الاثنين، 2 أبريل، 2012

عبد الرحمن الشرقاوى ، رد الاعتبار إلى عملاق مصرى كبير أهملوه ودفنوه وتجاهلوه وتناسوه عن قصد وعمد - الجزء الثانى

رسالة من أب مصرى إلى الرئيس الأمريكى 

لو أننا حجبنا هذا العنوان ووضعنا مكانه عنوانا آخر هو: رسالة من أب عراقي أو فلسطيني أو مصري إلى الرئيس الأمريكي بوش الابن والأب أو أوباما .. وكذلك طمسنا تاريخها وجعلناه عام 2003م أو 2011م ووضعنا مبارك أو طنطاوى أو الإخوان والسلفيين بدلا من فاروق وعبد الله آل سعود بدلا من عبد العزيز . هل كان الأمر سيتغير وتفقد القصيدة قيمتها ومصداقيتها؟ وما الفرق بين رؤية الشاعر للرئيس الأمريكي هارى ترومان ورؤيته للرئيسين بوش وأوباما والثورات الإخوانوسلفية 2011 الآن رغم الفارق الزمني الذي يصل إلى نصف قرن؟

هذه الأسئلة وغيرها تجيب عنها القصيدة التي نشرت في كتاب مستقل صدر عام 1953 بالقاهرة تحت عنوان خطاب مفتوح من أب مصري إلى الرئيس ترومان، وكتبها الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي في باريس عام 1951م. وننشرها هنا لأنها تعبر عن الهيمنة الأمريكية وجبروت القطب الواحد. وتفضح مدى الجهل فى بلادنا والعداوة للاشتراكية دون فهم ودون عقل .. والمحبة لأمريكا أيضا وللغرب الرأسمالى الإمبريالى دون فهم ودون عقل أيضا حتى جعل الوهابيون محبة الغرب من الإيمان وكراهية الاشتراكية من الإيمان .
هذه القصيدة للشاعر المصرى الكبير عبد الرحمن الشرقاوى كتبها منذ ستين عاماً ووجهها إلى الرئيس الأمريكي ترومان . ولأن التاريخ يعيد نفسه دائما فمن المناسب أن نعيد نشرها بمناسبة زيارة الرئيس أوباما إلى الشرق الأوسط وفيما يلى نص القصيدة بالكامل لأول مرة على الانترنت :

 يا سيدي
 

إليك السلام, وان كنت تكره هذا السلام
 

وتغرى صنائعك المخلصين لكى يبطشوا بدعاة السلام
ولكننى
 

سأعدل عن مثل هذا الكلام
 

وأوجز في القول ما أستطيع

فأنت مُعَـنــَّى بشتى الأمور
 

بكل الأمور

وإنى لأعجب لِم صوروك حديد الفؤاد بليد الشعور

وأعلم أنك تهوى الزهور

فتنشد ألوانها فى الدماء

وتمشى من الأرض فى حيث شئت لتقطف كل زهور الربيع

فتسحق أوراقها اليانعات وتنثرها فوق أرض الشقاء ....

وتجرى الدماء ، وتبقى الزهور !

وأعلم أنك تهوى النجوم وتعجب كيف تحلى السماء

وتطلب فى الأرض سحر النجوم فتصنع لألاءها بالدموع

وأعلم أنك تهوى العطور

فتنشر فى الأرض عطر العفونة !

وأعلم أنك تهوى الحرير

فتطعم - فى الوحل - دود الخيانة

بخضرة أيامنا الزاهرات وتسقيه رونق ماء الحياة

لينفث بعض خيوط الحرير تلف بهن رقاب العصاة !


وأعلم أنك راع ٍ عَطوف يرى البؤس يلفح وجه القطيع

فينقض كالناحر العبقرى .. كأياس .. فوق رؤوس الجميع !

على أننى

سألتك - لا ضاحكاً هازلاً - فقد جمد الضحك فوق الشفاه

وما أنا بالسائل المستخف

وإنى لأوجس إن لم أخف

وأنت بيمناك سر الحياة

ألا تملك الذرة المفنية ! ؟

ولكن أنا

أنا وابنتى

وفتاتى التى أجن بشوقى إليها هنا

- أى زوجتى -

وهذا الصديق ، وذاك الرفيق ، وكل الرفاق بناة الغد

أنملك نحن سوى التضحية ؟

ألا ننحنى لك يا سيدى

وأنت إله الزمان الجديد

وكالله أنت إله وحيد ؟!

معاذك !! بل أنت فوق الشبيه ، وليس كمثلك شئ يكون

وفى الأشهر القلة الماضيات أبدتَ الذى لم يــُبَد فى سنين !

ولكننى

سألتك يا سيدى .... يا إله ،

ويا من بيمناه سر الحياة :

أتقرأ هذا الخطاب القصير إذا ما تناولت عند الصباح

شراب الدم الساخن المستباح

بكأس تدسمه (( كوريا )) بذوب لحوم ضحايا الكفاح

ويمضى النسيم على وجنتيك (( برومبا )) الأنين و (( جاز )) النواح

وهمس الجراح ؟!

.. ولكن لعل خطابى يريث لكيلا يروع الصباح الجميل

وأعلم أنك تهوى الصباح ندىّ الجراح رخيم العويل

ولست أقدم (( طى الخطاب )) دماء ابنتى

ولا زوجتى !

وذلك عن قلة فى الحياء

وبخل - يغالبنى - بالدماء ،

وذوق من الريف جافٍ غليظ كما يغلظ العيش فى قريتى

وما حيلتى !!

فإن لم أقم بحقوق الوفاء لحامى حضارتنا الراهنة

فهب لى خطيئتى الشائنة

وبعد ..

أتقرأ هذا الكلام

إذا ما تداعيت فوق الطعام

فتجرع بترول أرض (( النبىّ )) تــُسيغ به بعض ما تزدرد

وبعض الطعام عصىُّ نــَكِد

و (( مصر )) وجاراتها لم تعد من اللقم الحلوة السهلة

و (( فيتنام )) فى الحلق كالشوكة

و (( غرب أوربا )) مرير المذاق شديد السخونة لا يبترد

و (( إيران )) تحرق حلق الإله .. فلابد لابد من جرعة

ومن أين .. هل من سوى مكة !

متى سوف تقرأ هذا الكلام سألتك يا سيدى .. بالجنون

وبالمرسلين ..

بفاروق .. .. بالنقطة الرابعة

بعبد العزيز (1) ، بعبد الإله (2) .. بكل العبيد من العابدين

وبالتابعين ،

وبالتابعات ،

وبالمرسلات ، وبالعاصفات

وبالناطحات ، وبالشاطحات

وبالنازعات ، وبالناشطات ، وبالغارقات

وبالسابحات من الفاتنات وبالغائصات من الفاتكات

وبالسابحين من الفاتنين

متى ستطالع هذا الخطاب ؟

أبعد الطعام وبعد الشراب ؟

وأنت تدخن يا سيدى ؟

وأنت تدخن فى مقعد ؟

وأنت تدخن أعصابنا ،

وتحشو (( بايبك )) أحلامنا ،

وتلقى الدخان على فجرنا ،

وتسمع رنات أصفادنا ،

وجلجلة القيد فى أرضنا ،

وترجيع أنات أطفالنا ،

وفتك الغلاء بأقواتنا ،

وهمهمة الحزن فى دورنا ،

ودمدمة السخط فى قبرنا ،

وندب عجائزنا الثاكلات وعصف السعير بأيتامنا ،

وزوجاتنا فى مهاوى الطريق يلفقن فى العيش من بعدنا ،

أرامل يخفقن تحت السواد !

ويضربن فى عثرات الحداد !

يعشن على حسرة لا تزول .. على أمل عاش فى أمسنا !!

ويبصرن كل أمانى الشباب تناثرن من فوق أشلائنا

ذبول الشعاع

وهمس الضياع !


* * * * *


ولكننى قد أطلت الحديث ولم تدر يا سيدى من أنا

إذن سأقدم نفسى إليك .. فهل أتمنى عليك المنى ؟

نشدتك - بالرعب - يا سيدى

نشدتك بالرعب ألا تغضبن لأنى لم ألق فى السجن بعد

بمجدك ما قصّر التابعون

فهم مخلصون

وهم لا ينون ولا يهدأون

ولكنها .. أزمة فى المساكن !

فقد ملأوا السجن يا سيدى فما فيه من حفرة خالية

على أن ثمّ مكانا يعد ..

إذن فاطمئن .

وإن كنت يا سيدى لم أمت وما زلت أدفع أياميه

فما ذاك - والموت - إلا لأن حبال مشانقنا بالية

لكثرة ما شنقت من حقوق وتشنق من رغبات الوطن

على أنهم يفتلون الحبال !

وأقسم أنهم فى غد سيرموننى بجميع التهم :

- عميل الكومنفرم

- يدبر بالعنف قلب النظام

- وداعية من دعاة السلام

- وداهية من مثيرى الشقاق

وكم عندهم من دليل يساق !

فبالأمس قلت مع القائلين : (( نريد الجلاء ))

فقالوا : (( الجلاء ))  

لأنتم عصاة ورب السماء !

ومن سوف يحمى النظام العزيز ، ومن ذا سيحرس ماء القناة

إذا هجم (( البلشفيك )) الطغاة ؟! ))

فقلنا لهم (( بعض هذا الكلام فقد سئم الناس هذا الكلام !

تدارون كل خياناتكم بدعوى النظام ، وقلب النظام !

ودعوى الهجوم

وشتى الدعاوى التى لا تقوم ولا تستقيم

دعونا وهذا الكلام الممل

فهل قام هذا النظام العزيز على أن نجوع وأن نستغل ،

وأن نستذل ؟! ))

فقالوا : (( متى لا يطيش الشباب ! ))

فقلنا لهم : (( إننا لا نريد سوى أن نمارس معنى الحياة !

ونعمل كى يتساوى الجميع . أمن أجل هذا نسمى عصاة ))

فقالوا : (( المساواة ما تطلبون ؟ ))

فقلنا : (( أجل .. بكلاب القصور ))

فقالوا : (( إذن أنتمو ملحدون ! ))

فقلنا : (( وكيف ؟ هل قدست كلاب القصور كأهل القصور !

أماناً . أماناً كلاب القصور ... فقطمير .. أقدسكم يا كلاب

لقد مات كلباً كما عاش كلباً ... ولم يغد يوماً ولىّ الإله ! 

(( على أننا ما أهــّـناكم ))

فقالوا : (( كفى ! .. قد عرفناكم !

أليس الكـُــمَـنــْـتِرن يعطيكمو

أوامره باصطناع الفتن ؟

فقلنا : (( الكومنترن ! ))

قالوا : (( نعم ))

فقلنا : (( ولكنه لم يعد .. فقد حل منذ .. )) فقالوا (( وإن ! .. ))

ودارت رؤوسهمو من ذكاء

- وبعض الذكاء يثير الرثاء -

وقالوا : فهذا دليل إذن !

لئن لم تكن صلة بينكم فكيف عرفتم إذا كان حل ؟

لأنتم تريدون قلب النظام فمأواكم فى ظلام السجون ،

وإن يكن العدل أن تعدموا )) . فقلنا لهم : (( إننا معدمون !

ولن نخسر اليوم غير القيود .. ! ولكن بأى قضاء نساق ! ))

قالوا : (( قضاء النظام الرشيد !

ألستم تسمون تلك الحثالات من سفلة الناس بالكادحين

وهل بعد هذا دليل يساق ؟ ))

فقلنا .. (( ولكنهم كادحون ))

ونحن نسميهم الكادحين لأنهم وحدهم يكدحون

(( ونحن نسميكم الحاكمين لأنكم وحدكم تحكمون ))

فقالوا : أما نحن بالغاصبين ..

أو المترفين ؟ ))

فقلنا : (( بلى ! إنكم مترفون .. إنكم القلة الغاصبون

أليست حقائق أيامكم من الترف الفاجر المستبد

ألا تغصبون طعام الجياع وتحيا خيولكم فى رغد ! ))

* * * * *

على أن هذا حديث قديم

ولكننى يا إلهى .. الرحيم

خشيت وثوبك بالتابعين

وأتباعهم تابعى التابعين

وهم مخلصون

وهم طيبون

وهم لا ينون

ولا يهدأون

فلا تغضب

ولا تعتب

فكم لك فى أرضنا من نبى

كثيرون فى زمن واحد .. وهاتيك معجزة لم تكن

نبيون همتهم لا تحد .. على أنهم يقبضون الثمن !

ولكنهم أذكياء القلوب رقيقو الشعور رهيفو العيون

وقد ملأوا كل أيامنا حديثاً بآياتك البينات

فأنت إذا شئت تــُجرى الرياح ، وإن شئت تقتلع الراسيات

حكمت على الصين ألا تكون - فصارت هباء كأن لم تكن !!

وأنت أبدت (( بكوريا )) الحياة بقنبلة وزنها ألف طن !!

وصرت (( بيونان )) فالكانها

وأرجعت للشمس يابانها

ووليت (( مدريد )) ثيرانها

وخاتلت مصر وسودانها

وأنت أقمت (( بروما )) الأمور وأمسكت ميزانها فاطمأن

وفى ذوقك الرائع المنتقى مضيت تــُوشِّى لمصر الكفن

وأشهد كم رَوَّج الأنبياء هنا لاقتدارك فى كل فن

بأمرك تضطرب الحادثات وباسمك يمضى ركاب المحن !


* * * * *
 

على أننى قد أطلت الحديث ، ولم تدر يا سيدي من أنا

ولكن أنا .. أنا من أنا .. ؟!

.. وُلِدتُ لعشرين عام مضت على مطلع القرن يا سيدي

وقد فرغ العالم المستجير من الحرب .. ثم مضى آمنا :

يوزع أسواقه الباقيات

ويهزأ بالموت والتضحيات

وبالذكريات ..

وقامت شعوب تهز الظلام بمشرق أحلامها الهائلة

وتعلي على خربات الفساد بناء مدينتنا الفاضلة

فلما بدأت أعي ما يقال رأيتهم يملأون الطريق

تهز الفؤوس ركود الحقول وتعلي بما تحتويه العروق

وكانوا يقولون : (( يحيا الوطن ))

حفاة يهزون ريح الحياة ويستدفعون شراع الزمن

وساءلت أمي عما هناك (( وماذا دهى القرية الساكنة ))

فقالت : بُنـَيّ هم الإنجليز يثيرون أيامنا الآمنة

وقد أخذوا كل غلاتنا .. وقد نضب الماء في الساقية

ولم يبقى شيء على حاله سوى حسرة مُرة باقية ! ))

* * * * *

.. ولما كبرت لبست الحذاء ووليت وجهي إلى القاهرة

فأبصرت من تحت ثقل السلاح وجوههم الجهمة الحائرة

وكنت أراهم وهم يركلون فتى في طريقهم .. أو فتاة

وقد ينزعون حجاب امرأة

فتصرخ (( ويلي من الإنجليز )) .

وقد يعبثون بشيخ عجوز

فيملأني الرعب مما أراه ـ ويرهق سمعي ـ ما لم أره

* * * * *

وعدت مع الصيف للقرية

لألقى رفاق الصبا كلهم

وتسأل أمى : (( ماذا رأيت هنالك فى طرق القاهرة ؟ ))

فقلت لها (( قد رأيت الجنود من الإنجليز ))

فقالت : (( نعم !! ))

فقلت : (( وكيف ؟! )) فقالت : (( كذا ! )) وفى عينها دمعة تضطرم

ولا تنسجم

وفى صدرها زفرة حائرة

وفى وجهها حسرة ثائرة !

وقال الرفاق : ألا قل لنا بربك ما هذه القاهرة ))

وكيف تسير عليها الحياة ويمشى الصباح بها والمساء

وكيف إذا غربت شمسها تــُضاء المصابيح أم لا تضاء ؟ ))

وكيف الشوارع ؟! هل من زجاج ؟! وكيف يقوم عليها البناء ؟ ))

فقلت لهم : (( قد رأيت القصور ! ))

فقالوا : (( القصور ؟؟!! وما هذه ؟ .. فإنا لنجهلها يا ولد ))

فقلت (( اسمعوا يا عيال .. اسمعوا .. القصر دار بحجم ( البلد ) ! ))

فحكوا القفا وهمو يعجبون

ومدوا رقابهمو سائلين

وهم خائفون :

(( وهل يسكن القصر جنٌّ يطوف طواف العفاريت حول القبور

وهل كنت تمشى بجنب القصور ؟

ألم يركبوك ؟!

ألم يخنقوك !!؟ ))

فقلت لهم : (( إن أهل القصور أناس .. سوى أنهم .. ))

(( ـــــ مثلنا ؟ ))

وظلوا يضجون حولى : (( أناس ؟ .. أإنس همو ؟ أهمو مثلنا ؟! ))

فقلت لهم (( إن أهل القصور أناس .. سوى أنهم .. غيرنا ! ))


* * * * * 

يأتي الخريف بأشباحه ، وتمشي التعاسات فوق الحقول

فأمضي لأطلب علم الكتاب وعلم الكتاب لدينا هزيل

وندرس (( جغرافيا )) ذات عام ، ونعرف كل مناخ الدول

وألمح في (( أطلسي )) دولة ومن فوقها حُمرة تشتعل

ولم يك أستاذنا قد أشار إليها ، وقد فرغ المنهج

فخيل لى أنه قد نسى

وقلت له : (( قل لنا ما المناخ ، وكيف التضاريس فى روسيا ))

فقال وقد جحظت عينه من الرعب : (( ما تلك يا أهوج ))

وخيل لى أننى قد غلطت فقلت (( أليس اسمها روسيا ؟ ))

فزمجر وهو يقول (( اخرس ! ))

فلم أنبس ..

.. ولكنه بعد حين أتانى ، وقد أوشكت عينه تخرج

وقال وفى صوته رهبة : (( أجبنى .. كيف عرفت اسمها ؟ ))

فقلت له : (( هى فى أطلسى ))

وثم أشرت إلى رسمها

فقال : (( لقد فرغ المنهج

ففيم تساؤلك المحرج ؟

لئن شئت فاشطب على رسمها

فإنى لأجهل أى الرياح تهب عليها ))

(( ـــــ على روسيا ؟ ))

ــــ أجل ! .. لا تعد بعد ذكر اسمها ))

فقلت : (( وهل روسيا هذه .. ))

فقال : (( تشش .. .. إنها البلشفيك ! .

(( ــــــ   وأى الرياح هى البلشفيك ؟

وهل هى عكسية أم هى .. ))

فقال : (( اجلس ! ))

وضج الصغار : (( وما روسيا .. وما روسيا ))

فدمدم يلعن آباءنا وأجدادنا والجدود الكبار

إلى أن تناهى إلى آدم فأدركه طائف من وقار

وعاد يقول (( اسمعوا يا كلاب . فهم بلشفيك ! هم البلشفيك ! ))

وثم تلفت من حوله .. وفى جسمه خبل من حذر !

فقلت له : (( من هم البلشفيك ؟

وهل هم قبائل مثل الشلوك ؟ ))

فقال : (( انتظر !

فأنت غلام غرير العمر

وبعد قليل ستبلو الحياة ، وتعرف من أين يأتى الخطر ))


* * * * *

وفى الحق أنى لم أنتظر

فما كنت أفهم هذا الخطر

ولما رجعت إلى قريتى سألت أبى (( من هم البلشفيك ؟ ))

فصفق من عجب قائلاً (( لقد جنَّ والله هذا الغلام

فمن أين يعرف هذا الكلام ! ))

وعاد يحدِّث سُمَّاره .. ولم تك بى رغبة فى السمر !


* * * * *

ولكننى قد أطلت الحديث وكنت وعدتك أن أختصر

وقد كنت أحسب أن لن أطيل .. سوى أنها صرخة تنفجر

فإن كنت يا سيدى قد أثمت .. فلى أمل فيك أن تغتفر

وإنى لأركع مستغفراً مثولى فى هيئة مزرية :

بجلد يصيح عليه السواد وتلفحه شمس إفريقية !!

وما حيلتى .. ليس فيما لدىّ من العالم شئ لصبغ الجلود

فأظهر لنا آية يا إلهى تبيد السواد .. وكم ذا تبيد !


* * * * *

ولكننى رغم طول الحديث ووعثائه لم أقل من أكون

ولستُ بشئ جليل الخطر !

فدعنى أقل لك إنى أب .. أب ليس غير

وأنت أب .. وكلانا حنون

سوى أن بى رقة للبنين

ولى طفلة كائتلاق الصباح

كحلم الربيع ، كهمس القبل

كنورة فى اخضرار الحقول ينغنغ فى شفتيها الأمل

كعصفورة فى المروج الفساح

كفجر الكفاح

يلوح على ظلمات الشقاء ويحمل كل ازدهار الغد

تحاول جاهدة أن تسير وكانت لعهدى لم تقعد

فحيناً تلوذ إلى حائط .. فإن لم تجد فإلى مقعد

فإن لم تجد وقفت لحظة لتضرب ما حولها باليد

ويا ربما رنحتها الخطا .. ويا طالما .. وقعت .. ضاحكة

لتنهض عازمة من جديد ..

كذلك تمضى بنا المعركة

تدربها عثرات الطريق وتدفعها خبرة التجربة

ومن حولها معشر ينظرون وفى عينهم لهفة طيبة

وفى ضحكاتهم غربة . لكثرة ما ألِفوا من دموع

كذلك ترنو إلينا الجموع

بكوا راحلاً كان ملء الحياة ندىّ الشباب حَلِىّ الربيع

تجنحه سبحات المنى ، ويمسكه الأفق المغلق

كبعض حقائق أيامنا يطاردها السأم الخانق

وما زلت أبكيه مستخفياً أبدى لهم أننى أصطبر

وهذا قضاء من الكبرياء ، ومعركة لم تزل تستعر

على أن (( عزة )) يا سيدى هى البسمة الحلوة الباقية

تلوح على وجهها للجميع عذوبة أيامنا الآتية

ويناسب كل صفاء الحياة على وجهها كالشعاع الأمين

فما عرفت ما اضطرام الشقاء وما أدركت ما ظلام السجون

فديتكِ عربيدة ً لا تبين

تدافع ألفاظها المبهماتِ بقهقهة طفلة لاهية

وتمسك أيامى الشاردات . وكم ذا شردت بأياميه


* * * * * 

فإن كنتُ يا سيدي قد أطلتُ . وقد سقتُ هذا الحديث الحزين

فإني حزين

حزين شقي لبعد ابنتي ..

حزين أخاف عليها المصير وأنت أب . تعرف الوالدين

ولست أريد لها أن تموت . فرفقاً وأنت تخط المصير

أترمي حماماتنا بالنسور ؟!

معاذ الأبوة يا سيدي .. فأنت أب . وكلانا حنون

ألست تصون حياة ابنتك

فهل تصنع الموت للأخريات

وإني لأدعوك باسم الأبوة .. باسم الحياة .. وباسم الصغار

لتعقد حلفاً يصون السلام ويرعى المودة بين الكبار

فأنت أب قد صنعت الحياة ولن تصنع الموت بعد الحياة

لماذا أذن يا إلهى الرحيم يذيعون حولك هذا الجنون ! ؟

ولكن لمن كل هذا العديد ؟

وتلك الحشود؟

ولكن لمن كل هذا الهزيم ؟

لمن هذه النافثات السموم ؟

لمن هذه الناشرات الجحيم ؟

لمن تسرق اليوم أقواتنا لتصنع ما شئت من فاتكات ؟

لمن تحشد اليوم في السابحات ، وفي الغائصات , وفي الطائرات

وفي الناشطات

لمن هذه الذاريات الحطام ؟ .. لمن ؟ .. ولمن هذه النازعات ؟؟!!

لمن كل هذا ؟! لغزو السماء ؟ .. لتصنع معجزة ؟!

بل لنا

لتحطيمنا

لتجويعنا

لتخريبنا

لتقوى سلاسل أصفادنا

ليرتفع السور من سجننا

لنشر السواد على أرضنا

لتمزيق أجساد أطفالنا

لتمزيق أجساد أطفالنا !!؟؟

ولكن .. كفى ! لن تنال ابنتي

وأقسم أن لن تنال ابنتي !

أتطفىء نظرتها الباسمة ؟

أتقطع أطرافها الناعمة ؟

أتجري دماء ابنتي في غد كنافورة ثرة تنسكب ؟

أتنثر أشلاءها اليانعات عليّ حيث تضحك بين اللعب ؟!

أتمزج لحم ابنتي بالتراب !!

كفى أيّهذا الإله الذي يلطخ بالوحل طهر السحاب !!

أتنهش هذا الكيان النضر !

كفى أيها الهمجي الرهيب ..!! كفى أيّهذا الإله القذر !

إله يبول على التضحيات ويبصق فوق قبور البشر

يضمخ لحيته بالدماء وترقصه أنـّــة المحتضر

ويسخر من ذكريات النضال ويهزأ بالأمل المزدهر

كفى أيها الهمجي الرهيب ... !

ويا لفحة من بقايا ذنوب

ويا خفقة من هوى الغروب

فليست دماء ابنتي كالنبيذ .. وليس نبيذاً دماء الشعوب

* * * * *

ستحيا ابنتي في ظلال السلام .. وتنعم باللعب الوافرة

تمارس كل حقوق الحياة حقوق طفولتها الزاهرة

ستحيا انطلاقاتها كلها وأحلامها الحلوة الشاعرة

وأقسم أن لن تصير ابنتي غداً طفلة لشهيد قضى

أتسمعني أيها الهمجي !! ستحيا ابنتي في ظلالي أنا

كأسعد ما نتعاطى الحياة

أتسمعني أيّهذا الإله

ستحيا ابنتي في ظلال السلام

وتصبح أنت مع التابعين هواجس من ذكريات الظلام

فإن تملك الذرة المفنية

فإنا لنمتلك التضحية

ونمتلك الذرة البانية

ونملك طاقاتنا كلها ونملك أيامنا الباقية

وتاريخ أجيالنا الآتية  (3)


الهوامش :
(1) ملك السعودية إذ ذاك .
(2) الوصى على عرش العراق إذ ذاك .
(3) نشرت فى كتاب مستقل سنة 1953 بالقاهرة ، ثم بيروت تحت عنوان خطاب مفتوح من أب مصرى إلى الرئيس ترومان . وقد كتبت فى باريس سنة 1951 .


********************

فلتعيشى يا جميلة

هذه الراية .. هل ما زالت الألوان فيها تحمل الرمز القديم ؟
هذه الراية كانت ذات يوم رمز ثالوث مقدس :
الإخاء
المساواة
وماذا ؟
كانت الحرية الحمراء أيضا من معانى ذلك الرمز العظيم
يوم كانت هذه الراية رمز الثائرين
يوم كانت شعلة تلهب وجدان الحياة
يوم كانت راية للكبرياء
فلماذا هذه الراية قد باتت ذليلة
ولماذا تخفق اليوم على سجن جميلة
ولماذا هذه الراية ملأى بالرقع ؟
ولماذا حملت ألوانها معنى الفزع ؟
ولماذا لم تعد تقوى على أن ترتفع ؟
نكستها كف سفاح رهيب
عاد من جوف العصور الهمجية
وعلى مشفره اللاهث أشلاء ضحية
وبعينيه جنون
وبصدغيه ندوب
وبقرنيه لهيب
عاد من وادى المسوخ الشائهات المرعبة
من كهوف الخزى من قاع الليالى الشاحبة
عاد بالمأساة كى يرهق بالمأساة أعصاب الوجود .. ..
الذى ضيع (( فالمى )) فجأة فى بورسعيد
هو ذا اليوم يعود
من بعيد !

* * *

الذى ضيع فى فيشى تراث الباستيل
الذليل
عاد كى يبطش فى الوادى الجليل !
الذى أقعى أمام الهتلرية
ملك البوم .. طريد النور .. مسخ القيصرية
فارس العار الهزيل
عاد يستأسد فى أرض الجزائر ..
عاد بالفوضى وسلطان الظلام
ينشر الرعب على أرض السلام !

* * *

الذى لطخ أمجاد البطولات يعود
الذى أهدر (( فولتير )) يعود
الذى أحرق (( جان دارك )) يعود
عاد كى يحشد طاقات فرنسا كلها ،
وانتصارات الذين استشهدوا عبر السنين ،
وانتفاضات (( الكومون )) ،
وضحايا (( سانت بارتلمى )) ، وآلاف الجنود
كالعبيد
والبنود ..
كلها .. من أجل إعدام جميلة !!
لا !  ... وإن كانت له قوة تنين الخرافات المخيفة
ذلك السفاح لن يجرؤ .. لن يقوى على قتل جميلة
كل ما يقوى عليه ذلك النخاس من عصر الرقيق
هو أن يجعل من مجد فرنسا الثائرة
مخدعاً يغشاه أفاق نبا عنه الطريق
مخدعاً تملؤه فحشاً فرنسا فاجرة .. !
ذلك النخاس لا يقوى على غير الدعارة ..
ذلك السفاح لن يوقف تيار الحضارة
عاد فى عصر البطولات الجليلة
وانتصارات الفضيلة
عاد فى عصر انتصار الفكر .. مفتول الشوارب !!
فليعد من حيثما جاء .. إلى وحل الخرائب

* * *

واطمئنى يا جميلة
وثقى بالحب .. بالإنسان .. بالفجر الذى أنت بشيرة
كل إنسان على الأرض يعنيه ضميره
ومصيره
كيف تبقين سجينة .
وهو يمضى آمن الخطوة فى ظل السكينة ! ؟
قسماً إن غالك السفاح .. فالعصر زرىّ .. وصغير
وهزيل مستباح العرض مثلوم حقير !!
وإذن فليفقد العالم رشده
وإذن فالذئب قد عاد لكى يحكم وحده !!
لا .. وعينيك .. وفى عينيك أحلام نبيلة
لا .. وآلام البطولة
لا تخافى .. وأنا لا أحسب الخوف انهيارا ...
عندما يقترب الموت .. فهذا الخوف شئ بشرىّ !
وهو غير الضعف .. يا من عشت رمزاً للبطولة !
واذكرى .. هل تذكرين الآن . أيام الطفولة
ربما قالت عجوز لك فى ليل شتاء
من لياليه الطويلة
قصة الغيلان والبنت الفقيرة
هل تذكرت الحكاية ؟
واسمها
- عندنا فى مصر - ست الحسن ، والشاطر حسن !
أتذكرت الحكاية !
ربما هزك إذ ذاك البكاء
لمصير البنت فى السجن ، وغيلان كثيرة
تشعل النيران فى السجن لكى تشويها وقت العشاء ! ..
ثم ماذا .. ؟!
ثم ضج الأفق النائى بخيل مسرعة ..
ظهرت قبل تمام الفاجعة ..
وعلى صهوة مهر لا يُجارَى ..
أقبل المغوار فى يمناه سيف لا يبارى
ضرب الغيلان بالسيف وطارا
أنقذ البنت وطارا ..

* * *

اذكرى فى سجنك الموحش والغيلان حولك
تشتهى لحمك فى النيران أو تفتل حبلك
اذكرى والغول بالسكين يخطو نحو سجنك
هذه القصة من عهد الطفولة ..
وغداً فى اللحظات المرعبة
يقبل الفرسان من كل مكان
بسيوف عربيات السنان
تصرع الغيلان .. بغتة
وتعودين على صهوة مهر لا يجارى
وتعيشين الحياة الطيبة
فى (( التبات والنبات ))
بالبنين والبنات ..
ليس هذا القول حلماً بالخلاص !
إنه الواقع تمليه الشعوب .

* * *

إننا لو لم نكن نملك غير الزفرات
لأطرنا كل جلادى جميلة
إننا لو لم نكن نملك غير الدمعات
لهووا غرقى جميعاً يا جميلة
غير أنا نملك اليوم اتحاد الشرفاء
والملايين تغنى يا جميلة
وخيوط الأمل الحلو جميعاً يتجمعن لإنقاذ جميلة
وجهود البسطاء ..
وإرادات جميع الشرفاء
كلها تعمل من أجل جميلة .
وهتاف العصر (( عيشى يا جميلة . ! ))
فلتعيشى يا جميلة !


القاهرة سنة 1958



************


رسالة إلى زوجتى

(( كان الشاعر فى وفد الأدباء العرب الذى سافر إلى
الاتحاد السوفيتى ورومانيا فى أواخر صيف سنة
1956 ، وعند عودتهم يوم 29 أكتوبر .. كان
العدوان الغاشم قد وقع فلم يستطيعوا العودة . إذ
انقطعت المواصلات مع مصر .. واضطروا إلى البقاء
فى لبنان حتى فتح الطريق .. ومن بيروت كتب
الشاعر هذه القصيدة ))


الليل يهبط من جديد ...
بالرعب والظلمات والفوضى وسلطان الذئاب .
والخراب ....
وتسيل من هذا الظلام
جميع أشباح الظلام
بكل أهوال الظلام
مسنونة الأنياب تزحف بالكريهة والسموم ...
كزواحف العصر القديم !
يا بورسعيد ...
هم يهبطون !
سيدمرون ... ويهتكون ... ويذبحون ... ويسفكون ! ..
لا تتركيهم يزحفون
واحمى الصغار من الظلام
واحمى الحضارة والسلام
يا بورسعيد
سطت الذئاب
مجدولة الأظفار يلهبها السعار إلى الدمار
هوجاء يضرمها الجنون
جاءت كما تأتى المسوخ من الجحيم
زحفت كما زحف الوباء ...
حمقى كأحداث القضاء ..
جوعى إلى لحم الصغار
يا بورسعيد ..
باسم الحضارة والسلام ،
باسم الصغار
بالكبرياء ، ...
لا تتركيهم يزحفون
فسيسلحون على القبور
ونعيش فى فزع الوعيد
يا بورسعيد ..
قد عاد قطاع الطريق ...
عادوا كألسنة الحريق
كالعار ، كالألم الزرىّ ، ليحرقوا أطفالنا ...
ليكبلوا خطواتنا ..
لا تتركيهم يرجعون
فسيحرقون .. ويحرقون ..
ويأخذون نساءنا
وتصير كل حرائر الوطن المفدى عاهرات
ويلوثون الذكريات
وسيطفئون ألاقة المستقبل الزاهى السعيد ..

* * *

بل لن يمروا من جديد
يا بورسعيد ..
وأنت جماع الصلابة والمقاومة المجيدة
تقفين شامخة كما وقف الإباء
كالكبرياء
لا تنحنين

* * *

أفديك دامية الجراح ولم تزل فوق الجراح ..
وقفت على بَدَد الظلام كأنها فلك الصباح
ترتد دونك كل غارات الذئاب العاتية
تحمين عالمنا المعذب فى جحيم الهاوية
ومن الجنون ..
تنصب فوقك كل أهوال الدمار .. وتضربين ..
تتمزقين .. وتضربين ..
تتعذبين .. وتضربين ..
وتثخنين .. وتضربين ..
وتضربين .. وتضربين ..
لا تنحنين ..
حتى لتضميد الجراح ! ..

* * *

أفديك حارسة القناة ...
بل أنت حامية الحضارة

* * *

سطت الذئاب على القناة
على القناة .. أتسمعين ...
يا ...
يا زوجتى ؟!
هل تذكرين
يا زوجتى وصديقتى وحبيبتى ..
ومثار أحلامى وكنز سعادتى
يا نور أيامى ومجمع نشوتى
يا حبى المرح الجموح
يا ربة الوجه الصبوح
يا كبريائى وانطلاقة قوتى
يا بسمة الأمل العزيز
زحف اللصوص على القناة
أعرفت نار الإنجليز ؟!
أرأيت أسراب الذئاب الجائعات إلى الصغار ؟
أشهدت قطاع الطريق ! ؟
أبلوت أهوال الحريق ! ؟
وأنت وحدك يا فتاتى ! ؟
عاد الوحوش إلى القناة
إلى القناة !! أتذكرين
أيام يجمعنا الغرام على القناة ببور فؤاد
ونشيد ملا ّح يسوق على القناة شراعنا
والماء يهمس تحتنا ..
الحب والليل المغرد والطلاقة والأمل ..
وأنا وأنت على القناة ..
وصدى أنين رن خلف الليل من عهد سحيق ..
أنات من حفروا القناة ..
أتذكرين ؟!
قد مات أجدادى هناك وقد حكيت لك الحكاية ...
وسمعتها حتى النهاية ..
ويداك فى كفى ، وحزن غامض يغشى الفؤاد
وتألق القلق المبرح فى عيونك ، والخجل
ورأيت وجهك فجأة فى هدأة الليل العميق
متألقاً بالضحكة الأولى ، وكل صباك يضحك
أتذكرين ! ؟
وصباك ملء يدىَّ
والنغم المجلجل فى فمى
وشذاك ينفذ فى دمى
ودمى يدمدم فى العروق ..
وهمستُ : (( يا حبى .. اطرحى هذا السواد ))
أتذكرين ؟ !
فاغرورقت عيناك بالدمعات ... ثم ....
أتذكرين ؟ !
الضحكة الأولى على وجه القناة ..
أتذكرين ؟ !
الهمسة الأولى على موج القناة ..
أتذكرين ؟ !
القبلة الأولى على شط القناة ..
أتذكرين ؟ !
ويلاه ..
قد سطت الذئاب على القناة !
أتسمعين ؟
هبطوا على مهد الغرام يلوثون الذكريات
وقبور أجدادى هناك .. هناك فى مجرى القناة

* * *

لا تتركيهم يزحفون !
هبطت خفافيش الظلام عليك يلهبها السعار
عطشى تحن إلى الدماء
جوعى إلى لحم الصغار
لا تتركيهم يهبطون ..
يا زوجتى وحبيبتى
يا كبريائى وانطلاقة قوتى
لا تتركيهم يزحفون
سيدنسون غرامنا
ويلوثون فراشنا
وسيذبحون صغارنا
فقفى بكل قوى الأمومة دونهم
وتقدمى
ودافعيهم بالسلاح
بجميع أنواع السلاح ..
وقاومى
بعظام آبائى إذا عز السلاح
وقفى بجسمك دونهم ، وتمردى
وبكل أعصاب الحياة تمردى
بقوى الأمومة كلها .. لا تسجدى
أبداً .. قفى يا زوجتى ..
يا كبريائى يا انطلاقة قوتى ..
لن يقهروك فقاومى ..
الموت أن تستسلمى ... !

* * *

فلتقذفى فى وجههم بجميع ما تجدينه حتى التراب ...
وقاومى
بتراب موتانا اقذفيه على العيون
كى لا يمروا
امضى لمعركة القناة ودافعى عن حبنا
وصغارنا ، ومصيرنا ..
فأنا هنا ..
قطع الطريق علىّ قطاع الطريق ..

* * *

امضى إلى أرض البسالة بورسعيد ..
امضى إلى أمل الحضارة بورسعيد ..
فببورسعيد ...
مستقبل الإنسان يكتب من جديد ...
امضى إلى النار البعيدة أطفئيها بالدماء
من قبل أن تمتد ألسنة الجحيم إلى صغارك ..
امضى لمعركة المصير ببورسعيد
كيلا يمروا ..

* * *

بل لن يمروا ...
لن يقرعوا بحذائهم أرض الوطن ..
ما دمت تحمين الحضارة والسلام وعصرنا
يا بورسعيد ..
ما دمت واقفة هنالك كالصلابة ، كالإباء !
أفديك حارسة على الشط المهدد لا تنام
وقفت تصون من المهانة والزراية والكلام ...
شرف الحياة ! ..

* * *

يا زوجتى سيرى إلى ركب الحياة كبورسعيد ..
وتعذبى بلظى المدينة واضربى ...
ثم اضربى ..
وخذى مكانى فى الصفوف . فإن قطاع الطريق .
قطعوا الطريق بنا هنا ...
فحاربيهم مرتين
باسمى وباسمك حاربى ..
واحمى تقاليد الفضيلة
واحمى البلاد من الخراب ..
واحمى الصغار من الذئاب ..
يا زوجتى ..
يا نور أيامى ومنبع عزتى ..

* * *

إنى لأبحث عنك حين يجننى الليل الحزين ..
ولقد سمعتك تصرخين
ماذا دهاك ..
أتراهم ذبحوا الصغار ؟
لا .. لا تخافى .. فى غد ستعود تنطلق الطيور ..
ولسوف ينطلق الصغار ، وتضحكين ...
ولسوف نحيا دائماً متعانقين ...
لا نفترق

* * *

ولقد أتيت إليك من موسكو بأشياء كثيرة ...
أنا لن أقول .. فخمنيها
بل إنها - وهواك - أشياء مثيرة
قد عدت من موسكو إليك بقطعتين من الحرير
من ذلك اللون الذى تهوينه .. لون الحقول
لون المراعى .. والعلم !
وقلادتين من العقيق ...
و (( بلوزة )) من بوخارست ...
وبكل أشواقى ،
وكل تضرمى وتوقدى
وعروس عزة ..
وبلعبتين لأحمد ، حتى يحطم لعبة وتظل لعبة ..
وحصان (( شرّوفا )) الصغير ..
هل يلعبون ...
أيعود أولادى الصغار يثرثرون ويلعبون
وأنا وأنت نطل فى صمت على ألعابهم
وتثير فوق شفاهنا البسمات بعض فعالهم
متسمعين كلامهم ..

* * *

بل لا لزوم لمثل هذا واسمعى ..
فستفرحين ...
قد جئت من موسكو إليك بحاجة أخرى بديعة
فخمنى ..
فى لونها شفتاك يا حبى .. وفيها رقتك
فحزرى ... !
لن تعرفى
قد عدت بالحب العظيم وبالجوى
ولهيب نيران الهوى
والغيظ من قطع الطريق
والحزن إذ أنى حرمت من اشتراكى فى المعارك
قد كنت أحلم أن يكون دمى فداء الآخرين
قد عشت أرجو أن أخوض المعركة
لا بالقلم
بل باليمين ..
قد عشت أحلم أن أسد بجثتى ذاك الطريق
كيلا يمروا ..

* * *

بل لن يمروا ..
يا حارقى جان دارك يا أبطال فيشى . لن تمروا
يا قاتلى عدنان (1) مهما تحرقوا وتخربوا
فلسوف ترتد السهام إلى النحور فصوبوا
لا .. لن تمروا ..
فالكل يحمى بورسعيد
الماء والأشجار والأطيار تفدى بورسعيد
الصين والسوفييت والأنصار والمتحضرون
يحمون فى تلك السهول الباسلة
قيم الحياة الفاضلة
والفجر يقبل من جديد
يا بورسعيد ..


بيروت سنة 1956

الهوامش :
(1)  الشهيد السورى عدنان المالكى .


************

مصرع لومومبا

العار على الأمم المتحدة
العار على كل الأحرار
العار .................... العار
الثار .................... الثار
العار على كل الشرفاء
كل الأحياء
قد قتل لومومبا فى وطنه (1)
العار على هذا العصر !!

* * *

لتــُنكس كل الرايات
فلتــُخنق كل البسمات
فليــُطلق حيوان الأدغال ليحكم
عالمنا المتمدين ..... المتمدين ؟!
العار على هذا العالم
قد قتل لومومبا فى وطنه
والعالم لم يثأر بعد
كيف إذن ؟

* * *

لم تفلح كل الدعوات
فى أن تنقذ إنساناً فذاً بطلاً مرموقاً
وأباً لصغار
من الأنياب المفترسة
كيف إذن .... ؟
الحكمة تخنقها الديدان
الروعة تسحقها الغيلان
وكل جليل ونبيل ورفيع فى القلب البشرى
تنهشه أظفار شرسة
تدهسه أظلاف نجسة
وراية قرصان أعجم
يتهنف من شدقيه الدم
دم الإنسان !!
رايات الأمم المتحدة
تلوح على أفق الغابات
وتغرس صاريها فى الصدر
صدر الإنسان
باسم العصر
تبارك مصرع لومومبا
وتهدد آمال الإنسان
وتمزق أوصال الإنسان .
باسم حقوق الإنسان
وتظل الراية فى الغابات
أعلى الرايات
رمزاً لحقوق الإنسان
باسم الأمم المتحدة
يا للعار ........
العار .......... العار
النار .......... النار
الثار .................... الثار

* * *

لومومبا يذبح بالسكين
المسكين !
لومومبا يقتل فى وطنه
حيث عواصف إفريقيا
تحرسه حتى فى سجنه

* * *

أيقتل لومومبا الطيب
حيث حبا طفلاً يلعب
وحيث دبيب خطى شعبه
يمنحه النبضة فى قلبه
وحيث اضطرمت فى صدره
أحلامٌ بخلاص بلاده
لومومبا يقتل فى بلده
حيث قلوب البسطاء
تحيط به
وتــُرَجيه
وحيث الهيبة تحميه
يا للعار !
من قتل لومومبا ؟ ؟  يا للعار !! .
وكيف قتل ؟ ؟ ...
دمه فى عنق همرشولد (2)
قد كبله ورمى به
لذئاب كاتنجا المسعورين
والسفاح الأبيض يأسف ..
فيما يأسف .... ؟
أيبلل قبر ضحيته
سيؤذى القبر بدمعته
لا تمزج دمعات الزيف بذوب قلوب تتفطر
أغرب ......... أغرب
أغرب يا سُبة هذا العصر
أكان على لومومبا الطيب ألا يثق بشئ ما
كى يحيا
حتى الأمم المتحدة !
العار على الأمم المتحدة
أكان عليه أن يرتشى وأن ينحنى لسارق شعبه
لكى يتمتع بالسلطان وبالشمانيا والأموال
ونساء بيض منحلات
كالمسخ تشومى وصحابه
العار ......... العار
أكان عليه أن يسكت
ويمنح للشركات الكبرى ما تطلبه من غلات
ويظل الكونغو يُستعبد
ويظل الأحرار هناك
قطعاناً تعمل للشركات
العار .... العار !
العار على الأمم المتحدة
والعار على كل الأحرار
إن لم نثأر للومومبا
إن لم نضرب ضربتنا
العار علينا إن لم نثأر

* * *

لن نصبر بعد ... فلن ينفعنا هذا الصبر
قد ضيعه هذا الصبر

* * *

يهوذا التعس يعود اليوم
ويسلم لوحوش الغابة
مسيح العصر شهيد الحب
شهيد محبة أعدائه
شهيد الثقة بما يدعى ميثاق الأمم المتحدة
شهيد الصفح الإفريقى
شهيد العصر الهمجى
شهيد همرشولد المنكود
الوحشى .....

* * *

ماذا يطلب همرشولد ......
التحقيق مع القتلة
أسمعنا أتعس من هذا
لكنك أنت هم القتلة
أنت أضعته ....
أنت خلعته .
اعتمد عليك فعذبته !
ولقد سلمته
لضوارى الغابة ثم تعود الآن لتأسف ... مِمَّ تأسف ؟
وبأى ضمير متعفن
عبثت بطيبة لومومبا
عبثت بآمال العالم
فى عدل الأمم المتحدة
العار على الأمم المتحدة أن أبقتك وأنت يهوذا

* * *

فلتـُسحَق أنت كما عُذِب ..
فلتسحق أنت كما عذب حتى الموت
أنت المسئول عن المأساة ...
لن نشهد أفظع من هذا

* * *

أنت مسيخ دجال
يسخر من كل الآمال
ويضحكه يُـتم الأطفال
أأنت نبى متبربر ......... ؟
أأنت جنون متوحش ؟
أأنت ضلال ! ! ؟
لست الأمم المتحدة ......
بل أنت يهوذا هذا العصر

* * *

لومومبا يذبح بالسكين
لومومبا يذبح فى وطنه
دمه فى عنق همرشولد
وسادته وبطانته

* * *

فلتسمع يا هذا القاتل
فلتسمع أنت وساداتك
فليسمع كل السفاحين .......
فليسمع كل من تقع عليهم تبعات دم البطل المستشهد
إفريقيا لم تعد الآن غنيمة نحاس ومورِّد
ليست مصنع تفريخ لعبيد وجوار ٍ شبقات
ليست مجلى زهرات عبقات صفر وحشيات
ليست حلماً لمغامر
أو منفى سفاح قذر
أو مخبأ كنز موعود
أو مغنى بيضا فاسدة تستمتع برجال سود
أو مزرعة للمطاط أو الكاكاو ، ولا منجم

* * *

إفريقيا الآن غدت يا سادة صيحة عملاق ثائر
عملاق ترمقه الأقزام !
وعاش طويلاً فى الكابوس .. وعاش كثيراً فى الأحلام
وها هو ذا يتمطى الآن ليفرض قانون الإنسان
وفى إفريقيا يا سادة
يعيش رجال ونساء
لهم آمال مثلكم ... ولهم معدات ، وخيال
وهم يشكون إذا جاعوا
وهم يأسون إذا ضاعوا
وهم يبكون إذا حزنوا
ولهم ضحكات إن فرحوا
وتسيل دماهم إن جُرحوا
حمراء بلون دمائكم !!
ودموعهم لا لون لها ... ساخنة مثل دموعكم
والعرق يسيل إذا كدحوا
عرق لا لون له أيضا
وقلوبهم تخفق أيضاً
تخفق مثل قلوبكم
فرجال يبنون حياة ونساء ينجبن الأطفال
كرجالكم ونسائكم
وصغارهم يهوون اللعب كما يهواه صغاركم
وشبابهم حلمهم الحب ... تماماً مثل شبابكم
ولهم نزوات وصبابات وأمانى مثلكم
وكلهم يتمنى الأمن ، كما يتمنى أيكم
لكنكم ..... يا ويلكم
أقمتم فى كل مكان من إفريقيا مذبحة
يا للعار ! !

* * *

وستبقى ذكرى لومومبا تنقل عنك للأجيال
لقلوب ملايين الأطفال
إنكم غيلان تخطر فى بشرات بيضاء
ستبقى ذكراكم شوهاء
وسيرعى أطفال العالم
أبناء لومومبا الأيتام
وستمسح عنهم دمع اليتم
وسيكبر أطفال لومومبا ... ويكبر أطفال العالم
وأنتم فى جوف النسيان
اللعنات هى الأكفان !
فليغرقكم نهر الدمع
فلتحترقوا فى الزفرات !
فليصعقكم لهب المحنة
فسيذكر تاريخ اللعنة
أنكم شرذمة جاءت من كهف الظلمات الداجى
لتشوه عصراً كان القلب يغنى فيه للمستقبل
ومضت تقتل لومومبا فى رجفة جبن وحشية ...
قتلته وخافت من قبره
فسيغدو القبر هو الكعبة
يحج إليها الأحرار
ومن دمه تنبثق النار
لتحرق أعداء البشرية
وتضئ طريق الحرية
أمامك يا إفريقية !


القاهرة سنة 1961


الهوامش :

(1) پاتريس لومومبا (1925-1961) كان أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ الكونغو أثناء الاحتلال البلجيكي لبلاده. قتله البلجيكيون في يناير 1961 بعد سنة واحدة من توليه الحكم لتأثيره على مصالحهم في الكونغو.
ولد باتريس لومومبا عام 1925 في ستانليفيل (كيسانغاني) بمقاطعة الكونغو الشرقية، وينتمي إلى قبيلة باتيليلا وهي جزء من قبيلة المونغو. وهو من أبناء النخبة الكونغولية التي حظيت بالتعليم في فترة الاستعمار البلجيكي المتحالف معه.
قاوم الاستعمار البلجيكي وأسس الحركة الوطنية عام 1958 وكانت أقوى الحركات السياسية في الكونغو. وحظي لومومبا بشعبية واسعة وقاد مظاهرات ومواجهات مع الاستعمار البلجيكي أدت إلى اعتقاله لمدة ستة أشهر، وأفرج عنه لإنجاح المفاوضات التي كانت تجري في بروكسل لبحث مستقبل الكونغو، ونقل من السجن إلى بروكسل بالطائرة، وتم الاتفاق على استقلال الكونغو وإنهاء ثمانين عاما من الاستعمار البلجيكي.
أجريت انتخابات نيابية في مايو/ أيار 1960 تنافس فيها أكثر من مائة حزب، وحققت الحركة الوطنية بقيادة لومومبا انتصارا نسبيا. وحاولت بلجيكا التي كانت تدير البلاد إخفاء النتائج وإسناد الحكم إلى حليفها جوزيف إليو، ولكن الضغط الشعبي أجبرها على تكليف لومومبا بتشكيل الحكومة. وشكلت أول حكومة كونغولية منتخبة في 23 يونيو/ حزيران 1960 وقام ملك بلجيكا بودوان بتسليم الحكم رسميا.
وحدثت أزمة سياسية أثناء حفل التسليم، فقد ألقى لومومبا خطابا أغضب البلجيكيين وسمي بخطاب "الدموع والدم والنار" تحدث فيه عن معاناة الكونغوليين وما تعرضوا له من ظلم واضطهاد. وكان الملك بودوان قد سبق لومومبا بحديث أغضب الكونغوليين واعتبروه مهينا ويفتقر إلى اللياقة.
ولم تنعم الكونغو بالاستقلال سوى أسبوعين، فقد دخلت في سلسلة من الأزمات لم تتوقف حتى اليوم. ووجدت حكومة لومومبا نفسها تواجه أزمات كبرى: تمرد عسكري في الجيش، وانفصال إقليم كتانغا أهم إقليم في الكونغو بدعم من بلجيكا، واضطرابات عمالية.
وقرر لومومبا دعوة قوات الأمم المتحدة للتدخل لمساعدته على توحيد الكونغو وتحقيق الاستقرار، ولكنها تدخلت ضده. وانفض عن لومومبا عدد من حلفائه الأساسيين بدعم أميركي وبلجيكي، وساءت علاقته مع رئيس الجمهورية كازافوبو. ورغم أن منصب رئيس الجمهورية شرفي والسلطة الفعلية بيد رئيس الوزراء، فإن كازافوبو أعلن إقالة الحكومة، ولكن مجلس الشيوخ صوت بأغلبية كبيرة ضد القرار.
ثم أعلنت مقاطعة كازائي انفصالها عن الكونغو ودخولها في اتحاد مع كتانغا. واستغل موبوتو سيسي سوكو رئيس هيئة الأركان هذه الفوضى فاستولى على السلطة عام 1961 في انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في أفريقيا في ذلك الوقت. وألقي القبض على لومومبا واثنين من أهم رفاقه هما: نائب رئيس مجلس الشيوخ جوزيف أوكيتو، ووزير الإعلام موريس موبولو، وأعدموا على يد فصيل من الجيش البلجيكي.
ووفقا لكتاب نشر في هولندا مؤخرا ألفه لودو ديفيت بعنوان "اغتيال لومومبا"، واعتمادا على وثائق بلجيكية سرية حصل عليها المؤلف، فإن لومومبا اعتقل عام 1961 في مطار إليزابثفيل لدى هبوطه من الطائرة على يد درك كتانغا بقيادة خصمه تشومبي المتحالف مع موبوتو ، وكان ستة جنود سويديين تابعين لقوات الأمم المتحدة حاضرين لحظة الاعتقال.
ونقل لومومبا ورفاقه إلى سجن بلجيكي في سيارة جيب يقودها ضابط بلجيكي، وأعدموا رميا بالرصاص بعد بضع ساعات على يد كتيبة إعدام يقودها ضابط بلجيكي، وتم التخلص نهائيا من الجثث بعد أربعة أيام بتقطيعها إلى قطع صغيرة وإذابتها في حمض الكبريتيك. ونفذ هذه المهمة ضابط شرطة بلجيكي اسمه جيرارد سويت، وكان الحمض في شاحنة مملوكة لشركة تعدين بلجيكية. وقد اعترف سويت بذلك في لقاء تلفزيوني أجري معه العام الماضي، وقال إنه احتفظ باثنين من أسنان لومومبا كـ"تذكار" لسنوات عدة، ثم تخلص منهما بإلقائهما في بحر الشمال.

(2) داغ همرشولد (1905 - 18 سبتمبر 1961)(Dag Hammarskjöld) هو اقتصادى سويدى والأمين العام للأمم المتحدة بين 1953 و1961. كانت الكونغو بعد مرور ستة أشهر على استقلالها غارقة في الفوضى والاضطرابات تتقاسمها ثلاثة سلطات: السلطة المركزية في ليوبولدفيل، وسلطة حكومية بزعامة جيزنغا المدعوم من باتريس لومومبا، وسلطة المناطق الشرقية المدعومة من الماركسيين والاتحاد السوفيتى إزاء هذا الوضع المتأزم في الكونغو وجد الرئيس كازافوبو نفسه مضطرا لأن يقبل أن تضع الأمم المتحدة يدها على الكونغو (قرار مجلس الأمن في 21 شباط 1961) و أن يشرف أمينها العام على إعادة تنظيم الجيش والمالية وإعادة الأمن والوحدة إلى الكونغو.
طار همرشولد إلى روديسيا(زامبيا حالياً) لمفاوضة تشومبى حول وقف إطلاق النار في الوقت الذي أعلن فيه الأخير رفضه لقرارات الأمم المتحدة وانفجرت طائرة همرشولد في الجو ولقى مصرعه 18 سبتمبر 1961 دون أن تسفر التحقيقات التي أجريت بعد ذلك عن تحديد الجهة المسؤولة عن هذا الحادث.




****

مسرحية تمثال الحرية

مقدمة كتاب (تمثال الحرية وقصائد منسية) للأستاذ الكبير عبد الرحمن الشرقاوى :
ضاع منى شعر كثير ، واختنق شعر أكثر .. أما الذى ضاع فقد صادرته الحملات التى عرفتها منذ عام 1942 ، والتى استمرت تنتزع منى كل كتاب فيه فكر ، وكل مخطوط كتبته من شعر أو رواية أو قصة قصيرة .. وفى بعض تلك الحملات صادروا ديوان المتنبى لأن غلافه كان أحمر اللون !
وأما الذى اختنق فى صدرى من شعرى ، فعفا الله عمن خنقوه فى صدرى .. وعذرهم عندى هو حسن النية ! وغاية ما يمكن أن يؤاخذوا به هو القتل الخطأ ... ولكن لعلهم أحسنوا !! من يدرى ؟!
وما بين دفتى هذا الكتاب هو كل ما بقى من شعر ، أدفعه إلى المطبعة ، ليكون هو و "رسالة من أب مصرى و قصائد أخرى" مجموعتين يضمان قصائدى ، عسى أن يجد فيهما القارئ تصويرا لحياتنا الاجتماعية والوجدانية عبر نحو أربعين عاما مضت .. وعسى أن يتعرف منها الدارس على الأحوال التى كابدها جيلنا خلال تجارب التعبير .. ثم وهو يخوض الغمرات !

****
مثل هذه المسرحية المسرح القومى العراقى فى بغداد ، ومثلتها بعض فرق المحافظات فى مصر سنة 1967 ، سنة 1968 .

تمثال الحرية
(مسرحية شعرية خيالية فى فصل واحد)

" تمثال الحرية فى نيويورك .. التمثال بهيئته المعروفة فى شكل امرأة بتاج ذهبى ترفع شعلة .. التمثال عليه بقعة من شعاع يتوهج فى ليل يملؤه هدير المحيط .. هنا وهناك رجال و نساء و أطفال فى ظلام كامل ، بملابس مختلف الشعوب .. عندما يتحدث أحدهم ينسكب عليه ضوء غريب كهذا الضوء الذى نشاهده فى الأحلام ".

التمثال : ( فى صوت خافت ) :
           أنا أم المنفيين جميعا .
           أرفع مصباحى بجوار الباب الذهبى
           برسالة ترحيب للعالم

( أم مصرية بملابسها القومية تتحسس قاعدة التمثال ... معها ابنها فى مطلع الشباب ... و الأم تمسح دموعها )

الابن :
          كفاك دموعا يا أمى .... يكفيك دموعا
          هو ذا تمثال الحرية
          وقد علمنى أستاذى ( وهو تعلم فى أمريكا فى مشروع
          الفولبرايت ) علمنى هذا الأستاذ
          أن أميركا أم العدل .. و أم الخير ... وهى ملاذ ...

الأم :  ( تقاطعه )
        أم الخير ؟ أم الخير اسم امرأة من جاراتى
        فقدت عائلتها فى سينا
        بسحابة نار من قنبلة أمريكية
        قنبلة نابالم ....

التمثال : ( ما زال يهمهم )
         أيا من يكن القادم
         أتلقاه بالترحيب

( صوت رجل أمريكى محطم من تحت التمثال ) أو التعذيب

الأم : ( ما زالت تتحسس القاعدة )
       بقاعدة التمثال كلام
       اقرأ يا ولدى اقرأ

الرجل الأمريكى المحطم من تحت التمثال :
       كلام عانينا غيره !

صوت امرأة أمريكية :
       لا تستهزئ

الأم : اقرأ يا ولدى و اعلم ... خذها حكمة .
       من يكتب لا يكذب أبدا .. للكلمة حرمة

الابن : ( يقرأ ويرتفع مع صوته صوت التمثال )
             ها هنا يرسو الشريد المضطهد

التمثال :
            ها هنا أرفع شعلة
             كى أنير الطرقات

كاهن بملابس بوذية :
            شعلة من قنبلة
             جعلت أرض بلادى خربات !

الابن : ( ما زال يقرأ )
         لهيبى ضوء محتبس
        
البوذى : ضوء نجس .. نجس .. نجس

امرأة آسيوية : ( صارخة فى كفنها )
          ضوءك إشعاع ذرى .

طفل يابانى : ( صارخا فى كفنه )
         أين المخبأ .. أين المخبأ

الأمريكى المحطم :
         فى هيروشيما لا مخبأ

رجل يابانى : ( صارخا فى كفنه )
        لا شئ يقينا ... لا ملجأ

الأمريكى المحطم :
       فى نجازاكى لا ملجأ

المرأة ذات الكفن للأم المصرية :
      اختبئى يا بلهاء اختبئى ... أخفى ولدك

الرجل ذو الكفن :
     لا ملجأ من إشعاع الموت
     حتى الأنسام
     مثقلة بزفير الموت

( تمثال الحرية يحنى رأسه فى خجل شديد .. يده ترتعد بالشعلة و تهبط قليلا ولكنه يحاول أن يتماسك )

التمثال :
          لهيبى ضوء المحبوسين
          و اسمى أم المنفيين
          الشعلة فى كفى كلمات
          ألقيها فى وجه الغيب
          لتضئ طريق الظلمات .

رجل زنجى :
         الشعلة فى كفك ذنب

امرأة زنجية : الشعلة ليست كلمات بل لعنات

عامل من أمريكا اللاتينية :
       الشعلة من وهج متحجر
       صيغت من عرق التعساء
       حيث الشمس تذيب الصخر
       و تصهر أحلام العمال
       فى أمريكا اللاتينية

الأم المصرية :
      يا ولدى ما هذا كله ؟
      لا أفهم هذا ! فلتقرأ .. اقرأ .. اقرأ

الابن : ( متلعثما )
      أستاذى يا أمى قال :
      - وهو يتعلم فى أمريكا فى مشروع الفولبرايت -
      إن أميركا نبع الحق ، و مهد الصدق ، مع الحرية

الأمريكى المحطم :
      بل علم أستاذك أنت : أن أمريكا نبع الموت
      و مهد الكذب
      و تعلم ألا تتعلم
      مما يلقيه عليكم
      مبعوثو الفولبرايت

الأم المصرية :
     اقرأ يا ولدى اقرأ

الابن : ( يقرأ و صوت التمثال )
     لست كعملاق الأسطورة
( يرتفع فيغمر صوته )
     عملاق أخرس من صلب
( والتمثال يحاول أن يكون ثابتا ) يمد ذراعيه للعالم كالتنين
     بل أقف هنا
     على بوابات المغرب
     امرأة أعظم من أية واحدة أخرى
     فى يدها شعلتها الكبرى
     اسمى أم المنفيين
     أنا أرفع مصباحى الرائع
     بجوار الباب الذهبى
     وأصرخ فى كل التعساء المظلومين
     فلتبق أراضيكم لكم

شيخ فلسطينى :
     هذا كذب .. هذا كذب
     تزييف فى وجه العصر
     يا سالبتى أرض جدودى
     و مبيحتها لعصابات الصهيونية

صوت التمثال : ( مستمرا )
     لهبى ضوء محتبس
     أعطونى فقراء الناس
     و جماهيركم التواقة للحرية

شاب فلسطينى : ( يصرخ ملتاثا )
      وطنى عكا .. وطنى عكا !!
      من ضيع منى وطنى عكا ؟!

أم فلسطينية :
     على شفتيك دماء صغارى

التمثال : ( تساقط قطرات دم على جسده و هو يتكلم )
     أعطونى فقراء الناس
     و جماهيركم التواقة للحرية

الشيخ الفلسطينى :
     ألتلتهميهم فى جوفك ؟!
     يا آكلة حقوق بلادى

صوت امرأة إيرانية :
    ضوءك باهت

امرأة هيروشيما :
    لهبك إشعاع ذرى

شاب مصرى :
    شعلتك النورانية ليست غير شعاع نيون
    فى أسواق النخاسين

رجل فلسطينى فى ملابسه القومية :
    وطنى عكا ... وطنى عكا
    من ضيع منى وطنى عكا ؟!

امرأة فلسطينية :
    و حدائق زيتون فى يافا الجميلة
    حيث الحياة تسير نابضة كأحلام الطفولة
    و أنا و زوجى هانئان نعيش أفراح الحياة
    و صغارنا يتفيئون ظلالنا
    و يسابقون الريح بين حقولنا
   
الرجل الفلسطينى :
    من نحو تسعة عشر عاما !! .... ويلتاه

المرأة الفلسطينية :
    من ذا الذى ملأ الحديقة بالرصاص ؟
    من ذا الذى ذبح الصغار ؟

الرجل الفلسطينى :
    سالت دماؤهم البريئة فوق خضرة أرضنا

المرأة الفلسطينية :
    يا ويلتاه .. متى القصاص ؟

الرجل الفلسطينى :
   أشلاؤنا اختلطت بحبات الكروم
   و إذا بنا
    من بعد دارتنا المنيعة و السكينة و النعيم
    و المجد و الجاه العريق
    أنضاء مهزولين .... يسلمنا الطريق إلى الطريق

تمثال الحرية ينحنى خجلا :
    أنا تمثال الحرية
    اسمى أم المنفيين
    أعطونى فقراء الناس
    و جماهيركم التواقة للحرية

رجل كورى :
     ألتلتهميهم فى جوفك ؟

التمثال :
     لهبى ضوء محتبس
     و اسمى أم المنفيين                       

شيخ فلسطينى :
    منفى من بيت المقدس
    و أنا جاوزت السبعين
    نفانى من وطنى المسكين
    عدوانك أنت على وطنى

لاجئة : عدوانك أنت على أرضى ... وعلى عرضى
         يرمينى فى التيه الملعون

لاجئ آخر :
       شريد من ناصرة يسوع

قسيس عربى :
      عدو يسوع
      يشرى فى الهيكل و يبيع
      أقاموا فى المهد القدسى استعراضات الجلادين

فتاة من القدس :
      حيث يقدم أطفال جدد للوحش المجنون
      و تساق عذارى أورشليم إلى التنين !

التمثال : ( يده تتراخى بالمشعل )
      لهيبى ضوء محتبس
      و الشعلة خالدة فى كفى

شاب مصرى :
     الشعلة ليست غير " نيون "
      فى أسواق النخاسين
      و دولة فتيات الترفيه

( تنتفض فتيات فى ثياب البحرية الأمريكية و السراويل القصيرة .. وفى أثواب الاستعراضات الأمريكية و يحطن بالتمثال و بالشاب المصرى ، و يدرن فى المكان فى حركات إيقاعية )

الفتيات :
         لم تشتمنا ؟ ما حيلتنا ؟!
         ما نحن سوى أدوات الصيد !
         اجذب بالجنس
         و قيد من تجذبه بالمصلحة الكبرى كيلا يفلت
         حتى الموت
         اجذب و اربط .. لكن أحكم ربط القيد
         الشقراء لرجل أسمر
         و السمراء تثير الأشقر
         و البيضاء لرجل أصفر
         الكهل له بنت العشرين
         و الشيخ له بنت أصغر
         و الطالب يهوى امرأة أكبر
         و العامل ...

المصرى : ( منتفضا مقاطعا )
         هذا عار للبشرية

الفتيات :
         لم تشتمنا ؟! ما حيلتنا ؟!
         نحن نعيش كدود الأرض
         أتحب فتاة بذل العرض ؟!
          لكنا نجذب بالجنس
          من أجل الأمن القومى
          و نشر النسق الأمريكى
          و مهما نأخذ لا نأخذ شيئا يعدل ما نعطى

( التمثال فى خجل شديد ترتعد الشعلة فى يده ، و تسترخى يده بها تماما ، و ينكس رأسه الشامخة )

التمثال :
         أهذا يحدث .. و أنا أم ؟ يا للعار !
         أهذا يحدث من خلفى ؟
         عار لا يغسله ماء .. حتى ماء الأطلنطى !

رجل آسيوى :
         هذا يحدث تحت ظلالك يا تمثال الحرية

التمثال :
        هذا عار للبشرية

رجل صناعة أمريكى :
       يا للسيقان العريانة !
       نحن نشق طريق النصر
       و نسير بنورك للعالم
( للتمثال )   
       ففيم تغضب يا تمثال ؟

رجل أمن أمريكى فى هيئة مريبة :
       أأنت شيوعى ؟ .. قل .. قل

رجل أمن أمريكى آخر للتمثال :
       الأمن القومى يحتم
        ألا تهذى بعد بشئ مما كنت تقول الآن !
        و إلا استجوبناك .. أتفهم

رجل الأمن الأول :
       و ما أدراك
       بزنزانات الاستجواب ؟!

التمثال :
       أنتم عارى .. ابعد عنى .. أنتم عار البشرية

رجل الأمن الأول :
       التمثال إذن يتآمر ضد الأمن الأمريكى

رجل الأمن الثانى :
       هو زنجى متآمر .. انظر لونه

الأول :
      و شيوعى

الثانى : ( للتمثال )
     ستحاكم بالجاسوسية

الأول :
    يا تمثال الحرية  ...
  من هم شركاؤك ضد الأمن الأمريكى ؟

الثانى :
    أمهلنى حتى أرجع فورا برجالى
    كى نحملك إلى زنزانة الاستجواب

( يخرجان )

الرجل الأمريكى المحطم :
    لا ... لا ... مهلا ... رفقا رفقا بالتمثال
    عد يا تمثال إلى صمتك .
    و خذ العبرة من غيرك !
    لن تحتمل عذاب التحقيق الباطش
    حتى لو كنت من الفولاذ
    خذ منى العبرة يا تمثال
    و أنا رجل أمريكى
    أنا أستاذ فى الجامعة ، و لى وعى بالمسئولية
    مسئولية أستاذ متحرر
    يعرف ما شرف الصدق
    كنت أدرب طلابى ليقولوا الحق ..
    و أعلمهم أن الصدق فى هذا العصر
    و أن مثقف هذا العصر عليه ضريبة ألا يسكت عن باطل
    و أن يتحدى بالكلمات و بالموقف
    ظلمات الشر
    و فصلت من الجامعة .. و همت على وجهى فى الطرقات
    و كدت أموت من الجوع
    و ظللت أقول كما علمت تلاميذى .. لم أتوقف
    ألقيت سعير الكلمات
    فى وجه ركام الظلمات
    أخذت أصوغ الوجدانات بما أكتب
    و طبعت كلامى فى صفحات
    و أدنت به العصر المذنب
    و شعرت بنفسى رغم الفاقة كالعملاق
    فى وجه صغار النهازين .. أجل عملاق
    أدين الصمت المذعن والمتآمر فى شتى الآفاق
    أنا رجل حر .. حر
    أطلقت كلامى فى جرأة
    و أدنت العصر !
     لكنى فجأة
     وقعت و ما أعرف كيف
     ألقوا بى فى سجن ما ... سجن ظاهره كالقصر
     و باطنه ظلمات الكهف ..
     و هناك عرفت من الأهوال الوحشية
     ما لم تعرفه قط أحط عصور الهمجية
     الإنسان هناك يعذب .. ثم يعذب ثم يعذب
     ثم يفيق ليتعذب
     و فى ذاك التيه المذنب
     الإنسان الرائع أنبل ما فى الكون
      يضرب بالأحذية ، و يشتم ، باسم الأمن
      أمن الدولة !
       يصنع هذا بالإنسان
       أمن الدولة يبصق فى وجه الإنسان
       يدمر روحه
       ولكى تفرض هيبتها سلطات الأمن
       الإنسان يعلق من قدميه كى يضرب
       و كأن الإنسان ذبيحة
       و يظل بهذا إنسانا !
       يضرب حتى يسقط فى تيه الإغماء
       ثم يقام ليستجوب
       و يستكتب
       ما ليس بحق .. كى ترضى سلطات الأمن
       فيحكم عالمنا هذا قانون الخوف !

( تمثال الحرية ينزل عن قاعدته يمشى منكسا رأسه )

التمثال :
      أأنا تمثال للحرية أم ناطور يحمى الزيف ؟!

زنجى أمريكى :
     هذا ما يحدث للأحرار من البيض
     أما للسود .. فوا أسفا !!              

التمثال يتجه إلى الظلام :
     حسبى هذا .. أعرف .... أعرف
     هو ذا عارى الأبدى

صوت راهب بوذى :
     لا تذهب فى جوف الليل
     اسمع منى يا تمثال

التمثال : ( وهو يذهب )
      أعرف .. أعرف

الزنجى الأمريكى :
     خلفك وكر السفاحين
     قاتل لنكولن وراءك

أصوات مختلطة :
    وراءك يستخفى القتلة

التمثال : ( يرمى المشعل )
    ها أنا ذا أرمى الشعلة

أصوات مختلطة :
     وراء مشاعلك الوهاجة عربد صناع الظلمة

الزنجى الأمريكى :
     ما أنت سوى رب مكذوب
     صنم ظاهره الرحمة
     و باطنه نار التعذيب

الأم المصرية تواجهه و تستوقفه :
     يا تمثال الحرية
     أمامك أم مصرية
     أم تحترم الكلمات
     و تصدق أن الجرح قصاص
     لا تعرف شيئا فى الدنيا إلا حب جميع الناس
     لا تعرف حتى فك الخط
     لا تعرف إلا رى الغيط
     و زرع الأمن و جنى الحب
     لكنك قد أرسلت إليها
     من روَّع منها أمن السرب
     زرعتَ البغى إذن فلتحصد من بغيك ثمرات السخط

المرأة الفلسطينية :
     يهدى الأضواء المنبعثة من مشعلك سُرَى الشيطان

الأم المصرية :
    زحف القرصان
    إلى أرض باركها الله و لم تعرف من قبل الشر

رجل آسيوى :
    إلى أرضى

امرأة :
   و إلى عرضى

أصوات مختلفة :
   وراءك يستخفى القتلة
   وعلى الأضواء المنبعثة من تلك الشعلة
   تسرى الأهوال

التمثال يجرى أيضا :
   لماذا جئتم كلكم .... ؟

الرجل الأمريكى المحطم :
   هذا أفظع مما يتخيله عقل بشرى

صوت رجل أفريقى :
   هذا هو ما يصنعه الاستعمار الأمريكى

شاب و فتاة أمريكية يقفزان :
   سأبنى عشك يا شارلوتى بالتقسيط
   غدا نتزوج يا شارلوت

رجل أمريكى شيخ لامرأة أمريكية :
   ليصبح عبدا للتقسيط !

المرأة الأمريكية :
   و يصبح عبدا بالتقسيط !
   فى يوم ما كنا مثله

الشاب الأمريكى :
   قسط يُدفع للثلاجة

البنت الأمريكية :
   قسط آخر للغسالة
   و قسط آخر للمكنسة

الشاب :
   و قسط لأثاث البيت

الأمريكى المحطم :
   حياة تذهب بالتقسيط !

المرأة الأمريكية :
   ثم يجئ ملاك الموت

الأمريكى المحطم :
   هو لا يعرف ما التقسيط !

البنت :
   إن أزعجنا شئ ما فلدى الحقنة

الشيخ الأمريكى :
   آه ٍ ... حقنة أفيون ٍ ..

الشاب الأمريكى :
   و الحقنة تصنع جنة

الأمريكى المحطم :
   و يفيق المسكينان معا .. و هنا المحنة

الأمريكى العجوز :
   ليعيشا فى تخدير الحقنة

الفتاة الإفريقية :
   أتراها تعرف شيئا ما
   عن فتيات فى فيتنام
    أو فى الكونغو أو فى القدس
    يحلمن بعش الزوجية ؟!

الفتاة الأمريكية :
    ما فيتنام أو الكونغو أو بيت المقدس ؟!
    هذا شئ لا يعنينا نحن ، دعيه للساسة
    دعينا نحلم يا زنجية
    فالأحلام لهن قداسة

الأمريكى المحطم :
    بالتخدير عن الواقع
    يصنع جنرالات المال سعادة هذا الجيل الرائع !

امرأة إفريقية :
    تلك سعادتهم حقا فى أمريكا

التمثال :
    أين المهرب ... ؟!
    أين عسانى أهرب منكم ؟!
    ابتعدوا عنى .. من أنتم ! ؟
    أنا لا أعرفكم .. لا أعرفكم

( يتقدم كل من الموجودين كأنه يحاصر التمثال )

وكل يلقى كلمته كاللعنة :
   - أنا ذا شيخ من فيتنام
   - أبناؤك عاثوا فى بلدى
   - قطعوا رأس ابنى و مشوا يزهون به فى طرقاتى
   - و أنا امرأة من كوريا
   - و أنا طفل من هيروشيما
   - و أنا امرأة من إيران
   - و أنا شيخ من يونان
   - و أنا كهل من إفريقيا
   - و أنا مُفتٍ فى الظهران
   - و أنا راع ٍ من آسيا 
   - و أنا أمريكى حر أدعى بالنمر المتمرد
   - و أنا أمريكى أسود
   - و أنا شيخ متعبد
     من غزة حيث يهد المعبد
     شمشون ما فى كل مساء
     على نفسه ،
     وعلى الأعداء
     من يأسه !

الأصوات تختلط :
   - سحقتم أمنى و صفائى
     حطمتم قيمى و إبائى
     سممتم بالإشعاع القاتل خضرة أرضى ، و سمائى

التمثال وهو يختفى :
    من كل العالم يزحف موج بشرى
    أعنف من موج الأطلنطى
    كل يشكو مما يصنعه أبنائى
    فكيف أواجه هذا العار
    سأذهب فى جوف الظلمات إلى أن ينهض أبنائى
    من ينقذنى
    أما من حر فى أمريكا ينقذ سمعة أمريكا ؟!

( يختفى تماما و تبقى قاعدة التمثال خالية )

الأصوات تختلط :
    - يا تمثال الحرية ... أين ذهبت ؟
    - أخفاك العار ؟
    - انطفأت شعلتك الذهبية ؟
    - قف ... واجه عارك يا تمثال الحرية

( يخرجون جميعا و يدخل رجال الأمن ، و معهم رجال شرطة ، و جيش )

رجل أمن أمريكى :
    أين مضى ذاك الملعون ؟! يا للتمثال !

ثان :
   كنا سوف نعلقه من قدميه كى يعترف

ثالث :
   بل عندى بعض أساليب
   مستحدثة فى التعذيب

رابع :
   أنترك قاعدة التمثال إذن عريانة ؟

الأول :
   لا ، فلنرفع شيئا أعظم من تمثال الحرية

ثان :
   شيئا ينفعنا نحن

ثالث :
   و يدل على هيبتنا نحن رجال الأمن

الرجل الأول : (ينادى من فى الخارج و يتمشى مختالا فى الساحة )     
   هاتوا بارجة الحرية

الثانى :
   هاتوا " تمثال ليبرتى "

الثالث :
  هى ذى الوجه الوضاء لأمريكا :
  ليبرتى .. بارجة الجاسوسية

الأول :
  ها هى ذى آخر صيحة
  لتماثيل الحرية !!!



سنة 1967   




****

 

يمكنكم تحميل أعماله من هنا :

مسرحية الحسين ثائرا والحسين شهيدا (ثأر الله)

مسرحية عرابى زعيم الفلاحين

http://www.4shared.com/document/J-DACc0F/____-___.html
 


مسرحية الفتى مهران

http://www.4shared.com/office/fB5d1Bx0/___-____.html
 

الشوارع الخلفية

http://www.4shared.com/office/e8iP5DHv/____.htm
 

أئمة الفقه التسعة

http://www.4shared.com/office/AwOr4nMz/____--___.htm
 

محمد رسول الحرية

http://www.4shared.com/office/seTrtjQn/__-___.htm
 


ملحق جريدة القاهرة عن الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى

http://www.4shared.com/rar/hfssMf0y/_________.htm


 

على إمام المتقين - الجزء الأول



على إمام المتقين - الجزء الثانى


أو من هنا

الجزء الأول



الجزء الثانى