيسًا لتحرير مجلة «روز اليوسف» ورئيس مجلس إدارة المؤسسة، وأخيرًا كان محررًا من كتّاب «الأهرام» تفرد له صفحة كاملة كل يوم سبت.

عمل سكرتيرًا للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وسكرتيرًا عامًا لمنظمة التضامن الإفريقي الآسيوي، ومستشارًا فنيًا بمؤسسة السينما.

كان عضوًا في جمعية الأدباء، ونادي القلم، ونادي القصة، واتحاد الكتاب.


الإنتاج الشعري:

- له «من أب مصري إلى الرئيس ترومان» - مطولة شعرية، كتبها الشاعر وهو في باريس (1951) - دار الكاتب العربي للطباعة والنشر - القاهرة 1957 ، وديوان «من أب مصري وقصائد أخرى» - دار الكاتب العربي للطباعة والنشر - القاهرة 1968 ، وديوان «تمثال الحرية وقصائد منسية» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1988 (يضم مسرحية من فصل واحد سبق نشرها - وعدة قصائد)، وكتب ثماني مسرحيات شعرية: «مأساة جميلة»، أو مأساة جزائرية: دار المعارف - القاهرة 1962 ، و«الفتى مهران»: الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة 1966 ، و«تمثال الحرية»: (مسرحية من فصل واحد) - دار التعاون - القاهرة 1967، و«وطني عكا»: دار الشروق - القاهرة 1969، و«الحسين ثائرًا»: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر - القاهرة 1969، و«الحسين شهيدًا»: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر - القاهرة 1969 ، و« النسر الأحمر»: دار المعارف - القاهرة 1976 ، و« عرابي زعيم الفلاحين»: مطابع الأهرام التجارية - القاهرة 1985 .


الأعمال الأخرى:

- كتب أربع روايات هي: «الأرض» - المكتب التجاري - بيروت 1954، و«قلوب خالية» - الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة 1957 ، و«الشوارع الخلفية» - القاهرة 1957 ، و«الفلاح» - عالم الكتب - القاهرة 1968، وله مجموعتان قصصيّتان هما: «أرض المعركة» - 1952، و«أحلام صغيرة» - سلسلة: كتب للجميع - القاهرة 1954. (نشرت الهيئة المصرية العامة للكتاب المجموعتين عام 1978)، كما كتب عددًا من الدراسات الإسلامية (التاريخية): «محمد رسول الحرية» عالم الكتاب - القاهرة 1963، و«قراءات في الفكر الإسلامي» الدار القومية - القاهرة 1972، و«أئمة الفقه التسعة» (شخصيات إسلامية) - 1981، و«ابن تيمية الفقيه المعذب» دار الموقف العربي - القاهرة 1983، و«عليٌّ إمام المتقين» (مجلدان) - مكتبة غريب - القاهرة 1984، 1985 ، و«عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين» - دار الكتاب العربي، بيروت 1986 ، و«الفاروق عمر بن الخطاب»: دار الكتاب العربي - بيروت 1986 ، و«الصدّيق أول الخلفاء»: مكتبة غريب - القاهرة 1987 ، وكتب رواية عن الزعيم الوطني عمر مكرم 1946 - ولكنها صودرت مع بعض القصص القصيرة والأشعار، وله عدة مؤلفات ذات منحى إبداعي سياسي. رسالة إلى شهيد: نادي القصة - القاهرة (د.ت)، و رسالة إلى أخي: سلسلة الكتاب الفضي - القاهرة 1956، و باندونج والسلام العالمي - دار الفكر - القاهرة 1956 .
تعد مطولته الشعرية: «من أب مصري إلى الرئيس ترومان» (1951) مزاوجة بين الشعر والسياسة، وبين الرومانسية والواقعية، وبين البحر وشعر التفعيلة.

ويعد الشرقاوي صوتًا مبكرًا في هذه «البينيّات» التي ازدهرت فيما بعد. شعره شديد الارتباط بتجربته الخاصة بما فيه من قلق ووحدة واغتراب وحب وحزن، وتجربة وطنه العامة بما عاش من انتصارات وانكسارات وآمال وإحباطات طوال نصف قرن من الإبداع. إنه لم ينصرف تمامًا عن الشعر الغنائي، فقد تحورت غنائيته في مسرحه الشعري الذي يعبر عن «رؤية في قضية»، كما تحورت في دراساته الإسلامية التي تشف عن موقف مبدئي أخلص له عمره، وصوَّره من زوايا شتى معبرًا عن حق الإنسان في الحرية والعدل والسلام. لقد نظم قصيدة البحر، كما نظم قصيدة التفعيلة، أما شاعريته فتنظم جل إبداعاته حتى لو ذهب بها التصنيف النقدي التقليدي إلى الواقعية، مثل أكثر رواياته.

حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب (1972)، ومنح وسام الجمهورية من الطبقة الأولى (1975).
كانت الدولة قد أوفدته إلى باريس لمدة عام (1959).


مصادر الدراسة:

1 - روبرت كامبل اليسوعي: أعلام الأدب العربي المعاصر (سير وسير ذاتية) مركز الدراسات للعالم العربي المعاصر - بيروت 1996 .

2 - مصطفى عبدالغني: اعترافات عبد الرحمن الشرقاوي - المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة 1996 .

3 - مصطفى نجيب: موسوعة أعلام مصر في القرن العشرين - وكالة أنباء الشرق الأوسط - القاهرة 1996 .


مراجع للاستزادة:

1 - ثريا العسيلي: أدب عبد الرحمن الشرقاوي - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1995 .

2 - كمال محمد علي: عبد الرحمن الشرقاوي الفلاح الثائر - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1990 .

3 - محمد السيد عيد: التراث في مسرح الشرقاوي - كتاب الثقافة الجديدة - القاهرة 1991 .

4 - مصطفى عبد الغني: الشرقاوي متمردًا - دار التعاون للطباعة والنشر - القاهرة 1987 .



عناوين القصائد:


- صرخة
- ندم
- الطارقة المجهولة
- هذا الربيع
- رسالة إلى جونسون
- رسالة من أب مصرى إلى الرئيس الأمريكى
- فلتعيشى يا جميلة
- رسالة إلى زوجتى
- مصرع لومومبا
- مسرحية تمثال الحرية




صرخة


أطلقـي صـيحةً كَهـولِ النكــــــــــــــيرِ
 
شَلَّهـا الـذعـرُ فـي فؤادي الكـســــــــيرِ
أطلقـيـهـا كـالرعب، كـالأمـل الـمُنْـــــ
 
ـهـارِ كـالـمـوت، كـاحتدام السعـــــــير
كـالجنـون الرهـيب، كـاللعـنة الـحَمْـــــ
 
ـراءِ كـالشـرِّ فـي نقـاء الضمــــــــــير
لا تُبـالـي مـاذا يكـون صداهـــــــــــا
 
إنهـا لـوعةُ الضنى الـمذعـــــــــــــور
أنـا فـي العـالـم الصغــــــــــير ظلامٌ
 
حـائرٌ فـي ضبـاب شـوقٍ كبــــــــــــــير
لـم أذق خمـرةَ الشبـاب وإن كُنْـــــــــــ
 
ـتُ لفـي ضـيعة الـحِجـا الـمخمـــــــــور
سنـواتـي تـمـرّ فـوقـي ثكــــــــــــالى
 
كرمـال النسـيـان فـوق القبـــــــــــور
ظامئٌ للـحـيـاة وهْي حـوالــــــــــــــيْ
 
يَ لفـي مـوكب الصِّبـا والعبــــــــــــير
الصـبـابـاتُ كلهـنَّ أمـامــــــــــــــي،
 
والنشـاوى وفـاتـنـات الـدهـــــــــــور
ونشـيـد الأعـمـاق يغمـر دنـيــــــا الرْ
 
ـريحِ فـي مـوكب الشذا الـمسحــــــــــور
والـمـودَّات عَمَّرت كلَّ شـــــــــــــــــيءٍ
 
عطفتْ للغصـون قـلـبَ الطـيـــــــــــــور
وأنـا أُبصر الرؤى مشــــــــــــــــرئبّاً
 
مـن غـيـابـات ركـنـيَ الـمهجــــــــــور
كـالأنـيـن الـحـزيـن، كـالألـم الـمَجْـــ
 
ـنـونِ كـالهـون، كـالشجَا الـمسعـــــــور
كـالنـواح الصديـان، كـالـحـلُم الهَيْـــــ
 
ـمـانِ، كـالإثـم فـي حنـايــــــا الصدور
كـارتعـاش الـحـيـاة بـالرَّغَد الـــــــذّا
 
هِبِ فـي خـفقة الـمسـاء الأخـــــــــــير
هـو ذا الشـاعـر الـذي تزعـمـيــــــــنَهْ
 
كـالـبقـيَّات مـن حطـام السفـيـــــــــنَهْ
فـوق لُجٍّ مـن الـحـوادث عــــــــــــــاتٍ
 
فـي ظلام العـواطف الـمـجنـــــــــــونة
لـم يـهُنْ فـــــــــــــي صراعه كذب النّا
 
سُ غبـاءً وخـاب مـا يحسبــــــــــــــونه
يضرب الـمـاءَ والفضـاء بكفَّيْـــــــــــــ
 
ـهِ ويـمضـي إلى مَدًى تجهلـــــــــــــونه
لا تظنِّيـه فـي الصراعـات يبكـــــــــــي
 
إنّمـا أنـت ربـمـا تبكـيــــــــــــــنه
هـو لا أمسَ عـنده مـــــــــــــــن غرامٍ
 
فتُعزّيـه عـنه ذكرى أمـيـــــــــــــــنة
كلُّ مـا عـنده غدٌ وهْو يـا أَنْـــــــــــــ
 
ـتِ أمـانٍ طـيّاشةٌ مفتـــــــــــــــــونة
أنـت كل الـحـرمـان، والـحـب والأَحْــــــ
 
ـلام، والشعـر، والـمـنى والسكـيــــــنة
والقـيـود الـتـي عـلــــــــــــيك غلاظٌ
 
آهِ مـن هـذه الـحـيـاة السجـيـــــــــنة
أطلقـي روحك الـمغرِّد فـي الأَجْـــــــــــ
 
ـواءِ تشدو فرحـانةً أو حـزيــــــــــــنة
أطلقـيـهـا فإن فــــــــــــي روحك السّا
 
جـي رفـيفًا كـسَكْرة الـيـاسمـيـــــــــنة
إنمـا الـحـب والصـبـا خلجــــــــــــاتٌ
 
خنقَتْهـا العـوائقُ الـمأفـــــــــــــونة
فـاطرحـي هـذه القـيـودَ وطـــــــــــيري
 
وابعثـي شدوةَ الهـوى الـمكـنـــــــــونة
آهِ وا رحـمتـا لـمـن يـنزف الـحــــــــبْ
 
ـبَ دمـاءً، وأنـت لا تسمعـيــــــــــــنه
إنه كـالغريب جـاء مــــــــــــــن القَرْ
 
يَةِ حـيرانَ فـي زحـام الـمديـــــــــــنة
فـابعثـي شدوة الهـوى الـمكـنــــــــونة
 
واحْطمِي هـذه القـيـود وطـــــــــــــيري
فَلْتـرفِّي كـسكرة الـيـاسمـيــــــــــــنة
 
فـوق تصخـاب مـوكبــــــــــــــي السِّكِّيرِ
لا تبـالـي مـا قـد يُثـير صداهـــــــــا
 
إنهـا صرخة الجـوى الـمأســـــــــــــور
أطلقـيـهـا كـالرعب، كـالأمـل الـمَـجْــــ
 
ـنـونِ كـالهـول، كـانقضـاض الـمـصـــــير


**************************


ندم


عصـف الشـوقُ بــــــــــــــالفؤاد فأضْرَى
 
زفراتٍ بـيـن الأضــــــــــــــــالع حَرَّى
واستبـدَّ الهـوى بقـلـبـي فأســــــــــرى
 
للـحـبـيب الـبعـيـد حـيث استقــــــــرَّا
عجـبًا للغريب فـي الـبـلــــــــــد النّا
 
زِحِ، والقـلـبُ داره كــــــــــــــيف قَرّا
لـم يـزل طـيفه مُلـمّاً مُلــــــــــــــحّاً
 
عَمْرَه الله كـيف أمعـنَ هجـــــــــــــرا؟
يـا غريبَ الـحـمـى أنـاةً وصــــــــــبرًا
 
طـالـمـا أحـزن الزمــــــــــــانَ فَسُرّا
كلـمـا رَنَّق الكرى فـوق عـيـنـــــــــــي
 
زاره طـيفك الـمهـوِّم فجـــــــــــــــرا
أيـهـا الطـارقُ العـنـيـد تــــــــــرفَّقْ
 
بفتًى صِيغَ مـــــــــــــــــن ودادٍ وذكرى
مـولعٌ بـالغـيـوب إن طـالع الغَيْـــــــــ
 
ـــــــــــــــــــــبَ تَنزَّى تطلُّعً
مـثْقـلٌ بـالزمـــــــــــــــان وهْو حدودٌ
 
لأمـانـيّه اللـواتـي استســـــــــــــرّا
ضـائقٌ بـالـمكـان وهـو قـيــــــــــــودٌ
 
مستطـيلٌ عـلى مســــــــــــــــابحَ كبرى
بَرِمٌ بـالقـيـود حطَّم القَيْــــــــــــــــ
 
ـدَ فـمِن جـاذبــــــــــــــيّة الأرض خرّا
قـد قضى الله أن يُغــــــــــــــيِّبَ شطرًا
 
مــــــــــــــنه تحت الثرى، ويُمسك شطرا
وهْو - مـن بعـدمـا قضى الله - مَحــــــزو
 
نٌ مُعـنّىً، ولن يحـاول صـــــــــــــــبرا
كجـبـيـن الـمهـزوم، كـالخِنجـر الـمحْــــ
 
ـطـومِ، كـالـبـوم فـي مـواكب بشـــــــرى
كزهـور القبـور كـالأمـل الـمَهْــــــــــ
 
ـجـورِ كـالزُّور كـالهـواجس تتـــــــــرى
كأنـاشـيـد عـاشقٍ بــــــــــــــــــدويٍّ
 
وقف العِيسَ عـــــــــــــــــند نُؤيٍ ومَرّا
كـمسـاء الخريف يـمـــــــــــــلؤه الظِّلْ
 
ـلُ حنـيـنًا ويُفعـم الظلّ شعــــــــــــرا
كـمـيـاهٍ مـنسـيّةٍ فـي صحـــــــــــــارى
 
فهْي تجـري فـي الرمـل مـن غـير مـجــــرى
كبقـايـا النــــــــــــــواح يرفض يأسًا
 
كـدويّ الريـاح يـنفضّ ذعـــــــــــــــرا
أنـا فـي عـنجهــــــــــــــــــيّةٍ وتجنٍّ
 
خِلْتُ أن الأمـور تُؤخَذ قســـــــــــــــرا
وزهـانـي أنـي استطعت أمـــــــــــــورًا
 
فتجـاوَزْتُهـا أحـــــــــــــــــاول أخرى
وتخـيَّلـتُ والـتـرابُ مآلــــــــــــــــي
 
أنَّ لـي فـي السمـــــــــــاء دارًا ومَسْرى
كـيف حـاولـتَ أن تكـون كضـوء الـــــــــ
 
ـفجـرِ لِيـنًا وكـالسحـابة طُهـــــــــــرا
أتُرانـي طلـبت عـند طبـاع النْـــــــــــ
 
ـنـاسِ مـا لـيس فـي الطبــــــــائع طُرَّا؟
كـنـتُ أبـغـي لهـــــــــا الكرامةَ والعِزْ
  
ـزَةَ والـمـجـــــــــــــد وهْي تَقْطر فجْرا
وإذا مـا ارتقى الـتـراب عــــــــن الأرْ
 
ضِ تهـاوى لأرضه فـاستقــــــــــــــــرّا
لـمَ صدّقتَ مـا أذاعـوا عـلـيـهــــــــــا
 
وهـي بـالطهـر والأمـانة أحـــــــــــرى
آهِ وا حـيرتـي فلا العقـلُ يـــــــــدري
 
صِدْقَ مـا لَفَّقـوا، ولا القـلــــــــب أدرى
قـد تصدّى أهلـي لـحـبـي وقـامـــــــــوا
 
دون مـا أبتغـيـــــــــــــه عُذرًا ونُذرا
عجـبًا لـيس يـنقضـي مـنذ كـان الـــــــ
 
ـحُبُّ والنـاس تُوسِع الـحـــــــــــــبَّ بِرّا
زعـمـوا لـي أنـي سأسلـو هـواهـــــــــا
 
بسـواهــــــــــــــــا ولست أُبصر أخرى
غـيرَ أنـي أكـاد أُومِنُ أنـــــــــــــــي
 
لـم أمـلْ عـن محجَّة الــــــــــــحق شبرا
الشكـوك الشكـوك - يـا ضلّةَ العَقْـــــــــ
 
ـلِ - يُنشبنَ فـــــــــــــــي فؤاديَ ظفرا
إننـي كـافرٌ بقـاتل حـبــــــــــــــــي
 
وسأقضـي الـحـيـاة أُمعــــــــــــن كفرا
وهـي إنسـيّةٌ بـهـــــــــــــــا ضعفُ حَوَّا
 
ءَ، وقـد تضعف القـــــــــــــــويّةُ مَكْرا
أنـا مـن هدّ عـشَّه بـيـديـــــــــــــــهِ
 
جَزَرَ الشكَّ والألـــــــــــــــــيفةُ سكرى
سكب الـبـدر فـوقهــــــــــــا ألَقَ النُّو

رِ، وبـاتت تُكـاتـم الفجــــــــــــر سِرّا
وغفـا اللـيل، وهْي تُنصت واللَّيْـــــــــــ
 
ـلُ إلى مِزهـــــــــــــــــرٍ يُهَيْنِم سِحْرا
والغـيـوبُ الفسـاح تـنشـر فـيــــــــــه
 
حُلُمًا هـائمًا، وتـنســــــــــــــاب عطرا
والزمـانُ الرهـيب يرسل فـي اللـيــــــــ
 
ـلِ أنـاشـيـده القـديــــــــــــمة ذكرى
وكأن الـمـجهـول يعصر فـي اللـيـــــــــ
 
ـلِ كتـابًا يـتلــــــــــــوه سطرًا فسطرا
وهْي فـي عـشّهـا تهدهد حـلـمــــــــــــي
 
وأنـا سـادرٌ أدبّر أمـــــــــــــــــرا
وهـي مـاذا أقـول تصنع مـــــــــــــاذا
 
ويحَ هـذي الألفـاظ يـــــــــــنطحنَ صخرا
إنهـا ، لا عفـا الله عـنهــــــــــــا،
 
جعـلـتْ عـشَّنـا الـمقـــــــــــــدَّس وكرا





الطارقة المجهولة


أصديقةَ الغيب الـمحجَّب فـي تلافـيف الفضـاءْ
 
محرابك المرفوع في قلـبـي تجـافته النسـاء
لمـا رأيـنَ بَخُوره الفـوّاح مـن دخن العـداء
 
ونشيـدُه الـوثنـيّ لعـنةُ صـاحـبٍ ضلَّ السـواء
فاستروحي في الساحة الحمراء أنسامَ الدمـاء
 
وتَساوقي معنًى فـمعـنًى فـي انفسـاح الخـاطرِ
وتراسلـي لـحنًا فلـحنًا مـن أنـيـن مَزاهـري
 
وتألّقـي بـلّورةً تهتـاج فـنّ السـاحــــــر
وتناوحـي بـالـذكريـات يُثرنَ وجـدَ الـحـاضر
 
واسترجعي الصبواتِ من لهـب الشبـاب السـادر



 
**************************

هذا الربيع ! !


هذى النوازع من تباريح الصـــــــبابة والفتون !
هذى الـــــــــــنداءات الخفيّة للندامى والمجون !
هذى البقايا من حديث السحر .. أو مسّ الجنون !
هذى العقابيل التى تلتاث فى القــــــــلب الحزين !
هذى الأفاعى من سعــــار الموت شاكية القرون !
هذا السبوح وراء أوهــــــــام وأحــــــــلام تبين !

* * *

أنا فى سعير من جوى الحرمان .. مُنبـــتّ شتيت
أصلى اللظى ــ سأمان ــ لا أحيا هنــاك ولا أموت
ماذا دهى الأيــــــــام تنعشنى على ظمأ وتصــلى
فلعل هذا الكون مجنون التســـــــاوق .. أو لعلّى

* * *
 

عجباً .. تنازعنى الهواجـــــــس كلما جاء الربـــــــــــيع
فيثور فى الأعصاب حرمان .. وفى الأصــــــلاب جوع !

* * *

الريح فاغمة تعطرها زهور البرتـــــــــــــــقال
تنساب فاترة الشذى .. سكرى .. كأيام الوصال
والأرض حالية ٌ تدب بها عصارات الحـــــــياة
الحقل ، والغدران ، والأفق المُفوّف والرعـــاة
والشمس تفعم بهجة الدنيا بأنغام خـــــــــــفية
ويلوح وجه القبة الزرقاء كالنفس الرضـــــية

* * *

ماذا إذن ..؟؟ ولم انطــــــــلاق القلب يطلب كل شئ
عجبــــــــــــاً له تنتاشه الأعباء .. عبئاً ! إثر عبء

ماذا يريد ؟ تراه يبحث عن مغامرة جــــــــــــــديدة

وعساه ينشد فى الخفاء ظلال أيام سعــــــــــــــيدة
من أنت يا شــقراء .. والأنغام تخفق فوق ثغرك ،
ونصاعة الطهـــر الرصيع الحلو تخطر فوق نحرك
وصباحة الدنـــــــيا الجميلة تزدهى فى صبح خدك

وترنح السن المبكر منتشٍ فى روح قــــــــــــــدك
وليونة الأحــــــــلام والإمتاع تغمض نصف عينك

وفتوة الآمال والنجوى تروِّع سرب أمــــــنك .. ؟

* * *

شقراء يا روح الندى وغضارة الحقل الجديــــــد
وترنم العصــــــــفورة الخضراء تطرب للوجــود

شقراء .. يا شقراء يا تهويــــــمة الطفل الصغير
شقراء ، يا شقراء يا إشراقـــــــــة الظبى الغرير
يا ضحكة المـــــــاء الصغيرة فى ثنيات الغديـــــر
يا بسمة الشرق الصبوح على الحقول الناديــــــة
يا نسمة الظل المريح على شقاء الســــــــــــاقية

يا برعماً يهتز من ألق النضـــــارة والشبــــــاب

سكر الصبا فجرى بعطفك لا يُثــــــــيب ولا يُثاب
شقراء ماذا فيك .. يفعم قلبى الخـــــــاوى حنينا
يا خمرة صهبــــــاء تملأ كل أيـــــــــامى مجونا
لكأنما ( تاييس ) عادت من جـــــــــــــــــــــديد
تســـــــــــبى الوجــــــــــــــــــــــود !

* * *

نهداك يقتحمــــــــــان أسوار السكينة والوقار
فتعربد النظرات فوقهمـــــا ويضطرم السعار !
وعليهما رمز العذاب على صليــــب من ذهب
وأنا المعذب كالمسيح .. أنا مســيح ما صلب !

من أنت .. فى قسمات وجهك كل آلام المسـيح

وبجسمك العربيد كل ضراوة الأنثى تصـــــيح
ماذا أقول ؟  وهل ترانى أستطيع القول بعــــد
ماذا يحيط اللفــــظ من حسن يَحُد ... ولا يُحَد

* * *

أنا لست أعرف عنـــــــك شيئاً يا حلم الطفــــــــــولة
وقد انسكبت علىَّ أحلامـــــــــــاً مرونقة ظليــــــــــلة
ووثبت فى حسّـى وفى عصبى .. وفى القلب المعــنّى
لحناً ومعنى .. يستفيضان المنى حسناً وحســــــــنى
 
لم تعرفى بعد الحياة وليس تعــــــــــرفك الحيــــــــاة

لم تعرفى حتى الصـــريع .. ولم تحسى ما هــــــــواه
لا تسألى عنه إذا ما هـــز صفـــــوك ما دهـــــــــــاه
فلتسألى عينــــــــــيك .. فى عـــينيك معنى من تقاه

ولعودك الريان ينفض بالسخونة من جــــــــــــواه !

لا تطلبى علم الحياة ففيه أهوال تخـــــــــــــــــــيفك

واستقبلى نعم الحياة فقد يجمعها أليـــــــــــــــــــفك

هى يا جهول تضرب الأحياء فى طلب البقـــــــــــاء

وعواصف هوجاء أو حمقاء فى حب العـــــــــــلاء

لا اليأس حل مشاكل الدنيا ولا ضعف الصـــــراعة

وطِمَاعها يزرى بحامله .. كما تزرى القنــــــــاعة

شقراء ماذا فيك يفعم قلبى الخاوى حنـــــــــــــينا
شقراء ماذا فيك يُترع كأسى الظامى فتــــــــــونا

وأنا الفتى الفلاح  يبنى مجده فى القاهـــــــــــرة

يبنيه بالدم .. والدموع .. وبالليالى الجــــــــائرة

قذفت به آمال والده إلى هذا الزحـــــــــــــــــــام

ورقاه من سحر النساء ومن أخابيل الهيـــــــــام

أبتى لقد ثقلت علىّ هنا تباريح الغـــــــــــــــرام

فى كل عام لى هوى متمرد أو نصـــــــــف عام

وكأنما أوجدتنى لأحب حتى حيــــــــــــن موتى

ما زلت بين هوى يزايلنى .. وآخر سوف يأتى

ما بين فاتنة تطالعنى بسحر الأربعــــــــــــــين

وصبية عبرت إلى ألق المنى جســــــر السنين

قد جئت بى يوماً وطفت على البقـــــاع الطاهرة

وهمست بى عند الرحيل .. بنىّ : هذى القاهرة !

أتراك قد طمأنت أمى حين روّعها المـــــــــسير

أتراك قلت لها اطمئنى بعد قد هدأ الصــــــــــغير

تالله ما هدأ الصغير .. وليس يهدأ طــــول عمره

والغربة الزرقاء .. والقلق المبرح فــــوق صبره

وغرابة المرأى الجديد تثيره فى كل حيــــــــــــن  

وتطلع الغيب البعيد يشبّ لاعجه الدفيـــــــــــــــن

لا يا أبى .. إن المدينة غير ما عرفتنيــــــــــــها

إن المدينة طفلة حمقاء تسخر من أبيـــــــــــــها

لا يا أبى إن المدينة غير هاتيك المســـــــــــاجد

أنا لم أجدها فى الكنائس والمساجد والمعــــــاهد

أو فى المناسك والمعــــــــــــــــــــــــــــــــــابد

الحسن فيها فى الطريق مبعثر فى حيث ســـرتُ

وطرائقى ليست بها عوج وليس بهن أمـــــــتُ

الحسن يمرح فى القصور الشامخات التافهــات

وعلى صدور الغانيات .. وفى انسياب المركبات

وأراه حتى فى زحام المحكمــــــــــــــــــــــــــة

هو فى العيون الدامعات وفى الشفاه الباسمـــــة

وأراه حتى فى الأزقة والبيوت الشاحـــــــــــبة

تساقط الأحجار منها كالحياة الذاهبــــــــــــــــة

وأراه فى جوف الخرائب تسكن الأشـــباح فيها

وبها خلائق يطعمون جوى المنى هم قاطنـــوها

وبكل شبر من تراب ها هنا قصص رهيبــــــــة

وبكل جزء من هواء ثم أهواء مريبـــــــــــــــة

وهنا اللذائذ يا أبى والجوع والحرمان تـُمسى

متجاورات كلهن .. ومأتم بحوار عــــــــرس

ومنعمون ، وكادحون .. ورأسمــــالى وعامل

وهنا التفاريق الشواسع والأعاجيب الخــوابل

المالك الطاغى يواجه قصره كوخ الأجــــــــير

هذا له الله .. وذاك له التنعم والســــــــرور !

وهنا التباغض والتنافر والضغينة والحســـــد

حتى الأخوة لم تعد صنو الوداد ولم يعــــــــــد

وأنا أساء ولا أسئ  ـــ  وهل أسئ إلى حبيـب

ما ذاك عن ضعف .. ولكن عفو جبار أريـــب

وهنا ضمير الناس مضطرب .. يكاد يفيض شرا

أبتى لقد ثقل الهواء هنا فما أستطيع صـــــــبرا

* * *

لا يا أبى إن المدينـــة غير ما عرفتنيها

إن المدينة طفلة حمقاء تسخر من أبيها

* * *

أبتى وحبك واحترامك فى دمى وعلى فمـــــى

عودتنى العطف الرحيب فما سكوتك عن دمى

هذا دمى والحسن يهدره وها أنا أستجــــــير

خذنى إليك .. أعيش فى بلدى وأحيا كالطيور

فى قريتى وعلى مهاد أبى وأمجاد الجـــــدود

فأنا غريب ها هنا جوّاب آفاق شــــــــــــريد

يا بعد ما بينى وبينك فى المشارب والمقـــــــام

أتحج للبيت الحرام .. ومنسكى الحسن الحرام ؟

أبتى عهدتك مثل يعقوب وحبك فـــــــــوق حبه

أنا ذا بمصر كيوسف من غير ما برهــــان ربه

ثقل الضجيج علىّ يا أبتى وأشقتنى المدينــــــة

خذنى إليك ففى ظلال التوت ألتمس السكينـــــة

خذنى إليك ففى صفاء الأفق تنعشنى الفضيـــلة

إنى أكاد أجن من تنسام أوحال الرذيـــــــــــــلة

خذنى إلى البيت العتيق يلفه الشجر القـــــــديم

فهناك تنطلق الحياة .. وثم ينبسط النعـــــــــيم

أغدو إلى تلك الحقول مع النهار أهيم يـــــومى

متواثباً كطفولتى الأولى .. وأجرى جهد عزمى

أعدو وراء فراشة الحقل المنمنمة الجنـــــــاح

حراً كموج البحر ــ  منفلت الأزمة كالريـــــاح

أيام أمرح فى حدائقك الفســــــــــاح ولا أبالى

وأنام فوق خمائل البرسيم أو فوق الرمــــــــال

وأقيم حين يجف ماء النهر دنيا من رمــــــــــــاله

وأسامر العربى خلف البيت .. أطرب من خـــــياله

أيام أركب ــ  دون علمك ــ خيلك الشمس الغضاب

فإذا علمت ، فلا عقاب ، ولا ملام ، ولا عتـــــاب

أو أعتلى ظهر الأتان

وأخال نفســى عنترة

يوم الطــــــــــــــعان 

أنا موثق للأرض يا أبتى بقيد من حـــــــــــــــــــديد
كيف الخلاص من التراب ، أبى ومن هذى القيود ؟ !


القاهرة سنة 1945


*******************





رسالة إلى جونسون

رئيس الولايات المتحدة فى ذلك الوقت





أنا لست أقرؤك السلام                 

فلا سلمت

ولأنت أقسى لعنة كتبت على قدر السلام

ولأنت وصمة عصرنا الوضاء .. وصمته الزرية

يا عار دنيانا تخلف من عصور بربرية

من أى أغوار الجحيم أتيت .. ويحك لم أتيت ؟!

من أى كهف مذنب الظلمات جئت .. وكيف جئت ؟!

من أية الليلات فى سادوم قد شكلت

يا ملك السفاح

يا إمبراطور الزراية والمهانة والذنوب

لم عدت من قاع المغيب ؟

كم قطعة فضية تعطى لتسليم المسيح ؟

ولمن تبيح

دم الصباح ؟

ولمن من الأحبار بعت الكبرياء

وبكم تبيع من الجراح

أو الدماء

منذ جئت أنت

والذعر ينتهك الأنام

والقاذفات الموت قد دمرن أسراب الحمام

هل عدت أنت

بكل أهوال الحريق ، وكل غاشية الظلام

فلا سلمت

ولا سلام

أنا لست أقرؤك السلام

فلا سلمت

إنى لأذكر أننى من نحو سبعة عشر عاماً أو أقل

خاطبت إنساناً له قسمات روحك .. أو أضل

وله مكان القلب مثلك قطعة من صخر تكساس الأصم

وله . كشأنك . للدماء تعطش لا ينطفئ

وله . كشأنك . كذبة فى كل يوم

والكذب يملأ شدقى الكذاب بالحصوات .. لكن لا يكف

ويظل يعبر فيه من زيف لزيف

ثم انتهى الزمن الصدئ

وتنفس القلب الحزين وشع فى وجه الحياة

أمل النجاة !

كنت انتهيت . ( وكان اسمك حينذاك " ترومن " أو نحو

ذاك .. ) فكيف عدت ؟!

إنى لأعجب كيف تبعث من جديد

ولم بعثت

فى غير وقت المعجزات ؟

إنى حسبتك ضعت فى النسيان من زمن بعيد

لكن طيفك ذا يعود .. !

ها أنت ذا قد عدت .. ويحك كيف عدت

أمشاج مسخ ٍ للجنون ؟!

فمن تكون ..

من أنت ؟! قل .. لا كنت .. كيف بُعثت من قبر الخطايا

كسفاً تهب على جلال العصر من ليل البغايا

لتحيل كل معابد الدنيا وأقداس الحياة إلى ثمود ؟!

هل عدت تنشر فى المدى

سُحْبَ الردى ؟!

وتصب ألوان الكآبة فى الشفق

هل عدت أنت ؟!

أأنت .. أنت ؟ ويلاه .. إنك أنت أنت !

فكل شئ يختنق

ونضارة الأحياء يلفحها القلق

ها أنت ذا تمشى على الألق المشعشع فى الحقول

كالذبول !

وتقيم أعواد المشانق فى الأفق

بدل النخيل

ها أنت ذا قد عدت للدنيا الجميلة كالوحوش البائدات

تسير من أرض لأرض

بضراوة الشر القديم المنقرض

وعلى مشافرك المخيفة بعض أشلاء الضحايا

عيناك تنتهب السبايا

ونبالة الإنسان تدهسها بأظلاف غلاظ مُشْرَعات

وتدوس ميراث الحضارات العظيم

وتسير فوق طراوة الأرض الندية كالقضاء

متطاوس الخطوات تــُسقط من خطاك على النسيم

بقع الدماء

ها أنت ذا مذ عدت قد فجرت أنهار الدموع

وسحقت ما منح الربيع

ومضيت مثل كواسر الطير الخرافى القديم

لتحيل أجواز الفضاء إلى جحيم

وتسير بعد إلى بحيرات السكينة والصفاء

حيث الصغار على شواطئها الأمينة يلعبون ويحلمون

بلا هموم

وسواعد العشاق تعتصر السعادة والنعيم

والقلب يستصفى حنينه

والكون يغترف السكينة

لتثير إعصار الشقاء !

فمن تكون ؟!

هل أنت قارعة الجنون ؟!

فكيف جئت ؟!

لا كنت يا غول السلام !

لا كنت يا رب الظلام !

ستبارك الطرقات .. لكن ليس من أجل الحقيقة

ستبارك الطرقات حتى يطمس الليل البهيم

شعاعة الخير العريقة

ستبارك الطرقات لكن ليس من أجلى أنا

ستبارك الطرقات من أجل المآسى والضنى

ليقوم سلطان الخنا !

لا كنت يا رب الخديعة والظلام

ولا سلمت

ماذا يضيرك أن يصوغ الشعب فى فيتنام فجر سعادته

وعدالته

بإرادته

لم تشعل البركان فوق حياته وحضارته ؟!

أتراه حين يعيش يسلب منك أنفاس الحياة ؟!

أتراك سوف تموت إن لم تجترع عرق الحياة

أسمعت عن شئ كهذا فى تواريخ الوحوش ؟!

وحش يفاخر أنه قتل الجميع لكى يعيش ! ؟

حتى الوحوش إذا افترسن ، فلا يتهن بما افترسن !

إنى لأعجب كيف عدت .. ؟

متى وأين ؟

فى غفلة جازت علينا من ضمير العصر عدت

فلا سلمت !

قد عدت تمشى فوق يونان العريقة بالدماء

وعرفت كعب (( أخيل )) فاجتزت الحصار

أتراك نعرف من أخيل

بالطبع لا !

فأخيل هذا لم يكن لك بالعميل !

وأخيل ليس كناية عن ضربة لمخابراتك !

وبصقت فوق الأكربول ..

وسحرت بالجاربند آلهة الأوليمب [1]

وكما مشى سقراط فى سوق المدينة قد مشيت

مشيت .. لكن بالتويست ..

أنا لست أضحك .. إن فى الضحكات أيضاً يكتئب

قلب المعذب

ها أنت ذا تمشى على هام الشيوخ .. شيوخ أثينا العصية

وتقيم فى المهد الديمقراطى حكم العسكرية

ما أنت من هذا جميعاً ..

ما أنت من سقراط ؟

سُمّهْ !

ما أنت من أوديب ؟

جُرمه !


***

وهناك فى أرض النبى

وهناك حيث أضاءت الدنيا تعاليم العدالة والإخاء

وشريعة الحب التى تعطى الجميع على سواء

أقمت فى الأرض الحرام !

- ما أنت والأرض الحرام -

أقمت فى الأرض الحرام معابد (( العزى )) الجديدة

وثن جديد اسمه الدولار فى البلد الآمن الطيب

هناك فى أرض النبى

وأقمت قاعدة الضغينة والعداء

ضد انطلاقات اليمن

ضد التحرر فى عدن

ضد التقاليد المجيدة

ضد العروبة والكرامة كيفما كانت وأين

فهناك حيث مشى الإمام على الطــُهْرىُّ فى الثوب الخشن

تتأود الشقراء عارية البدن

ويسير أسراب الرجال معطرين مهفهفين

بلا خجل

وحيث يحتفظ الأثير

بصدى أحاديث البشير

وجلال حكمتنا الشموخ

هناك قد ركع الشيوخ

كى يعبدوا الدولار .. رب زمانهم

ومثير فتواهم إلى أسيادهم

وهناك حيث يعيش صوت رائع منذ الأزل

فوق الصحارى والصخور

يعربد الروك آند رول

ها أنت ذا قد عدت .. عدت لنا هنا

لتبارك الطرقات يا ملك الخنا

لتبارك الطرقات .. لكن ليس من أجلى أنا

وأنا هنا

وطنى المعارك والحضارة والأمل

وطنى هو النور الذى غمر العصور ولم يزل

وطنى هو الفجر الجديد

وطنى هو التاريخ والمستقبل الوضاح والزمن السعيد

وطنى هو المأساة مثقلة بما صنع التسلط والتحكم

عبر العصور

وطنى هو الفلاح .. والبسطاء صناع التقدم

والمصير

أتراك تعرفنا هنا ؟!

سأقص قصتنا عليك

لعلها إن أعجبتك

رجعت عنا

ونجت عذارى أخريات من ضراوة شهريار

فى ذلك التشبيه عار ..

لكنما ما حيلتى .. وأنا أخاطب فارس العار المحنك !

قد كان ياما كان فى الزمن القديم

يعيش قوم آمنون

أيامهم عمل وليلهم أمل

وصباحهم كمسائهم ورد وفل

ونساؤهم أحلى النساء

ورجالهم خير الرجال

كانوا جميعاً صالحين

ما كان عندهم سلاح للقتال

غير المناجل للحصاد وغير محراث قديم

والفئوس

كانت لديهم للنماء ..

كانوا جميعاً صالحين

نفوسهم أصفى النفوس

عاشوا جميعاً يزرعون ويحصدون

ويمنحون الآخرين

خير الثمار

وبيوتهم كانت من الحجر الثمين

وكبارهم حكماء .. والأطفال تحت عيونهم يتضاحكون

وعلى مروجهم البديعة يرتعون ويلعبون

ولهم جميعاً آمنون

إذا بغول مقبل .. غول حزين

ألقى عصاه على مشارف أرضهم

غول حزين

تستوقد الضحكات فيه الغيظ والشوق المعذب للبكاء

وللدماء

ويثير أمن الناس فى أعماقه روح العداء

وبكل هذا الغيظ  حط  الغول فى سوق المدينة

يغرى النساء الفاضلات

فإذا أبين قتلن فجأة

ويكيل للسفهاء ما شاءوا من الذهب النضار

ليجعلوا الحكماء هزأة

وانقض يختطف الصغار

وإذا المدينة أصبحت ثكلى حزينة

والخوف يعصف بالسكينة

ونشيدها الرنان يغمره عويل النائحات

وتشاور الحكماء فيما يصنعون

والحكمة الشماء تقتحم الحصون

ببعض أسرار الكلام

وإذا بهم قد قرروا أن يصهروا بعض المناجل

كى تصير إلى سيوف

وإذا بهم يتواعدون ليضربوا الغول المخيف

لم لا نقاتل ؟!

فلنقاتل

للدفاع عن الحياة الفاضلة

هى ضربة لا غير .. واحدة .. وليست غير ضربة

هى ضربة لا غير نضربها معاً لتثير رعبه

فلتحرصوا لتكون ضربتنا الوحيدة قاتلة

هى ضربة ستصيب قلبه

تستجمع الضربات فيها كل طاقات القصاص

وكل أحلام الخلاص

وإذا السواعد كلها قد جمعت فى ساعد

وإذا السيوف وقد غدت فى حد سيف واحد

فلتضربوا الغول المخيف

اضرب .. فما هى غير ضربة

وهكذا نجت المدينة

عاد الصفاء إلى النساء

عاد السلام إلى الكبار

عاد الصغار

إلى المروج يقهقهون ويرتعون ويلعبون

الضحك عاد إلى الشفاه

عاد الجميع إلى الحياة

الأمن عاد إلى القلوب

عاد الحبيب إلى الحبيب

أفهمت ما فى قصتى ؟!

إن كنت عدت لكى تروع قريتى

فالشعب يملك ما يشاء من البواتر


***


لم يستفزك أن ترى الأطفال فى الدنيا الحلية يضحكون ؟

ماذا تريد من الصغار ؟!

ماذا تريد من الشيوخ الآمنين ؟!

ماذا تريد من النساء الوادعات ! ؟

أو الشباب الآمنين ؟!

كم ذا تثير خيالك الهدام أشكال الدمار

أو لا تحس العار فيما أنت صانع

أسمعت فى تاريخ ما صنع البرابرة الأوائل من فواجع

شيئاً كفاجعة الحضارة فى فلسطين السليبة !

شعب يطارد كله من أرضه ومقدساته !!

شعب بأسره !!

ويعربدون على رفاته !!

وطن النجوم سطت على أكنافه كِسَف الظلام

جاءوا طريدى التيه تدفعهم رياح الانتقام

ويحيطهم عطف البرابرة العظام

يتبجحون على الشرائع كلها .. كل الشرائع !

بلا قيم

وبرغم ميثاق الأمم

أنت الذى أقطعيهم أرض النجوم

لتعيد ما عــَفــَّى الزمان عليه من ذكرى سدوم [2]

لا لن تعيش سدوم فى أرض النبوة من جديد

لو عاد داود الجليل وعنده زُبَر الحديد

فلكى يُنحيهم عن الأرض المقدسة الحرام !

يا حامى الظلمات يا غول الحضارة كيف جئت ؟!

ماذا تكون من المنارات العظيمة للحضارة ؟

قنديل زيت ليس فى أحشائه قطرات زيت

وطنى الحضارة والمنارة ..

لو كنت تعرف كيف يجرى النيل فى صمت وقور

يقص أسرار العصور

لو كنت تعرف كيف يصطفق الشراع

وعلى الضفاف الخالدات

الذكريات

أو لو تحس سكينة الإنسان فى سهل البقاع

أو كنت تعرف سحر عكا والقلاع

وحدائق الزيتون فى تلك السفوح الساحرة !

لو كنت تشعر كيف ينبض قلب خير مثقفى الدنيا بحب

القاهرة !!

أعرفت زهر البرتقال ؟!

أشممت عطر الأرض يوماً ؟!

أبلوت ليلات الوصال ؟!

أسمعت موسيقى الحقول ؟!

ماذا أقول ؟!

أرأيت كيف يقوم من تحت التراب معذبون

ليشيدوا المستقبل البسام فى وجه التحدى والخطر

ويسيطرون على القدر ؟!

ماذا تريد وكيف جئت

أتريد أن يتهدم الأهرام أو تهوى المآذن والقباب

أتريد تخريب الكنائس والمعابد والمساجد

أتريد إفناء الذى يعتده المتحضرون

إرث الحضارة والفنون ؟!

أتريد هدم الأزهر المعمور وهو منارة عبر القرون

أتريد ضرب السد [3] معجزة الزمان وآية الأحرار والعزم

العتيد ؟

أتريد إفناء المعابد فى (( أبى سمبل )) وإطفاء المنار ؟!

أتريد إشعال الحريق ودفع عالمنا إلى جوف الأتون ؟!

أتريد ذبح الناس كلهم لتحيا أنت وحدك ؟!

يا أيها المتحضرون :

تضامنوا وتكتلوا كى تدفعوا عن عصرنا المسكين عاره

ولتنقذوا ميراثنا البشرى من طغيان هذا البربرى

أنا لا أريد لناطحات السحب فى ( نيويورك ) أن تهوى على

سكانهن

أنا لا أريد لفاتنات الجنس فى هوليوود أن يصبحن شيئاً

غير ما يخرن هن

أنا لست أعرف ما التشاتشا والمارينجى والتويست [4]

إنى لأكرهها جميعاً لو عرفت كما كرهتك

أنا لست أعرف غير درويش وبيتهوفن وفاجنر

وابن إسحاق وليست

مع كل ذلك فلتعش بطريقتك

كل امرئ وطريقته

ودع الحياة تسر .. لكل غايته

أم أنت تهوى أن تعيش بلا شريك ولا حساب ؟!

ستعيش فى الأرض الخراب

إن شئت من فوق السحاب

لا .. لا .. فإن ضمير هذا العصر سوف يحاصرك

لتصير إنساناً تكفر عن خطايا حاضرك

فإذا أتيت كما أتى الغول القديم إلى المدينة

إن جئت تجتاح السكينة

فهناك آلاف البواتر

       وبعد

ماذا فى الختام ؟

قد كدت أقرؤك السلام

كعادة البسطاء فى أرض السلام

إن جئت تسعى للسلام

فلك السلام .. مع الختام

فإذا أتيت بكل أهوال الحريق وكل غاشية الظلام

فلا سلام ..

ولا سلمت

أنا لست أقرؤك السلام

فلا سلام ، ، ،



سنة 1967

 
الهوامش :

[1]  بطل فى إحدى الأساطير الإغريقية ، كان خرافى القوة ، ونقطة ضعفه كانت فى كعبه ، فسدد عدوه سهما إلى كعبه فقتله .

[2]  قرية قوم لوط عليه السلام .. كانت تعيش فى العار والجرائم .

[3]  السد العالى .
[4]  رقصات أمريكية .